Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
(١٢) كتاب الحج - (٢٣) باب: الطواف عند القدوم
فطافَ بالبيتِ قبلَ أنْ يأتيَ الموقفَ. فبقولِ رسولِ الله ﴿ ﴿ أحقُّ أنْ تأخذَ، أو
بقولِ ابن عبّاس، إنْ كنتَ صادقاً؟.
رواه مسلم (١٢٣٣) (١٨٧).
[١١٠٧] وعن عروة بن الزُّبير، قال: أخبرتني عائشةُ أنَّ أولَ شيءٍ
بدأَ به رسولُ اللهِ حين قدمَ مَّة أنه توضَّأ، ثم طافَ بالبيتِ. ثم حجَّ
أبو بكر، فكانَ أوَّلَ شيءٍ بدأَ به الطَّافُ بالبيتٍ، ثم لم يكن غيرُه. ثم
الرُّواة: أنَّ النبيَّ وَلَيهِ بدأ بالطواف عند قدومه مكة(١). وقد حمل بعضُ متأخري(٢)
العلماء هذا السؤال: على أنه فيمن أحرم بالحجِّ من مكة؛ هل يطوف طواف القدوم طواف القدوم
قبل أن يخرجَ إلى عرفات؟ قال: فمذهب أبي حنيفة والشافعيَّ: أنه يطوفُ حين لمن أحرم
بالحج من مكة
يُخْرِم، كما قال ابنُ عمر. قال: والمشهور(٣) من مذهب أحمد: أنه لا يطوف حتى
يخرج إلى مِنى وعرفات؛ ثم يرجع ويطوف، كما قال ابن عباس. وعن أحمد رواية
کمذهب ابن عمر .
و (قوله: إن كنت صادقاً) ورعٌ منه لئلا يذكر ابن عباس بشيءٍ ما ثبت عنه.
ويمكن أن يحملَ إطلاقُ فتيا ابن عباس على المراهق(٤)، فإنه لا يخاطب بطواف لا يخاطب
القدوم، أو يكون ابنُ عباس سئل عن طواف الإفاضة فأجاب: بأنه لا يُفْعَلُ إلا بعد بطواف القدوم
الوقوف. وهو الحقُّ. والله أعلم. وقد تقدَّم ذِكْرُ حُكم طواف القدوم وغيره.
من ضاق عليه
الوقت
و (قوله: ثمَّ لم يكنْ غيرُه) في المواضع كلِّها، كذا وقع في جميع نُسخ مسلم
عند جميع رواته. قال القاضي عياض: وهو تغييرٌ، وصوابه: ثم لم تكن عُمرةٌ.
(١) رواه البخاري (١٦٢٥).
(٢) ساقطة من (ع).
(٣) في (هـ): والمنصور.
(٤) ((المراهق)): هو الذي ضاق عليه الوقت بالتأخير حتى يخاف فوت الوقوف بعرفة
(النهاية ٢٨٤/٢).

٣٦٢
(١٢) كتاب الحج - (٢٣) باب: الطواف عند القدوم
عمرُ، مثلُ ذلك. ثم حجَّ عثمانُ فرأيتُهُ أوَّلَ شيءٍ بدأ به الطَّافَ بالبيتِ، ثم
لم يكن غيرُه. ثم معاويةُ وعبدُ الله بنُ عمر. ثم حَجَجْتُ مع أبي، الزُّبَيْرِ بن
العَوَّم، فكانَ أوَّلَ شيءٍ بدأَ به الطَّوافَ بالبيتِ، ثم لم يكن غيرُه. ثم آخرُ مَنْ
رأيتُ فعلَ ذلكَ ابنُ عمر. ثم لم يَنْقُضْهَا بعمرةٍ، ولا أحدٌ ممن مضَى
ما كانوا يَبدأونَ بشيءٍ حِينَ يضعونَ أقدامَهم أوَّلَ مِن الطَّواف بالبيتِ، ثم
لا يَحِلُونَ. وقد رأيتُ أُمِّي وخَالتي حين تَقْدَمَانِ لا تبدآنِ بشيءٍ أَوَّلَ مِن
البيتِ، تَطُوفَان به، ثم لا تَحِلَّن. وقد أخبرتني أُمِّي أنَّها أقبلتْ هي وأختُها
والزُّبيرُ وفلانٌ وفلانٌ بعمرةٍ قَطُّ. فلمَّا مَسَحُوا الرُّكنَ حَلُّوا.
رواه البخاري (١٦١٤)، ومسلم (١٢٣٥).
*
وهكذا رواه البخاريُّ، وبه يستقيم الكلام. قال: ويدلُّ على صحَّة هذا قولُه في
الحديث نفسه: وآخر من فَعَل ذلك ابنُ عمر، ولم ينقضها بعُمرةٍ.
قلتُ: ويحتملُ أن يحملَ لفظُ مسلم على معنى صحيح من غير احتياج إلى
تقدير تغيير وتوهيم للرُّواة الحفّاظ، بأن يقال: إنَّ قوله: ثم لم يكن غيره. يعني:
إنَّه لم يكن تحلّل بعمرة، أي: لم يُحدث غير الإحرام الأول. وأفاد ذلك: أنَّ
طوافهم الأول لم يكن للعمرة بل للقدوم. وعلى هذا الذي ذكرناه تكون روايةُ مَن
رواه: ثم لم تكن عمرةٌ؛ مقيدةٌ لهذه الرواية: ثم لم يكن غيره. ولا تكون هذه
تصحیفاً.
و (قوله: فلمَّا مسحوا الرُّكن حلُّوا) يعني بذلك: لمس الحجر في آخر
الطوَّاف، ولم يذكر السعي بين الصفا والمروة؛ لأنَّه قد صار من المعلوم ملازمةُ
السعي للطواف، فاكتفى بذكره عنه. وأيضاً: فقد وردتْ أخبار عن هؤلاء
المذكورين: بأنهم سعوا بعد طوافهم. فتكمل الرواية الناقصة، ويرتفعُ الإشكال.

٣٦٣
(١٢) كتاب الحج - (٢٤) باب: إباحة العمرة في أشهر الحج
(٢٤) باب
إباحة العمرة في أشهر الحج
[١١٠٨] عن ابن عبَّاس، قال: كانوا يرونَ العمرةَ في أشهر الحَجِّ
من أفجر الفَجور في الأرضِ. ويجعلونَ المحرَّمَ صَفَراً، ويقولون: إذا بَرَأَ
الدَّبَرْ، وعَفَا الأَثَرْ، وانسلخ صَفَر، حَلَّتِ العمرةُ لمن اعتمرْ. قَدِمَ النبيُّ وَله
(٢٤) ومن باب: إباحة العمرة في أشهر الحجّ
(قوله: كانوا يرون أنَّ العمرةَ في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور) أي: من النسيء في
أفحش الفواحش، ويعني أهل الجاهلية، وكان ذلك من تحكّماتهم المبتدعة.
الجاهلية
و (قوله: ويجعلون المُحَرَّمِ صَفَرَ) أي: يُسَُّونه به، وينسبون تحريمه إليه،
لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهرٍ حُرُم؛ فتضيق عليهم بذلك أحوالهم. وحاصلُه: أنهم
كانوا يحلّون من الأشهر الحرم ما احتاجوا إليه، ويُحرِّمون مكان ذلك غيره، وكان
الذين يفعلون ذلك يُسمَّوْن: النَّسَأة. وكانوا أشرافهم. وفي ذلك قال شاعرهم(١):
أَلَسْنا النَّاسِنِينَ عَلَى مَعَدُّ شُهُوْرَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَرامَا
فردَّ الله كلَّ ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلنَِّىُّ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ الآية
[التوبة: ٣٧].
و (قوله: ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة
لمن اعتمر) فـ: (برأ) أفاق. و (الدَّبر) يعني به دبر ظهور الإبل عند انصرافها من
الحجِّ. و (عفا الأثر) انمحى، ودرس. الخطابي: يعني أثر الدبر. وفيه بُعْد. وقال
غيره: يعني أثر الحاج من الطرق. و (عفا) من الأضداد. يقال: عفا الشيء: كثر،
وقلَّ، وظهر وخفي، مثله.
(١) هو: عُمير بن قيس الطعان.

٣٦٤
(١٢) كتاب الحج - (٢٥) باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام
وأصحابُه صبيحةَ رابِعةٍ، مُهِلِّين بالحجِّ، فأمرَهم أنْ يجعلُوها عُمْرةً. فتعاظمَ
ذلك عندَهم. فقالوا: يا رسول الله! أيُّ الحِلِّ؟ قال: ((الحِلُّ كلُّهُ».
رواه أحمد (٢٥٢/١)، والبخاري (١٥٦٤)، ومسلم (١٢٤٠)
(١٩٨)، وأبو داود (١٩٨٧)، والنسائي (١٨٠/٥).
(٢٥) باب
تقليدُ الهدي وإشعارُه عند الإحرام
[١١٠٩] عن ابن عبّاس، قال: صلَّى رسولُ اللهِوَِّ الظُّهْرَ بِذِي
الحُلَيْفَة، ثم دَعَا بناقتِهِ فَأَشْعَرَها في صَفْحَةِ سَنامِها الأَيْمَنِ، وسَلَتَ الدَّمَ،
أین یکون
الإشعار؟
(٢٥) [ومن باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام] (١)
(الإشعار): الإعلام. وإشعار الهدي: هو أن يفعل فيه علامةٌ يعلم بها أنه
هديٍّ. و (شعائر الحج) معالمه، وهي مواضعُ أفعاله. ومنه سُمِّي المشعر الحرام.
و (صفحة السَّنام) جانبه. و (السَّنام) أعلى ظهر البعير. وحديثُ ابن عباس هذا
يدل: على أنَّ الإشعار يكون [في الجانب الأيمن، وبه أخذ الشَّافعيُّ، وأحمد،
وأبو ثور، وروي عن ابن عمر. وقالت طائفة: يشعر](٢) في الجانب الأيسر. وبه
قال مالك. وقال أيضاً: لا بأس به في الأيمن. [وقال مجاهد: من أي الجانبين
شاء](٣). وبه قال أحمد في أحد قوليه. وفيه ردّ على أبي حنيفة؛ حيث لا يرى
الإشعار، ويقول: إنه مُثْلَةٌ.
ولا حُجَّةَ لمن قال: إنَّ الإشعارَ تعذيبٌ للحيوان، فإنَّ ذلك يجري مجرى
الإشعار ليس
بتعذيب
للحيوان
(١) العنوان ساقط من الأصول، ومستدرك من التلخيص.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٣) ساقط من (ع).

٣٦٥
(١٢) كتاب الحج - (٢٥) باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام
وقَلَّدَها نَعْلَيْنِ، ثم رَكِبَ راحلته، فلما استَوتْ به على البَيْدَاءِ، أهَلَّ بالحجِّ.
رواه أحمد (٢١٦/١)، ومسلم (١٢٤٣)، وأبو داود (١٧٥٢)،
والترمذي (٩٠٦)، والنسائي (١٧٠/٥)، وابن ماجه (٣٠٩٧).
[١١١٠] وعن عائشةَ، قالتْ: أهدَى رسولُ اللهِ وَّهِ مَرَّةً إلى البيت
غنماً فقَلَّدَها.
رواه البخاري (١٧٠١)، ومسلم (١٣٢١) (٣٦٧)، وأبو داود (١٧٥٥)،
والترمذي (٩٠٩)، والنسائي (١٧٣/٥ - ١٧٤)، وابن ماجه (٣٠٩٦).
الوَسْم الذي يُعرف به الملك(١) وغيره مما في معناه. ثمَّ هو أمرٌ معمولٌ به من كافَّة
المسلمين وجماهيرهم من الصحابة وغيرهم. وهذا في البُذْن واضحٌ. فأمَّا البقر:
فإن كانت لها أسنمةٌ أشعرت كالبُدْن. قاله ابنُ عمر. وبه قال مالكٌ. وقال
الشَّافعيُّ، وأبو ثور: تقلَّد، وتشعر مطلقاً، ولم يفرقوا. وقال سعيد بن جبير: تُقْلَّد
البقر ولا تُشعر. فأمَّا الغنم: فلا تُشعَر. وهل تقلَّد أم لا؟ قولان. فمن صار إلى
تقليدها جماعةٌ من السلف، وبه قال الشافعيُّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور،
وابن حبيب. وأنكره مالك، وأصحاب الرأي. وكأن هؤلاء لم يبلغهم حديثُ
عائشة في تقليد الغنم، أو بلغهم، لكنهم تركوه(٢) لانفراد الأسود به عن عائشة،
ولم يرد ذلك غيره عنها.
و (قوله: وقلَّدها نعلين) النعلان أفضل عندهم. وأجاز مالكٌ والشَّافعي نعلاً المقصود من
واحدةً. وأجاز الثوري فم القِرْبة وشبهها. ومقصودُ التقليد والإشعار: أن يجبَ
التقلید
الهديُ ويُعرف، فلا يتعرَّض له أحدٌ، وإن ضلَّ نُحِر، ولا يُنحر دون مَحِلُّه.
والإشعار
(١) في (ع): الموسوم.
(٢) من (هـ) و(ل) وفي بقية النسخ: مردود.

٣٦٦
(١٢) كتاب الحج - (٢٦) باب: كم اعتمر النبيُّ ﴾؟
(٢٦) باب
كم اعتمرَ النبيُّ نَّ﴿ و کم حجَّ؟
[١١١١] عن قتادةَ، قالَ: سألتُ أنساً: كم حَجَّ رسولُ اللهِوَّ؟
قال: حَجَّةً واحدةً، واعتمرَ أربعَ عُمَرٍ كُلُّهُنَّ في ذي القَعْدة إلَّا التي مع
حَجَّتِهِ: عُمرةً مِن الحُديبية، أو زَمَن الحُدَيبية في ذي القَعْدَةِ، وعُمرةً مِن
عمرة الحديبية
عمرة القضاء
(٢٦) ومن باب: كم اعتمر النبيُّ ◌َّ؟
(قوله: عمرة من الحديبية) يعني: التي صدَّه فيها المشركون عن البيت، فحلَّ
منها في الحديبية، وحلق، ونحر، ورجع إلى المدينة؛ كما صالحهم عليه. ثمَّ إنه
اعتمر في السَّنة الثانية [عمرة القضاء. وسُمِّيت بذلك؛ وبعمرة القضية أيضاً؛ لأنه
إنما اعتمرها](١) في السَّنة الثانية على ما كان قاضاهم عليه. أي: صالحهم،
وذلك: أنهم كانوا اشترطوا عليه ألا يدخل عليهم مكة في سنتهم تلك، بل في
السَّنَةِ الثانية، ولا يدخلها عليهم بشيءٍ من السِّلاح إلا بالسيف وقرابه، وأنَّه
لا يمكث فيها أكثر من ثلاثة أيام، إلى غير ذلك من الشُّروط التي هي مذكورةٌ في
كُتُب السِّيَر، فوفَّى لهم النبيُّ ◌َّ بذلك.
وأمَّا عمرته من جعرانة فكانت بَعْد منصرفه من حُنين، ومن الطَّائف، وبعد
قسم غنائم حنين(٢) بجعرانة. وأما عمرته مع حجَّته فهي التي قرنها مع حجته على
رواية أنس، أو أردفها(٣) على ما ذكرناه عن ابن عمر. واعتمد مالك في موطئِه:
على أنَّه ◌َله اعتمر ثلاث عُمر. إحداها في شوال، فأسقط التي مع حجته بناءً منه (٤)
عمرة الجغرانة
العمرة مع
الحج
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).
(٢) في (ع): خيبر، وهو خطأ.
(٣) في (ع): أفردها.
(٤) من (هـ).

٣٦٧
(١٢) كتاب الحج - (٢٦) باب: كم اعتمر النبيُّ ﴾؟
العام المُقبلِ، في ذي القَعْدةِ، وعُمرةً من جِعْرَانَة، حَيثُ قَسَمَ غَنَائم حُنَيْنِ
فِي ذِي القَعْدة، وعُمْرةً مع حَجَتِه.
رواه البخاري (١٧٧٨)، ومسلم (١٢٥٣)، وأبو داود (١٩٩٤)،
والترمذي (٨١٥).
[١١١٢] وعن زيدٍ بن أرقَم، أنَّ رسولَ الله وَلَهُ غَزْا تِسْعَ عَشْرَةَ
غَزْوَةً، وأنَّه حَجَّ بَعدَ ما هاجرَ حَجَّةً واحدةً، حَجَّةَ الوَدَاعِ. قال أبو إسحاق:
وبمگّة أُخرى.
رواه البخاري (١٧٨١)، ومسلم (١٢٥٤)، وأبو داود (١٩٩١
و ١٩٩٢)، والترمذي (٩٣٦).
[١١١٣] وعن مجاهدٍ، قال: دخلتُ أنا وعروةُ بنُ الزُّبير المسجدَ،
فإذا عبدُ اللَّهِ ابن عُمرَ جالسٌ إلى حُجْرة عَائشةَ والنَّاسُ يُصَلُّونَ الضُّحى في
المسجدِ. فَسَألنَاه عن صلَاتِهِم؟ فقال: بِدْعَةٌ. فقال له عُروة: يا أبا
عبد الرحمن! كم اعْتمرَ رسولُ الله ◌ِّرَ؟ فقال: أربعَ عُمَرٍ، إحداهُنَّ في
رَجَبٍ. فَكَرِهْنَا أنْ نُكَذِّبَه ونردَّ عليه، وسَمِعْنا اسْتِنَانَ عائشةَ في الحُجْرَةِ.
فقال عُروة: أَلَا تَسْمعينَ، يا أمَّ المؤمنينَ! إلى ما يقولُ أبو عبد الرحمن؟
على أنَّ النبيَّ وَّهِ كان مُفْرِداً، وأمَّا هذه العُمرة المنسوبة إلى شؤَّال فهي - والله
أعلم -: عُمرة الجعرانة، أحرم بها في أخريات شؤَّال، وكُلُّها في ذي القعدة،
فصدقت عليها النِّسبتان، والله تعالى أعلم.
ولا يُعلم للنبيِّ وَّهِ عُمرةٌ غير ما ذكرناه مما اتفق عليه، واختلف فيه. وقد
ذكر الدارقطني: أنه * خرج معتمراً في رمضان(١). وليس بالمعروف. وأما قول
(١) رواه الدارقطني (١٨٨/٢).

٣٦٨
(١٢) كتاب الحج - (٢٧) باب: فضل العمرة في رمضان
فقالتْ: ما يقولُ؟ قالَ: يقولُ: اعتمرَ رسولُ الله ﴿ أَربعَ عُمَرِ إحداهُنَّ في
رَجَبٍ. فقالت: يَرحَمُ اللَّهُ أبا عبدِ الرَّحمن، ما اعْتَمَرَ رسولُ اللهِ وَله إلا
وَهُو مَعَه. وما اعتَمَر في رَجَبٍ قطُّ .
وفي روايةٍ: وابنُ عمر يَسْمعُ. فما قالَ: لا، ولا نعم، سكتَ.
رواه مسلم (١٢٥٥) (٢١٩ و ٢٢٠).
*
(٢٧) باب
فضل العمرة في رمضان
[١١١٤] عن ابن عباس، أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قالَ لامرأةٍ من الأنصار، يُقال
لها أُمُّ سِنَان: ((مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجتِ مَعَنا؟)) قالت: نَاضِحَان كانا
ابن عمر: أنه اعتمر في رجب؛ فقد غلَّطَتْهُ في ذلك عائشة، ولم ينكر عليها، ولم
ينتصر، فظهر: أنه كان على وهم، وأنه رجع عن ذلك.
حج رسول الله
وأما حَجُّهُ نََّ: فلم يختلفْ أنه إنَّما حَّ في الإسلام حجَّةً واحدةً، وهي
* في الإسلام المعروفةُ بحجَّة الوداع. وأمَّا قبل هجرته: فاختلف هل حجَّ واحدةً - كما قال
حجةً واحدةً
أبو إسحاق السبيعي - أو حجَّتين - كما قال غيره؟ وسيأتي عددُ غزواته في
الجهاد .
(٢٧) ومن باب: فضل العُمرة في رمضان
(قوله وَ﴿ للمرأة الأنصارية: ((ما منعكِ أن تحجِّي معنا؟))) كان هذا منه بعد
رجوعه من حجَّته، وكان هذا السؤال منه(١) لينبّه على المانع؛ إذ كان قد أذَّن في
(١) ساقط من (ع).

٣٦٩
(١٢) كتاب الحج - (٢٧) باب: فضل العمرة في رمضان
لأبي فُلاَن (زوجُها) حجَّ هو وابنهُ على أَحَدِهما. وكانَ الآخرُ يسقي عليه
غُلَامُنا. قال: ((فعُمرةٌ في رمضانَ تقضي حَجَّة، أو حَجَّةٌ مَعي)).
وفي لفظ آخر: ((فإذَا جاءَ رمضانُ فاعْتَمِري، فإنَّ عمرةً فيه تعدلُ
حَجَّةً)).
النَّاس بالحجِّ أذاناً يعمُّ الرجال والنِّساء. وأيضاً: فإنه قد كان حجَّ بأزواجه، فأخبرته
بما اقتضى تعذر ذلك: من أنها لم تكن لها(١) راحلة، فلمَّا تحقَّق عذرَها، وعلم
أنها متحسِّرةٌ لما فاتها من ثواب الحجِّ معه، حضها على العُمرة في رمضان،
وأخبرها: أنها تعدلُ لها حَجَّةً معه. ووَجْهُ ذلك: أنها لما صحَّتْ نيَّتُها في الحِّ
معه جعل ثوابَ ذلك في العُمرة في رمضان جَبْراً لها، ومُجازاةً بنيّتها. فإن قيل:
فيلزم من هذا أن يكونَ ذلك الثوابُ خاصّاً بتلك المرأة. قُلنا: لا يلزمُ ذلك؛ لأنّ
من يساويها في تلك النيّة والحال، ويعتمر في رمضان كان له مثل ذلك الثواب.
والله تعالى أعلم.
و (الناضح) البعير الذي يُستقى عليه الماء.
و (قولها: يسقي عليه غلامُنا) كذا رواه ابنُ ماهان وغيره. وسقط للعذري
والفارسي (عليه). قال القاضي أبو الفضل: وأرى هذا كلّه تغييراً، وإنَّ صوابَهُ:
نسقي عليه نخلاً لنا. فتصحَّف منه: غلامنا. وكذا جاء في البخاريٍّ: نسقي عليه
نخلاً. وقد خرَّج النَّسائي معنى حديث ابن عباس من حديث معقلٍ، وأنه هو الذي
جاء إلى رسول الله وَ﴿ل فقال: إنَّ أمّ معقل جعلتْ عليها حَيَّةً معكَ، فلم يتيسَّر لها
ذلك، فما يجزىء عنها؟ قال: ((عمرةٌ في رمضان)). قال: فإن عندي جملاً، جعلته
في سبيل الله حبيساً، أفأعطيه إيّاها فتركبه؟ قال: ((نعم))(٢). وهذا يدلُّ: على صحة سبب تعظيم أجر
العمرة في رمضان
(١) ساقط من (ع).
(٢) رواه النسائي في الكبرى (٤٢٢٨).

٣٧٠
(١٢) كتاب الحج - (٢٨) باب: من أين دخل النبيُّ ﴾ مكة والمدينة؟
رواه أحمد (٢٢٩/١)، والبخاري (١٧٨٢)، ومسلم (١٢٥٦)،
وأبو داود (١٩٩٠)، والنسائي (١٣٠/٤ - ١٣١)، وابن ماجه (٢٩٩٣).
(٢٨) باب
من أين دخلَ النبيُّ ◌َه
مگّة والمدینةَ، ومن أين خرجَ؟
[١١١٥] عن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِوَ ﴿ كَانَ يَخرجُ مِن طَريق
الشَّجَرَةِ، ويدخلُ مِن طَريقِ المُعَرَّس، وإذَا دخلَ مَّةَ، دخلَ مِن الَّنِيَّةِ
العُلْيَا، ويَخرجُ مِن الثَِّيَّةِ السُّفْلَى.
ما ذهبنا إليه من معنى الحديث. وإنما عَظُمَ أجرُ العمرة في رمضان لحرمة الشهر،
ولشدة النصب، والمشقة اللاحقة من عمل العُمرة في الصوم. وقد أشار إلى هذا
قولُهِ﴿ لعائشة - وقد أمرها بالعُمرة -: ((إنها على قدر نَصَبِك، أو قال:
نفقتِك))(١). والله تعالى أعلم.
و (قوله: جعلت عليها حجَّةً معك) يعني: أنها همَّتْ بذلك، وعزمتْ عليه.
لا أنها أوجبتْ ذلك عليها بالنَّذر؛ إذ لو كان ذلك لما أجزأها عن ذلك العُمرةُ.
والله تعالى أعلم.
(٢٨) ومن باب: من أين دخل النبيُّ وَّه مكة والمدينة؟
ومن أین خرج؟
(قوله: كان يخرجُ من طريق الشجرة) [يعني - والله أعلم -: الشجرة](٢) التي
(١) رواه مسلم (١٢١١) (١٢٦).
(٢) ساقط من (ع).

٣٧١
(١٢) كتاب الحج - (٢٨) باب: من أين دخل النبيُّ في مكة والمدينة؟
وفي رواية: العُلْيَا التي بالبَطْحَاءِ.
رواه البخاري (١٥٧٥)، ومسلم (١٢٥٧)، وأبو داود (١٨٦٦)،
والنسائي (٥/ ٢٠٠)، وابن ماجه (٢٩٤٠).
بذي الحليفة؛ التي أحرم منها؛ كما قال ابنُ عمر في الحديث المتقدِّم، ولعلَّها هي
الشجرةُ التي ولدت تحتها أسماء بنت عميس. و (المعرَّس) موضع التعريس. وهو
موضعٌ معروفٌ على ستة أميالٍ هناك. والتعريس: النزول من آخر الليل. و (الثنية)
هي: الهضبة، وهي: الكوم الصغير. وهذه الثنية هي التي بأعلى مكة، وتسمى:
كداء. وبأسفل مكة تثنيةٌ أُخرى تسمى: كُدّى. وقد اختلف أهلُ التقييد(١) في ضبط
هاتين الكلمتين: فالأكثر منهم: على أنَّ التي بأعلى مكة: بفتح الكاف والمدِّ.
والسفلى: بضم الكاف والقصر. وقيل: عكس ذلك. وأمَّا اللغويون: فقال
أبو علي القالي: كداء (ممدود): جبل بمكة. قال الشاعر(٢):
أَقْفَرَتْ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ كداء وكدّى والركن والبطحاء(٣)
وقال غيره: كدى: جبل قريب من كداء. وقال الخليل: كداء وكديُّ
- بالضم وتشديد الياء -: جبلان بمكة، الأعلى منهما بالمد. وقال غيره: كُدى
- مضموم، مقصور - بأسفل مكة، والمشدّد لمن خرج إلى اليمن، وليس من طريق
النبيِّ وَّر. ثم اختلف المتأولون في المعنى الذي لأجله خالف النبيُّ لَ ﴿ بين لماذا خالف
طريقيه. فقيل: ليتبرك به كلُّ من في طريقيه، ويدعو لأهل تينك الطريقين. وقيل: النبي 8* بين
طریقیه؟
(١) في (ع): التفسير.
(٢) هو ابن قيس الرقيات.
(٣) ورد في اللسان هكذا:
أقفرت بعد عبد شمس كداء
وفي (هـ): (عبيد) بدل: (عبد).
فكديّ فالركن فالبطحاء

٣٧٢
(١٢) كتاب الحج - (٢٩) باب: المبيت بذي طوى
[١١١٦] وعن عائشةَ، أنَّ النبيَّ وَّه لما جاءَ إلى مَكَّةَ: دخلَها مِن
أعْلاَها، وخرجَ مِن أسفَلِها.
وفي رواية: دخلَ عامَ الفَتْحِ مِن كَدَاءِ، مِن أعلى مَكَّةً.
رواه البخاري (١٥٧٨)، ومسلم (١٢٥٨)، وأبو داود (١٨٦٨)،
والترمذي (٣٥٨).
(٢٩) باب
المبيت بذي طوی، والاغتسال قبل دخول مگّة،
وتعيين مُصلَّى رسول الله وَلهم
[١١١٧] عن ابن عمرَ، أنَّه كانَ لا يَقْدَمُ مَّةَ إلا باتَ بذي طُوَى،
حتى يُصْبِحَ ويَغْتَسلَ، ثم يدخلُ مَكَّةَ نهاراً، ويذكرُ عن النبيِّ وَّهِ أَنَّه فَعَله.
رواه أحمد (٨٧/٢)، والبخاري (٤٨٤)، ومسلم (١٢٥٩) (٢٢٧).
ليغيظ المنافقين ومَن في ذينك الطريقين منهم بإظهار الدِّين، وإعزاز الإسلام.
وقيل: ليرى السَّعة في ذلك.
(٢٩) [ومن باب: المبيت بذي طوى والاغتسال قبل دخول مكة](١)
(ذو طوى) - بفتح الطاء والقصر - هو: وادٍ بمكة. قاله الأصمعيُّ. قال:
والذي بطريق الطائف ممدود. وحكى بعضُ اللغويين: ذو طُوَى - بضم الطاء
والقصر - الذي بمكة، وذو طواء - بالفتح والمدّ ــ حكاه ابنُ بطّال، وكذا ذكره
(١) العنوان ساقط من الأصول، واستدرك من التلخيص.

٣٧٣
(١٢) کتاب الحج ۔ (٢٩) باب: المبيت بذي طوی
[١١١٨] وعنه، أنَّ رسولَ الله لَّهُ كانَ ينزلُ بذي طُوَى، ويبيتُ به
حتى يُصَلِّيَ الصُّبحَ، حين يَقْدَمُ مَكَّةَ. ومُصَلَّى رسولِ اللهِ ◌ِّ ذلكَ على أَكَمَةٍ
غَلِيظَةٍ، ليس في المسجدِ الذي بُنِيَ ثَمَّ، ولكنْ أسفلَ مِن ذلكَ على أَكَمَةٍ
غليظةٍ .
رواه البخاري (٤٩١)، ومسلم (١٢٥٩) (٢٢٨).
[١١١٩] وعنه، أنَّ رسولَ الله وَّله استقبلَ فُرْضَتَيْ الجَبَل الطّويلِ
الذي بينَه وبينَ الكعبةِ، الذي بُنِيَ ثمَّ يَسَارَ المسجدِ الذي بطرف الأكَمَة،
ومصلَّى رسول الله وَّهِ أسفلَ منه على الأَكَمَةِ السوداء، يدعُ مِن الأَكَمَة
عشرةَ أذرعٍ أو نحوَهَا، ثم يُصلِّي مستقبلَ الفُرْضَتِينِ من الجَبَلِ الطّويلِ الذي
بِينَكَ وبينَ الكعبةِ .
رواه أحمد (٨٧/٢)، والبخاري (٤٩٢)، ومسلم (١٢٦٠).
#
ثابت، وضبطه الأصيلي بكسر الطاء، ولا خلافَ في أنَّ المبيتَ بذي طوى،
ودخول مكة نهاراً ليس من المناسك، لكن إن فعل ذلك اقتداءً بالنبيِّ وَّه، وتتبُّعاً
لمواضعه، كان له في ذلك ثواب كثير، وخيرٌ جزيلٌ. وقد تقدَّم الكلامُ على أفعال
الحجّ وأحكامها. و (الأكمة): الكوم الغليظ الضخم. و (ثَمَّ) بفتح الثاء المثلثة:
إشارة إلى موضع مخصوصٍ، معروف. وهو مبنيٌّ على الفتح، يُوقف عليه بالهاء.
فيقال: ثمه. و (فُرْضَتا الجبل) موضعان منخفضانِ منه، وكأنهما نقبان أو طريقان.
و (الفُرْضة): الحزّ الذي يدخل فيه الوَتَر. وأصل الفَرْض: القطع. وهذا التحديدُ عناية ابن عمر
والتحقيق الذي صَدَر من ابن عمر في تعيين مواضع النَّبِيِّن ◌َّهِ دليلٌ على شدة بآثار النبي ◌َّهُ
عنايته، وتهمُّمه بآثار النبيِّ وَّهِ، وعلى أنه مَن قصد تلك المواضع متبرِّكاً بآثار
النّبيِّ ◌َ﴾ وبالصَّلاة فيها حَصَل علی حظ عظيم وثوابٍ جزیل.

٣٧٤
(١٢) كتاب الحج - (٣٠) باب: الرمل في الطواف والسعي
(٣٠) باب
الرَّمَل في الطَّواف والسَّعي
[١١٢٠] عن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّ كانَ إذا طافَ بالبيتِ
الطَّوافَ الأَوَّلَ، خبَّ ثلاثاً، ومشى أَرْبَعاً، وكان يَسعى بِبَطْنِ المَسِيلِ إذا
طافَ بينَ الصَّفا والمروةِ، وكانَ ابنُ عمرَ يفعلُ ذلكَ.
وفي رواية: كانَ إذا طافَ في الحجّ والعُمرةِ، أوَّلَ ما يَقْدَمُ، فإنه
(٣٠) ومن باب: الرَّمل في الطواف
(الرَّمَل): بتحريك الميم، وفتحها. و (الخبب): شدةُ الحركة في المشي.
ومنه: الرَّمَل في الأعاريض، وهو القصيرُ منها. قال الجوهريُّ: هو كالوثب
حكم الرَّمل في الخفيف. وهو السَّعي أيضاً. وقد بين في الحديث سَبَبَ مشروعيته. وتبيَّن أيضاً
الطواف
من مداومة النبيِّ ◌َّهِ: أنَّه ثابتٌ دائماً؛ وإن ارتفع أصلُ سَبَبٍ مشروعيته. وهو سُنَّةٌ
عند الفقهاء أجمعين. وروي في ذلك خلافٌ عن بعض الصَّحابة، وأنَّ المشيَ
أفضلُ. وهم محجوجون بفعل النبيِّ بَّر في حجَّة الوداع. وهو في ثلاثة أشواطٍ،
يبدأ من الحَجَر، ويختم به، كما جاء في حديث ابن عمر، وغيره.
و (قول ابن عمر - رضي الله عنهما -: كان إذا طاف الطوافَ الأوَّل خبَّ
الرَّمل لا يكون
القدوم
إلا في طواف ثلاثاً) دليلٌ: على أنَّ مشروعيةَ الرَّمل إنما هو عند القدوم؛ حاجاً كان، أو معتمراً.
وإنَّ غير ذلك من الأطواف لا يُشْرَعُ فيها الرَّمَل، ويُخاطب به المكيُّون وغيرهم إلَّا
شيئاً رُوي عن ابن عمر: أنه لا يخاطب به مكيٌّ. ولا تخاطب به النِّساء اتفاقاً لما
علمته في مشقَّته عليْهنَّ (١)؛ ولأنه يظهر منهنَّ ما يجبُ ستره؛ كالرِّدف، والنَّهد،
وغير ذلك.
(١) في (ظ): فيما علمته لمشقته عليهن.

٣٧٥
(١٢) كتاب الحج - (٣٠) باب: الرمل في الطواف والسعي
يَسعَى ثلاثةَ أطوافٍ بالبيتٍ، ثم يَمشي أربعاً، ثم يُصلِّي سَجدتين، ثم
يطوفُ بينَ الصَّفا والمروة.
وفي أخرى: قالَ: رملَ رسولُ اللهِ وَهِ من الحَجَرِ إلى الحَجَرِ ثلاثاً،
ومشى أربعاً.
رواه أحمد (٣٠/٢)، والبخاري (١٦٠٣)، ومسلم (١٢٦١) (٢٣٠)
و (١٢٦٢) (٢٣٣)، وأبو داود (١٨٩٣)، والنسائي (٢٢٩/٥ - ٢٣٠)،
وابن ماجه (٢٩٥٠).
[١١٢١] وعن أبي الطُّفيل، قال: قلتُ لابن عبّاس: أرأيتَ هذا
الرَّمَلَ بالبيتِ ثلاثةَ أطوافٍ، ومَشْيَ أربعةِ أطوافٍ. أَسُنَّةٌ هُو؟ فإنَّ قومَك
يزعمونَ أنَّه سُنَّهُ. قال: فقال: صَدَقُوا وكَذَبُوا. قال: قلت: ما صَدَقُوا
وكَذَبُوا؟ قال: إنَّ رسولَ اللهِّهِ قَدِمَ مكَّةَ. فقال المشركون: إنَّ محمَّداً
وأصحابَه لا يستطيعونَ أنْ يَطُوفوا بالبيتِ من الهُزَالِ، وكَانُوا يحسدُونه.
قال: فأمرَهم رسولُ اللهِ وَ﴿ِ أنْ يَرْمُلُوا ثلاثاً. ويَمشُوا أربعاً. قال: قلت له:
أخبرني عن الطّواف بين الصَّفا والمروةِ راكباً. أَسُنَّةٌ هو؟ فإنَّ قومَك يزعمونَ
أنَّه سُنَّةٌ قال: صَدَقُوا وكَذَبُوا. قال: قلت: وما قولُكَ: صَدَقُوا وكَذَبُوا؟
و (قول ابن عباس: صدقوا وكذبوا) يعني: أنهم أصابوا من وجهٍ، وغلطوا
من وجهٍ. فأصابوا من حيث أنهم نسبوه إلى النبيِّ ◌َ﴿﴿، وغلطوا من حيث ظنوا أنَّ
تلك أمورٌ راتبةٌ، لازمةٌ. وإنما كان ذلك لأسبابٍ نَّه عليها فيما ذكر من الحديث.
ويظهر من مساق كلام ابن عباسٍ أنها ليستْ بسننٍ راتبةٍ عنده، فارتفعتْ بارتفاع
أسبابها. وهذا لا يمكنُ أن يُقالَ في الرَّمَل في الطواف والسَّعي. إذ قد فعله
النبيُّ ◌َ﴿ مع فقد تلك الأسباب. فينبغي أن يُقالَ: هو سُنَّةٌ مطلقاً. كما هو مذهب
الجماهير.

٣٧٦
(١٢) كتاب الحج - (٣٠) باب: الرمل في الطفي والسعي
قال: إنَّ رسولَ اللهِوَ لَهِ كَثُرَ عليه النَّاسُ يقولونَ: هذا محمّدٌ. هَذا محمّد.
حتى خرجَ العواتقُ من البيوتِ. قال: وكانَ رسولُ اللهِ وَلِّ لا يضرب النَّاسَ
بين يديْهِ. فلما كَثُرَ عليه رَكِبَ، والمَشْيُ والسَّعيُّ أفضلُ.
وفي رواية: قلت لابن عباس: إنَّ قومَك يزعمون أنَّ رسولَ اللهِ وَل
رَمَلَ بالبيتِ وبين الصَّفا والمروةِ، وهي سُنَّةٌ. قال: صَدَقُوا وكَذَبُوا.
رواه مسلم (١٢٦٤)، وأبو داود (١٨٨٥)، وابن ماجه (٢٩٥٣).
[١١٢٢] وعن ابن عبّاس، قال: قدمَ رسولُ اللهِّهِ وأصحابُهُ مَكَّةً
وقد وَهَنْتَهُمْ حُمَّى يثربَ. قال المشركون: إنَّه يَقْدَمُ عليكم غداً قومٌ قدْ
وَهَنَتْهُم الحُمَّى ولَقُوا منها شِدَّةً، فجلَسُوا مما يَلي الحِجْرَ، فأمرَهم
النبيُّ نَ ﴿ أَنْ يَرْمُلُوا ثلاثةَ أشْواطٍ ويَمْشُوا ما بينَ الرُّكنَينِ، لِيَرى المشركونَ
جَلَدَهُم. فقال المشركون: هؤلاءِ الذينَ زَعَمْتُم أنَّ الْحُمَّى قد وهَنَتْهُمْ،
هؤلاءِ أجلدُ مِن كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يمنعْه أنْ يأمرَهم أنْ يَرمُلُوا
الأشواطَ كلَّها، إلا الإبقاءُ عليهم.
و (قولهم: وهنتهم حُمَّى يثرب) أي: أضعفتهم. وهو ثلاثي. وقد يقال:
اسم المدينة في رباعياً. قال الفراء: يُقال: وهنه الله، وأوهنه الله. و (يثرب) اسمُ المدينة في
الجاهلية
الجاهلية، واسْتُجِدَّ لها في الإسلام: المدينة، وطيبة. وسيأتي لذلك مزيدُ بیانٍ.
و (الجَلَد): التجلُّد والقوة. و (الأشواط): الأطواف. وقد تقدم ذِكْرُ من كره لفظ
الشَّوط، والأشواط.
و (قوله: فلم يمنعه أن يأمرهم أن يَرْمُلوا الأشواط إلا الإبقاءُ عليهم)
روايتنا: الإبقاءُ - بالرفع - على أنه فاعل يمنعهم. ويجوز نصبه على أن يكون
مفعولاً من أجله، ويكون في: يمنعهم؛ ضمير عائد على النبيِّ ◌َ﴿ه هو فاعلُه.
فتأمَلْه.

٣٧٧
(١٢) كتاب الحج - (٣١) باب: استلام الركنين اليمانيين
رواه البخاري (٤٢٥٦)، ومسلم (١٢٦٦) (٢٤٠)، وأبو داود (١٨٨٦
و ١٨٨٩)، والترمذي (٨٦٣)، والنسائي (٢٣٠/٥).
(٣١) باب
استلام الر کنین الیمانیین،
وتقبيلُ الحجر الأسود
[١١٢٣] عن عبد الله بن عمرَ، أنَّه قال: لم أرَ رسولَ اللهِ ﴾ یمسحُ
مِن البيتِ إلا الرُّكنينِ اليَمانيِّينِ.
وفي رواية: الرُّكنَ الأسودَ والذي يَلِيْهِ، مِن نحوِ دُورِ الجُمَحِيِّنَ.
رواه أحمد (١٢١/٢)، والبخاري (١٦٠٩)، ومسلم (١٢٦٧)، وأبو
داود (١٨٧٤)، والنسائي (٥/ ٢٣٢)، وابن ماجه (٢٩٤٦).
[١١٢٤] وعن عبدِ الله بن سَرْجِسَ، قالَ: رأيتُ الْأُصَيْلِعَ (يعني
(٣١) ومن باب: استلام الركنين اليمانيين
قد تقدم القولُ على حُكْم مَسِّ الأركان. وقد بيَّن في هذا الحديث: أنَّ ما هما الركنان
الركنين اليمانيين أحدهما: الحجر الأسود، والثاني: الذي يليه من نحو دور بني
اليمانيان؟
جُمَحٍ، وكلاهما من جهة اليمن، ولذلك نُسِبا إليه.
و (قول عبد الله بن سرجس: رأيت الأصيلع) يعني: عمر - رضي الله عنه - نعت عمر
وكان أصلع. وتصغيره في هذا الموضع كما قالوا:
دُويهيةٌ تصفرُّ منها الأناملُ(١)
(١) صدر البيت: وكل أناس سوف تدخل بيتهم. والبيت للشاعر لبيد.
رضي الله عنه
في الكتب
القديمة

٣٧٨
(١٢) كتاب الحج - (٣١) باب: استلام الركنين اليمانيين
عمرَ) يُقبِّلُ الحجرَ ويقولُ: والله! إنِّي لأُقبَلُكَ، وإنِّي لأعلمُ أنَّك حَجَرٌ
لا تضرُّ ولا تنفعُ. ولولا أَنِّي رأيتُ رسولَ الله ◌َّهِ قَبَّلك ما قبَّلْتُكَ.
رواه مسلم (١٢٧٠) (٢٥٠)، وابن ماجه (٢٩٤٣).
وكما قالوا للجبل العظيم: جُبيل. ونعته بالصّلع لأنه نعته في الكتب
القديمة. يقال: إنهم كانوا يقولون - أعني: نصارى الشام -: إنَّ الذي يفتحُ بيتَ
المقدس الأصيلع. والله تعالى أعلم.
و (قوله: إني لأعلم أنَّك حجر لا تضرُّ ولا تنفع) دَفْعٌ لتوهم من وقع له من
الجهَّالِ: أنَّ للحجر الأسود خاصيةً ترجعُ إلى ذاته، كما توهمه بعضُ الباطنية.
وبيَّن(١): أنه ليس في تقبيله إلا الاقتداءُ المحض، ولو كان هناك شيءٌ مما يُفترى
لكان عمر - رضي الله عنه - أحقُّ الناس بعلمه.
تقبيل الحجر
الأسود
وفي هذا الحديث ما يدلُّ: على أنَّ تقبيل الحجر من سُنَن الطوَّاف،
والجمهورُ على ذلك؛ لمن قدر عليه، فإنْ لم يقدر وَضَع يَدَهُ عليه، ثم رفعها إلى
فيه بغير تقبيل على إحدى الرِّوايتين عن مالك، وبه قال القاسمُ بن محمد.
السجود على والجمهورُ: على أنه يُقبّلُ يده، فإن لم يفعلْ فلا شيء عليه عندهم. قال مالكٌ
الحجر الأسود
استلام الركن
اليماني
- رحمه الله -: والسجود عليه بدعة. والجمهور: على جوازه. وأمَّا الركنُ اليمانيُّ
فيُسْتَلَمُ باليد، ولا يُقَبَّل. وهل تقبلُ اليد أم لا؟ قولان. ولا يُخاطب النساءُ بذلك
عند الجميع، ويفعل ذلك في آخر كلِّ شوط، وهو في أوَّل الطَّواف أوكد منه في
سائرها. واستحبَّ بعضُ السَّلف أن يكونَ لمسُ الرُّكنين في وترٍ من الطوَّاف. وبه
قال الشَّافعيّ - رحمه الله ؛.
(١) في (هـ) و (ظ): وبيان.

٣٧٩
(١٢) كتاب الحج .. (٣٢) باب: الطواف على الراحلة لعذر
[١١٢٥] وعن سُويد بن غَفَلَةَ، قال: رأيتُ عمرَ قَبَّلَ الحجرَ
والتزمَه. وقال: رأيتُ رسولَ الله وَّه بِكَ حَفِيّاً.
رواه مسلم (١٢٧١)، والنسائي (٢٢٧/٥).
(٣٢) باب
الطَّواف على الراحلة لعذر،
واستلام الرُّکن بالمخجن
[١١٢٦] عن ابن عباس، أنَّ رسولَ الله وَّرِ طافَ فِي حَجَّةِ الوَدَاع
على بعيرٍ، استلمَ الرُّکن بمِخْجَنٍ.
رواه أحمد (٢١٤/١)، والبخاري (١٦٠٧)، ومسلم (١٢٧٢)،
وأبو داود (١٨٧٧)، والنسائي (٢٣٣/٥)، وابن ماجه (٢٩٤٨).
و (قوله: رأيتُ عمر قبَّل الحَجَر، والتزمه) يعني: عانقه. والحفيُّ بالشيء:
المعتني به، البارّ. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].
(٣٢) ومن باب: الطواف على الراحلة
لا خلافَ في جواز طواف المريض راكباً للعذر. واختلف في طواف مَن
لا عُذْرَ له راكباً. فأجازه قوم؛ منهم ابنُ المنذر؛ أَخْذاً بطوافه وَلِّ راكباً. والجمهورُ
على كراهة ذلك ومَنْعه، متمسِّكين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ
الْعَيِّيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. وظاهره: أن يطوفَ الطائفُ بنفسه؛ ومن طاف راكباً إنّما عن طوافه واله
اعتذار الصحابة
طيف به، ولم يَطَفْ هو بنفسه. وبأن الصَّحابة - رضي الله عنهم - اعتذروا عن راكباً

٣٨٠
(١٢) كتاب الحج - (٣٢) باب: الطواف على الراحلة لعذر
[١١٢٧] وعن جابر بن عبد الله، قالَ: طافَ النبيُّ لَّ فِي حَجَّةٍ
الوداع، على راحلتِهِ بالبيتِ، وبالصَّفا والمَروةِ، ليراهُ النَّاسُ، وليُشرفَ
وليسأَلُوه، فإنَّ النَّاسَ غَشُوهُ.
رواه أحمد (٣١٧/٣)، ومسلم (١٢٧٣) (٢٥٥)، وأبو داود (١٨٨٠)،
والنسائي (٢٤١/٥).
طوافه وَله راكباً، وبيَّنوا عُذْرَه في ذلك، فكان دليلاً: على أنَّ أصلَ مشروعية
الطواف عندهم أَلَّا يكونَ راكباً. فأما الأعذار التي ذكروا في ذلك فثلاثة:
أحدها: ما في حديث جابرٍ. وهو: أن يراه الناسُ إذا أشرف عليهم؛
ليسألوه، ويقتدوا به.
وثانيها: ما ذكرته عائشة - رضي الله عنها - وهو: أنه وَل# لو كان ماشياً لطرق
بين يديه، ولصرفوا عنه، وكان يكرهُ ذلك. على أنَّ قولها: كراهة أن يصرفَ عنه
الناس؛ يحتمل أن يكون الضمير في (عنه) راجعاً إلى الركن، فتأمَّله.
وثالثها: ما ذكره أبو داود: من أنَّه وَ ي كان في طوافه هذا مريضاً. وإلى هذا
المعنى أشار البخاريُّ بما ترجم على هذا الحديث، فقال: باب المريض يطوف
راكباً.
و (قوله: فإنَّ الناسَ غَشُوه) الرواية الصحيحة: بضم الشين. وهو الصحيح؛
لأن أصله: غشيُوه. استثقلوا الضمة على الياء، فنقلوها إلى الشين، فسكنت الياء،
فلما اجتمعتْ مع الواو الساكنة حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وفيه تعليلٌ آخر.
وما ذكرناه أولى. وكونه وَّه يُقْبِّل المحجن دليلٌ على صحة أحد القولين السَّابقين.
والمحجن: عصا معقّفة الطرف، تكون عند الراكب على البعير ليأخذَ بها ما سقط
له، ويحرِّك بها بعيره.