Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(١٢) كتاب الحج - (٣٢) باب: الطواف على الراحلة لعذر
[١١٢٨] وعن عائشة، قالتْ: طافَ النبيُّ ◌َّ فِي حَجَّةِ الوَداعِ،
حولَ الكعبةِ، على بعيرِه، يستلمُ الزُّكْنَ، كراهيةَ أن يصرفَ عنه النَّاسَ.
رواه مسلم (١٢٧٤)، والنسائي (٢٢٤/٥).
[١١٢٩] وعن ابن الطُّفيل، قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِوَّهِ يطوفُ
بالبيتِ، ويستلمُ الرُّكنَ بِمِحْجَنٍ معه، ويُقُبِّلُ المِخْجَنَ.
رواه مسلم (١٢٧٥)، وابن ماجه (٢٩٤٩).
[١١٣٠] وعن أُمّ سلمةَ، أنَّها قالتْ: شكوتُ إلى رسولِ اللهِ له أنِّي
أشتكِي. فقالَ: ((طُوفي مِن وَراءِ النَّاس وأنتِ راكبةٌ)). قالتْ: فِطِفْتُ.
ورسولُ اللهِ وَ﴿ حينئذٍ يُصلِّي إلى جَنْبِ البيتِ، وهو يقرأ بالطّور وكتابٍ
مَسْطور.
و (قوله: ((طوفي من وراء الناس وأنت راكبةٌ))) دليلٌ: على جواز ذلك الطواف من
للعذر. واختلف قولُ من كرهه مع عدم العذر. فذهب مالك، وأبو حنيفة: إلى أنَّه وراء الناس
يعيدُ ما دام قريباً من ذلك، فإن بَعُدَ إلى مثل الكوفة ففيه دم. ولم يَرَ الشَّافعي فيه
شيئاً. وإنما أمرها أن تطوفَ مِن وراء الناس؛ لأنَّ ذلك سُنَّهُ طواف النِّساء؛ لئلا
يختلطن بالرِّجال، ولئلا يعثر مَرْكَبُها بالطائفين فيؤذيهم. وعلى هذه العلَّة؛ فكذلك
یکونُ الرجل إذا طاف راكباً .
وفي هذه الأحاديث حُبَّةٌ لمالكِ على قوله بطهارة بول ما يؤكل لحمه.
و (الطور): الجبل - بالسريانية -. وقال ابن عبّاس: كلُّ جبل ينبت فهو طور.
و (الكتاب) المكتوب. و (الرقُّ المنشور): هو الجلدُ المهيَّأ ليكتب فيه. وأحسن
ما قيل فيه: إنَّه القرآن المكتوب في المصاحف. وهذه أقسامٌ أقسم اللَّهُ بها تشريفاً
لها .

٣٨٢
(١٢) كتاب الحج - (٣٣) باب: في قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾
رواه أحمد (٢٩٠/٦)، والبخاري (٤٦٤)، ومسلم (١٢٧٦)، وأبو
داود (١٨٨٢)، والنسائي (٥/ ٢٢٣)، وابن ماجه (٢٩٦١).
#
(٣٣) باب
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآيِرِ اللَّهِ﴾
[١١٣١] عن عروة بن الزُّبير، قال: قلتُ لعائشةَ زوج النبيِّ ◌َّ:
ما أرى على أحدٍ، لم يطفْ بين الصَّفا والمروةِ، شيئاً. وما أُبالَي ألا أطوفَ
بهما. قالت: بئسَ ما قلتَ، يا بنَ أختي! طافَ رسولُ اللهِ وَ ◌ّهِ.ه وطافَ
(٣٣) ومن باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَابِرِ اللَّهِ﴾
[البقرة: ١٥٨]
قد تقدم الكلامُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَِّرِ اللَّهِ﴾
[البقرة: ١٥٨] في حديث جابر(١). واختلف العلماءُ في حكم الطواف بين الصفا
والمروة؛ هل هو ركنٌ في الحجّ والعمرة؛ کما ذهب إليه الجمهور؛ أو لیس برکن،
كما ذهب إليه جماعةٌ من السّلف وغيرهم؛ ثم من هؤلاء مَن قال: إنه تطوع
لا يجبرُ بالدم. وهم: أنس، وعبد الله بنُ الزبير، وابن سيرين. ومنهم من قال:
يُجبر بالدم. وهم: الحسن البصريُّ، وقتادةُ، وسفيان الثوريُّ، وأبو حنيفة. وربما
أطلق عليه بعضُهم لفظ الواجب. وقال أصحابُ الرأي: إنْ تركه أو أربعةً منه؛
فعليه دمٌّ. وإن ترك من الثلاثة شيئاً؛ فعليه لكلِّ شوطٍ إطعامُ مسكين نصف صاعٍ من
حنطةٍ. والصحيحُ مذهبُ الجمهور على ما يأتي.
و (قول عروة: ما أرى على أحدٍ لم يطفْ بين الصفا والمروة شيئاً، وما أبالي
(١) سبق تخريجه (١٠٩٤).
حكم السعي
بین الصفا
والمروة
سبب نزول :
﴿إن الصفا
والمروة ... ﴾

٣٨٣
(١٢) كتاب الحج - (٣٣) باب: في قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾
المسلمونَ. فكانت سُنَّةً. وإنما كانَ مَنْ أهَلَّ لمناةَ الطَّاغيةِ، التي بالمُشَلَّلِ،
لا يَطوفونَ بين الصَّفا والمروةِ. فلما كانَ الإسلامُ سألنا النبيَّ وَّهِ عن ذلكَ؟
فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ
فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] ولو كانت كما تقول:
لكانت: فلا جناحَ عليه أنْ لا يطوفَ بهما. قال الزهريُّ: فذكرتُ ذلك لأبي
بكرِ بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فأعجبَه ذلكَ. وقال: إنَّ هذا
العلمَ. ولقد سمعتُ رجالاً من أهلِ العلم يقولونَ: إنما كانَ مَنْ لا يطوفُ
بين الصَّفا والمروةِ من العربِ، يقولون: إنَّ طوافَنَا بينَ هِذِينِ الحجرينِ من
أمرِ الجاهليةِ، وقال آخرون من الأنصار: إنما أُمرنا بالطَّواف بالبيتِ ولم
نُؤمر به بين الصَّفا والمروةِ. فأنزلَ الله: ﴿﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَِّرِ اَللَّهِ﴾
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فَأَراها قد نزلتْ في هؤلاءِ وهؤلاءِ.
أَلَّا أطوف بهما) إنما فهم هذا عروةُ من ظاهر قوله تعالى: ﴿فلا جُناح عليه أن
يطوَّف بهما﴾ ووجه فهمه أنَّ رفع الحرج عن الفعل إنما يشعر بإباحته، لا بوجوبه،
وهو مُقتضى ظاهرها؛ إذا لم يعتبر سبب نزولها. فإذا وقف على سَبَب نزولها تحقَّق
الواقفُ عليه: أنها إنما أتت رافعةً لحرج من تحرَّج من الطواف بينهما على
ما يأتي. وقد اختلف فيه قولُ عائشة، واختلف الرواةُ عنها في ذلك. ففي بعض
الروايات عنها: أنَّ أهلَ المدينة كان من أهلَّ منهم لمناة؛ لم يطفْ بينهما. وكأن
هؤلاء بقوا بعد الإسلام على ذلك الامتناع حتى أنزلت الآية. وفي بعضها: أنَّ من
أهلَّ لإسافٍ ونائلة بالإسلام خافوا ألا يكون مشروعاً لمن لم يهلَّ لهما. فرفع الله
تلك التوهمات كلّها بقوله: ﴿فلا جناح عليه﴾ وقد ذكر أبو بكر بن عبد الرحمن
عند سماعه قول عائشة - رضي الله عنها - ما يدلُّ على سببين آخرين، نصَّ عليهما
في معنى الحديث، ويرتفع الإشكال، ويصحُّ الجمعُ بين هذه الروايات المختلفة
بالطريق الذي سلكه أبو بكر بن عبد الرحمن؛ حيث قال: فأراها نزلتْ في هؤلاء

٣٨٤
(١٢) كتاب الحج - (٣٣) باب: في قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾
وفي رواية: قالت عائشة: إنَّ الأنصارَ كانوا قبلَ أن يُسْلِموا، هم
وغسّانُ، يُهلُّون لمناةَ، فَتَحَرَّجُوا أن يَطُوفُوا بين الصَّفا والمروةِ، وكان ذلكَ
سُنَّةً في آبَائِهِم، مَنْ أحرم لمناةً لم يطفْ بين الصَّفا والمروةِ، وإنَّهم سَألُوا
رسولَ اللهِ﴿ِ حِينَ أَسْلَمُوا، فأنزل الله الآية.
وفي أخرى: قالت: إنما كانَ ذلكَ أنَّ الأنصارَ كانوا يُهلُّون في
الجاهلية لِصَنمينِ على شَطُّ البحر يُقال لهما إساف ونائلةُ، ثم يجيئونَ
فيَطوفونَ بين الصَّفا والمروةِ، ثم يَحْلِقُونَ، فلما جاءَ الإسلامُ كَرِهُوا أنْ
يَطُوفُوا بينَهما، للذي كَانُوا يصنعونَ في الجاهليةِ. قالت: فأنزلَ الله الآيةَ.
وهؤلاء. فنقول: نزلت الآيةُ جواباً لجميع هؤلاء الذين ذكرت أسبابهم. ورافعة
للحرج عنهم. والله تعالى أعلم.
و (مناة): صنم كان نصبه عمرو بن لُحَيِّ بجهة البحر بالمشلل. وهو موضعٌ
مما يلي قُدَيْداً. وقال ابنُ الكلبي: مناة: صخرة لهذيلٍ بقُدَيْدٍ .
و (قوله في الرواية الأخرى: إنَّ الأنصار كانوا يهلُّون في الجاهلية لصنمين
على شطُّ البحر؛ يقال لهما: إساف ونائلة) هكذا روايةُ أبي معاوية عند الكافَّة من
الرواة، وعند ابن الحذَّاء: في الجاهلية لمناة، وكانت صنمين على شطِّ البحر. وهذا
هو الصحيحُ، كما تقدَّم من قول الكلبيِّ وغيره. قالوا: وأمَّا إساف ونائلة فلم يكونا
قطُّ بجهة البحر، وإنما كانا - فيما يقال - رجلٌ اسمه: إساف بن بقاء، ويقال:
ابن عمرو، وامرأة اسمها: نائلة بنة ذئب، ويقال: ديك، ويقال: بنت سهل؛ كانا
من جُرهم زنيا في داخل الكعبة؛ فمسخهما الله حجرين، فَنُصِبا عند الكعبة. وقيل:
بل على الصفا والمروة، لِيُعتبر بهما ويُتَّعظ. ثم حوَّلهما قصي؛ فجعل أحدُهما
لصق الكعبة، والآخر بزمزم. وقيل: بل جعلهما بزمزم؛ ونحر عندهما؛ وأمر
بعبادتهما، فلما فتح النبيُّ وَّ مكة كَسَرهما. والله تعالى أعلم.
ما يقال عن
أساف ونائلة
في الجاهلية

٣٨٥
(١٢) كتاب الحج - (٣٣) باب: في قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾
وفي أخرى: قالتْ عائشةُ: قد سنَّ رسولُ اللهِلَِّ الطَّوافَ بينهما،
فليس لأحدٍ أن يتركَ الطَّوافَ بهما.
رواه أحمد (١٤٤/٦)، والبخاري (١٦٤٣)، ومسلم (١٢٧٧) (٢٥٩
و ٢٦١ و٢٦٣)، والترمذي (٢٩٦٥)، والنسائي (٢٣٨/٥).
و (قولها: لو كانت [كما قلت؛ لكانت: فلا جناح عليه](١) ألا يطوف بهما)
هذا يدلُّ: على أنَّ الذي روي: أنه في مصحف أبي: (ألا يطوف بهما) بإثبات (ألَّا)
ليس بصحيح؛ إذ لو كان كذلك لكانت عائشة - رضي الله عنها - أعرف النَّاس به،
ولَمَا خفي عليها، ولا على غيرها ممَّن له عنايةٌ بالقرآن.
و (قولها: قد سنَّ رسول الله و ﴿ الطوَّاف بينهما) سنَّ: بمعنى شرع، وبيَّن. حكم من ترك
وهو ركنٌ واجبٌ من أركان الحجّ والعمرة عند جمهور السلف، وفقهاء الخلف، السَّعي
كما تقدم، ولا ينجبرُ بالدَّم، ومَن تركه، أو شوطاً منه؛ عاد إليه ما لم يُصِب
النساء؛ فإن أصاب أعاد قابلاً حجَّةً أو عُمرةً. واسْتُدِلَّ للجمهور: بأنَّ الله تعالى قد
جعله من الشَّعائر، وفعله النبيُّ وَّته، وقال: ((خذوا عني مناسككم))(٢). وبحديث
أم حبيبة بنت أبي تجراة الشيبية، قالت: رأيتُ رسولَ الله ◌ِوَّ يطوَّف بين الصَّفا
والمروة؛ وهو يقولُ: ((اسعوا فإنَّ الله كتب عليكم السَّعي))(٣) غير أنَّ هذا الحديثَ
تفرَّد به عبد الله بن المؤمِّل، وهو يُسِيء الحفظ، واستيفاء الاستدلال في مسائل
الخلاف .
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٢) رواه مسلم (١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي (٢٧٠/٥) من حديث جابر بن
عبد الله .
(٣) رواه أحمد (٤٢٢/٦).

٣٨٦
(١٢) كتاب الحج - (٣٤) باب: متى يقطع الحاجُ التلبية؟
(٣٤) باب
متى يقطعُ الحَاجُّ التلبيةَ؟
[١١٣٢] عن أسامة بن زيد، قالَ: رَدِفْتُ رسولَ اللهِوَ﴾ُ مِن
عرفاتٍ، فلما بلغَ رسولُ الله ◌ِوََّ الشِّعْبَ الأيسرَ، الذي دونَ المزدلفةِ، أناخَ
فَبَالَ، ثم جاءَ فَصَبَيْتُ عليه الوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءاً خَفِيفاً، ثم قلتُ:
الصَّلاةَ يا رسولَ اللَّهِ! فقال: ((الصَّلاةُ أمامَكَ)) فركبَ رسولُ اللهِ وَلِّ حَتَّى
أتى المزدلفةَ، فصَلَّى، ثم رَدِفَ الفَضْلُ رسولَ اللهَِّ غَدَاةَ جَمْعٍ .
رواه أحمد (٢٠٠/٥)، والبخاري (١٦٦٩)، ومسلم (١٢٨٠)،
وأبو داود (١٩٢٥)، والنسائي (٢٩٢/١)، وابن ماجه (٣٠١٩).
[١١٣٣] قال ابن عباس: فأَخبرني الفضلُ أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّهِ لم يزلْ
يُلَبِّي حتَّى بلغَ الجَمْرةَ.
(٣٤) ومن باب: متى يقطعُ الحاجُ التَّلبية؟
(الشّعب): الطريق في الجبل. ويعني بـ (دون المزدلفة): قربها، وناحيةً
منها.
و (قوله: قلت: الصلاةَ يا رسول الله!) قيدناه: الصلاة - بالنصب - على أنه
مفعولٌ بفعلٍ مضمرٍ، تقديره: أجب الصلاة، ويجوز الرفع على الابتداء وإضمار
الخبر، أي: الصلاةُ حضرت. فأما: ((الصلاةُ أمامك)) فليس إلَّا الرفع على الابتداء،
والخبر: في (أمامك).
و (قوله: لم يزل يلبِّي حتى بلغ الجمرة) أخذ بهذا جماعةٌ من السّلف،
وجمهورُ فقهاء الأمصار: الشافعي، والثوريُّ، وأصحاب الرأي. وروي عن
مالك. ثم هل يقطعها إذا رمى أوَّل حصاة؛ أو حتى يُتِمَّ السبع؟ قولان عنهم.

٣٨٧
(١٢) كتاب الحج - (٣٤) باب: متى يقطع الحاجّ التلبية؟
رواه البخاري (١٦٨٦)، ومسلم (١٢٨١)، وأبو داود (١٨١٥)،
والترمذي (٩١٨)، والنسائي (٢٦٨/٥).
[١١٣٤] وعن الفضل بن عباس، وكانَ رديفَ رسولِ اللهِ وَّهِ، أَنَّه
قال في عشيّةِ عَرَفَةَ، وغَدَاةٍ جمعٍ، للنَّاس حين دَفَعُوا: ((عَلَيْكُم بِالسَّكينةِ»
وهو كافُّ ناقتَه، حتَّى دخلَ مُحَشِّراً (وهَوَ من مِنى) قالَ: ((عَلَيْكُم بِحَصَی
الخَذْفِ الذي يُرمى به الجمرةُ) وقال: لم يزلْ رسولُ الله ◌ِّهِ يُلَبِّي حتَّى رَمَی
جَمْرَةَ العَقَبَةِ.
ومشهورُ مذهب مالكِ: أنه يقطعها بعد الزوال من يوم عرفة. ورواه عن عليّ
وابن عمر، وعائشة. وهو مذهبُ أكثر أهل المدينة. ثم هل يقطعها بعد الزوال، أو
بعد الصلاة، أو عند الرَّواح إلى الموقف؟ ثلاثة أقوال في مذهبه. وقال
ابن الجلَّب: من أحرم من عرفة لبَّى حتى يرمي الجمرة. وقال الحسن بن حُيي :
حتى يصلِّي الغداةَ يوم عرفة.
وإنكارُ الناس على ابن مسعودٍ التلبية بعد الإفاضة من عرفة، دليلٌ: على أنَّ
عملهم كان على قطعها قبل ذلك، وهو متمسَّكُ لمالك على أصله في ترجيح العمل
على الخبر. وهذا نحوٌ ممَّا تقدم من إنكار النَّاس على عائشة إدخال الجنازة في
المسجد.
و (الخذف): رمي الحجر بين أصبعين. قال امرؤ القيس:
كأنَّ الحَصا مِنْ خَلْفِها وَأَمَامِها(١) إِذَا نَجَلَتْهُ رِجْلُها خَذْفُ أَعْسَرا
ويعني بـ (حصا الخذف) صغار الحصا. وهذا يدلُّ: على أنَّ الجمارَ يُجاء من أين يؤتى
بالجمار؟
(١) في الأصول:
كأنَّ صليل المرو حين تشذه
إذا نجلته رجلها خذف أعسرا
والمثبت من (ع) والدیوان.

٣٨٨
(١٢) كتاب الحج - (٣٥) باب: ما يقال في الغدو من منى إلى عرفات
وفي رواية: والنبيُّ ◌َ﴿ يشيرُ بيدِه كما يخذفُ الإنسانُ.
رواه أحمد (٢٢٠/١)، ومسلم (١٢٨٢)، والنسائي (٢٦٩/٥)،
وابن ماجه (٣٠٢٩).
[١١٣٥] وعن عبد الرحمن بن يزيدَ، أنَّ عبدَ الله بن مسعودٍ لَّى
حينَ أفاضَ النَّاسُ مِن جَمْعٍ. فقيلَ: أعرابيٌّ هذا؟ فقالَ عبدُ الله: أنسيَ
النَّاسُ أم ضَلُّوا؛ سَمِعتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عليهِ سُورةُ البَقَرةِ يقولُ، في هذا
المكان: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ)) زاد في أخرى: ثم لبَّى وَبَيْنا معَه.
رواه مسلم (١٢٨٣) (٢٧٠ و٢٧١)، والنسائي (٢٦٥/٥).
(٣٥) باب
ما يُقال في الغُدوِّ مِن مِنی إلی عَرفاتٍ
[١١٣٦] عن ابن عمرَ، قال: غَدَوْنَا معَ رسولِ الله وَله مِن مِنى إلى
عرفاتٍ، مِنَّ المُلَبِّي ومِنَّ المُكَبِّرُ.
بها إلى موضع الرمي من غير موضع الرمي لئلا يُرمى بما قد رُمِي به، وذلك
لا يجوز. واستحبَّ مالكٌ لقطها على كسرها. وغيره يستحبُّ کسرها، وكلُّ جائز.
وتخصيصُ عبد الله بسورة البقرة بالذكر؛ لأنَّ معظمَ أحكام الحجّ فيها مذكورة.
والله تعالى أعلم.
(٣٥) ومن باب: ما يقال في الغدوِّ من مِنى إلى عرفات
التلبية والتكبير
ظاهِرُ هذا الحديث؛ بل وأحاديث هذا الباب: جواز التلبية، والتكبير،
والتهليل
.

٣٨٩
(١٢) كتاب الحج - (٣٥) باب: ما يقال في الغدو من منى إلى عرفات
وفي رواية: ومِنَّ المُهَلِّلُ، فأمَّا نحنُ فَتُكَبِّرُ.
رواه مسلم (١٢٨٤) (٢٧٢ و٢٧٣)، وأبو داود (١٨١٦)، والنسائي
(٢٥٠/٥).
[١١٣٧] وعن محمّد بن أبي بكر الثَّقفي، أنَّه سألَ أنسَ بنَ مالكِ،
وهُما غَادِيَانِ مِن مِنىَ إلى عَرفاتٍ: كيف كُنتُم تصنعونَ في هذا اليومِ معَ
رسولِ اللهِ وَ﴿؟ فقالَ: كان يُهِلُّ المُهِلُّ مِنَّا، فلا يُنْكَرُ عَلَيه، ويُكَبِّرُ الَّكَبِّرُ
مِنَّا، فلا يُنْكَرُ عليه.
رواه البخاري (١٦٥٩)، ومسلم (١٢٨٥)(٢٧٤)، والنسائي
(٢٥٠/٥).
والتهليل بالغدوِّ إلى عرفاتٍ، والإفاضة منها. وبذلك قال مالك وغيره، ولا نعلم
خلافاً في جواز ذلك؛ مع أنَّ التلبيةَ أفضلُ في الحجّ والعمرة إلى وقت قطعها، وقد
ذكرنا متى يقطعها الحاتجُ. فأمَّا المعتمرون: فعند مالكِ إنْ أحرم من التنعيم فيقطعها
إذا رأى الحرم. وعنه: أنه إنْ أحرم من الجِعْرانة قطع إذا دخل مكة (١). وعند
أبي حنيفة، والشافعيُّ: يقطعها المعتمر إذا ابتدأ الطواف. ولم يفرقا بين القرب
والبعد .
(١) في النسخ جميعها: منه بدل مكة، وهو خطأ، والتصحيح من: إكمال إكمال المعلم
للأُبِّيِّ (٣٩٢/٣).

٣٩٠
(١٢) كتاب الحج - (٣٦) باب: الإفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة
(٣٦) باب
الإفاضة من عرفةَ والصَّلاة بمزدلفة
[١١٣٨] عن أسامة بن زيدٍ، قالَ: دفعَ رسولُ اللهِنَّهِ مِن عرفةَ،
حتَّى إذا كان بالشِّعْبِ نزلَ فبالَ، ثم تَوَضَّأَ ولم يُسبغ الوُضُوءَ.
- وفي رواية: تَوضَّأَ وُضُوءاً خفيفاً - فقلت له: الصَّلاةَ. قالَ: ((الصَّلاةُ
أمامَك)) فركبَ. فلمَّا جاءَ المزدلفةَ نزلَ فَتَوضَّأَ، فأسبغ الوُضوءَ، ثم
أُقيمتِ الصَّلاةُ، فصلَّى المغربَ، ثم أناخَ كلُّ إنسانٍ بعيرَه في منزِلِه، ثم
أُقيمت العِشاءُ فصلاّها، ولم يُصَلِّ بينَهما شيئاً.
[(٣٦) ومن باب: الإفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة](١)
(قوله في حديث أسامة: أنه و غير نزل فبال، ثم توضأ، ولم يسبغ الوضوء)
أي: لم يكمله. وهل اقتصر على بعض الأعضاء؛ فيكون وضوءاً لغوياً؟ أو اقتصر
على بعض الأعداد - وهو الواحدة مع استيفاء الأعضاء - فيكون وضوءاً شرعياً؟
قولان لأهل الشرح. وكلاهما محتملٌ. وقد عضد من قال بالشرعيِّ قوله بقول
الراوي: وضوءاً خفيفاً. فإنه لا يقال في النّاقص من الأصل: خفيف. وإنما يقال:
خفيف؛ في ناقص الكيفية. ولا خلافَ في أنَّ قوله: فأسبغ الوضوء: أنه شرعيٌّ.
الاقتصار على
الإقامة في
الجمع بين
الصلاتين
و (قوله: ثمَّ أقيمت الصلاة، فصلَّى المغرب، ثمَّ أقيمت العشاء) دليلٌ: على
جواز الاقتصار على الإقامة في الجمع من غير أذانٍ. وقد تقدم الخلافُ في ذلك في
حديث جابر، وأنه ذكر فيه الأذان للأولى. ويحتمل قوله: أقيمت - ها هنا -. شرع
فيها، ففعلت بأحكامها، كما يقال: أقيمت السُّوق) إذا حُرِّك فيها ما يليقُ بها من
البيع والشراء. ولم يقصدِ الإخبارَ عن الإقامة، بل عن الشُّروع.
(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.

٣٩١
(١٢) كتاب الحج - (٣٦) باب: الإفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة
وفي رواية: فركبَ حتَّى جئنا المزدلفةَ، فأقامَ المغربَ، ثم أناخَ
النَّاسُ في مَنَازِلهم، ولم يَحُلُوا، حتَّى أقامَ العِشاءَ الآخِرَة، فصلَّى، ثم
حَلُوا. قلت: وكيفَ فَعلتُم حينَ أصبحتُم؟ قال: رَدِفَه الفضلُ بن عَبَّاس،
وانطلقتُ أنا في سُبَاقٍ قُربشٍ على رِجْليَّ.
تقدم تخريجه برقم (١١٣٢) باب رقم (٣٤).
[١١٣٩] وعن هشام، عن أبيه، قال: سُئل أسامةُ، وأنَا شاهدٌ، أو
قالَ: سألتُ أسامةَ بنَ زيدٍ، وكانَ رسولُ الله ◌ِنَّهِ أُردَفه مِن عَرَفاتٍ: كيف
و (قوله: ثمَّ أناخ كلُّ إنسانٍ بعيرَه في منزله) يعني: أنهم بادروا بالمغرب عند المبادرة
بالمغرب عند
وصولهم إلى المزدلفة، فصلوها قبل أن يُنَوِّخوا إبلهم، ثمَّ لما فرغوا من صلاة
المغرب نوَّخوها ولم يحلُّوا رحالهم من عليها، كما قال في الرواية الأخرى؛ المزدلفة
الوصول إلى
وكأنها شوَّشت عليهم بقيامها، فأزالوا ما شوَّش عليهم. ويُستدلُّ به على جواز
العمل اليسير بين الصَّلاتين المجموعتين.
و (قوله: ولم يصلِّ بينهما شيئاً) حُجَّةٌ على من أجاز التنفل بين الصلاتين التنفل بين
المجموعتين. وهو قولُ ابن حبيب من أصحابنا. وخالفه بقيةُ أصحابنا، فمنعوه.
الصلاتين
و (قوله: ولم يَحُلُوا) - بضم الحاء - يعني: أنهم لم يَحُلُوا رحالهم، ولا
سبیل إلی کسر الحاء، کما توقَّمه من جهِل.
و (قوله: كيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: رَدِفَه الفضلُ ابن عباس،
وانطلقتُ أنا في سُبَّاق قريشٍ على رجليَّ) فظهر منه أنَّ هذا الجواب غير مطابقٍ لما
سأله عنه، فإنه سأله عن كيفية صنعهم للنسك، فأجابه بإردافه الفضل بن العباس،
وسبقه على رجليه. وليس كذلك، بل هو مُطابقٌ؛ لأنه أخبره بما يتضمَّن نفرهم من
المزدلفة إلى مِنى، فكأنه قال: نَفَرنا إلى منى.
المجموعتين

٣٩٢
(١٢) كتاب الحج - (٣٦) باب: الإفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة
كانَ سيرُ رسولِ الله ◌ِ ◌ِّ حِينَ أفاضَ مِن عرفةَ؟ قال: كانَ يسيرُ العَنَقَ. فإذا
وَجَدَ فَجْوَةً نصَّ. قال هشام: والنَّصُّ فوقَ العَنَقِ.
رواه البخاري (١٦٦٦)، ومسلم (١٢٨٦) (٢٨٣ و٢٨٤)، وأبو داود
(١٩٢٣)، والنسائي (٢٥٩/٥).
[١١٤٠] وعن ابن عمر، قال: جمعَ رسولُ اللهِوَّ بِينَ المغربِ
والعِشاءِ بجَمْع. ليس بينَهما سجدةٌ، وصَلَّى المغربَ ثلاثَ رَكَعاتٍ، وصَلَّى
العِشاءَ رَكعتينٍ.
- وفي روايةٍ: بإقامةٍ واحدةٍ - فكانَ عبدُ الله يُصلِّي بجمْعِ كذلكَ، حتَّى
لَحِقَ باللهِ عزَّ وجلَّ.
رواه البخاري (١٦٦٨)، ومسلم (١٢٨٨) (٢٨٧ و٢٨٩)، وأبو داود
(١٩٢٦)، والنسائي (٢٦٤/٥).
*
و (العَنَق): سيرٌ فيه رفق. و (الفجوة): المتسع من الأرض. و (النصُّ) أرفع
السير. ويعني: أنه كان إذا زاحمه الناسُ سار برفقٍ لأجلهم، وإذا زال الزِّحام
أسرع. وهذا يدلُّ: على أنَّ أصلَ المشروعية في ذلك الموضع الإسراع.
و (قوله: ليس بينهما سجدة) [يعني به: الركعة، وقد تقدم أنَّ ذلك كلام أهل
الحجاز، ويسمون الركعة: سجدةً](١) وقدمنا أنَّ الجمعَ بين الصلاتين بعرفة
والمزدلفة مجمعٌ عليه، وأنه اختلف فيما سوى ذلك في كتاب الصلاة.
و (قوله: بإقامة واحدةٍ) ظاهره للصَّلاتين، وهو خلافُ ما تقدم. ويحتملُ أن
يريد به إقامةً واحدةً لكلِّ صلاةٍ. ويتحرَّزُ بذلك من الأذان. وقد تقدم: أنَّ جمعاً،
والمزدلفة، والمشعر الحرام، وقزح، أسماءٌ لموضع واحدٍ.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٣٩٣
(١٢) كتاب الحج - (٣٧) باب: التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة
(٣٧) باب
التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة،
والإفاضة منها، وتقديمُ الظَّعُنِ والضَّعَفة
[١١٤١] عن عبد الله، قال: ما رأيتُ رسولَ الله وَليهِ صلَّى صلاةً إلا
لميقاتِها، إلا صلاتين: صلاةَ المغربِ والعِشاءِ بجمْع، وصَلَّى الفجرَ يومئذٍ
قبلَ میقاتِها.
وفي رواية: قبلَ وقِتِها بغَلَس.
رواه أحمد (٤٣٤/١)، والبخاري (١٦٨٢)، ومسلم (١٢٨٩).
(٣٧) ومن باب: التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة
(قول ابن مسعود: إنه ◌َ﴿ صلَّى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها) لا يفهم من ذلك:
أنه يعني بذلك: أنه أوقع صلاة الصبح قبل طلوع الفجر، فإن ذلك باطلٌ بالأدلة
القاطعة. وإنما يعني بذلك: أنه ◌َ ل﴾ [أوقع الصبح يومئذٍ قبل الوقت الذي كان
يوقعها فيه في غير ذلك اليوم، وذلك أنه و﴿] (١) كان إذا أتاه المؤذِّنُ يخبره(٢)
بالفجر صلَّى ركعتي الفجر في بيته، وربما تأخر قليلاً ليجتمعوا، ثم يخرج فيصلي،
ومع ذلك فكان يصلِّيها بغلس كما قال ابن عباس، وعائشة، وغيرهما. وأما في
هذا اليوم: فكان الناسُ مجتمعين والفجر نصب أعينهم، فبأول طلوع الفجر ركع
ركعتي الفجر، وشرع في صلاة الصبح، ولم يتربَّص لاجتماع الناس، وليتفرَّغوا
للدعاء، فصار فعل هذه الصلاة في هذا اليوم قبل وقتها المعتاد. و (حطم الناس):
زحمتهم؛ لأنَّ بعضَهم يحطُم بعضاً من أجل الزِّحام؛ وأصل الحطم: كسر الحطام،
(١) ساقط من (ع).
(٢) من هامش (هـ).

٣٩٤
(١٢) كتاب الحج - (٣٧) باب: التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة
[١١٤٢] وعن عائشة، أنَّها قالت: استأذنتْ سودةُ رسولَ الله وَه
ليلةَ المزدلفة، تدفعُ قبلَه، وقبلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وكانتِ امرأةً ضَخْمَةٌ شَبِطَةً.
قالت: فأذنَ لها، فخرجتْ قبل دَفْعَةِ النَّاس،َ وحَبَسنا حتى أصبحنَا، فدفعْنا
بدفعِه، ولأن أكونَ استأذنتُ رسولَ الله وَّهِ، كما استأذَنَتْه سودةُ، فأكونُ
أدفعُ بإذنِهِ، أَحَبُّ إليَّ من مَفْرُوحِ به.
وفي رواية: قالت عائشة: فاستأذنتْ سودةُ رسولَ اللهِّهِ أنْ تُفيضَ
مِن جَمْعِ بليلٍ. فأذنَ لها. وفيها: وكانت عائشةُ لا تُفيضُ إلا معَ الإمام.
وفي أخرى: قالتْ عائشةُ: وددتُ أني كُنتُ استأذنتُ رسولَ الله ◌ِيه
كما استأذَنَتْه سودةُ، فأُصلِّي الصُّبحَ بمنى، فأرمي الجمرةَ قبلَ أنْ يأتيَ
النَّاسُ .
رواه البخاري (١٦٨٠)، ومسلم (١٢٩٠)، والنسائي (٢٩٢/٥)،
وابن ماجه (٣٠٢٧).
وهو اليابس من الزرع وغيره. و (الثبطة): الثقيلة، كأنها تثبط بالأرض؛ أي:
تتثبت، وتتحبَّس. و (المفروح به) هو كلُّ شيءٍ معجِبٌ، له بالٌ، بحيث يُفْرَحُ به؛
كما قد جاء في غير موضعٍ: هو أحبُّ إليَّ من حمر النعم. و (الظعن): جمع
ظعينة. وهُنَّ النساءُ في الهَوادج. و (هنتاه) منادى: هنة؛ التي هي مؤنث هن؛
الذي هو كنايةٌ عن نكرةٍ؛ كشيء، ونحوه. ولا يستعمل: هناه، ولا هنتاه إلا في
النداء خاصة. ونون: هنتاه؛ ساكنة، وأصل هائه أن تكون ساكنةً؛ لأنها للسكت،
لكنهم قد شبهوها بالضمائر فأثبتوها في الوصل، وضموها، كما قال امرؤ القيس:
وَقَدْ رابَنِي قَوْلُها يَا هَنا هُوَيْحَكَ أَلْحَقْتَ شَرّاً بِشَرٌ
فقولهم: يا هناه؛ كقولك: يا رجلُ و: يا هنتاه؛ كـ: يا امرأة.

٣٩٥
(١٢) كتاب الحج - (٣٧) باب: التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة
[١١٤٣] وعن عبد الله مولى أسماءَ، قالَ: قالتْ أي أسماءُ، وهي
عندَ دارِ المزدلفة: هل غابَ القمرُ؟ قلتُ: لا. فصلَّتْ ساعةً. ثم قالت:
الوقوف بعرفة
وفي هذه الأحاديث ما يدلُّ: على أنَّ الكون بالمزدلفة بعد الوقوف بعرفة من الكون
شعائر الحجِّ، ومناسكه. ولا خلافَ في ذلك؛ إلا خلافاً شاذاً روي عن عطاء، بالمزدلفة بعد
والأوزاعيِّ: أنَّ جمعاً منزل كسائر منازل السّفر؛ من شاء طواه، ومن شاء نزل به،
ورحل متى شاء. ثم اختلف القائلون: بأنه مشروع. فمنهم من ذهب إلى أنه ركنٌ
يبطلُ الحُجُّ بفواته. وإليه ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام. وقال علقمة، والشَّعبي،
والنخعي: من فاته جمع، ولم يقفْ به؛ فقد فاته الحجّ. والجمهور: على أنه يلزمه
بفواته دمّ والحجُّ صحيح. ثم اختلف في القدر الذي يُجزىء من ذلك. فقال القدر الذي
الشافعيُّ: إن خرج منها بعد نصف الليل؛ فلا شيءَ عليه. وإن كان قبلُ ولم يعد يجزىء في
إليها؛ افتدى بشاةٍ. وقال مالك: من نزل بها؛ فلا دمَ عليه في أي وقتٍ دفعٍ منها، بالمزدلفة
الوقوف
وإن مرَّ ولم ينزل؛ فعليه الدم. وأما الوقوف بالمشعر الحرام: فقد صار الشَّافعيُّ،
والنخعيُّ، والأوزاعيُّ: إلى أنه إن فاته الوقوف به؛ فقد فاته الحجّ. واختلف فيه
عن الثوريّ. والجمهور: على أنه ليس بواجب. ثم اختلفوا. فقال الكوفيُّون،
وفقهاءُ أصحاب الحديث: على تاركه دم. وذهب مالك: إلى أنه مستحبٌّ،
ولا یجبُ بتر که دم.
وسبب هذا الخلاف معارضةُ ظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ
عَرَفَاتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] لما ثبت من السُّنَّة
في إذنه وَل لضعفة أهله في الدَّفع من المزدلفة قبل طلوع الفجر إلى منى، ولم
يأمرهم بالوقوف، ولا بالدَّم [على الترك](١) فدلَّ ذلك: على أنه ليس بواجبٍ، ولا
في تركه دمٌّ، وما أمر به عبدُ الله بن عمر مَن قدَّمه من ضعفة أهله من الوقوف عند
المشعر الحرام، فذلك على جهة الاستحباب(٢) منه، وهو حَسَنٌ لمن فعله. وهذه
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).
(٢) في (هـ) و (ل): الاستحسان.

٣٩٦
(١٢) كتاب الحج - (٣٧) باب: التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة
يا بُنيَّ! هل غابَ القمرُ؟ قلتُ: نعم. قالتْ: ارحلْ بُنَيَّ! فارتحلنا حتَّى
رمتِ الجمرةَ. ثم صلَّت في منزلها. فقلتُ لها: أي هَنْتَاهُ! لقد غَلَّسْنا.
قالت: كلَّ أْ بِنَيَّ! إِنَّ النبيَّ وَ﴿ أَذِنَ لِلفُعُنِ.
رواه البخاري (١٦٧٩)، ومسلم (١٢٩١)، وأبو داود (١٩٤٣)،
والنسائي (٢٦٦/٥).
[١١٤٤] وعن أُمّ حبيبةَ: أنَّ النبيَّ نَّهِ بعثَ بها مِن جَمْعِ بليلٍ. وفي
رواية: نُغَلِّسُ.
رواه مسلم (١٢٩٢) (٢٩٨ و٢٩٩)، والنسائي (٢٦٢/٥).
الأحاديثُ تدلُّ: على أنَّ الدفعَ للضَّعفة من المزدلفة قبل طلوع الفجر رخصةٌ،
ولا خلافَ في أنَّ الأولى والأفضل المكث بالمزدلفة إلى أن يُصلَّى الفجر بها، ثم
يقف بالمشعر الحرام، ثم يدفع منها بعد ذلك، كما فعله النبيُّ نَّهِ. ثم هل تلك
الرخصةُ تختصُّ بالإمام أو تتعدَّى إلى غيره ممن يحتاجُ إلى ذلك؟ قولان عندنا.
وابن عمر راوي الحديث فهم التعدِّي، وأنَّ مَن احتاج إلى ذلك فعله، وهو
الصحيحُ.
و (قوله: فارتحلت حتى رمت الجمرة، ثم صلت في منزلها) يعني: صلاة
الصُّبح. وظاهره: أنَّ أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الفجر. وهو متمسَّكُ الشافعي
على قوله بجواز رمي الجمرة من نصف الليل. وذهب الثوريُّ، والنخعيُّ: إلى أنها
لا تُرمى إلا بعد طلوع الشمس؛ متمسّكين بما في كتاب النَّسائي من حديث
ابن عباسٍ: أنه ◌َّ قدَّم ضعفة أهله، وأمرهم ألا يرموا حتى تطلع الشمس(١). وهو
صحيح. ومذهب مالك: أنَّ الرمي يحلُّ بطلوع الفجر. متمسِّكاً بقول عائشة:
وقت رمي
جمرة العقبة
(١) رواه النسائي (٢٦١/٥).

٣٩٧
(١٢) كتاب الحج - (٣٧) باب: التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة
[١١٤٥] وعن ابن عبّاس، قال: بعثَ بي نبيُّ اللهِلَّهُ بِسَحَرٍ من
جَمْعٍ فِي ثَقَلِ نبيِّ الله.
رواه البخاري (١٦٧٧)، ومسلم (١٢٩٤)، وأبو داود (١٩٣٩)،
والترمذي (٨٩٢)، والنسائي (٢٦١/٥)، وابن ماجه (٣٠٢٦).
[١١٤٦] وعن سالم بن عبد الله، أنَّ عبدَ الله بنَ عمر كانَ يُقَدِّمُ
ضَعَفَةَ أهلِه، فيقفونَ عندَ المشعرِ الحرام بالمزدلفةِ باللَّيل، فيذكرونَ اللَّهَ
ما بَدا لهم، ثم يدفعونَ قبلَ أنْ يقفَ الإمامُ، وقبلَ أن يدفعَ، فمنهم من
يَقْدَمُ مِنى لصلاةِ الفجر، ومنهم مَنْ يَقْدَمُ بعدَ ذلك. فإذَا قَدِمُوا رَمَوْا
الجمرةَ، وكان ابنُ عمر يقولُ: أرخَصَ في أولئكَ رسولُ اللهِلته.
رواه البخاري (١٦٧٦)، ومسلم (١٢٩٥).
فأصلي الصبح بمنىَ، وأرمي الجمرة(١). وبحديث ابن عمر. وإليه ذهب أحمد،
وإسحاق، وأصحاب الرأي.
و (قول ابن عباس: بعثني رسولُ اللهِ ◌ّ من جمع في ثَقَله بِسَحَرَ) بغير
صرفٍ، وهو الصوابُ، لأنه سحر معينٌ. و (ثَقَل) بفتح الثاء والقاف: وهو الشيء
الذي يثقل حامله(٢).
(١) سبق تخريجه برقم (١٤٤٢).
(٢) هنا نهاية النسخة الظاهرية.

٣٩٨
(١٢) كتاب الحج - (٣٨) باب: رمي جمرة العقبة
(٣٨) باب
رمي جمرة العقبة
[١١٤٧] عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: رمَى عبدُ الله بنُ مسعود
جمرة العقبةِ من بطنِ الوَادي، بسبعٍ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كُلِّ حَصاةٍ.
- زاد في رواية: وجعلَ البيتَ عن يَسارِهِ، ومِنى عن يَمِينه - قال: فقيلَ
له إنَّ ناساً يرمُونَها من فَوْقِها. فقال عبدُ الله بن مسعود: هذا والذي لا إلهَ
غيرُهُ مَقامُ الذي أُنزِلتْ عليه سورةُ البقرةِ.
رواه أحمد (٤١٥/١)، والبخاري (١٧٤٨)، ومسلم (١٢٩٦)
(٣٠٥ و٣٠٧)، وأبو داود (١٩٧٤)، والترمذي (٩٠١)، والنسائي
(٢٧٣/٥).
(٣٨) ومن باب: رمي جمرة العقبة
الجمهور: على أنَّ رميَ جمرة العقبة سُنَّةٌ مؤكدةٌ، يجب بتركها دمٌّ، وذهب
عبدُ الملك: إلى أنها ركنٌ من أركان الحجِّ، وعليه: فإن تركها بطل حَجُّه؛ كسائر
الأركان. ولا خلافَ في أنها ترمى بسبع يوم النحر قبل الزوال، ولا خلافَ في
استحباب رميها - على ما في حديث ابن مسعود - من بطن الوادي، والبيت عن
يساره، ومنىَ عن يمينه، وإن رميها من غير ذلك جائز إذا رمى في موضع الرَّمي.
وقد روي: أنَّ عمر جاء فوجد الزِّحام؛ فرماها من فوقها. ولا خلافَ في استحباب
التكبير مع كلِّ حصاةٍ، غير أنه حكى الطبريُّ عن بعض الناس أنه قال: إنما جُعِل
الرمي حفظاً للتكبير؛ فلو ترك الرميّ تاركٌ وكبَّر أجزأه، وروي نحوه عن عائشة
- رضي الله عنها -. وهو خلافٌ شاذٍّ. وكان ابنُ عمر، وابن مسعودٍ يقولان عند
رمي الجمار: اللهم اجعله حجَّاً مبروراً، وذنباً مغفوراً. وتُرمى سائر الجمار ما عدا
جمرة العقبة من فوقها. وكلُّ جمرة ترمي بسبع، فمن رماها بأقلَّ، وفاته جَبْرُ ذلك
حکم رمي
جمرة العقبة
رمي سائر
الجمار

٣٩٩
(١٢) كتاب الحج - (٣٨) باب: رمي جمرة العقبة
[١١٤٨] وعن جابر بن عبدِ الله، قال: رأيتُ النبيَّ ◌َّه يَرمي على
رَاحلتِهِ يومَ النَّحْرِ ويقولُ لنا: ((خذُوا عَنِّي مناسِكَكُم، فإنِّي لا أدري لَعلِّي
لا أحج بعدَ حجتي هذه)).
رواه مسلم (١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي (٢٧٠/٥).
كان عليه دمّ عند مالك، والأوزاعيِّ، وذهب الشافعي وأبو ثور: إلى أنَّ على تارك
حصاةٍ مدَّاً من طعامٍ، وفي اثنتين مُدَّان، وفي ثلاثٍ فأكثر دمٌّ. وقال أبو حنيفة،
وصاحباه: لو ترك أقلّ من نصف الجمرات الثلاث ففي كلِّ حصاة نصف صاع؛
وإن كان أكثر من نصفها فعليه دم. وقال مالكٌ: إنْ نسي جمرةً تامةً أو الجمار كلّها
فعلیه بدنة، فإن لم يجد فبقرةٌ، فإن لم يجد فشاءً. وقال عطاء فیمن رمی بخمس،
ومجاهد فيمن رمى بست: لا شيء عليه. واتفقوا: على أنه بخروج أيام التشريق
يفوت الرَّمي إلا ما قاله أبو مصعب: أنه يرمي ما ذكر كمن نسي صلاة؛ يصليها متى
ما ذكرها.
و (قوله لنا: ((خذوا مناسككم))) صحيحُ روايتنا فيه: (لنا) بلام الجر
المفتوحة، والنون، وهو الأفصح. وقد روي: (لتأخذوا) بكسر اللام للأمر،
وبالتاء باثنتين من فوقها، وهي لغة شاذة. وقد قرأ بها رسولُ اللهِ وَلَى: ﴿فِذَلِكَ
فَلْيَفْرَحُواْ﴾(١) [يونس: ٥٨]. وهو أمرٌ للاقتداء به، وحوالةٌ على فعله الذي وقع به
البيانُ لمجملات الحجِّ في كتاب الله. وهذا كقوله لما صلى: ((صلُّوا كما رأيتموني
أصلي)»(٢). ويلزم من هذين الأمرين: أن يكونَ الأصلُ في أفعال الصلاة والحج
(١) قال النحاس: سبيل الأمر أن يكون باللام ليكون معه حرف جازم، كما أن مع النهي
حرفاً، إلا أنهم يحذفونها من الأمر للمخاطب استغناءً بمخاطبته، وربما جاؤوا به على
الأصل كما في هذه القراءة. (تفسير القرطبي ٨/ ٣٥٤).
(٢) رواه أحمد (٥٣/٥)، والبخاري (٦٨٥)، ومسلم (٦٧٤)، والنسائي (٩/٢).

٤٠٠
(١٢) كتاب الحج - (٣٨) باب: رمي جمرة العقبة
[١١٤٩] وعن أم الحصين، قالت: حججتُ معَ رسولِ اللهِوَله حَجَّةَ
الوَداع، فرأيتُه حينَ رمَى جمرةَ العَقَبةِ وانصرفَ وهو على رَاحلتِهِ، ومعه
بلالٌ وأسامةُ، أحدُهما يقودُ به راحلته، والآخرُ يرفعُ ثوبَه على رأس
رسولِ اللهِ و ◌َ﴿ مِن الشَّمس. قالت: فقالَ رسولُ اللهِوَّه قولاً كثيراً، ثَم
الوجوب؛ إلا ما خرج بدليلٍ؛ كما ذهب إليه أهلُ الظاهر، وحُكي عن الشَّافعي.
وكونه وَ ل﴿ رمى راكباً لِيُظْهِر للناس فِعْله على ما قررناه في طوافه، وسعيه في
حديث جابر.
الحکمة من
رميه ﴾
الجمار راكباً
استظلال
المحرم
و (قوله: والآخر يرفع ثوبه على رأس رسول الله وَ له من الشَّمس) تعلَّق بهذا
مَن جوَّز استظلالَ المحرم، وقد تقدَّم(١)، وكره مالك ذلك، وأجاب بعضُ أصحابه
عن هذا الحديث: بأنَّ هذا القدر لا يكاد يدوم. كما أجاز مالكٌ للمحرم أن يستظلَّ
بیده. وقال: ما أيسر ما يذهب ذلك، وقد روي: أن عمر - رضي الله عنه - رأی
رجلاً جعل ظلاً على مَحمِلِه؛ فقال: أضح لمن أحرمت له، أي: ابرز إلى
الضحاء. وقال الرياشيُّ: رأيت أحمد بن المعدِّل في يوم شديد الحرِّ؛ فقلت:
يا أبا الفضل! هلا استظللت! فإنَّ في ذلك توسعةً فيه، فأنشد:
إِذا الظُّلُّ أَضْحَى في القِيَامَةِ قَالِصا
ضَحِيتُ لَهُ كَيْ أسْتَظِلَّ بِظِلِّهِ
وَوَاحَسْرَتَا إِنْ كانَ أجْرُكَ ناقِصا
فَوَا أَسَفا إِنْ كانَ سَعْيُكَ ضَائِعاً
قال صاحب الأفعال: يقال: ضحيت، وضحوتُ، ضحياً، وضحواً: برزت
للشمس. وضَحَيْتُ، ضحاً: أصابتني الشمس. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأُ فِيهَا
وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩].
(١) في (ج): المحرم راكباً كما تقدَّم.