Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ (١٢) كتاب الحج - (٥٨) باب: تحريم المدينة وصيدها وقال: المدينةُ خيرٌ لهم لو كانُوا يعلمونَ، يقال: ما بين لابتيها أجهل من فلان. أي: ما بين طرفيها. يعني: المدينة. وهذا الحديثُ نصٌّ في تحريم صَيْد المدينة، وقَطْع شجرها. وهو حُبَّةٌ للجمهور على أبي حنيفة وأصحابه في إباحة ذلك، وإنكارهم على من قال بتحريم المدينة بناء منهم على أصلهم في ردّهم أخبار الآحاد فيما تعمُّ به البلوى. وقد تكلَّمنا معهم في هذا الأصل في باب أحداث الوضوء. ولو سلم لهم ذلك جدلاً، فتحريم المدينة قد انتشر عند أهل المدينة والمحدِّثين، وناقلي الأخبار، حتى صار ذلك معلوماً عندهم، بحيث لا يشكُّون فيه، والذي قصَّر بأبي حنيفة وأصحابه في ذلك قلَّة اشتغالهم بالحديث، ونقل الأخبار، وإلا فما الفرقُ بين الأحاديث الشاهدة بتحريم مكة، وبين الشَّاهدة بتحريم المدينة في الشُّهرة، ولو بحثوا عنها؛ وأمعنوا فيه؛ حصل لهم منها مثل الحاصل لهم من أحاديث مكة. والجمهورُ: على أنَّ صيدَها لا جزاءَ فيه؛ لعدم النصِّ في ذلك، ولم يتحقَّقوا صيد المدينة جامعاً بين الصَّيْدين، فلم يُلحقوه به. وقد قال بوجوب الجزاء فيه ابنُ أبي ذئب، لا لا جزاء فيه وابنُ أبي ليلى، وابنُ نافع من أصحابنا. واختلف قول الشافعيِّ في ذلك. فأمَّا الشجر: فيحرم قطعه منها أيضاً. وهو محمولٌ على مثل ما حُمِل عليه شجر مكة. وهو ما لم يُعَالِجْ إنباتَه الآدميُّ. ويدلُّ على صحة ذلك: أن النبيَّ ◌َ ﴿ قَطَعِ نخلَ الحكمة من المسجد (١). وقد ذكر ابنُ نافع عن مالكِ أنه قال: إنما نهي عن قطع شجر المدينة النهي عن قطع شجر المدينة لئلا تتوخَّش، وليبقى فيها شجرُها؛ ليستأنسَ ويستظلَّ به مَن هاجر إليها. قلت: وعلى هذا: فلا يُقطع منها نخلٌ ولا غيره. وحينئذٍ تزولُ خصوصيةٌ ذكر العضاه، وهو شجرُ البادية، الذي ينبت لا بصنع آدمي. والأول أولى. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون))) يعني: للمرتحلين عنها إلى (١) رواه البخاري (٤٢٨)، ومسلم (٥٢٤). ٤٨٢ (١٢) كتاب الحج - (٥٨) باب: تحريم المدينة وصيدها لا يَدعُها أحدٌ رغبةً عنها إلا أبدلَ الله فيها مَنْ هو خيرٌ منه، ولا يَثْبُتُ أحدٌ على لأوائِها وجَهْدِها إلا كنتُ له شَفيعاً أو شهيداً يومَ القيامةِ)). غيرها. ويفسِّر هذا حديثُ سفيان بن زهير الآتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. و (قوله: ((لا يدعها أحدٌ رغبةً عنها إلا أبدل فيها من هو خيرٌ منه ... إلى آخر الحديث))). (رغبة عنها): أي كراهية لها. يقال: رغبت في الشيء: أحببته. ورغبت عنه: کرهته. وفي معنی هذا الحديث قولان: أحدهما : أن ذلك مخصوص بمدة حياته. والثاني: أنه دائم أبداً. ويشهد له قولُه في حديث آخر: ((يأتي على الناس زمانٌ يدعو الرجلُ ابنَ عمِّه وقريبه: هلمَّ إلى الرَّخاء. والمدينةُ خيرٌ لهم))(١). وذكر ما تقدَّم(٢). الحض على الثبات على لأواء المدينة و (قوله: ((لا يثبت أحدٌ على لأوائها وشدَّتها))) اللأواء - ممدود -: هو الجوع، وشدَّة الكسب فيها والمشقات. ويُحتمل أن يعودَ الضمير في (شدَّتها) على اللأواء؛ فإنها مؤنثة، وعلى المدينة، والأول أقرب. شفاعته رَالخ الخاصة لأهل المدينة و (قوله: ((إلا كنت له شفيعاً، أو شهيداً)) زعم قومٌ: أنَّ أو - هنا - شكٌّ من بعض الرواة، وليس بصحيح؛ فإنه قد رواه جماعةٌ من الصحابة. ومِن الرواة كذلك على لفظ واحدٍ، ولو كان شكاً لاستحال أن يتَّفق الكلُّ عليه. وإنما أو - هنا - للتقسیم، والتنويع، كما قال الشاعر: فَقَالُوا لَنا ثِنْتَانِ لا بُدَّمِنْهُما صُدُورُ رِماحٍ أُشْرِعَتْ أو سَلَاسِلُ ويكون المعنى: إن الصابر على شدة المدينة صنفان، من يشفع له النبيُّ وَل فرع (١) رواه مسلم (١٣٨١)، وأحمد (٤٣٩/٢). (٢)) في (هـ) و (ز): لو كانوا يعلمون بدل (وذكر ما تقدم). ٤٨٣ (١٢) كتاب الحج - (٥٨) باب: تحريم المدينة وصيدها وفي رواية: ((ولا يُريد أحدٌ أهلَ المدينةِ بسوءٍ إلا أذابَه الله في النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ أو ذَوْبَ المِلْحِ في المَاءِ». رواه أحمد (١٦٩/١)، ومسلم (١٣٦٣). [١٢٢١] وعنه: أنَّ سَعْداً ركبَ إلى قصرهِ بالعقيق، فوجَد عَبْداً يقطعُ شجَراً أو يخبطُه، فسلبَه، فلما رجعَ سعدٌ جاءَ أهلُ العبدِ فكلّمُوه أنْ يَرُدَّ على غُلامِهم أو عليهم ما أخذَ من غُلامِهم. فقال: مَعاذَ اللَّهِ أنْ أرُدَّ شيئاً نَفَّلِيْهِ رسولُ اللهِ، وَأَبَى أنْ یَرُدَّ عليهم. رواه أحمد (١٦٨/١)، ومسلم (١٣٦٤). من العصاة، ومن يشهد له بما نال فيها من الشدَّة ليوفَّى أجره. وشفاعته وَ لِّ وإن كانت عامَّةً للعُصاةِ من أمته، إلا أنَّ العصاةَ من أهل المدينة لهم زيادةُ خصوصٍ منها. وذلك - والله تعالى أعلم - بأن يشفعَ لهم قبل أن يعذَّبوا بخلاف غيرهم. أو يشفع في ترفيع درجاتهم، أو في السَّبق إلى الجنةِ، أو فيما شاء الله من ذلك. و (قوله: ((ولا يريد أحدٌ أهلَ المدينة بسوءٍ إلا أذابه الله في النَّار))) ظاهِرُ هلاك من أراد هذا: أنَّ الله يعاقبه بذلك في النار. ويحتمل أن يكون ذلك كنايةً عن إهلاكه في ا المدينة بسوء الدُّنيا، أو عن توهين أمره، وطمس كلمته، كما قد فعل اللَّهُ ذلك بمن غزاها، وقاتَلَ أهلها فيمن تقدَّم؛ كمسلم بن عقبة؛ إذ أهلكه الله منصرفه عنها، وكإهلاك يزيد بن معاوية إثر إغزائه أهل المدينة، إلى غير ذلك. و (العقيق): موضعٌ بينه وبين المدينة عشرة أميالٍ، وبه مات سعدٌ، وحُمِل إلى المدينة، فصلي عليه، ودُفِن فيها. و (السَّلَب) - بفتح اللام -: الشيء المسلوب، أي: المأخوذ، وبإسكانها: المصدر. و (نفلنيه): أعطانيه نافلةً. ٤٨٤ (١٢) كتاب الحج - (٥٨) باب: تحريم المدينة وصيدها [١٢٢٢] وعن سهل بن حُنَيْف، قال: أهوَى رسولُ اللهِ وَله بيدِه إلى المدينة فقال: ((إنَّها حَرَمٌ آمِنٌ)). رواه أحمد (٤٨٦/٣)، ومسلم (١٣٧٥). [١٢٢٣] وعن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ لأبي طلحةً: ((التمسْ لي غُلاماً مِن غِلْمانِكُم يخدمُني)) فخرجَ بي أبو طلحة يُرْدِفْنِي وراءَه، فكنتُ أَخْدُمُ رسولَ اللهِ وَ﴿ كلَّما نزلَ، قال: ثم أقبلَ حتى إذا بَدا له أُحُدٌ عقوبة من صاد وأصل النافلة: الزيادة. وإنما فعل سعدٌ هذا لأنَّ النبيَّ ◌َ﴿ أمر بذلك في حقِّ مَن في حرم المدينة صاد في حرم المدينة. کما رواه أبو داود من حديث سعدٍ أیضاً. وذکر نحو حدیث مسلم في الشجر، ثم قال: قال رسول الله وَلاء: ((من أخذ أحداً بصيدٍ في حرم المدينة فليسلبه))(١). وكأنَّ سعداً قاس قَطْعَ شجرها على صيدها؛ بجامع كونهما محرمين بحرمة الموضع. وهذا كلُّه مبالغةً في الرَّدع؛ والزَّجر؛ لا أنها حدودٌ ثابتةٌ في كلّ أحدٍ، وفي كلٌّ وقتٍ. وامتناعه من ردِّ السَّلب لأنه رأى: أنَّ ذلك أدخل في باب الإنكار والتشديد، ولتنتشر القضية في الناس، فيكفُّوا عن الصيد، وقَطْع الشجر. المدينة حرمٌ آمن و (قوله: ((إنها حرمٌ، آمنٌ))) يروى: آمن بمدة بعد الهمزة، وكسر الميم على النعت لـ (حرم) أي: من أن تغزوه قريشٌ؛ كما قال يوم الأحزاب: ((لن تغزوكم قريشٌ بعد اليوم))(٢)، أو من الدجَّال، أو الطاعون، أو آمنٌ صيدُها وشجرها. ويُروى بغير مدٍّ، وإسكان الميم. وهو مصدرٌ. أي: ذات أمنٍ. كما يقال: امرأة عَذْلٌ. (١) رواه أبو داود (٢٠٣٧). (٢) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٤٥٨/٣). ٤٨٥ (١٢) كتاب الحج - (٥٨) باب: تحريم المدينة وصيدها قال: ((هذا جبلٌ يُحبُّنا ونُحِبُّه))، فلما أشرفَ على المدينة قال: ((اللَّهُمَّ إنِّي أُحرِّمُ ما بينَ جَبَلَيْهَا، مثلَ ما حرَّمَ به إبراهيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بارك لهم في مُدِهِم وصاِهم)). رواه أحمد (١٥٩/٣)، والبخاري (٥٤٢٥)، ومسلم (١٣٦٥). وقوله لُأُحُدٍ: ((هذا جبلٌ يُحبُّنا ونحبه))) ذهب بعضُ الناس: إلى أنَّ هذا مكانة جبل أحد الحديثَ محمولٌ على حقيقته، وأنَّ الجبلَ خُلِقٍ فيه حياةٌ، ومحبَّةٌ حقيقيةٌ وقال: هو من معجزات رسول الله ﴿. وهذا لا يصدرُ عن مُحقّقٍ؛ إذ ليس في اللفظ ما يدلُّ على ما ذكروا. والأصلُ بقاءُ الأمور على مستمرّ عاداتها حتى يدلَّ قاطعٌ على انخراقها لنبيٍّ أو وليٍّ، على ما تقرر في علم الكلام. والذي يصحُّ أن يُحمل عليه الحديث: أن يُقال: إنَّ ذلك من باب المجاز المستعمل. فإما من باب الحذف؛ فكأنه قال: يحبُّنا أهله، كما قال: ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وهذا المعنى موجودٌ في كلام العرب وفي أشعارهم كثيراً، كقوله: أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيّارٍ لَيْلَىْ أُقْبُّلُ ذَا الجِدَارَ وذَا الْجِدارا وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارا وَمَا تِلْكَ الدِّيارُ شَغَفْنَ قَلْبِي وإمَّا من باب الاستعارة. أي: لو كان ممن يعقل لأحبَّنا. أو على جهة مطابقة اللفظ اللفظ. أو لأنه استُشهد به من أحبَّه النبيُّ وَلّر كحمزة وغيره من الشهداء الذين استشهدوا به يوم أحد - رضي الله عنهم -. و (قوله وَّ: اللهم إنِّي أُحرِّم ما بين جَبَلَيْها - وفي لفظِ آخر - مأزِمَيها))) بكسر الزاي وفتح الميم الثانية، بمعنى: جبليها على ما قاله ابنُ شعبان. [قال ٤٨٦ (١٢) كتاب الحج - (٥٨) باب: تحريم المدينة وصيدها [١٢٢٤] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ اجعلْ بالمدينةِ ضِعْفَيْ ما بمگَّةَ من البرکةِ)). رواه أحمد (١٤٢/٣)، والبخاري (١٨٨٥)، ومسلم (١٣٦٩). [١٢٢٥] وعن عليٍّ بن أبي طالب، قال: مَنْ زعمَ أنَّ عندَنا شيئاً نقرؤُه إلا كتاب الله وهذه الصَّحيفةَ - قال: وصحيفةٌ معلَّقةٌ في قِرابٍ سيفِه - فقد كَذَبَ، فيها: أسنانُ الإبلِ، وأشياءُ من الجراحَاتِ، وفيها: قالَ ابن دريد: المأزِم](١): [المتضايق، ومنه: مأزمي منى، وهذا يقرب من تفسير ابن شعبان](٢) لأنَّ المتضايقَ منقطعُ الجبال بعضها من بعض، وهما المعبّر عنهما بـ (اللابتان). ومقدارُ حرم المدينة ما قاله أبو هريرة: [أنه وَّر جعل اثني عشر ميلاً حول المدینة حمىّ. مقدار حرم المدينة و (قوله: ((المدينة حرام](٣) ما بين عير إلى ثور))) كذا رواية الرواة [من عير إلى ثور](٤) وللعذري: عائر بدل عير. وقد أنكر الزبيري مصعب وغيره هاتين الكلمتين، فقالوا: ليس بالمدينة عَيْرٌ ولا ثورٌ. وقالوا: إنما ثورٌ بمكة. وقال الزبيري: عيرٌ: جبل بمكة. وأكثر رواه البخاريِّ ذكروا عيراً، وأما ثورٌ فمنهم من كنّى عنه بـ (كذا) ومنهم من ترك مكانه بياضاً؛ إذ اعتقدوا الخطأ في ذِكْره. قاله (١) ساقط من (هـ) و(ل). (٢) من (ج). (٣) ساقط من (ع). (٤) زيادة من (هـ). ٤٨٧ (١٢) كتاب الحج - (٥٨) باب: تحريم المدينة وصيدها النبيُّ ◌َّهِ: ((المدينةُ حَرَمٌ، ما بينَ عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ، فمن أحدَثَ فيها حَدَثاً أو آوَى مُحْدِثاً فعليه لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والنَّاس أجمعين، لا يقبلُ الله منه يومَ القيامةِ صَرْفاً ولا عَدْلاً، وذِمَة المسلمينَ واحدةٌ يسعَى بها أدناهم، ومَنِ ادَّعى إلى عِياض. وقال بعضهم: ثورٌ وَهمٌ من بعض الرواة. قال أبو عبيد: كأنَّ الحديث أصله: من عير إلى أحد. والله أعلم. و (قوله: ((فمن أحدث فيها حدثاً)) يعني: من أحدث ما يخالفُ الشرع من عقوبة من بدعةٍ، أو معصيةٍ، أو ظلم، كما قال: ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو أحدث بالمدينة حدثاً رِّه(١). و (قوله: ((أو آوى محدثاً)) أي: ضمَّه إليه، ومنعه ممَّن له عليه حقٌّ، ونصره. ويقال: أوى - بالقصر والمدِّ ــ متعدياً ولازماً، والقصر في اللازم أكثر، والمدُّ في المتعدِّي أكثر. و (قوله: ((فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين))) لعنة الله: طرده للملعون، وإبعاده عن رحمته. ولعنة الملائكة والناس: الإبعاد، والدعاء بالإبعاد. وهؤلاء هم اللاعنون، كما قال الله تعالى: ﴿أُوْلَكَ يَلْعَنْهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنْهُمُ الََّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. والصرف: التوبة. والعدل: الفدية. قاله الأصمعي. وقيل: الصرف: الفريضة. والعدل: التطوع. وعكس ذلك الحسن. وقيل: الصرف: الحيلة والكسب. والعدل: المثل. كما قال الله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ﴾. [المائدة: ٩٥]. ويقال في العدل بمعنى المثل: عَذْلٌ وعِدْلٌ، کسَلمٌ وسِلمٌ. و (قوله: ((وذمة المسلمين واحدة))) أي: مَن عَقَد من المسلمين أماناً، أو ذمة المسلمين عهداً لأحدٍ من العدو لم يحلَّ لأحدٍ أن ينقضَه. و(الذمة): العهد. وهو لفظً واحدة مشترك بين أمورٍ مُتعدِّدةٍ. (١) رواه أحمد (٦/ ٢٤٠)، والبخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) (١٧). ٤٨٨ (١٢) كتاب الحج - (٥٨) باب: تحريم المدينة وصيدها غير أبيهِ أو انتمى إلى غيرِ مَوَاليهِ فعليه لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والنَّاس أجمعينَ، لا يقبلُ الله منه يومَ القيامةِ لا صَرْفاً ولا عَدْلاً)». وزاد في رواية: فمنْ أخفرَ مُسْلِماً فعليه لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والنَّس أجمعينَ، لا يُقْبَلُ منه يومَ القيامة صرفٍ ولا عَدْلٌ. رواه أحمد (١٢٦/١)، والبخاري (١٨٧٠)، ومسلم (١٣٧٠)، وأبو داود (٢٠٣٤)، والترمذي (٢١٢٨). [١٢٢٦] وعن أبي هريرة، قال: حَرَّم رسولُ اللهِ وَّ ما بينَ لابَتَي المدينة - قال أبو هريرة: فَلَو وجدتُ الظُّبَاءَ ما بينَ لابَتَيْهَا ما ذَعَرتُها - وجعلَ اثني عشرَ مِيلاً حولَ المدينةِ حِمیً. رواه البخاري (١٨٧٣)، ومسلم (١٣٧٢)، والترمذي (٣٩١٧). و (قوله: ((يسعى بذمتهم أدناهم))) أي: أقلّهم منزلةً في الدُّنيا، وأضعفهم. وهو حُجَّةٌ لمن أجاز أمانَ العبدِ والمرأة، على ما سيأتي في الجهاد إن شاء الله تعالی. يسعى بذمة المسلمین أدناهم و (قوله: ((فمن أخفر مسلماً فعليه لعنةُ الله))) أي: نَقَضَ عَهْدَهُ. يقال: أخفرتُ الرَّجلَ إخفاراً: إذا غدرته. وخفرته: إذا أجرته، خفارةً. اللعنة لمن نقض عهد مسلم ومجيءُ الناس لرسول الله وَّه بأول الثَّمر: مبادرةٌ بهديه ما يستظرف، واغتنام لدعائه، وبركته. ولذلك كان ي إذا أخذ أول ذلك الثمر وضعه على وجهه، كما رواه بعضُ الرواة عن مالكِ(١) في هذا الحديث من الزيادة. (١) رواه مالك (٨٨٥/٢). ٤٨٩ (١٢) كتاب الحج - (٥٨) باب: تحريم المدينة وصيدها [١٢٢٧] وعنه، قال: كانَ النَّاسُ إذا رأَوْا أَوَّلَ الثمر جاؤوا به إلى النبيِّ ◌َ﴿، فإذا أخذَه رسولُ اللهِ وَيِ قالَ: ((اللَّهُمَّ بارك لنا في ثَمَرِنا، وباركْ لنا في مدينِنا، وبارك لنا في صَاعِنا، وباركْ لنا في مُدِّنا. اللَّهُمَّ إِنَّ إبراهيمَ عبدُكَ وخليلُكَ ونبيّكَ، وإنِّي عبدُكَ ونبيّكَ، وإنَّه دعاكَ لمكَّةَ، وإنِّي أدعوكَ للمدينةِ بمثلِ ما دعاكَ لمكَّة ومِثلَه معه)). قال: ثم يدعُو أصغرَ وليدٍ له فيعطيْه ذلك الثمرَ. وفي رواية: أصغرَ مَنْ يحضرُه من الولدانِ. رواه مسلم (١٣٧٣)، والترمذي (٣٤٥٤)، والنسائي في اليوم والليلة (٣٠٢)، وابن ماجه (٣٣٢٩). وتخصيص النبيِّ ◌َ ﴿ بذلك الثمر أصغر وليدٍ يراه؛ لأنه أقلُّ صبراً ممن هو إكرامه وله أكبر منه، وأكثر جزعاً، وأشدُّ فرحاً. وهذا من حُسْن سياسته وَ ه ومعاملته للكبار الصغار والصِّغار. وقيل: إنَّ ذلك من باب التفاؤل بنمو الصغير وزيادته، كنحو الثمرة وزيادتها . ٤٩٠ (١٢) كتاب الحج - (٥٩) باب: الترغيب في سكنى المدينة (٥٩) باب الترغيب في سُكنى المدينة، والصبر على لأوائِها [١٢٢٨] عن أبي سعيدٍ مولى المَهْرِيِّ، أنَّه أصابَهم بالمدينة جَهْدٌ وشِدَّة، وأنه أتى أبا سعيد الخدريّ، فقال له: إني كثيرُ العِيالِ، وقد أصابتنَا شِدَّةٌ، فأردتُ أن أنقلَ عيالي إلى بعض الرِّيف. فقال أبو سعيد: لا تفعلْ، الزم المدينةَ، فإنَّا خرجنَا مع نبيِّ الله ◌َّهِـ أظنّ أنَّه قالَ: حتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ - فَأَقامَ بها لياليَ، فقالَ النَّاسُ: واللهِ ما نحنُ ها هنا في شيءٍ، وإنَّ عِيَالَنا لَخُلُوفٌ، ما نأمنُ عليهم. فبلغَ ذلكَ النبيَّ وَّهِ، فقال: ((ما هذا الذي يبلُغني من حديثِكم (ما أدري كيفَ قال) والذي أحلفُ به، أو والذي نَفْسِي بيده، لقد هممتُ أو إن شئتم (لا أدري أيتهما قالَ) لامرنَّ بناقِي تَرَخَّلُ، ثم لا أَحُلَّ لها عُقْدةً، حتى أقدمَ المدينةَ)). وقال: ((اللَّهُمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مَكَّةً (٥٩) ومن باب: الترغيب في سُكْنى المدينة (قوله: إنَّ أهلنا لخُلوف) بضم الخاء المعجمة من فوقها. أي: لا حافظ لهم، ولا حامي. يقال: حيٍّ خُلوف. أي: غاب عنهم رجالهم. و (قوله: ((لآمرنَّ بناقتي ترخَّل))) مشدّدة الحاء. أي: يجعل عليها الرَّحل. و (قوله: ((ثُمَّ لا أحلُّ لها - أو عنها - عقدة))) أي: أَصِلُ المشي والإسراع؛ وذلك لمحبته الكون(١) في المدينة، وشدّة شوقه إليها. وقد تقدَّم الكلامُ في المازِمَیْن. (١) أي: الوصول إليها والاستقرار فيها. ٤٩١ (١٢) كتاب الحج - (٥٩) باب: الترغيب في سكنى المدينة فجعلَها حَرَماً، وإنِّي حَرَّمْتُ المدينةَ حَرَاماً ما بينَ مَأْزِمَيْها، أَلَّ يُهراقَ فيها دمٌّ، ولا يُحمَلَ فيها سلاحٌ لقتالٍ، ولا تُخبَطَ فيها شجرةٌ إلا لعلفٍ. اللَّهُمَّ بارك لنا في مدينِتِنا، اللَّهُمَّ بارك لنا في صَاعِنَا، اللَّهُمَّ بارك لنا في مُدِّنا، اللَّهُمَّ بارك لنا في مدينِتِنا، اللَّهُمَّ اجعلْ معَ البركةِ بَرَكتيْنٍ، والذي نفسِي بيدِه ما مِنَ المدينة شِعْبٌ ولا نَقْبٌ إلا عليه مَلَكانِ يَحْرُسَانِها، حتَّى تَقْدَمُوا إليها)» و (قوله: ((لا يُحمل فيها سلاحٌ، ولا تُخبط فيها شجرة))) هذا كلُّه [يقضي بالتسوية](١) بين حرم المدينة وحرم مكة. وهو ردٌّ على أبي حنيفة، على ما تقدَّم. و (قوله: ((إلا لعلفٍ))) لم يذكر هذا الاستثناء في شجر مكة، وهو أيضاً جارٍ حكم الانتفاع بالعلف فيها. ولا فرقَ بينهما. وكذلك ذكر في مكة: إلا الإذْخر. ولم يذكره في المدينة. وهو أيضاً جارٍ فيها؛ إذ لا فرقَ بين الحرمين. والحاصلُ من الاستثنائين: أنَّ والحشيش في المدینة ما دعت الحاجةُ إليه من العَلَف، والانتفاع بالحشيش جاز تناوله على وجه المس والرفق من غير عُنفٍ، ولا كسر غصنٍ. وهو حُبَّةٌ على مَن مَنَعَ شيئاً من ذلك. و (قوله: ((ما من المدينة شعبٌ ولا نقبٌ إلا عليه ملكان يحرسانها))) الشِّعب حراسة - بكسر الشِّين -: هو الطريقُ في الجبل. قاله يعقوب وغيره. و (النّقب) - بفتح النون وضمها -: هو الطريقُ على رأس الجبل. وقيل: هو الطريق ما بين الجبلين. وقال الأخفش: أنقاب المدينة: طُرقها، وفِجاجها. و (ما يهيجهم) أي: ما يحركهم. يقال: هاج الشيء، وهجته، وهاجت الحرب، وهاجها الناس، أي: حركوها، وأثاروها. و (بنو عبد الله بن غطفان) كانوا يُسمَّون في الجاهلية: بني عبد العزّى. سمَّاهم النبيُّ نَّهِ: بني عبد الله. فسمتهم العرب: بني محولة. لتحويل اسمهم. وفي هذا ما يدلُّ على أنَّ حراسةَ الملائكة للمدينة إنما كان إذ ذاك في مدة غيبة النبيِّ ◌َل﴿ وأصحابه عنها، نيابةً عنهم. الملائكة للمدينة (١) في (ز): يقتضي التسوية. ٤٩٢ (١٢) كتاب الحج - (٥٩) باب: الترغيب في سكنى المدينة ثم قال للناس: ((ارتحلُوا)) فارتحلنا، فأقبلنا إلى المدينةِ، فوالذي يُحلفُ به، أو نحلفُ به (الشَّكُّ من حماد) ما وضعْنَا رِحالنا حينَ دخلنَا المدينةَ، حتى أغارَ علينا بنو عُبيد الله بن غَطَفَان، وما يُهَيِّجُهُمْ قبلَ ذلكَ شيءٌ. رواه أحمد (٣٤/٣ و٤٧)، ومسلم (١٣٧٤) (٤٧٥). [١٢٢٩] وعنه، أنَّه جاءَ أبا سعيد الخدريٍّ لياليَ الحَرَّةِ، فاستشارَه في الجلاء مِن المدينةِ، وشكًا إليه أسعارَها، وكثرةَ عيالِه، وأخبرَه أَلَّا صبرَ له على جَهْدِ المدينةِ ولأوائِها. فقال: إني سمعتُ رسولَ اللهِ وَيوم يقولُ: ((لا يصبرُ أحدٌ على لأوائِها وشِدَّتِها فيموتُ إلا كنتُ له شفيعاً أو وقعة الحرّة و (قوله: ليالي الحرة) يعني به: حرة المدينة؛ كان بها مقتلةٌ عظيمة في أهل المدينة، كان سببُها: أنَّ ابنَ الزبير وأكثر أهل الحجاز كرهوا بيعة يزيد بن معاوية، فلما مات معاوية وجَّه يزيد مسلم بن عقبة المدني في جيشٍ عظيم من أهل الشام، فنزل بالمدينة، فقاتل أهلها، فهزمهم، وقتلهم بحرَّة المدينة قَتْلاً ذريعاً، واستباح المدينةَ ثلاثة أيام، فسميت وقعة الحرَّة بذلك، ثم إنَّه توجّه بذلك الجيش يريد مكة، فمات مسّلم بقُدَيْد، وولي الجيش الحصين بن نمير، وسار إلى مكة، وحاصر ابنَ الزبير، وأحرقت الكعبة، حتى انهدم جدارُها، وسقط سقفُها، فبينما هم كذلك، بلغهم موت يزيد فتفرَّقوا، وبقي ابنُ الزبير بمكة إلى زمان الحجّاج، وقتله لابن الزبير، رضي الله عن ابن الزبير. إحراق الكعبة و (الجَلاء) بفتح الجيم والمدِّ: الانتقال من موضع إلى آخر. والجِلاء - بكسر الجيم والمد -: هو جلاء السيف والعروس. والجَلا - بفتح الجيم والقصر -: هو جلاء الجبهة. وهو انحسار الشَّعر عنها. يقال: رجلٌ أجلى وأجلح. ٤٩٣ (١٢) كتاب الحج - (٥٩) باب: الترغيب في سكنى المدينة شَهِيداً يومَ القيامةِ إذا كانَ مسلماً». رواه مسلم (١٣٧٤) (٤٧٧). [١٢٣٠] وعن عائشة، قالت: قَدِمْنا المدينةَ وهي وبيئةٌ، فاشتكى أبو بكرٍ، واشتكى بلالٌ، فلما رأى رسولُ الله ◌ِصَلِّ شَكْوى أصحابِه قال: ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلينا المدينةَ كما حَبِّتَ مَكَّةَ أو أشدَّ، وصحِّحْها، وباركً لنا في صَاعِها ومُدِّها، وحَوِّل حُمَّاها إلى الجُحْفَةِ)). رواه أحمد (٥٦/٦)، والبخاري (١٨٨٩)، ومسلم (١٣٧٦). و (قوله: ((إذا كان مسلماً))) يُقيِّد ما تقدَّم من مطلقات هذه الألفاظ. ويُنْبَّه الكافر لا تناله على القاعدة المقرَّرة: من أنَّ الكافرَ لا تنالُه شفاعةُ شافع. كما قال الله تعالى مُخْبِراً شفاعة شافعٍ عنهم: ﴿فَمَالَنَا مِنْ شَفِعِينَ * وَلَ صَدِيقٍ حَيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]. و (قوله في المدينة: وهي وبيئة) بالهمزة من الوباء، وهو هنا: شدة بركة دعاء النبي * المرض، والحمَّى. وكانوا لمّا قدموا المدينة لم توافقهم في صحتهم، فأصابتهم للمدينة وأهلها أمراضٌ عظيمة، ولقوا من حُمَّاها شدَّةً، حتى دعا لهم النبيُّ ◌َ# وللمدينة، فكشف الله ذلك ببركة دعائه، كما ذكر في هذا الحديث، وفي غيره. و (قوله: ((وحَوِّل حُمَّاها إلى الجُحْفَة))) قد ذكرنا الجحفة في باب المواقيت. الدعاء للمسلم وإنما دعا النبيُّ ◌َ﴿ بهذا رحمةً لأهل المدينة، ولأصحابه، ونقمةً من أهل الجُحْفَة؛ وعلى الكافر فإنهم كانوا إذ ذاك كفَّاراً. قال الخطابيُّ: كانوا يهوداً. وقيل: إنه لم يَبْقَ أحدٌ من أهل الجُحْفة في ذلك الوقت إلا أخذته الحمَّى. وفيه: الدعاء للمسلم، وعلى الكافر. وهذا وما في معناه من أدعية النبيِّ وَّرِ التي تفوقُ الحصرَ حَّةٌ على بعض المعتزلة القائلين: لا فائدةَ في الدُّعاء مع سابق القدر. وعلى غُلاة الصوفية القائلين: إنَّ الدعاء قادحٌ في التوكل. وهذه كلُّها جهالاتٌ لا ينتحلها إلا جاهلٌ غبيٍّ؛ لظهور فسادها، وقُّبْح ما يلزم عليها. ولبسط هذا موضعٌ آخر. ٤٩٤ (١٢) كتاب الحج - (٥٩) باب: الترغيب في سكنى المدينة [١٢٣١] وعن يُحَنَّسَ مولى الزبيرِ، أنه كان جالساً عندَ عبد الله بن عمرَ في الفتنة، فأتَّته مولاةٌ له تُسلِّم عليه، فقالت: إنِّي أردتُ الخروجَ يا أبا عبد الرحمن! واشتدَّ علينا الزمانُ. فقال لها عبد الله: اقعُدي لَكَاعٍ، فإني سمعتُ رسولَ اللهِ﴿ يقولُ: ((لا يصبرُ على لأوائِها وشِدَّتِها أحدٌ إَلا كنتُ له شهيداً أو شفيعاً يومَ القيامةِ». رواه أحمد (١١٣/٢ و١١٩ و١٣٣)، ومسلم (١٣٧٧)(٤٨٢)، والموطأ (٨٨٥/٢). و (يُحِّسُ) بضم الياء، وکسر النون وتشديدها، رويناه، وهو المشهور. وقد ضبط عن أبي بحرٍ: يحثَّس - بفتح النون -. و (قول ابن عمر لمولاته: اقعدي لكاع) معناه: لئيمة. من اللكع، وهو اللّمة. وقيل: أخذ من الملاكيع. وهو الذي يخرجُ مع السَّلا من البطن. ولا يستعمل إلا في النداء. يقال للذكر: يا لكع. وللأنثى: يا لكاع. وقيل: يا لكعاء. وربما جاء في الشعر للضرورة في غير النداء. كما قال(١): إلى بَيْتٍ فَعِيْدَتُه لَكَاعٍ (٢) وقد يقال للصغير، كما قال النبيُّ ◌َ ﴿ للحسن حين طلبه: ((أثمَّ لكع))(٣) أي: الصغير. وهذا من ابن عمر تبشّطّ مع مولاته، وإنكار عليها إرادةُ الخروج من المدينة . (١) القائل: هو أبو الغريب النّصري. (٢) صدر البيت: أطوِّفُ ما أطوِّف ثم آوي. (٣) رواه البخاري (٢١٢٢)، ومسلم (٢٤٢١). ٤٩٥ (١٢) كتاب الحج - (٦٠) باب: المدينة لا يدخلها الطاعون (٦٠) باب المدينة لا يدخلُها الطَّاعون ولا الدَّجَّال، وتنفي الأشرارَ [١٢٣٢] عن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ الله ◌ِوَله: ((على أنقابٍ المدينةِ ملائكةٌ، لا يدخلُها الطَّاعونُ ولا الدَّجَّالُ)). رواه أحمد (٢٣٧/٢ و٣٧٥)، والبخاري (١٨٨٠)، ومسلم (١٣٧٩)، والنسائي في الكبرى (٧٥٢٦). (٦٠) ومن باب: المدينة لا يدخلها الطاعون ولا الدَّجال (قوله: ((على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطَّاعون، ولا الدَّجال) قد تقدَّم القولُ في الأنقاب. و (الطاعون): الموت العام الفاشي. ويعني بذلك: أنه لا يكون في المدينة من الطَّاعون مثل الذي يكون في غيرها من البلاد، کالذي وقع في طاعون عمواس، والجارف، وغيرهما. وقد أظهر اللَّهُ صدقَ رسوله وَّرِ؛ فإنه لم يُسْمَعْ من النَّقَلةِ، ولا من غيرهم مَن يقول: أنه وقع في المدينة طاعونٌ عام، وذلك ببركة دعاء النبيِّ ◌َ ﴿ حيث قال: ((اللهم صحِّحها لنا)). وقد تقدَّم الكلامُ على لا يدخل اسم الدَّجال، واشتقاقه. وهو وإن لم يدخل المدينة إلا أنه يأتي سبختها من دُبُر الدَّجال المدينة أحدٍ، فيضرب هناك رواقه، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفاتٍ، فيخرجُ إليه منها كلُّ كافرٍ ومنافقٍ، كما يأتي في حديث أنس في كتاب: الفتن، ثم يهمُّ بدخول المدينة، فتصرف الملائكةُ وَجْهَهُ إلى الشام، وهناك يهلك بقتل عيسى ابن مريم إيَّه، بباب لدِّ، على ما يأتي. وسيأتي أيضاً: أنَّ مكة لا يدخلها الدَّجَّال. ٤٩٦ (١٢) كتاب الحج - (٦٠) باب: المدينة لا يدخلها الطاعون [١٢٣٣] وعنه، أنَّ رسولُ الله ﴿ قال: ((يأتي المسيحُ وهِمَّتُه المدينةُ حتَّى ينزلَ دُبُرَ أحدٍ، ثم تَصْرِفُ الملائكةُ وجهَه قِبَل الشَّام، وهناكَ يَهْلِكُ». رواه أحمد (٣٩٧/٢)، ومسلم (١٣٨٠)، والترمذي (٢٢٤٣). [١٢٣٤] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((يأتي على النَّاس زمانٌ يدعُو الرَّجُل ابنَ عمِّه وقَرِيبَهُ: هَلَمَّ إلى الرَّخاءِ، هَلُمَّ إلى الرَّخاءِ، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كَانُوا يعلمونَ، والذي نفسي بيده لا يخرجُ منهم أحدٌ رغبةً عنها إلا أَخلفَ الله فيها خيراً منه، تحقق نبوءته ◌َر في رخاء المدينة و (قوله: ((يأتي على النَّاس زمانٌ يدعو الرجلُ ابن عمُّه، وقريبه: هلُمَّ إلى الرخاء») هذا منه* إخبارٌ عن أمر غيبٍ وقع على نحو ما ذكر، وكان ذلك من أدلَّة نبوَّته. وعنى بذلك: أن الأمصارَ تفتح على المسلمين، فتكثر الخيرات، وتترادف عليهم الفتوحات، كما قد انَّفقَ عند فَتْح (١) الشَّام، والعراق، والدِّيار المصرية، وغير ذلك. فركن كثيرٌ ممَّن خرج من الحجاز وبلاد العرب إلى ما وجدوا من الخصب، والدَّعة بتلك البلاد المفتوحة، فاتخذوها داراً ودعوا إليهم مَن كان بالمدينة لشدَّة العيش بها، وضيق الحال، فلذلك قالله: ((والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون)) وهي خيرٌ من حيث تعذُّر الترفه فيها، وعدم الإقبال على الدنيا بها، وملازمة ذلك المحلِّ الشريف، ومجاورة النبيِّ الكريم وَلِّ، ففي حياته وَفي: صحبته، ورؤية وجهه الكريم. وبعد وفاته: مجاورة جدثه الشريف، ومشاهدة آثاره المعظّمة. فطوبى لمن ظفر بشيءٍ من ذلك. وأحسن الله عزاءَ من لم ينلْ شيئاً ممَّا هنالك. التنفير من الخروج من المدينة رغبةً عنها و (قوله: ((لا يخرج أحدٌ رغبةً عنها؛ إلا أخلف الله فيها خيراً منه))) يعني: أنَّ (١)) في (ل): فتوح. ٤٩٧ (١٢) كتاب الحج - (٦٠) باب: المدينة لا يدخلها الطاعون ألا إنَّ المدينةَ كالكِير تُخُرِجُ الخبيثَ، لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى تنفيَ المدينةُ شِرَارَهَا كما يَنْفي الكِيْرُ خَبَثَ الحديدِ». رواه أحمد (٤٣٩/٢)، ومسلم (١٣٨١). [١٢٣٥] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَِّ: ((أُمرتُ بقريةٍ تأكلُ القُرى، الذي يخرجُ من المدينة راغباً عنها؛ أي: زاهداً فيها؛ إنما هو إمَّا جاهلٌ بفضلها، وفَضْل المقام فيها، أو كافر بذلك. وكلُّ واحدٍ من هذين إذا خرج منها؛ فمن بقي من المسلمين خيرٌ منه، وأفضل على كلِّ حالٍ، وقد قضى اللَّهُ تعالى: بأنَّ مكة، والمدينة لا تخلوان من أهل العلم، والفضل، والدِّين إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها. فهم الخلفُ ممن خرجَ رغبةً عنها. و (قوله: ((إنَّ المدينة كالكير تُخْرِجُ الخبث))) هذا تشبيهٌ واقعٌ؛ لأن الكيرَ المدينة كالكير لشدَّة نفخه ينفي عن النار السخام، والدخان، والرَّماد، حتى لا يبقى إلا خالصُ تخرج الخبث الجمر والنّار. هذا إن أراد بالكير النفخ الذي تُنْفخ به النَّارُ، وإن أراد به الموضعَ المشتمل على النار، وهو المعروفُ عند أهل اللغة، فيكون معناه: أن ذلك الموضعَ لشدَّة حرارته ينزُ خبث الحديد، والذهب، والفضة، ويخرج خلاصة ذلك. والمدينة كذلك؛ لما فيها من شدة العيش، وضيق الحال تخلص النفس من شهواتها، وشرهها، ومَيْلها إلى اللذات، والمستحسنات، فتتزكَّى النفسُ عن أدرانها، وتبقى خلاصتُها، فيظهر سرُّ جوهرها، وتعمُّ بركاتها، ولذلك قال في الرواية الأخرى: ((تنفي خبثها، وينصح طيبُها)). و (قوله: ((أمرتُ بقريةٍ تأكل القُرى))) أي: بالهجرة إليها إن كان قاله بمكة، أو بسُكناها إن كان قاله بالمدينة. وأكْلُها القرى: هو أنَّ منها افتتحتْ جميعُ القُرى، ٤٩٨ (١٢) كتاب الحج - (٦٠) باب: المدينة لا يدخلها الطاعون يقولونَ يثربَ، وهي المدينة، تَنَفي النَّاسَ كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديدِ)). رواه أحمد (٢٣٧/٢)، والبخاري (١٨٧)، ومسلم (١٣٨٢). [١٢٣٦] وعن جابر بن عبدِ الله، أنَّ أعرابياً بايعَ رسولَ الله وَّل فأصابَ الأعرابيَّ وَعَكِّ بالمدينةِ، فأتى النبيَّ ◌َ﴿ فقالَ: يا محمد! أَقِلْني بَيْعَتي. فأبى رسولُ الله ◌َله، ثم جاءَه فقالَ: أقلْني بيعتي، فأبى، ثم جاءَه، فقالَ: أقِلْني بيعتي. فأَبَى، فخرجَ الأعرابيُّ، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّما المدينةُ كالكيرِ تَنَّفِي خبثَهَا، ويُنْصَعُ طِيْبُها)). وإليها جُبِي فيءُ البلاد، وخَراجُها في تلك المُدَد. وهو أيضاً: من علامات نبوَّته والده. كراهية تسمية المدینة یٹرب و (قوله: ((يقولون: يثرب، وهي المدينة))) أي: يُسمِّيها الناسُ: يثرب، والذي ينبغي أن تُسمَّى به: المدينة. فكأنَّ النبيَّ وَّ كره ذلك الاسم على عادته في كراهته الأسماء غير المستحسنة، وتبديلها بالمستحسَن منها. وذلك: أنَّ يثربّ لفظُ مأخوذٌ من الثرب، وهو الفساد، والتثريب: وهو المؤاخدةُ بالذَّنب. وكلُّ ذلك من قبيل ما يُكره. وقد فهم العلماءُ من هذا: مَنْع أن يقال: يثرب. حتى قال عيسى بن دينار: مَن سمَّاها يثرب كُتِبت عليه خطيئة. فأما قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَرْجِعُواْ﴾ [الأحزاب: ١٣] هو حكايةٌ عن قول المنافقين. وقيل: تسمية النبي ﴾ سُمِّيت: يثرب بأرضٍ هناك، المدينةُ ناحيةٌ منها. وقد سمَّاها النبيُّ ◌َّه: طيبة، المدينة طيبة وطابة، من الطيب، وذلك: أنها طيّبة الثُربة والرائحة. وهي تربةُ النَّبِي ◌َِّه وطابة وتُطيِّبُ مَن سَكَنها، ويستطيبها المؤمنون. و (قوله: ((تنفي خبئها، وينصعُ طِيْبُها))) ينصعُ: يصفو، ويخلص. يقال: طيبٌ ناصعٌ: إذا خلصتْ رائحته، وصَفَتْ ممَّا ينقصها. وروينا: طَيِّبها - هنا - بفتح الطاء، وتشديد الياء، وكسرها. وقد رويناه في الموطأ هكذا، وبكسر الطاء، ٤٩٩ (١٢) كتاب الحج - (٦١) باب: إثم من أراد أهل المدينة بسوء رواه أحمد (٣٠٦/٣)، والبخاري (٧٢١١)، ومسلم (١٣٨٣)، والترمذي (٣٩٢٠)، والنسائي (٧/ ١٥١). [١٢٣٧] وعن زيدٍ بنِ ثابت، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((إنَّها طَيْبَةُ - يعني المدينةَ - وإنَّها تنفي الخبثَ، كما تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الفِضَّة». رواه أحمد (١٨٤/٥)، والبخاري (٤٥٨٩)، ومسلم (١٣٨٤)، والترمذي (٣٠٢٨). [١٢٣٨] وعن جابر بن سَمُرة، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقولُ: (إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ سمَّى المدينةَ طَابة)). رواه أحمد (٨٩/٥)، ومسلم (١٣٨٥). * * (٦١) باب إثم من أرادَ أهلَ المدينة بسوء، والترغيب فيها عند فتح الأمصار [١٢٣٩] عن سعد بن أبي وَقَّاص، قال: قال رسول الله وَلَهُ: ((مَنْ أرادَ أهلَ المدينةِ بسوءٍ أذابَه الله كما يذوبُ المِلْحُ في الماءِ». وتسكين الياء، وهو أليقُ بقوله: وينصع؛ لأنه يقال: نصع الطِّيب: إذا قويت رائحته . (٦١) ومن باب: إثم من أراد أهل المدينة بسوء قد تقدم القولُ على قوله: ((من أراد أهل المدينة بسوء)) في الباب الذي قبل هذا. وفي بعض ألفاظه: ((مَن أراد أهلَ المدينة بدَهم أو بسوء - على الشكِّ - ٥٠٠ (١٢) كتاب الحج - (٦١) باب: إثم من أراد أهل المدينة بسوء رواه أحمد (١٦٩/١)، ومسلم (١٣٨٧) (٤٩٤). [١٢٤٠] ونحوه عن أبي هريرة. رواه أحمد (٢٧٩/٢)، ومسلم (١٣٨٦). [١٢٤١] وعن سُفيان بن أبي زهير، قال: سمعتُ رسول الله وَّل يقولُ: ((تُفتح اليمنُ فيأتي قومٌ يَبْشُونَ، فيتحمَّلون بأهليهم ومَنْ أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمونَ، ثم تُفتح الشَّام، فيأتي قومٌ يَبْشُونَ فيتحمَّلُون بأهليهم ومَنْ أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمونَ، ثم يُفتح العِراقُ، فيأتي قومٌ يَبشُونَ فيتحمَّلُون بأهليهم ومَنْ أطاعَهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمونَ». رواه أحمد (٢٢٠/٥)، والبخاري (١٨٧٥)، ومسلم (١٣٨٨) (٤٩٧). بدَهم: بفتح الدال: الداهية والجيش العظيم، أو الفساد العظيم. والدَّهم، والدَّهماء من أسماء الداهية. من دلائل نبوته و (قوله: ((تُفتح اليمن، فيأتي قومٌ يبُّون فيتحملون))) رويناه بفتح الياء، ويضم الباء وكسرها ثلاثياً. ورويناه أيضاً: بضم الياء، وكسر الباء رباعياً. قال الحربيُّ(١): بسست الغنم والنوق؛ إذا دعوتها. فمعناه: يدعون النَّاس إلى بلاد الخصب. وقال ابنُ وهب: يزينون لهم البلاد، ويحببونها، مأخوذ من إبساس الحلوبة كي يدرَّ لبنُها. وقال أبو عبيد: معناه: يسوقون، والبسُّ: سوق الإبل. قلت: والأول أليق بمساق الحديث ومعناه. وهذا الحديث من دلائل نبوته وصدقه وَّه، فإنه أخبر بوقوع أمورٍ قبل وقوعها، ثم وقعتْ بعد ذلك على نحو خبره، فکان ذلك دليلاً على صدقه. (١) في (ز): القاضي، وفي (هـ) الجويني.