Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ (١٢) كتاب الحج - (٦) باب: ما جاء في الصيد أنْ نُقْتَطَعَ، فانطلقتُ أطلبُ رسولَ اللهِ لَ أرفعُ فَرَسِي شَأْواً، وأسيرُ شأواً، يحمل عليها، أو أشار إليها؟)) قالوا: لا. قال: ((فكلوا))، ظاهِرُه: أنه لو أعانه أحدٌ لمنعهم مِنْ أكلها. وقد اختلفَ في وجوب الجزاء على المحرم الدَّالِّ للحلال: جزاء المحرم فقال مالكٌ، والشَّافعي، وأبو ثورٍ: لا شيءَ عليه. وقال الكوفيُّون، وأحمد، الدال الآخر وإسحاق، وجماعةٌ من الصحابة، والتَّبعين: عليه الجزاء. وكذلك اختلفوا في على الصيد المحرم إذا دلَّ مُحرماً آخر؛ فذهب الكوفيون، وأشهب من أصحابنا: إلى أنَّ على كلِّ واحدٍ منهم جزاءً. وقال مالكٌ، والشَّافعيُّ وأبو ثورٍ: الجزاءُ على المحرم القاتل. وكذلك الخلافُ فيما لو أعانه بالرمح، أو بالسَّوط، وبأيٍّ معونةٍ كانت. وقال بعضُ شيوخنا: لو أشار إليه ليصيدَ؛ لكان دالّاً، ويجري فيه الخلافُ المتقدِّم. و (قوله: أرفع فرسي شأواً، وأسير شأواً) أي: أرفعُ في سيره، وأجريه. و (الشأو): الطَّلَقُ (١). و (قوله: خشينا أن نقتطع) أي: خفنا أن يُحال بيننا وبينهم، ويقطع بنا عنهم. و (قوله: أصدتُ) أصله: أصطدت، فأدغمت الطاء في الصاد لتقاربهما. و (قوله وَي للقوم: ((كلوا)) وهم محرمون، وأكله منه وهو محرم) دليلٌ أكل المحرم من على: مَن منع المحرمَ من أكل لحم الصيد. وهو مرويٌّ عن عطاء، وابن عبّاس، لحم الصيد وجماعةٍ من السّلف، وهو قولُ سفيان الثوري، وإسحاق. وذكر نحوه عن مالكٍ والليث. و (قوله: فجعل بعضُهم يضحكُ إلى بعضٍ) لم يكن ضحكهم لينبهوه على تنبيه المحرم لغيره على الصيد (١) ((الطَّلَق)»: الشوط الواحد من سباق الخيل. ٢٨٢ (١٢) كتاب الحج - (٦) باب: ما جاء في الصيد فلقيتُ رجلاً من بني غِفَار في جَوْفِ اللَّيل، فقلتُ: أينَ رسولُ الله ◌ِ؟ قال: تركتُهُ بِتَعْهِن، وهو قائلُ السُّقيا، فلحقتُه، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنَّ أصحابَك يقرؤونَ عليكَ السَّلامَ ورحمةَ الله، وإنَّهم قد خَشُوا أن يُقْتَطَعُوا دونَك أنتظرْهم فانتظرَهم، فقلتُ: يا رسول الله! إني أَصَدْتُ ومَعي منه فاضلةٌ. فقالَ النبيُّ ◌َّرِ للقوم: ((كُلُوا)) وهم مُحرمون. رواه أحمد (١٩٠/٥ و٣٠١)، والبخاري (١٨٢١)، ومسلم (١١٩٦) (٥٩)، والنسائي (١٨٦/٥)، وابن ماجه (٣٠٩٣). [١٠٦٦] وعن أبي قتادة، أنَّه كانَ مع رسول الله وَّهِ حتَّى إذا كانَ ببعضٍ طريقِ مَكَّة تخلَّفَ مع أصحابٍ له مُحرمينَ، وهو غيرُ مُحرم، فرأى حِماراً وَحْشِيّاً، فاستوى على فرسِه، فسألَ أصحابَه أنْ يُناولُوه سوطه فَأَبَوا، فسألَهم رمحه فأَبَوا عليه، فأخذَه ثم شدَّ على الحِمارِ، فأكلَ منه بعضُ أصحابِ النبيِّوَ ﴿ وأبى بعضُهم، فأدركُوا رسولَ اللهِوَّةِ، فسأَلُوه عن ذلك، فقالَ: ((إنَّما هي طَعْمَةٌ أطعَمَكُموها اللَّهُ)). الصَّيد، وإنما كان - والله أعلم - تعجّباً من إتيان هذا الصيد، وتأتِّي صائده الحلال له ولم يفطن له. وأمَّا لو ضحك منبُّهاً: فقال الداودي: لم يمنع من أكله. قلتُ: ولا بُعْدَ في أن يُقال: إنَّ ذلك كالإشارة؛ إذ قد حصل منه ما يحصلُ من المشير من التَّنبيه . و (قوله: تركته بتعهن قائلُ السُّقيا) قائلُ: اسم فاعل من القول، ومن القائلة أيضاً. والأول هو المرادُ هنا. والسُّقيا: مفعول بفعل مضمرٍ، كأنَّه قال: اقصِدوا الشُّقیا. ٢٨٣ (١٢) كتاب الحج - (٦) باب: ما جاء في الصيد وفي رواية: فقالَ: ((هو حَلالٌ فكلُّوه)). وفي أخرى: فقال: ((هلْ معكم مِن لحمهِ شيءٌ؟)) فقالوا: معنا رجلُه. قال: فأخذَها رسولُ الله وَهـ فأكلها. وفي أخرى: ((أمنكُم أحدٌ أمَره أن يحملَ عليها أو أشارَ إليهَا؟)) قالُوا: لا، قالَ: «فكلُوا ما بقيَ من لحمِها)). رواه أحمد (٣٠١/٥)، والبخاري (٢٩١٤) ومسلم (١١٩٦) (٥٦ و ٥٧ و ٥٨ و ٦٣)، وأبو داود (١٨٥٢)، والنسائي (١٨٢/٥). [١٠٦٧] وعن عبد الرحمن بن عثمانَ التَّيْمِيِّ، قالَ: كنَّا مع طلحةَ ابن عُبيد الله، ونحن حُرُمٌ، فَأُهْدِيَ له طيرٌ، وطلحةُ راقدٌ، فمنَّا مَنْ تَوَرَّعَ، فلما استيقظَ طلحةُ وفَّق مَنْ أُكَلَه، وقال: أكلنا مع رسولِ الله ێِ. رواه أحمد (١٦٢/١)، ومسلم (١١٩٧)، والنسائي (١٨٢/٥). و (قوله: ((هل معكم من لحمه شيء)) وأكله لما أعطوه منه) كلُّ ذلك تطييبٌ لقلوبهم، وتسكينٌ لنفرةٍ من نَفَر منهم، وإبانةٌ لحلِيتُه بأقصى الممكن. و (قول عبد الرحمن التيمي: فمنَّا من تورَّع) أي: كفَّ ورعاً؛ أي: لم يتوقَّفْ جازماً بالمنع، ولكنه تردّدَ؛ وتخوَّف؛ فتورَّع. والورع، والرّعة: الانكفاف عمَّا يُريب. و (قوله: فلما استيقظ طلحة وفَّق من أكله) أي: صوَّبه؛ وقال: هو موفَّق، مُسدَّد. و (قوله: أكلناه مع رسول الله وَلاير ) أي: ونحن محرمون. ٢٨٤ (١٢) كتاب الحج - (٧) باب: ما يقتل المحرم من الدواب (٧) باب ما يقتل المحرم من الدواب [١٠٦٨] عن عائشة، عن النبيِّي ◌َّل﴿ أنه قالَ: ((خمسُ فواسقَ يُقتلنَ في الحِلِّ والحَرمِ: (٧) ومن باب: ما يقتل المحرم من الدَّوابِّ الفواسق الخمس (قوله: ((خمس فواسق يُقتلن في الحلِّ والحرم))) وقد تقدَّم: أن الفسقَ لغةً هو: الخروجُ مطلقاً. وهو في لسان الشَّرع: اسم ذمّ؛ إذ هو خروجٌ عن الطّاعة، أو عن الحرمةِ. وتسميتُه ◌َ﴿ هذه الخمس فواسق: لأنهن خَرَجْنَ عن الحرمة التي لغيرهن من الحيوانات، لا سيَّما على المحرم، وفي الحرم، وفي الصلاة. ويحتملُ أن يقال: سُمِّت فواسق: لخروجهن من حِجَرَتِهِنَّ لإضرارِ بني آدم، وأذاهم. وهذا الحديث روي من طرقٍ متعددةٍ، فذكر في بعضها لفظً خمسٍ ولم يذكره في بعضها. فالألفاظُ التي ذكر فيها: خمس؛ لم تَزِدْ؛ غير أنه ذكر في بعضها: الحيّة، وفي بعضها: العقرب بدل الحية. وهي في كلِّ ذلك خمسٌ. وأمَّا التي لم يذكر فيها لفظً الخمس، فجمع فيها بين العقرب والحية. فصارت ستاً. وفي غير كتاب مسلم ذكر الأفعى، فعدَّدها لذلك بعضُهم سبعاً، وليس كذلك؛ لأنَّ الحيّة تناولت الأفعى وغيرها من جنسها. وإنما هو خلافٌ لفظيٌّ. والصَّحيح: أنّها ستٍّ، كما جاء في الطريق التي لا حصر فيها. قال القاضي أبو الفضل: لا خلافَ بين العلماء في استعمال الحديث، وجواز قتل ما ذكر فيه للمحرم؛ إلا شذوذاً. روي عن عليٍّ - رضي الله عنه -: أنه لا يُقتل الغراب؛ لكن يُرمى. ولا يصحُّ عنه. وحُكي عن النخعي: أنَّه لا يقتلُ المحرمُ الفأرة، فإن قتلها فداها. وهذا خلافُ النَّصِ. هل المراد واختلف العلماء: هل المرادُ بما سُمِّي في الحديث أعيانها، أم التنبيه على المعاني أعيان الفواسق المتأذي بها منها؟ قال الإمام أبو عبد الله: فمالك، والشَّافعيُّ يريان الحكم يتعلَّق الخمس؟ بمعاني هذه الخمس دون أسمائها، وأنّها إنما ذكرت لينَّه بها على ما شركها في ٢٨٥ (١٢) كتاب الحج - (٧) باب: ما يقتل المحرم من الدواب الحَيَّةُ، والغُرابُ الأبقعُ، والفأرةُ، والكلبُ العقورُ، والحُدَيًّا)). وفي رواية: ((العقربُ)) مكانَ: الحَيَّةِ. رواه أحمد (٢٥٩/٦)، والبخاري (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨) (٦٧ و٦٨)، والنسائي (٢٠٨/٥)، وابن ماجه (٣٠٨٧). [١٠٦٩] وعن ابن عمرَ، عن النبيِّ وَ ﴿ْ قالَ: ((خمسٌ لا جُناحَ على مَنْ قتلهنَّ فِي الحَرَمِ والإحرام: الفأرةُ، والغُرابُ، والحِدَأةُ، والعَقربُ، والكَلْبُ العَقُورُ)). رواه البخاري (١٨٢٦)، ومسلم (١١٩٩)، وأبو داود (١٨٤٦)، والنسائي (١٨٧/٥ - ١٨٨)، وابن ماجه (٣٠٨٨). العلَّة. فقال الشافعيُّ: العلَّةُ أنَّ لحومَها لا تُؤكل، وكذلك: كلُّ ما لا يُؤكل لحمه من الصَّيد. ورأى مالك: أنَّ العلة كونها مضرَّةٌ، وأنه إنما ذكر الكلب العقور لينبّه به على ما يضرُّ بالأجسام على جهة الاختلاس، وذكر الحدأة والغراب للتَّنبيه على ما يضرُّ بالأموال اختفاءً. وقد اختلف في المراد بالكلب العقور. فقيل: هو الكلب ما المراد المألوف. وقيل: المرادُ به كلُّ ما يفترس؛ لأنه يُسمَّى في اللغة: كلباً. ومذهب بالكلب مالك: أنَّ ما لا يبتدىء جنسه بالأذى - كسباع الطير - لا يقتل إلا أن يخافه المرءُ العقور؟ على نفسه، فتؤدِّي مدافعته إلى قتله؛ فلا شيءَ عليه. وأمَّا قتل صغار ما يجوزُ قتل كباره: فلا يجوزُ على قولٍ. وعلى هذا: لو قتلها؛ فهل عليه جزاءً أم لا؟ فقولان. و (قوله: ((الغراب الأبقع))) تقييدٌ لمطلق الروايات الأخر التي ليس فيها: المراد بالغراب الأبقع. وبذلك قالتْ طائفة، فلا يجيزون إلا قتل الأبقع، وهو الذي في بطنه الأبقع وظهره بياض. وغير هذه الطائفة رأوا جواز قتل الأبقع وغيره من الغربان. ورأوا: أنَّ ذِكْر الأبقع إنما جرى لأنه الأغلبُ عندهم. و (الحِدَأة) بكسر الحاء، مهموزٌ، ٢٨٦ (١٢) كتاب الحج - (٧) باب: ما يقتل المحرم من الدواب [١٠٧٠] وعنه، قالَ: حدَّثتني إحدى نسوةِ النبيِّ وَ ﴿ أَنَّه كانَ يأمرُ بقتلِ: الكَلبِ العَقُورِ، والفَأْرةِ، والحُدَيًّا، والغُرابِ، والحَيَّةِ. قال: وفي الصَّلاة أيضاً. رواه مسلم (١٢٠٠) (٧٥). * والجمع: حداء، مقصور، مهموز. وكذا في بعض الرِّوايات. وأمّا رواية: الحديا. فقال ثابت: صوابه: الهمز على معنى التذكير، وإلا فحقيقتُه: الحُدَيْئة، وكذا قيده في صحيح البخاري. أو: الحدية على التسهيل. وقول القاسم في الأم: تقتل بِصُغرٍ لها؛ أي: بمذلةٍ وقهرٍ، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. و (العقور في وصف الكلب) هو الذي يعقر كثيراً. أي: يجرح. يقال: سَرْج مِعْقرٌ: إذا كان يجرح الدابة. قال الشاعر(١): فَتَنَفَّسَتْ (٢) كَتَنَفُسِ الظَّبْرِ العَقِيْر أي: المجروح. وقيل: الدهش. وقد استدلَّ مالك، والشَّافعي، وأصحابهما بإباحة قتل هذه الفواسق في الحرم؛ على أنَّ الحرمَ لا يعيذُ عاصياً ولا فارّاً بحدٍّ. وذهب أبو حنيفة إلى الفرق بين ما اجترحه فيه مما يوجبُ القتل؛ فيقام فيه، وبين ما اجترحه خارجاً فيلجأ إلى الخروج؛ بأن يُضيَّقَ عليه حتى يخرج؛ فيقام عليه خارجه. وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ إن شاء الله تعالى. قتل المصلي للفواسق و (قوله: وفي الصلاة أيضاً) يعني: أنه يجوزُ لمن كان في الصلاة أن يقتلَ هذه الدوابَّ في الصلاة، ولا يخرج عن الصلاة بقتلها؛ اللهم إلا أن يحتاجَ في محاولة ذلك إلى عملٍ كثيرٍ يخرجُ به عن سُنّة الصلاة وهيئتها، فإن فَعَل ذلك استأنفَ صلاته. (١) هو المنَخَّلُ اليشكري. (٢) أول البيت: فلثمتها فتنفست. ٢٨٧ (١٢) كتاب الحج - (٨) باب: الفدية للمحرم (٨) باب الفدية للمُحرم [١٠٧١] عن كعب بن عُجْرَةَ، قالَ: أَتَى عليَّ رسولُ اللهِِّ زِمنَ الحُديبيةِ وأنا أُوقِدُ تحتَّ قِدْرٍ لي، والقَمْلُ يَتناثرُ على وَجْهي. فقالَ: (أَتُؤْذِيكَ هَوَاءُ رأسِكَ؟)) قالَ: قلتُ: نعم. قالَ: ((فَاحلقْ وصُمْ ثلاثةَ أيَّامِ، (٨) ومن باب: الفدية للمحرم (قوله: ((أتؤذيك هوائُ رأسك))) سؤالٌ عن تحقيق العلّة التي يترتَّبُ عليها الحكم. و (تؤذيك): تؤلمك. ولما أخبره بالمشقّة التي هو فيها خفّف عنه، وقد تبيَّن بمجموع روايات هذا الحديث: أنه كان محرماً، وأنَّه لمّا أباح له الحَلْقَ أعلمه الفدية على من بما يترتَّب على ذلك من الفدية، وأنها ثلاثةُ أنواع مخيَّرٌ بينها، وأنَّ الصيامَ ثلاثة حلق رأسه لعذرٍ وهو محرم أيام، وأنَّ الإطعامَ لستة مساكين مدَّين، مذَّين لكل مسكين، وأنَّ النُّسُكَ شاةٌ. فصار هذا الحديث مفسّراً لما في قوله تعالى: ﴿فَن كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا ... ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] من مجملٍ. وصار هذا الحديث مع الآية أصلاً: في أنَّ المحرمَ إذا استباح شيئاً مِنْ ممنوعات الإحرام التي لا تفسده؛ فانتفع بذلك؛ لزمته الفِدية. قال أحمدُ بن صالح: حديثُ كعب بن عجرة معمولٌ به عند الجميع. قال القاضي أبو الفضل ولم يقع في شيء منه خلافٌ إلا في الإطعام. فروي عن أبي حنيفة، والثوريٍّ: أنَّ الصَّاعَ إنما هو في الثَّمر والشعير، وأما البرُّ: فنصف صاعٍ. وعن أحمد روايةٌ: مدٌّ من البرِّ، ونصف صاع من غيره، وكذلك روي عن الحسن، وعن بعض السّلف: أنَّ الإطعام لعشرة مساكين، والصيام عشرة أيامٍ، ولم يتابعوا عليه. واتفق غيرُ هؤلاء وكلُّ من جاء بعدهم: على إطعام ستة مساكين، وصيام ثلاثة أيام. ٢٨٨ (١٢) كتاب الحج - (٨) باب: الفدية للمحرم أو أطعمْ ستةَ مَساكينَ، أو انسُكْ نَسِيكةً)). قال أبو قِلابَةُ: فلا أدري بأيّ ذلك بداً. وفي رواية: أنه عليه الصلاة والسلام مرَّ به قبلَ أنْ يدخلَ مَكَّةَ وهو مُحرمٌ. وفي أخرى: فقالَ له النبيُّ ◌َِّ: ((احلقْ ثم اذبح شاةً نُسُكاً، أو صُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ، أو أطعمْ ثلاثةَ آصُعٍ من تمرٍ على سنَّةِ مساكينَ. وفي أخرى: قال كعبٌ: فيّ خَاصّةً نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُم ◌َرِيضًا أَوْ بِ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهي لكم عَامَّة. رواه أحمد (٢٤١/٤)، والبخاري (١٨١٧)، ومسلم (١٢٠١) (٨٠ و ٨٢ و ٨٣ و ٨٤)، والترمذي (٢٩٧٤)، والنسائي (١٩٤/٥)، وابن ماجه (٣٠٨٠). * قلتُ: وتلك الأقوالُ كلُّها مخالفةٌ لنصٌ الحديث المتقدم، وهو حُجَّةٌ على كلِّ مَن خالفه. ويستوي عندنا لزومُ الفدية في حق العامد، والنَّاسي، والمخطىء. وخالف(١) في النّاسي الشافعي في أحد قوليه، وداود وإسحاق. فقالوا: لا دم عليه . و (قوله: ((أو انسُك نسيكةً))) وفي الأخرى: ((ثم اذبح شاةً نسكاً))) دليلٌ على أنها ليست بهدي، وإذا كان كذلك؛ فيجوز أن يذبحَها حيث شاء، وكذلك الإطعام يُخرجه حيث شاء. وهو قولُ مالكِ وغيره. ولم يختلفْ قولُ الشَّافعي: في أن (١) في (ظ) و(ط): وخالفه. ٢٨٩ (١٢) كتاب الحج - (٩) باب: جواز مداواة المحرم بالحجامة (٩) باب جواز مداواة المحرم بالحجامة وغيرها مما ليس فيه طيب [١٠٧٢] عن ابن عباس، أنَّ النبيَّ وَّهِ احْتجَم وهو مُحْرِمٌ. رواه أحمد (٢١٥/١)، والبخاري (١٩٣٩)، ومسلم (١٢٠٢)، وأبو داود (٢٣٧٢)، والترمذي (٧٧٧)، وابن ماجه (١٦٧٢). [١٠٧٣] وعن ابن بُحَيْنَة، أنَّ النبيَّ نَّهِ احتجَم بطريقِ مكَّةَ وهو مُحْرِمٌ وَسَطَ رأسِه. رواه البخاري (١٨٣٦)، ومسلم (١٢٠٣)، والنسائي (١٩٤/٥)، وابن ماجه (٣٤٨١). الدم، والإطعام لا يكون إلا بمكة. واختلف فيه قولُ أبي حنيفة؛ فقال مرةً بقول الشافعي، ومرةً قال بذلك في الدَّم دون الإطعام. ولم يختلفْ في الصيام: أنه يفعله حیث شاء. (٩) ومن باب: جواز مداواة المحرم بما ليس فيه طيبٌ (قوله: احتجم رسولُ اللهِوَ ل﴿ في وسط رأسه) لا خلاف بين العلماء في جواز الحجامة الحجامة للمحرم حيث كانت من رأس أو جسد للضرورة، وأما لغير الضَّرورة في للمحرم جسده، حيث لا يحلق شعراً: فجمهورُهم على جوازه. ومالك يمنعه. واتَّفقوا: على أنه إذا احتجم برأسه، فحلق لها شعراً: أنه يفتدي. وجمهورُهم: على أنَّ حُكْم شعر الجسد كذلك، إلا داود فإنَّه لا يرى في خَلْق شعر الجسد لضرورة ٢٩٠ (١٢) كتاب الحج - (٩) باب: جواز مداواة المحرم بالحجامة [١٠٧٤] وعن نُبَيْه بن وَهْبٍ، أنَّ عمرَ بنَ عُبيد الله بن مَعْمَر رَمَدَتْ عَيْنُهُ، فأرادَ أنْ يَكْحُلَها، فتَهاه أبانُ بنُ عثمانَ وأمرَه أن يُضَمِّدَها بالصَّبرِ، وحَدَّث عن عثمانَ بنِ عِفَّنَ عن النبيِّ وَِّ أَنَّه فعلَ ذلك. رواه أحمد (٦٠/١)، ومسلم (١٢٠٤) (٩٠)، وأبو داود (١٨٣٨)، والترمذي (٩٥٢)، والنسائي (١٤٣/٥). الاكتحال للمحرم الحجامة دماً. والحسن يوجبُ عليه الدم بالحجامة. و (وَسَط الرأس) - بفتح السين -: مُتَوسِّطه، وهو ما فوق اليافوخ منه. وما بين القرنين. وقد روي في حديث مرفوع: ((في حجامة وسط الرأس شفاء من النعاس، والصداع، والأضراس))(١). قال الليث: وليس في وسطه، لكن في فأس الرأس؛ وهو مؤخره. وأمَّا في وسط الرأس فقد يُعمي. و (قوله: رمدت عينه) أي: أصابها الرَّمد، وهو مرضٌ خاص بالعين. وَنَهْيُ أبان بن عثمان للسائل أن يكحل عينيه ليس على إطلاقه، وكأنه إنما نهاه عن أن يكحلها بما فيه طيب. وتضميدُ العين: هو لطخها، و (الصَّبِر) ليس بطيب، ولا خلافَ في جواز مثل هذا مما ليس فيه طيبٌ، ولا زينةٌ. فلو اكتحل المحرمُ أو المحرمةُ بما فيه طيبٌ افتديا. وكذلك المرأة إذا اكتحلتْ للزينة؛ وإن لم يكنْ فيه طيب، فلو اكتحل الرجلُ للزينة: فأباحه قومٌ، وكرهه آخرون. وهم: أحمد، وإسحاق، والثوري. وعلى القول بالمنع؛ فهل تجبُ الفديةُ أم لا؟ قولان. وبالثاني قال الشَّافعي رجلاً كان أو امرأةً. (١) رواه الطبراني، وفيه عمر بن رباح العبدي، وهو متروك. (المجمع ٩٣/٥ و٩٤)، وانظر كنز العمال (٢٨١٠٩). ٢٩١ (١٢) كتاب الحج - (١٠) باب: غسل المحرم رأسه (١٠) باب غسل المحرم رأسه [١٠٧٥] عن عبد الله بن حُنَيْنِ، عن عبدِ الله بن عبَّاس والمِسْوَرِ بنِ مَخْرمَةَ، أَنَّهما اخْتلفًا بالأبْواءِ، فقالَ عبدُ الله بن عبَّاس: يغسلُ المُخْرمُ رأسَهُ. وقال المِسْوَرُ: لا يغسلُ المُحرِمُ رأسَه. فأرسلني ابنُ عبَّاس إلى أبي أَيُّوبَ الأنصاريِّ أنْ أسألَه عن ذلكَ. فوجدتُه يغتسلُ بينَ القَرْنينِ، وهو يَستترُ بثوبٍ. قالَ: فسلّمتُ عليه، فقال: مَنْ هذا؟ فقلتُ: أنا عبدُ الله بن حُنَيْن أرسلَّنِي إليكَ عبدُ الله بن عبَّاس أسألُكَ كيفَ كانَ رسولُ اللهِوَّهِ يغسلُ رأسَه وهو مُخْرٌ؟ فوضعَ أبو أيُّوب يدَه على الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا إليَّ رأسُهُ، ثم قال لإنسانِ يَصُبُّ: اصْبُبْ نصَبَّ على رأسِه، ثم حرَّكَ رأسَه (١٠) ومن باب: غسل المحرم رأسه اختلافُ ابن عباس والمِسْوَر لم يكن في جواز أصل غسل الرأس؛ لأنه من المعلوم عندهما وعند غيرهما: أنه يغتسلُ من الجنابة إن أصابته، ويغتسلُ لدخول مكة، وللوقوف بعرفة. وإنما كان الاختلافُ بينهما في كيفيته. فهل يدلكه، أو لا يدلكه؟ لأنه يخافُ منه قتل الهواءِّ، أو إنقاؤها عن رأسه وجسده وإزالة الشعث. ولإمكان هذه الأمور منع منه المِسْوَرُ، ولم يلتفتْ ابنُ عبّاسٍ إلى إمكان تلك الأمور؛ لأنه إذا ترفَّق في ذلك سلمَ مما يتّقى من تلك الأمور. وقد كان ابنُ عباس علم ذلك من حديث أبي أيوب، ولذلك أحال عليه، وأرسل إليه، والله تعالى أعلم. و(القرنان): هما الخشبتان القائمتان على رأس البئر، أو شبههما من البناء، تمدُّ بينهما خشبةٌ يجزُّ عليها الحبل؛ ليستقى عليه، أو لتعلَّق عليه البكرة. و (قوله: ثم قال لإنسانٍ يصب: اصبب(١). فصبَّ) دليلٌ على جواز الاستعانة بالآخرين في الطهارة (١) ليست في الأصول، واستدركت من التلخيص. ٢٩٢ (١٢) كتاب الحج - (١٠) باب: غسل المحرم رأسه بَيَديْهِ، فأقبلَ بهما وأدبَر، ثم قالَ: هكذا رأيتُهُ وَلِّ يفعلُ. وفي روايةٍ: قال: فأمرَّ أبو أَيُّوب بيديْهِ على رأسِه جميعاً، على جميعِ رأسِه، فأقبلَ بهما وأدبرَ، فقال المِسْوَر لابن عبّاس: لا أُمارِيْكَ أبداً. رواه البخاري (١٨٤٠)، ومسلم (١٢٠٥)، وأبو داود (١٨٤٠)، والنسائي (١٢٨/٥)، وابن ماجه (٢٩٣٤). الاستعانة بالصَّاحب والخادم في الطهارة. المحرم يغتسل وبدلك رأسه و (قوله: ثم حرك رأسه بیدیه، فأقبل بهما وأدبر) يدلُّ لابن عباس على صحة ما ذهب إليه: من أنَّ المحرم يغتسل، ويغسل رأسه، ويدلكه. وعليه الجمهور. وقد رُوي عن مالكِ كراهية ذلك لغير الجنابة. وذلك لما ذكر آنفاً. وفيه دليلٌ لمالكِ على اشتراط التدلك بالغسل؛ لأنه لو جاز الغسل بغير تدلكِ لكان المحرمُ أحقَّ بأن يجاز له ترك التدلك، وَلَمْ فلا، وفيه دليل: على أنَّ حقيقة الغسل لغةً لا يكفي فيه صبُّ الماء فقط، بل لا بدَّ من الدَّلك، أو ما يتنزل منزلته. و (قوله: لا أماريك أبداً) أي: لا أجادلك، ولا أخاصمك. ٢٩٣ (١٢) كتاب الحج - (١١) باب: المحرم يموت، ما يُفعل به؟ (١١) باب المحرم يموت؛ ما يُفعل به؟ وهل للحاجُّ أن يشترطَ؟ [١٠٧٦] عن ابن عباس، أنَّ رجلاً كانَ مع رسولِ اللهِوَّهِ مُحْرِماً، فَوَقَصَتْهُ ناقتُهُ فماتَ. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((اغسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنوه في ثَوْبيه، ولا تَمَشُوه بِطيبٍ، ولا تُخَمِّروا رأسَه فإنه يُبْعثُ يومَ القيامةِ مُلَبِّداً)). وفي رواية: ((مُلِّيا)). (١١) ومن باب: المحرم يموت، ما يفعل به؟ (قوله: فوقصته ناقته(١)) أي: أوقعته فاندقَّت ◌ُنقه. يقال لمن اندقت عنقه: وُقِصَ، فهو موقوصٌ، على بناء ما لم يُسمَّ فاعلُه. وروي: فأوقصته - رباعياً - وهما لغتان. والثلاثي أفصح. ويروى: فقعصته، بمعنى: قتلته لحينه. ومنه قُعاص الغنم، وهو: موتها بداءٍ يأخذها فلا يلبثها. و (قوله: ((فاغسلوه بماء وسِدْرٍ، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسّوه بطيبٍ، ولا المحرم إذا مات تخمِّروا رأسه))) أي: لا تغطوه. قال بمقتضى ظاهر هذا الحديث الشَّافعيُّ، لا يحنط ولا وأحمد، وإسحاق. فقالوا: إذا مات المحرمُ لا يُحتَّط، ولا يُغطَّى رأسُه. وقال يغطي رأسه مالك، والكوفيون، والحسنُ، والأوزاعيُّ: إنه يُفعل به ما يُفعل بالحلال. وكأنَّهم رأوا: أنَّ هذا الحكمَ مخصوصٌ بذلك الرجل. واستُدِلَّ لهم بوجهين: أحدهما: أنَّ التكاليفَ إنما تلزمُ الأحياء، لا الأموات. وثانيهما: أن قوله وَلّهِ: ((فإنه يُبعث يوم القيامة مُلبّاً)) تصريحٌ بالمقتضي لذلك، ولا يعلم ذلك غير النبيِّ ◌َ ﴿، فهو إذاً تعليلٌ قاصرٌ على ذلك الرجل. (١) في الأصول: راحلته، والتصحيح من التلخيص وصحيح مسلم. ٢٩٤ (١٢) كتاب الحج - (١١) باب: المحرم يموت، ما يُفْعل به؟ وفي أخرى: فأمرَهم رسولُ الله ◌ِ أَنْ يَغْسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وأنْ يكْشِفُوا وجهَه حَسِبْتُه قال: ورأسَه فإنَّه يُبعثُ وهو يُهِلُّ. رواه أحمد (٢١٥/١)، والبخاري (١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦) (٩٨ و٩٩)، والنسائي (١٩٥/٥)، وابن ماجه (٣٠٨٤). وقد أُجيب عن الأول: بأنَّ الميّت وإن كان غير مُكلَّف؛ فالحيُّ هو المكلّفُ بأن يَفْعَل به ذلك. وعن الثاني: أنَّه وإن لم يعلم ذلك غير النبي ◌َِّ؛ لكنه يُرجِّي من فضل الله أن يفعل ذلك بكل من اتفق له من المحرمين مثل ذلك. وهذا كما قد قال ◌َ﴿ه في الشَّهيد: ((إنه يُبعث يوم القيامة وجرحُه يَثْعَبُ دماً، اللونُ لون دم، والعَرْف عَرْف مسك))(١). وقد سؤَّى أبو حنيفة بين الشهيد والمحرم فقال: إنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُغسَّل، ويُكفَّن، ويصلَّى عليه على أصل المشروعية في الموتى. وسؤَّى الشافعيُّ في كونهما يُدفنان في ثيابهما، غير أنَّ المحرمَ يُعْسَّلُ، ولا يُصلَّى عليه. وقال مالك في المحرم بقول أبي حنيفة، وفي الشهيد بقول الشَّافعيّ. و (قوله: ((ولا تُخمِّروا رأسه)) أو ((اكشفوا وجهه))) حُبَّةٌ لمالكِ وأبي حنيفة على قولهما: إنَّ إحرامَ الرجل في رأسه ووجهه. والجمهور: على أنَّ الإحرامَ على الرجل في وجهه . اغتسال المحرم بالسّدر والخطمي و (قوله: ((اغسلوه بماءٍ وسدرٍ))) يدل: على أن حكمَ الإحرام ساقطٌ عنه؛ إذ لا يجوزُ أن يغتسلَ المحرمُ بالسِّدر، والخطمي، وشبههما؛ لأنَّ ذلك يزيلُ الشَّعث، والدَّرنَ، وقد منعه مالكٌ من الخطمي والتدليك الشديد، وقال: عليه الفدية إن فعل. ونحوه عن الشَّافعي، وأبي حنيفة، وأبي ثورٍ. وقال محمد، وأبو يوسف - صاحبا أبي حنيفة -: عليه صدقة. وقال أبو ثور: لا شيء عليه. ورخص (١) رواه البخاري (٧٤٥٧)، ومسلم (١٨٧٦)، والنسائي (١١٩/٨). ٢٩٥ (١٢) كتاب الحج - (١١) باب: المحرم يموت، ما يُفعل به؟ [١٠٧٧] وعن عائشةَ، قالتْ: دخلَ رسولُ اللهِلَّهِ، على ضُباعةً بنتِ الزُّبيرِ بن عبدِ المُطَّلِبِ، فقال لها: ((أَرَذْت الحَجَّ؟)) فقالتْ: واللهِ ما أجدُني إلا وَجِعةً. فقالَ لها: ((حُجِّي واشْتَرِطِي، وقولي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي)) وكانت تحتَ المقداد. طاووس، وعطاء، ومجاهد، وابن المنذر للمحرم في غسل رأسه بالخطمي. و (قوله: ((في ثوبيه))) كذا في أكثر الرِّوايات، وفي بعضها: ((في ثوبين))) كفن المحرم إذا فعلى الرواية الأولى: يحتجُ به الشَّافعيُّ في بقاء حكم الإحرام عليه؛ لأنه أمَرَ أن مات يُكفَّنَ في ثيابه التي كانت عليه. ومن رواه: ((في ثوبين)) فيحتملُ أن يريدَ بهما: ثوبيه. ويحتملُ أن يزيدوا على ثوبه الذي أحرم فيه ثوبين ليكون كفنُه وتراً. والأول أولى؛ لأنَّ إحدى الروايتين مُفسِّرةٌ للأخرى. و (قوله وَيُّ: ((حجِّ واشترطي، وقولي: اللهم! مَحِلِّي حيث حبستني))) الاشتراط في معناه: أنه رَّهِ لمَّا استفهمها عن إرادة الحجِّ اعتلَّتْ بأنها مريضة، وأنها خافت إن الحج اشتدَّ مرضُها أن يتعذَّر عليها الإحلالُ، بناءً منها على أن المحصر بالمرض لا يتحلَّلُ إلا بالطَّواف بالبيت؛ وإن طال مرضه؛ كما هو مذهبُ مالكٍ وغيره. وسيأتي إن شاء الله تعالى. فلما خافتْ هذا أقرَّها رسولُ الله ◌ِ ◌ّ ز على ذلك، ثم رخّص لها في أن تشترط: أنَّ لها التحللَ حيث حبسها مرضُها. وبظاهر هذا الحديث قال جماعةٌ من العلماء من الصَّحابة، والتابعين، وغيرهم. منهم: عمر، وعليٍّ، وابن مسعودٍ، وهو قولُ أحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وللشافعيّ قولان. فقال كلُّ هؤلاء: يجوز(١) الاشتراط في الحج، وأنَّ له الفسخُ إذا وقع شرطه. ومنع ذلك جماعة أخرى، وقالوا: إنَّه لا ينفع. منهم: ابن عمر، والزُّهري، ومالكٌ، وأبو حنيفة؛ متمسِّكين بقوله تعالى: ﴿وَأَتِقُواْ الْحَيَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، (١) في (هـ): بجواز. ٢٩٦ (١٢) كتاب الحج - (١٢) باب: يغتسل المحرم على كل حال وفي رواية: ففعلتْ ذلكَ عن أمرِ رسولِ الله وَّهِ . رواه أحمد (٣٦٠/٦)، ومسلم (١٢٠٧) (١٠٤ و١٠٧)، وابن ماجه (٢٩٣٧)، والنسائي (٦٨/٥). * (١٢) باب يغتسلُ المحرم علی کلِّ حال، ولو كان امرأةً حائضاً، وإردافُ الحَائض [١٠٧٨] عن عائشةَ، قالتْ: نَفِسَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيْس بمحمد بن وبقوله: ﴿ وَلَ بْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. واعتذروا عن هذا الحديث بوجهين: أحدهما: ادِّعاء الخصوص بهذه المرأة. وثانيهما: أنهم حملوه على التحلُّل بالعمرة؛ فإنها أرادتْ أن تحجَّ؛ كما جاء مُفسَّراً من رواية ابن المسيِّب. وهو: أنَّ رسولَ اللهِ وَلِ أمر ضباعةَ أن تشترطَ وتقولَ: ((اللهمَّ! الحجَّ أردت، فإن تيسّر، وإلا فعمرةٌ))(١). وروي عن عائشة: أنها كانت تقول: ((للحجِّ خرجت، وله قصدتُ، فإن قضيتُه فهو الحج، وإنْ حال دونه شيءٌ فهو (٢) العمرة))(٣). والله تعالى أعلم. (١٢) ومن باب: يغتسل المحرم ولو كان امرأة حائضاً (قوله: ((نفست أسماء))) أي: ولدت. وقد تقدَّم: أنه يقال: نفستِ المرأةُ؛ في الحيض والولادة بالضم والفتح. كما حكاهما صاحبُ الأفعال، غير أنَّ الضم في (١) رواه البيهقي (٢٢٣/٥). (٢) في (ظ): هي. (٣) رواه البيهقي (٢٢٢/٥). ٢٩٧ (١٢) كتاب الحج - (١٢) باب: يغتسل المحرم على كل حال أبي بكر بالشَّجرة، فأمَرَ رسولُ اللهِ وَّهِ أبا بكرٍ رضي الله عنه يَأْمُرُها أنْ تغتسلَ وتُهِلَّ. رواه مسلم (١٢٠٩)، وأبو داود (١٨٣٤)، وابن ماجه (٢٩١١). [١٠٧٩] وعنها، أنَّها قالتْ: خرجنا مع رسولِ الله وَّهِ عامَ حَجَّة الوَدَاعِ. الولادة أكثر. والفتح في الحيض أكثر. وقيل: إنه لا يقال في الحيض إلا بالفتح، حكاه الحربيُّ. و (الشجرة) شجرةٌ كانت هناك بذي الحليفة، والبيداء طرف منها، وكأنها إنما نزلتْ هناك لِتُبْعِدَ عن الناس لأجل الولادة. وأَمْرُهُ وَليس لها بأن تغتسل: إنما كان للإهلال، وهو: الإحرام. وفي الحجِّ أغسالٌ هذا أوكدها، وهو سُنَّةٌ عند الجمهور. وقال بوجوبه عطاء، أغسال الحج والحسن في أحد قوليه، وأهل الظاهر. والغسل الثاني لدخول مكّة. ومن أصحابنا من اكتفى بهذا الغسل عن غُسْل الطواف، وقال: إنه شُرِع لأجل الطواف؛ لأنه أول مَبْدُوءٍ به عند الدخول. ومنهم من لم يكتفِ به، وقال: لا بُدَّ من غسل الطواف، وإنما ذلك للدخول فقط. والغسل الثالث: للوقوف بعرفة. وهذه الأغسالُ كلُّها سُنَنٌ مؤكّدةٌ. وقد أطلق مالكٌ على جميعها الاستحباب، وأوكدها غُسْل الإحرام. و (قول عائشة - رضي الله عنها -: خرجنا مع رسول الله وَ له عام حَجَّةٍ لم سميت حجَّة الوداع) سُمِّيت بذلك: لأنه وَ ﴿ لَمَّا خطب النَّاسَ ودَّعهم فيها وقال: ((لعلي لا أحتجُ الوداع بذلك؟ بعد عامي هذا)، وقال: ((أَلَا هل بلغت؟)) فقالوا: نعم. فقال: ((اللهم! اشْهَدْ))(١). وكذلك كان، فإنه و ﴿ ــ وجازاه عنَّا خيراً - توفي في ربيع الأول، في الثاني عشر منه - على أولى الأقوال وأشهرها - على رأس ثلاثة أشهرٍ ونيّ من موقفه ذلك. ولم يحجَّ في الإسلام غير تلك الحجة، وحج فيها بجميع أزواجه واصلفيه. (١) رواه البخاري (١٠٥)، ومسلم (١٦٧٩). ٢٩٨ (١٢) كتاب الحج - (١٢) باب: يغتسل المحرم على كل حال - وفي رواية: مُوافِينَ لهلالِ ذي الحِجَّة ◌ِ فَأَهْلَلْنا بعمرةٍ، ثم قالَ و (قولها في الرواية الأخرى: خرجنا مُوافين لهلال ذي الحجة) أي: مُطلِّين عليه ومشرفين. يقال: أوفى على ثنية كذا، أي: شارفها، وأطلَّ عليها. ولا يلزمُ منه أن يكونَ دَخَلَ فيها. وقد دلَّ على صحة هذا: قولها في الرواية الأخرى: خرجنا مع رسول الله ﴿ لخمس بقين من ذي القَعْدة. وكذلك كان. وقدم النبيّ ﴿ مكة لأربع أو خمس من ذي الحجة، فأقام النبي ◌َّه في طريقه إلى مكة تسعة أيامٍ، أو عشرةً. والله تعالى أعلم. و (قولها: فأهللنا بعمرةٍ) يعني: أنها هي أهلَّت بعمرةٍ مع غيرها من أزواج النبي *، أو تكون نون العظمة، وفيه بُعْد، وقد أخبرتْ عن نفسها وحدها؛ إذ قالت: فأهللتُ بعمرةٍ، وكنتُ فيمن أهلَّ بعمرةٍ. وهذا يعارضُه قولُها في الرواية الأخرى: خرجنا مع رسولِ اللهِ ﴿﴿ مُهِلِّين بالحجِّ؛ وفي أخرى: لا نرى إلا الحجّ. فاختلف العلماءُ في تأويل هذه الألفاظ المختلفة المضطربة. فمنهم من رجَّح الروايات التي فيها: أنَّها أهلَّت بالحجِّ، وغلط مَن روى: أنّها أهلَّتْ بعمرةٍ. وإليه ذهب إسماعيل - أظنه ابن عُليَّة - ومنهم مَن ذهب مَذهب الجَمْع بين هذه الرِّوايات. وهو الأولى؛ إذ الرواةُ لتلك الألفاظ المختلفة أئمةٌ ثقات مشاهير، ولا سبيلَ إلى إطلاق لفظ الغلط على بعضهم بالوهم. فالجمعُ أولى من الترجيح إذا أمكن، فمِمَّا ذكر في ذلك: أنَّها كانت أحرمتْ بالحج ولم تسق الهدي، فلمَّا أمر النبيُّ ◌َّه مَنِ لم يسق الهدي بفسخ الحج في العمرة؛ فسختْ فيمن فسخ، وجعلته عُمرةً، وأهلَّت بها، وهي التي حاضتْ فيها. ثم إنَّها لم تحلَّ منها حتى حاضتْ، فأمرها النبيُّ ◌َ﴿ أن تحرمَ بالحجِّ، وتكون حينئذٍ مُردفةً، فأحرمتْ بالحجِّ، ووقفتْ بعرفة وهي حائضٍ، ثم إنها طهرتْ يوم النَّحر، فأفاضت، فلما كملتْ مناسكُ حجّها اعتمرتْ عُمرةً أخرى مع أخيها من التنعيم. قال: فعن تلك العُمْرة التي دخلتْ فيها بعد الفسخ عبَّر بعض الرواة: بأنها أحرمت بعمرةٍ، وعلى ذلك يُحْمَلُ بماذا أهلَّت عائشة رضي الله عنها؟ ٢٩٩ (١٢) كتاب الحج - (١٢) باب: يغتسل المحرم على كل حال رسولُ اللهِ وَلِّ: (مَنْ كانَ معه هَذْيٌ فَلْيُهْلِلْ بالحجِّ مع العُمرةِ، ثم لا يَحِلَّ حتى يَحِلَّ منهما جميعاً)) قالت: قولُها: أهللتُ بعمرةٍ. تعني بعد فَسْخها الحج، فلما كان منها الأمران صدق كلُّ قولٍ من أقوالها، وكل راوٍ روى شيئاً من تلك الألفاظ. قلت: ويعتضد هذا التأويل بقولها في بعض رواياته: فأمر رسولُ الله وَل ◌ِ من لم يكن ساقَ الهدي أن يُحِلَّ. قالت: فحلَّ من لم يسق الهديَ، ونساؤه لم يسقن الهدي؛ فأحلَلْن. وهذا فيما يبدو تأويلٌ حسنٌ، غير أنَّه يبعده مساق قولها أيضاً في رواية أخرى. قالت: خرجنا مع رسول الله وَ﴿ فقال: ((مَن أراد أن يُهِلَّ بحجٌّ وعمرةٍ فليهلَّ، ومن أراد أن يهلَّ بحجٍ فليفعل، ومن أراد أن يهلَّ بعمرةٍ فليفعل)). قالت: فأهلَّ رسولُ اللهِ وَّهِ بحجٌّ، وكنتُ فيمن أهلَّ بعمرةٍ. وظاهره: الإخبار عن مبدأ الإحرام للكلِّ. وعلى هذا فيمكن التأويلُ على وجهٍ آخر؛ وهو أن يبقى هذا الحديثُ على ظاهره، ويتأوَّل قولها: لبَّينا بالحجِّ؛ على أنَّ ذلك كان إحرامَ أكثر الناس؛ لأنَّه لمَّا أحرم النَّبِيُّ ◌َ ﴿ بالحجِّ اقتدى به أكثرُ الناس في ذلك، وأمَّا هي فإنما أحرمتْ كما نصَّت عليه، وناهيك من قولها: ولم أهلَّ إلا بعمرة. و (قولها: خرجنا مع رسول الله وَ ل﴾، ولا نرى إلا أنه الحجّ) يمكنُ أن يقال: كان ذلك منها ومنهم قبل أن يخبرهم النبيُّ ◌َّهِ في أنواع الإحرام، ويُبيِّها لهم. و (قوله وَّرِ: ((من كان معه هَذْيٌ فليهلَّ بالحجِّ مع العمرة))) ظاهره: أنه أمرهم بالقران؛ فيكون قال لهم عند إحرامهم، ويحتملُ أن يكون قال ذلك لمن قد كان أحرم بالعُمرة، فيكون ذلك أمراً بالإرداف. و (قوله: ((ثم لا يحلُّ حتى يحلَّ منهما جميعاً)) هذا بيانُ حكم القارن؛ فإنه حكم القارن لا يُحِلُّ إلا بفراغه من طواف الإفاضة، ويجزئه لهما عملٌ واحد عند الجمهور خلافاً لأبي حنيفة؛ إذ يقول: يعملُ لهما عملين. وسيأتي قوله بَّهِ لعائشة: ((يَسَعُكِ ٣٠٠ (١٢) كتاب الحج - (١٢) باب: يغتسل المحرم على كل حال فقدمتُ مكَّةَ وأنا حائضٌ لم أطفْ بالبيتٍ ولا بينَ الصَّفا والمروةِ. فشكوتُ ذلكَ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ. فقالَ: ((انقُضِي رَأْسَكِ، وامتشِطي، وأهلِّي بالحَجِّ ودَعِي العمرةَ». طوافكِ لحجِّكِ وعمرتِكِ))(١) وهو نصٌّ في الردِّ عليه. وكذلك قولها: فأمَّا الذين كانوا جمعوا الحجّ والعمرة؛ فإنما طافوا طوافاً واحداً. الطهارة شرط للطواف و (قولها: فقدمتُ مكة وأنا حائضٌ) كانت حاضتْ بسرف، كما قالت في الرِّواية الأخرى، وتمادى الحيضُ بها إلى يوم النحر، كما تقدَّم. وكونها لم تطفْ بالبيت: لاشتراط الطَّهارة في الطَّواف، ولا بالصَّفا والمروة؛ لأن مشروعيته أن يكونَ على إثر طوافٍ، وإنما امتنعتْ من ذلك لقول النبي ولي كما جاء في الرواية الأخرى: ((افعلي ما يفعلُ الحاجّ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري))(٢). حاضت المتمتعة ل الطواف و (قوله وَّه: ((انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العُمرة))) ظاهِرُ هذا: أنه أمرها بأن ترفضَ عمرتها، وتخرج منها قبل تمامها. وبهذا الظاهر قال الكوفيون في المرأة تحيضُ قبل الطواف، وتخشى فوتَ الحجِّ: أنها ترفضُ العمرة. وقال الجمهورُ: إنها تردفُ الحَّ، وتكون قارنةً. وبه قال مالكٌ، والشَّافعي، وأبو حنيفة، وأبو ثورٍ. وقد حمل هذا أصحابُنا: على أنَّه وَّر أمرها بالإرداف، لا بنَقْض العمرة؛ لأنَّ الحَّ والعُمرة لا يتأتى الخروجُ منهما شرعاً إلا بإتمامهما، لقوله تعالى: ﴿وَأَيِّتُوْ اَلَّْ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] واعتذروا عن هذه الألفاظ بتأويلاتٍ: أحدها: أنها كانت مضطرةً إلى ذلك، فرخّص لها فيها كما رخّص لكعب بن عجرة. (١) يأتي في الباب رقم (١٦). (٢) انظر التخريج السابق.