Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (١) باب: لا اعتكاف إلا في مسجد بصوم))(١) قال: ومثله عن عليٍّ، وابن عبَّاس، وابن عمر. قال أبو عمر بن عبد الَبرُّ: وبه قال عروةُ بن الزبير، والشعبيُّ، والزهريُّ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والحسنُ بن حييٍّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وأحمد. وقال الشافعي: الاعتكافُ جائزٌ بغير صيام. وهو قولُ عليٍّ، وابن مسعود، والحسن البصريِّ، وعطاء بن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي عبلة، وداود. واختلف فيه عن ابن عباسٍ، وأحمد، وإسحاق. قلتُ: والصحيحُ الاشتراط؛ لأنَّ إن صحَّ حديثُ عائشة فهو نصُّ فيه، وإن لم يصحَّ وإلا فالأفضل (٢) في العبادات والقرب أنها إنما تُفعل على نحو ما قرَّرها الشارع، وعلى ما فَعَلها، وقد تقرَّرت مشروعيةُ الاعتكاف مع الصوم في قوله: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، ولأنَّ النبيَّ ◌َ﴿ لم يعتكفْ قطَّ إلا صائماً، فمن اذَّعى جوازَه من غير صومٍ دفع إلى إقامة دليلٍ على ذلك(٣) . المسألة الثانية: اشتراط المسجد. وهو شرطٌ في الجملة للرجال والنساء عند الجمهور. وقد شذَّ ابنُ لبابة من متأخري أصحابنا، فجوّزه بغير صوم ولا مسجدٍ. وقال الكوفيون: لا يعتكف النساءُ إلا في بيوتهنَّ. وذهب بعضُ السَّلف: إلى أنه اشتراط المسجد للاعتكاف (١) رواه أبو داود (٢٤٧٣). (٢) في (هـ): فالأصل. (٣) جاء في حاشية (هـ) ما يلي: للشافعي أن عمر - رضي الله عنه - نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلةً، فسأل النبيَّ ◌َ﴿، فقال: ((أوفٍ بنذرك)). فدلَّ على أنَّ الصومَ غيرُ شرطٍ، والحديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. وحديث عائشة موقوف، ولم يخرجه غير أبي داود، وفي إسناده مقال، فالصحيحُ عدم الاشتراط، ومَن ادَّعى وجوده أُلْجِىء إلى حُجَّة ودليل، والله أعلم. ٢٤٢ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (١) باب: لا اعتكاف إلا في مسجد العَشْرَ الأَوَّلَ من رمضانَ، ثم اعتكفَ العَشْرَ الأوسطَ في قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ، على سُدَّتِها حَصِيرٌ، قال: فأخذَ الحصيرَ بيدِه فَنَحَّاها في ناحيةِ القُبَّةِ، ثم أُطْلَع رأسُه فكلَّم النَّاسَ، فَدَنَوْا منه، فقال: ((إنِّي اعتكفتُ العَشْرَ الأَوَّلَ ألتمسُ هذه اللّيلةَ، ثم اعتكفتُ العَشرَ الأَوْسطَ، ثم أُتَيْتُ، فقيلَ لي: إنَّها في العَشْرِ الأواخر، فمن أحبَّ منكم أنْ يَعْتکفَ فليعتكفْ)) فاعتكفَ النَّاسُ معه. قال: ((وإنِّي أُرِيتُها ليلةَ وِترٍ، وإِنِّي أسجُدُ صَبِيحَتَها في طِينٍ ومَاءٍ). فأصبحَ من لا يعتكف إلا في أحد المساجد الثلاثة، وذُكِر عن حذيفة. وذهب بعضُهم: إلى أنه لا يعتكفُ، إلا في مسجدٍ تُجمَّع فيه الجمعة. ورُوي عن مالك من مذهبه: أنَّ ذلك إنَّما يشترطُ فيمن أراد أن يعتكفَ أياماً تتخلَّلها الجمعة؛ لأنَّه إن خرجَ إلى الجمعة بطل اعتكافه. والصحيحُ: اشتراطُ المسجد للرِّجال والنّساء لقوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، ولأنَّ النبيَّ ◌َله وأصحابه لم يعتكفوا إلا في المسجد، رجالهم ونساؤهم. المسألة الثالثة: قال أئمتنا: الاعتكافُ الشَّرعيُّ هو: ملازمةُ المسجد ليتفرَّغ لعبادة الله تعالى مع صومٍ، إمَّا له وإمَّا لغيره في مدةٍ أقلُّ واجبها يومٌ وليلةٌ، وأقلّ مستحبُّها عشرة أيام ولياليها. وقد خولف أئمتنا في كثير من هذه القيود على ما يأتي في تضاعيف الكلام على الأحاديث إن شاء الله تعالى. الاعتكاف الشرعي [(١) ومن باب: لا اعتكاف إلا في مسجد وبصوم](١) (قوله: في قبةٍ تركيَّةٍ على سُدَّتها حصيرٌ) القُبَّهُ التركية: التي لها بابٌ واحد. والسدَّة: البابُ الذي يسدُّ. وهذه القبةُ هي المعبَّر عنها في الحديث الآخر: بالبناء. وفي الآخر: بالخيمة. (١) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وأحاديث باب: ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، وباب: ليلة القدر ليلة سبع وعشرين. ٢٤٣ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (١) باب: لا اعتكاف إلا في مسجد ليلةٍ إحدى وعشرينَ وقد قامَ إلى الصُّبح، فَمَطَرَتْ السَّماءُ فَوَكَفَ المسجدُ، فأبصرتُ الطِّينَ والماءَ، فخرجَ حينٍ فَرَغَ مِن صَلاة الصُّبح وجبينُهُ وَرَوْثَةُ أنفِهِ فيهما الطّينُ والماءُ، وإذا هي ليلةُ إحدى وعشرينَ من الَعَشرِ الأواخِر. رواه مسلم (١١٦٧) (٢١٥)، والنسائي (٧٩/٣ - ٨٠). [١٠٣٥] وعنه، قالَ: اعتكفَ رسولُ اللهِوَِّ العَشْرَ الأوسطَ مِن رمضانَ، يَلتَمسُ لَيْلةَ القدرِ قبلَ أن تُبانَ له، قال: فلمَّا انقَضَيْن أَمَرَ بالبناءِ فَقُوَّضَ، ثم أُبِينَتْ له أنَّها في العشرِ الأواخِرِ، فَأَمَرَ بالبنَاء فأُعيدَ، ثم خرجَ على النَّاس، فقال: ((يا أيُّها النَّاسُ! إنَّها كانتْ أُبينتْ لي ليلةُ القدرِ، وإني خرجتُ لَأخبرَكم بها، فجاءَ رَجُلان يَحْتَقَّانِ، معهما الشيطانَ فَتُسِّيتُها، فالْتمسُوها في العَشْرِ الأواخرِ مِن رمضانَ، التمسُوها في التاسعةِ والسَّابعةِ والخامسةِ)). قال: قلت: يا أبا سعيد! إنكم أَعْلَمُ بالعَدد مِنَّا. قال: أجل! نحن أحَقُّ بذلك منكم. قال: قلت: ما التَّسعةُ والسَّابعةُ والخَامِسةُ؟ قال: إذا مَضَتْ واحدةٌ وعشرونَ فالتي تليها ثنتان وعشرون. فهي التاسعة، فإذا مَضَى ثلاثٌ وعشرونَ فالتي تليها السّابعةُ، فإذا مضى خمسٌ وعشرون فالتي تليها الخامسةُ. و (وكف المسجد): قطر. و(الرَّوثة): طرف الأرنبة. و (يلتمس): يطلب. و (تقويض البناء): هَذْمُه. و(أبينت): روايتنا فيه من البيان. قال أبو الفرج: وضبطه المحقّقون: (أثبتت) من الإثبات. (يحتقّان): يطالب كلُّ واحدٍ منها صاحبَه بحقُّه. وقد تقدَّم الكلامُ في تسمية ليلة القدر في صلاة الليل من كتاب: الصلاة. و (قول الرجل لأبي سعيدٍ: إنكم أعلمُ بالعدد منَّا) أي: بهذا العدد الذي ذكر، وذلك لأنه محتملٌ لأن يعتبر بكمال الشَّهر أو بنقصه، وقد اعتبره أبو سعيدٍ هنا بالباقي علی کمال الشهر. ٢٤٤ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (٢) باب: للمعتكف أن يختص بموضع من المسجد رواه أحمد (١٠/٣)، ومسلم (١١٦٧) (٢١٧)، وأبو داود (١٣٧٣). (٢) باب للمعتكف أن يختص بموضع من المسجد فيضرب خيمةً، ومتى يدخلها، واعتكاف النساء في المسجد، وأن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا لحاجته الضرورية [١٠٣٦] عن عائشة، قالتْ: كانَ رسولُ الله ◌َّهِ إذا أرادَ أن يعتكفَ صلَّى الفجرَ ثم دخلَ مُعْتكفَه، (٢) ومن باب: للمعتكف أن يختصَّ بموضع من المسجد (قول عائشة: كان رسولُ الله وَ ﴿ إذا أراد أن يعتكفَ صلى الفجر، ثم دخل في معتكفه) أخذ بظاهره الأوزاعي، والثوري، والليث في أحد قوليه. وقال أبو ثور: يفعلُ هذا من نذر عشرة أيام، فإن زاد عليها فقبل غروب الشمس من الليلة. وقال مالك: لا يدخلُ اعتكافه إلا قبل غروب الشمس. وقال أحمد، ووافقهما الشافعي وأبو حنيفة، وأبو ثور في الشهر، واختلفوا في الأيام: فقال الشافعي: يدخل فيها قبل طلوع الفجر، وبه قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في الأيام وفي الشهر. وقال عبد الملك: لا يُعتدُّ بذلك اليوم. وسَبَبُ هذا الخلاف هو: هل أول ليلة أيام الاعتكاف داخلةٌ فيها أم لا تدخل، وإنَّ اليوم هو المقصودُ بالاعتكاف والليل تابع؟ قولان: ومن قال بالأول تأول الحديثَ المتقدِّم، على أن معناه: أنه كان إذا صلَّى الصبحَ في الليلة التي دخل من أولها في اعتكافه دخل قبة كيف تحتسب أيام الاعتكاف؟ ٢٤٥ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (٢) باب: للمعتكف أن يختص بموضع من المسجد وأنه أمرَ بخِبائِه فضُرِبَ، أرادَ الاعتكافَ في العشرِ الأواخر من رمضانَ فَأَمَرَتْ زينبُ بخبائِها فَضُرِب، وأَمَرَ غيرُها من أزواج النبيِّ وَّهِ بخِبائِهِ فَضُرِبَ، فلمَّا صَلَّى رسولُ اللهِ ﴿ِ الفَجْرَ نظرَ فإذا الأخْبيةُ، فَقالَ: اعتكافه التي ينزوي فيها نهاره، لا أنَّ وقتَ دخوله قبَّته كان أول اعتكافه. والله تعالى أعلم. و (قولها: وإنَّه أمر بخبائه فَضُرِب) هذا إنَّما كان قبل أن يَشْرَعَ في إنكارهِ﴿ على الاعتكاف، بدليل قولها: (أراد الاعتكاف في العشر الأواخر) ففي كلامها هذا زوجاته تقديمٌ وتأخير، فإنَّ أول ما فعل لما أراد الاعتكاف ضرب له الخباء، ثم إنَّ أزواجُه الاعتكاف لمَّا رأين عَزْمَه على الاعتكاف؛ وأَخْذه فيه؛ شَرَعْنَ فيه رغبةً منهنَّ في الاقتداء به، وفي تحصيل الأجر، غير أنهن لم يستأذنَّه؛ فلذلك أنكر عليهنَّ، ويحتمل أن يكون إنكارُه لأوجهٍ أخر: منها: أن يكون خاف أن يكونَ الحاملُ لهنَّ على الاعتكاف غَيرتهن عليه، وحرصهنَّ على القرب منه. ومنها: أن يكون كره لهنَّ ملازمتهنَّ المسجدَ مع الرِّجال، أو يكنَّ ضيَّقن المسجد على الناس بأخبیتهن، أو يؤدي مكثهنَّ في المسجد إلى أن يطّلع عليهن المنافقون لكثرة خروجهنَّ لحاجتهن، أو يؤدي ذلك إلى أن تنكشف منهنَّ عورةٌ، أو يؤدي ذلك إلى تضييع حقوق النبيِّ وَّلـ وحوائجه في بيوتهن. وكلُّ هذه الاحتمالات مناسبة، وبعضُها أقرب مِن بعضٍ، ولا يبعدُ أن يكون مجموعُها هو المراعى عنده، أو شيء آخر لم يُطَلَعْ عليه. والله تعالى أعلم. وأما استئذانُ المرأة زوجَها في الاعتكاف المتطوَّع به؛ فلا بُدَّ منه عند العلماء استئذان المرأة للَّذي تقدَّم في استئذانها إيَّه في الصَّوم، وللزوج أن يمنعَها منه ما لم يكنْ نذراً زوجها في معيناً، فلو كان مطلقاً؛ فله أن يمنعها من وقتٍ إلى وقتٍ ما لم تخفِ الفوت. الاعتكاف وكذلك العبد والأمة. ٢٤٦ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (٢) باب: للمعتكف أن يختص بموضع من المسجد ((آلِبِرَّ تُردْنَ؟)) فأمرَ بخبائه فقُوَّضَ، وتركَ الاعتكافَ في شهرِ رمضانَ حتَّى اعتكفَ في العَشْرِ الأَوَّلِ من شَوَّالَ. رواه أحمد (٨٤/٦)، والبخاري (٢٠٣٣)، ومسلم (١١٧٢) (٦). [١٠٣٧] وعنها، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ نَّهِ إذا اعتكفَ يُدْني إليَّ رأسَه فأُرَجِّلُه، وكانَ لا يدخلُ البيتَ إلا لحاجةِ الإنسانِ. رواه أحمد (٨١/٦)، والبخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٩٧) (٦)، وأبو داود (٢٤٦٨)، والنسائي (١/ ١٩٣)، وابن ماجه (١٧٧٦). و (قوله: ((آلبرَّ تُرِدْنَ؟))) بهمزة الاستفهام، ومدَّه على جهة الإنكار، ونصب (البرَّ) على أنه مفعول (تُرِذن) مقدَّما. و(أمرە پڅ بتقویض خبائه، وتركه الاعتكاف) إنما كان ذلك - والله أعلم - قبل أن سبب تقويض يدخلَ في الاعتكاف، وهو الظاهرُ من مساق الحديث، فلا يكونُ فيه حجةٌ لمن يقول: إنَّ النبي ﴾ من دخل في تطوُّع جاز له أن يخرجَ منه، وإنه إنما كان عَزَم عليه، وأراده، لا أنَّه لخبائه دَخَل فيه. وتَرْكُهُ وَِّ الاعتكافَ في ذلك العشر الذي كان قد عَزَم على اعتكافه: إنما كان مواساةً لأزواجه، وتطييباً لقلوبهنَّ، وتحسيناً لعشرتهن، أو لعلَّه توقَّع من تماديه على الاعتكاف ظنّ أنه هو المخصوصُ بالاعتكاف دونهنَّ. هل يختص الاعتكاف برمضان؟ وكونه اعتكف في شوال يدلُّ: على أنَّ الاعتكافَ ليس مخصوصاً برمضان، ولا يُقال فيه ما يدلُّ على قضاء التطوع؛ لأنَّا لا نسلم أنه قضاء، بل هو ابتداء؛ إذ لم يجب عليه لا بالأصل، ولا بالنَّذر، ولا بالدُّخول فيه؛ إذ لم يكن دَخَل فيه بَعْدُ. كيف ومعقوليةُ القضاء إنما تتحقَّق فيما اشتغلت الذمة به، فإذا لم يكن شغل ذمةٍ؛ فأيّ شيءٍ يقضي؟ غاية ما في الباب: أنه ابتدأ عبادةً هي من نوع ما فاته. ٢٤٧ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (٣) باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان (٣) باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان [١٠٣٨] عن ابن عمر، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ كانَ يعتكفُ العشرَ الأواخرَ مِن رمضانَ. قال نافع: وقد أرَاني عبدُ الله المكانَ الذي كانَ يعتكفُ فيه رسولُ الله ◌ٍَّ مِن المسجدِ. رواه البخاري (٢٠٢٥)، ومسلم (١١٧١) (٢)، وأبو داود (٢٤٦٥)، وابن ماجه (١٧٧٣). [(٣) ومن باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان](١) (قول نافع: وقد أراني عبد الله المكان الذي كان رسولُ الله ◌ِوَ لّهِ يعتكفُ فيه) يعني: الموضع الذي كان اختصَّه لنفسه؛ الذي كانت عليه القبَّةُ التركية، ومع أنه حكم إمامة اختصَّ بموضعٍ من المسجد فهو كان الإمام في حال اعتكافه، فكان يصلِّي بهم فى المعتكف موضعه المعتاد، ثم يرجعُ إلى معتكفه بعد انقضاء صلاته، وتحصَّل منه: جوازٌ إمامة المعتكف، وقد منعها سحنون في أحد قوليه في الفرض والنَّفل. والجمهورُ على جواز ذلك. واختلف من هذا الباب في مسائل: منها: أذان المعتكف، منعه مالكٌ مرةً وأجازه أخرى. والكافَّةُ على جوازه، وهذا في المنار. أمّا في غيره فلا خلافَ فى أذان المعتكف جوازه، فيما أعلم. وأمَّا خروجه لعيادة المرضى، أو لصلاةٍ على جنازة: فمنع ذلك مالكٌ، وكافَّتهم، وأجازه الحسنُ، والنخعي، وغيرهما. وأجاز إسحاق، والشافعيُّ خروجٍ المعتكف اشتراط ذلك عند دخوله في التطوُّع لا النَّذر. واختلف فيه قولُ أحمد. ومَنَع ذلك لعيادة مريض مالكٌ وغيره. (١) جزء من حديث رواه البخاري (٢٠٢٣). ٢٤٨ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (٣) باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان [١٠٣٩] وعن عائشة، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يعتكفُ العشرَ الأواخر من رمضانَ حتَّى تَوقَّاه اللَّهُ، ثم اعتكفَ أزواجُه مِن بَعدِهِ. اشتغال المعتكف ومنع مالكٌ اشتغالَه في المسجد بسماع علم، وكتابته، أو بالأمور المباحة كالعمل في الخياطة وشبه ذلك، إلا فيما خفَّ من هذا كلُّه. وأباح له الشافعيّ بالأمور المباحة وأبو حنيفة الشُّغْلَ في المسجد بما يُباح من ذلك كله، أو يرغَّبُ فيه من طلب العلم. وأما خروج المعتكف من المسجد فلا يجوزُ إلا لقضاء حاجته، أو شراء طعام، أو شرابٍ مما يحتاج إليه ولم يجد من يكفيه ذلك؛ لقول عائشة: كان رسولُ اللهِوَله إذا اعتكفَ لا يدخلُ البيتَ إلا لحاجة الإنسان. تعني به: الحدث. ويلحقُ به ما يكونُ محتاجاً إليه كشراء طعام وشرابٍ على ما تقدَّم. متی یباح للمعتكف الخروج؟ وإدامته ◌َ ﴿ الاعتكافَ في العشر الأواخر من رمضان إنما كان لمَّا أُبين له: أنَّ ليلة القدر فيه، وإلا فقد اعتكفَ في العشر الأول وفي الوسط على ما تقدَّم من حديث أبي سعيد. ثم مَن اعتكفَ في العشر الأواخر من رمضان؛ فهل يبيتُ ليلةَ الفطر في هل تدخل ليلة معتكفه ولا يخرج منه إلا إذا خرج لصلاة العيد؛ فيصلي، وحينئذٍ يرجع إلى منزله؟ الفطر في أو يجوزُ له أن يخرجَ عند غروب الشمس من آخر يوم رمضان؟ قولان للعلماء: الاعتكاف؟ والأول هو قولُ مالك، وأحمد بن حنبل، وغيرهما. وهو محكيٌّ عن السَّلف. واختلف أصحابُ مالكِ إذا لم يفعل؛ هل يبطلُ اعتكافه؟ أم لا يبطل؟ قولان. وذهب الشَّافعيُّ، والليث، والأوزاعيُّ، والزُّهريُّ في آخرين: إلى أنه يجوزُ خروجُه ليلة الفطر، ولا يلزمه شيءٌ مما قاله مالك. وظاهِرُ مذهب مالكِ: أنَّ ذلك على وجه الاستحباب؛ لأنَّ بعض السّلف فَعَلَهُ، ولأنَّه قد رُوي عن النبيِّ ◌َِِّ. وكون أزواجه اعتكفن بعده حُجَّةٌ على من مَنَع اعتكاف النِّساء في المسجد، فإنهنَّ إنما اعتكفن على نحو ما كان النبيُّ : ﴿ يعتكف؛ لأنَّ الراوي عنهنَّ ٢٤٩ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (٣) باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان رواه البخاري (٢٠٢٦)، ومسلم (١١٧٢) (٥)، وأبو داود (٢٤٦٢)، والترمذي (٧٩٠)، والنسائي (٢/ ٤٤). [١٠٤٠] وعنها، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ إذَا دخلَ العَشْرُ أحيَا اللَّيلَ، وأَيْقَظَ أهلَه، وجَدَّ، وشدَّ الِمِئزرَ. رواه أحمد (٤٠/٦ - ٤١)، والبخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤)، وأبو داود (١٣٧٦)، والنسائي (٢١٧/٣ -٢١٨)، وابن ماجه (١٧٦٨). ساقَ اعتكافَ النبيِّ وَ ﴿ واعتكافهنَّ مساقاً واحداً، ولو خالفنه في المسجد لذكره، وكان يقول: غير أنَّ ذلك في بيوتهنَّ. و (قول عائشة - رضي الله عنها -: كان النبيُّ ◌َِّ إذا دخل العشرُ أحيا الليل) أي: بالصَّلاة، و (أيقظ أهله) لذلك. وفيه: حثُّ الأهل على القيام للنوافل، معنى شد وحَمْلُهم على تحصيل الخير والثواب. ويُفهم منه تأكيد القيام في هذا العشر على المنزر في الاعتكاف غيره. و (جدّ) أي: اجتهد. و (شدَّ المئزر) أي: امتنع عن النساء. وهذا أولى مِنْ قول مَنْ قال: إنه كنايةٌ عن الجدِّ والاجتهاد؛ لأنه قد ذكر ذلك، فحَمْلُ هذا على فائدةٍ مستجدَّة أولى. وقد ذهب بعضُ أئمتنا: إلى أنه عبارةٌ عن الاعتكاف. وفيه بُعْدٌ؛ لقولها: أيقظ أهله. وهذا يدلُّ: على أنَّه كان معهم في البيت، وهو كان في حال اعتكافه في المسجد، وما كان يخرجُ منه إلا لحاجة الإنسان، على أنه يصحُّ أن يوقظهنَّ من موضعه من باب الخوخة التي كانت له إلى بيته في المسجد، والله أعلم. فإن حملناه على الاعتكاف فُهِم منه: أنَّ المعتكفَ لا يجوزُ له أن يقربَ النِّساء بمباشرةٍ، ولا استمتاع فما فوقهما، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُبَّ وَأَنْتُمْ عَكِفُونَ فِ اَلْتَّسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ فإن وقع منه الجماعُ فَسَدَ اعتكافُه ليلاً كان أو نهاراً بالإجماع. ثمَّ: هل عليه كفَّارة؟ فالجمهورُ: على أن لا. ٢٥٠ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (٤) باب: الأمر بالتماس ليلة القدر (٤) باب الأمر بالتماس ليلة القدر [١٠٤١] عن ابن عمرَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ◌ّهِ يقولُ لليلةِ القَدر: ((إنَّ نَاساً منكم قد أُروا أنَّها في السَّبع الأُوَلِ، وأُرِي نَاسٌ منكم أنَّها في السَّبع الغَوَابِر، فالتمسُوها في العَشْرِ الغَوابِ)). وفي رواية: قال: ((مَنْ كانَ مُلْتَمِسَها فليلْتمسْها في العَشْرِ الأواخِر)). وفي أخرى: ((التمسُوها في العَشْرِ الأواخِر (يعني: ليلةَ القَدْر) فإنْ ضَعُفَ أحدُكم أو عَجَزَ فلا يُغْلَبَنَّ على السَّبع البَواقِي)). رواهأحمد(٢/ ٤٤ و ٧٥)، ومسلم (١١٦٥)(٢٠٨ و ٢٠٩ و ٢١٠). وذهب الحسنُ والزهريُّ: إلى أنَّ عليه ما على المواقع أهله في نهار رمضان. ورأى مجاهد: أن يتصدَّق بدينارين. وأجرى مالكٌ، والشافعيُّ - في أحد قوليه ؛ الجماعَ فيما دون الفَرْج، وجميع التلذُّذات: من القُبلة، والمباشرة مجرى الجماع في الإفساد؛ لعموم قوله: ﴿ولا تباشروهنَّ﴾، ورأى أبو حنيفة، وأصحابه: إفساده بالإنزال کیفما كان. (٤ و ٥ و٦) ومن باب: الأمر بالتماس ليلة القدر (١) فضل ليلة القدر (قوله: ((التمسوها))) هو أمرٌ على جهة الإرشاد إلى وقتها، وترغيبٌ في اغتنامها، فإنها ليلةٌ عظيمةٌ، تُغفر فيها الذنوب، ويُطْلِعِ اللهُ تعالى فيها مَن شاء من ملائكته على ما شاء من مقادير خليقته، على ما سبق به عِلْمُه، ولذلك عظَّمها سُبحانه بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ٢] إلى آخر السورة، وبقوله ٢٥١ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (٤) باب: الأمر بالتماس ليلة القدر [١٠٤٢] وعنه، أنَّ رِجالاً مِن أصحابِ النبيِّ وَ أُرُوا ليلةَ القَدْرِ في المَنام في السَّبع الأواخِر، فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَرَى رُؤياكُم قد تَوَاطَأَتْ في الَسَّبعِ الأواخِر، فمنْ كانَ مُتَحرِّيَها، فليَتَحَرَّها في السَّبِعِ الأَواخِر». تعالى: ﴿حَمَ * وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرَأَ مِنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان: ١ -٦]. معنى (يفرق): يفصل ويُبيَّن. و (حكيم) محكم، أي: متقن. و (أمراً): منصوب على القطع، ويصحّ بنزع الخافض. أي: يفرق بأمرٍ. فلما أسقط الخافض تعدَّى الفعلُ فَنَصَب. واختلف النَّاسُ اختلافاً كثيراً في ليلة القدر: هل كانت مخصوصةً بزمن النبيِّ وَّهِ، أو لا؟ فالجمهورُ: على أنها ليستْ مخصوصةً. ثم اختلفوا: هل هي الاختلاف في متنقلةٌ في الأعوام، أو ليست متنقلة؟ ثم الذين قالوا: إنها ليست متنقلةً اختلفوا في تعيين ليلة تعيينها: فمن معيِّنٍ ليلة النصف من شعبان. ومن قائلٍ: هي ليلةُ النصف من القدر رمضان. ومن قائل: هي ليلةُ سبع عشرة. ومن قائلٍ: هي ليلة تسع عشرة. ثم ما من ليلةٍ من ليالي العشر إلا وقد قال قائل: بأنها ليلة القدر. وقيل: هي آخرُ ليلةٍ منه. وقيل: هي معيَّنة عند الله تعالى غير مُعيَّنَةٍ عندنا. وهذه الأقوالُ كلُّها للسّلف والعلماء. وسببُ اختلافهم اختلافُ الأحاديث كما ترى. قلتُ: والحاصلُ من مجموع الأحاديث، ومما استقرَّ عليه أمرُ رسول الله واليوم فِي طَلَبها: أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنَّها متنقلةٌ فيه، وبهذا يجتمعُ شتاتُ الأحاديث المختلفة الواردة في تعيينها. وهو قولُ مالكٍ، والشافعي، والثوريٍّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ، وغيرهم على ما حكاه أبو الفضل عِیاض. فاعتمد عليه، وتمسّك به. و (قوله: ((أرى رؤياكم قد تواطأتْ))) أي: توافقتْ، والمواطأةُ: الموافقة. و (قوله: ((فمن كان متحرِّيها))) أي: طالبها، مجتهداً فيها . ٢٥٢ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (٥) باب: ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين رواه أحمد (١٧/٢)، والبخاري (١١٥٨)، ومسلم (١١٦٥) (٢٠٥) و (٢٠٧). (٥) باب ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين [١٠٤٣] عن عبد الله بن أُنيس، أنَّ رسولَ اللهِلَّه قالَ: ((أُرِيتُ ليلةً القَدْرِ، ثم أُنْسيتُها، وأراني صُبحَها أسجُد في مَاءٍ وطِينٍ)). قال: فَمُطِرْنا صَبِيحَتها؛ ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ، فصلَّى بنا رسولُ اللهِوَّهِ، فانصرفَ وإنَّ أثرَ المَاءِ والطِّينِ على جَبْهِهِ وأَنِفِه. رواه مسلم (١١٦٨). * (قوله: ((أنسيتها))) أي: أنسيت تعيُّنها في تلك السنة، ومثل هذا النسيان جائزٌ الحكمة في عليه؛ إذ ليس بتبليغ حُكْم يجبُ العمل به. ولعلَّ عدم تعيُّنها أبلغُ في الحكمة، إخفاء ليلة وأكملُ في تحصيل المصلحة، كما قال: ((وعسى أن يكون خيراً لكم))(١). ووجهُ القدر ذلك: أنها إذا لم تعيّن، أو كانت متنقلةً في العشر، حرص الناسُ على طلبها طول ليال العشر، فحصل لهم أَجْرها، وأجر قيام العَشْر كلِّه. وهذا نحو ممَّا جرى في تعيُّن الصلاة الوسطى، وساعة الجمعة، وساعة اللَّيل - والله أعلم -. وقد تقدم الكلامُ على علامات ليلة القدر في كتاب الصلاة. (١) رواه الترمذي (٧٥٧). ٢٥٣ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (٦) باب: ليلة القدر ليلة سبع وعشرين (٦) باب ليلة القدر ليلة سبع وعشرين وما جاء في علاماتها [١٠٤٤] عن زرِّ بن حُبَش، قال: سأَلتُ أُبَيَّ بنَ كعبٍ، فقلتُ: إنَّ أخاكَ ابنَ مسعودٍ يقولُ: مَنْ يقُم الحَوْلَ يُصبْ ليلةَ القَدْرِ. فقالَ: رحمُه الله! أرادَ أنْ لا يَتَكِلَ النَّاسُ، أَمَا إنَّه قد عَلِمَ أنَّها في رمضانَ، وأنها في العَشْرِ الأَواخرِ، وأنَّها ليلةُ سَبْعٍ وعشرينَ، ثم خَلَفَ لا يَسْتَثْنِي أَنَّها ليلةُ سَبْعِ وعِشرينَ. فقلتُ: بأيِّ شيءٍ تقولُ ذلك يا أبا المنذر؟ فقال: بالعَلامَةِ أَوّ بالآية التي أَخْبَرَنا رسولُ اللهِ وَّهِ أَنَّها تطلُعُ يومئذٍ لا شُعاعَ لَها. رواه مسلم (٧٦٢) (٢٢٠) في الصيام، وأبو داود (١٣٧٨)، والترمذي (٧٩٣). [١٠٤٥] وعن أبي هريرة، قالَ: تَذَاكرنا ليلةَ القدرِ عندَ رسولِ اللهِ وَهِ، فقالَ: ((أَيُّكُم يذكرُ حينَ طَلَعَ القمرُ وهو مثل شِقِّ جَفْنَةٍ)). رواه مسلم (١١٧٠). [١٠٤٦] عن عائشة، قالتْ: ما رأيتُ رسولَ اللهِوَ لّهِ صَائماً في العَشْرِ قطُ . (قول عائشة: ما رأيتُ رسولَ اللهِ ﴿ صائماً في العشر قطً) تعني به: عشر ذي الحجَّة. ولا يُفهم منه: أنَّ صيامَهُ مكروهٌ، بل أعمالُ الطَّاعات فيه أفضلُ منها في غيره؛ بدليل ما رواه الترمذيُّ من حديث ابن عباس قال: قال رسولُ الله والتر: ((ما من أيَّام العملُ الصالح فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر)»، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ ٢٥٤ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (٦) باب: ليلة القدر ليلة سبع وعشرين رواه مسلم (١١٧٦)، وأبو داود (٢٤٣٩)، والترمذي (٧٥٦)، وابن ماجه (١٧٢٩) (٩). خَرَجَ بنفسه وبماله، فلم يرجع من ذلك بشيء))(١). قال: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. وتَرْكُ النبيِّلَّهِ صومَه إنما كان - والله أعلم - لما قالته عائشة - رضي الله عنها - في صلاة الضحى: أنه ﴿ كان يدعُ العملَ وهو يحبُّ أن يعملَ به خشيةَ أن يعملَ به الناسُ فيفرض عليهم (٢). ويحتملُ أن يكونَ بَلّ لم يوافق عشراً خالياً عن مانعٍ يمنعُه من الصيام فيه. والله تعالى أعلم. (١) رواه الترمذي (٧٥٧). (٢) رواه أحمد (١٦٨/٦). ٢٥٥ (١٢) كتاب الحج - (١) باب: ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب (١٢) كتاب الحج (١) باب ما يجتنبه المحرم من اللُّباس والطُّیب [١٠٤٧] عن ابن عمر، أنَّ رجلاً سألَ رسولَ اللهِوَ ◌ّهِ ما يَلْبَسُ المُحرمُ مِن التِّيّابِ؟ فقالَ رسولُ اللهِيهِ: ((لا تَلْبَسُوا القُمُصَ، ولا العَمائمَ، (١٢) كتابُ الحَجّ قد تقدَّمَ الكلامُ على الحجِّ من حيث اللغة والعُرف في أول كتاب الإيمان، واختلف في زمان فرض الحج؛ فقيل: سنة خمسٍ من الهجرة. وقيل: سنة تسع. في أي سنةٍ وهو الصحيحُ؛ لأنَّ فتح مكة كان في التَّاسع عشر من رمضان سنة ثماني سنين من فرض الحُّ؟ الهجرة، وحجَّ بالنَّاس في تلك السَّنة عتاب بن أسيد، ووقف بالمسلمين، ووقف المشركون على ما كانوا يفعلون في الجاهلية، فلما كانت سنةُ تسع فُرِض الحُ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ أمر أبا بكرٍ فحَّ بالناس تلك السَّنة، ثم أتبعه عليّ بن أبي طالب بسورة براءة، فقرأها على النَّاس في الموسم، ونبذ للناس عهدهم، ونادى في النَّاس: ألَّا يحجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. ووافقت حجَّة أبي بكرٍ في تلك السنةِ أن كانت في شهر ذي القعدة؛ على ما كانوا يديرون الحجِّ في كل شهرٍ من شهور السَّنة، فلما كانت سنةُ عشرٍ حجَّ رسولُ اللهِوَلِّ حَجَّته المسمّاة: بحجة الوداع، على ما يأتي في حديث جابرٍ وغيره. ووافق النبيّ وَلـ تلك السنة أن وقع الحجُّ في ذي الحجة، في زمانه ووقته الأصلي الذي فرضه اللهُ ٢٥٦ (١٢) كتاب الحج - (١) باب: ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب فيه، ولذلك قال وَل﴾: ((إنَّ الزمانَ قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات حكم الحج والأرض))(١). وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ. وأجمع المسلمون: على وجوب الحج في وشروطه الجملة، وأنه مرَّةً في العمر. ولوجوبه شروطٌ. وهي: العقل، والبلوغ، والاستطاعة. على ما يأتي تفصيلها. وهذه الشروطُ هي المتفقُ عليها، فأمَّا الإسلامُ فقد اختلف العلماءُ فيه: هل هو من شروط الوجوب؛ أو من شروط الأداء؟ وأمَّا وجوب الحج الحريّة: فالجمهور على اشتراطها في الوجوب، وفيها خلاف. واختلف أصحابُ على الفور أو مالك، والشَّافعيُّ في وجوب الحجِّ: هل هو على الفور، أو على التراخي؟ فذهب التراخي؟ العراقيُّون من أصحابنا: إلى أنه على الفور. وهو قولُ المزني، وأبي يوسف. وذهب أكثرُ المغاربة، وبعضُ العراقيين: إلى أنه على التراخي. وهو قولُ محمد بن الحسن. وكلُّهم اتفقوا: على أنه يجوزُ تأخيره السَّنة والسَّنتين. وسبب الخلاف اختلافُهم في مطلق الأمر؛ هل يقتضي الفور، أو لا يقتضيه؟ وهذا الأصلُ تنكشفُ حقيقته في علم الأصول. وأيضاً: فإنَّ رسولَ اللهِوَهَ أخَّر الحجّ سنةً بعد إيجابه؛ كما قدمنا. (١) ومن باب: ما يجتنبه المحرمُ من اللباس الملابس التي (قوله - وقد سُئِلِ عمَّا يلبسه المحرمُ من الثياب -: ((لا تلبسوا القُمص ... تمنع في الحديث))) إنما أجاب ◌َ* بما لا يلبس، وإن كان قد سُئل عما يلبس؛ لأن ما لا يلبس المُخْرِمُ منحصر، وما يلبسه غير مُنحصر، فعدل إلى المنحصر فأجابه به، وقد أجمعَ المسلمون على أنَّ ما ذكره في هذا الحديث لا يلبسه المحرمُ مع الرفاهية والإمكان، وقد نَّه وَّ في هذا الحديث بالقميص والسَّراويل: على كلِّ مخيط، وبالعمائم والبرانس: على كل ما يغطي الرأس؛ مخيطاً كان أو غيره، وبالخفاف: الإحرام (١) رواه أحمد (٣٧/٥)، والبخاري (١٠٥)، ومسلم (١٦٧٩). ٢٥٧ (١٢) كتاب الحج - (١) باب: ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب ولا السَّراويلاتِ، ولا البَرَانِسَ، ولا الخِفافَ، إلَّا أحدٌ لا يجدُ الثَّعلين فليَلْبَسْ خُفَيْنِ، وليَقْطَعْهُما أسفلَ مِن الكَعبيْنِ، ولا تَلَبَسُوا مِن الشِّيَابِ شَيئاً مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ ولا الوَرْسُ». رواه أحمد (٣/٢ و٤٧)، والبخاري (١٣٣)، ومسلم (١١٧٧) (١)، وأبو داود (١٧٣٧)، والترمذي (٨٣١)، والنسائي (٢٢/٥)، وابن ماجه (٢٩١٤). على كلِّ ما يستر الرِّجْلَ مما يلبسُ عليها، وإن لباسَ هذه الأمور جائز في غير الإحرام. و (قوله: ((إلا أحدٌ لا يجد النعلين فليلبس الخفَّين، وليقطعهما أسفل من ما ينتعله الكعبين))) هذا الحديثُ ردٌّ على من قال: إنَّ المُخْرِمَ لا يقطعُ الخفَّين لأنه إضاعةُ المحرم مالٍ. وهذا من هذا القائل حُكْمٌ بالعموم على الخصوص، وهو عكسُ ما يجب، إذ هو: إعمالُ المرجوح وإسقاط الرَّاجح، وهو فاسدٌ بالإجماع، ثم مَن قال بإباحة قَطْع الخفِّ؛ فإذا لبسه فهل تلزمه فديةٌ، أم لا تلزمه؟ قولان: الأول: لأبي حنيفة. والثاني: لمالك، وهو الأولى. لأنه لو لزمته لَبَيَّنَه النبيُّ ◌َ غير للسَّائل حين سأله؛ إذ ذاك محلّ البيان ووقته، ولا يجوزُ تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة بالإجماع، وأيضاً فحينئذٍ يكون قَطْعُ الخفِّ لا معنى له؛ إذ الفديةُ ملازمةٌ بلباسه غير مقطوع، فأما لو لبس الخفَّين المقطوعين - مع وجود الثَّعْل - للزمه الفدية بلبسهما؛ فإنه إنما أباح الشارعُ له لباسهما مقطوعين بشرط عدم النَّعْلين، فلبسهما كذلك: غير جائزٍ. هذا قولُ مالك، واختلف فيه قولُ الشافعي. و (قوله: ((ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسَّه الزعفران ولا الورس))) هذا مما نهي المحرم من لباس ما مسه الورس أجمعتِ الأمَّةُ عليه؛ لأنَّ الزَّعفرانَ والورس من الطِّيب، واستعمالهما ينافي بذاذة الحاجّ، وشعثه المطلوب منه، وأيضاً فإنَّهما من مقدِّمات الوطء ومهيِّجاته، والزعفران والمحرم ممنوعٌ من الوطء ومقدِّماته، ويستوي في المنع منهما: الرِّجال والنِّساء، ٢٥٨ (١٢) كتاب الحج - (١) باب: ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب [١٠٤٨] وعن ابن عبَّاس، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِوَّهِ وهو يخطبُ يقولُ: ((السّراويلُ لِمَن لا يجدُ الإزارَ، والخفان لمن لا يجدُ النَّعْلَيْنِ)) يعني: المُخرِمَ. رواه مسلم (١١٧٨) (٤)، وأبو داود (١٨٢٩)، والنسائي (١٣٢/٥ - ١٣٣). [١٠٤٩] وعن يَعْلى بن أُمّية، وقالَ لعمرَ بنِ الخَطَّاب: لَيتني أرى وعلى لابس ذلك الفدية عند مالك، وأبي حنيفة، ولم يرها الثَّوري، ولا الشافعي، وإسحاق، وأحمد إذا لبس ذلك ناسياً، فأما المعصفر فرآه الثوري وأبو حنيفة طِيباً كالمزعفر، ولم يره مالك، ولا الشافعي طيباً، وكره مالكٌ المقدَّم منه، واختلف عنه: هل على لابسه فدية، أم لا؟ وأجاز مالكٌ سائرَ الثياب المصبَّغة بغير هذه المذكورات، وكرهها بعضھُم لمن يُقْتَدی به. لبس السراويل والخفین للمحرم و (قوله: ((السراويل لمن لم يجدِ الإزار، والخفَّان لمن لم يجدِ النَّعلين))) قال بظاهره أحمدُ بن حنبل؛ فأباح لباسَ الخفِّ والسَّراويل لمن لم(١) يجد النعلين والإزار غير مقطوعين، والجمهورُ على أنه لا يلبسهما حتى يقطع الخفّ، ويفتق السَّراويل؛ ويصيِّره كالإزار، فأما لو لبسها كذلك للزمته الفدية، ودليلُ صحَّة هذا التأويل: قوله فيما تقدم في الخفِّ: ((وليقطعهما أسفل من الكعبين)) والأصل المقرَّر: حَمْلُ المطلق على المقيَّد، ولا سيَّما إذا اتّحدت القضيّة، وحُكْم السراويل في الفتق ملحقٌ بالخفِّ في القَطْع؛ لمساقهما مقترنين في الحديث، ولاستوائهما في الشَّرط، ولشهادة المعنى لذلك، وقد تقدَّم في كتاب الصلاة: أنَّ الورس: نباتٌ أصفر يُصبغ به. (١) في (ظ): لا. ٢٥٩ (١٢) كتاب الحج - (١) باب: ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب نَبِيَّ اللهَ ﴿ِ حين يُنْزَلُ عليه، فلمَّا كانَ النبيُّ ◌َ ﴿ بالجِعْرَانَة، وعلى النبيِّ وَّلـ ثَوَبٌ قد أُظِلَّ به عليه، معه فيه ناسٌ من أصحابه، فيهم عمرُ إذْ جاءَه رجلٌ عليه جُبَّةٌ مُتَضَمِّخٌ بِطيبٍ، فقال: يا رسول الله! كيفَ تَرى في رَجلِ أَحْرَمَ بعُمرةٍ في جُبَّةٍ بعدَ ما تَضَمَّخَ بطيبٍ؟ فنظرَ إليه النبيُّ وَِّ ساعةً ثم سَكَتَ، فجاءَهُ الوَحيُّ. فأشارَ عمرُ بيدِه إلى يَعْلَى بن أُمَيَّة: تَعالَ. فجاءَ يَعلى فأدخلَ رأسَه، فإذا النبيُّ ◌َّهِ مُحْمَرُ الوَجْهِ يَغِطُّ ساعةً، ثم سُرِّي عنه. فقال: (أينَ الذي يَسألُني عن العُمْرة آنفاً؟)) فالتُمِسَ الرَّجلُ، فَجِيء به، فقال النبيُّ وَّهِ: ((أمَّ الطَّيبُ الذي بكَ. و (الجِعْرانة): ميقاتٌ من مواقيت العمرة، وفيه لُغتان: التشديد في الراء، والكسر في العين، والتخفيف في الراء والإسكان في العين. و (المتضمخ): المتدهِّن بالطُّيب. و (الخَلوق): بفتح الخاء: أخلاطٌ من الطُّيب تُجمع بالزعفران. و (الغط والغطيط): هو صوتُ النَّفَس المتردِّد الذي يخرجُ من النَّائم، وهو البُهرُ الذي كان يغشاه عند معاينة المَلَكِ، وَكانت تلك الحالةُ أشدَّ الوحي عليه. و (سُرِّيَ عنه): كُشِف عنه. و (آنفاً): أي: الساعة. و (يلتمس): يطلب. و (قوله: ((أما الطِّيب فاغْسِلْه))) دليلٌ على مَنْع المُخْرِم من استعمال الطيب استعمال في جسده، وَوَجْهُ هذا المنعِ أن الطيبَ داعيةٌ من دواعي النّكاح - على ما قدَّمناه - ولا خلافَ في منعه من الطَّيب بعد تلبسه بالإحرام، واختلف في استعماله قبل الإحرام، واستدامته بعد الإحرام: فمنعه مالكٌ تمسُّكاً بهذا الحديث، وأجاز ذلك الشافعي؛ تمسُّكاً بحديث عائشة؛ قالتْ: كنتُ أطيِّبُ رسولَ اللهِوَلَّ لإحرامه قبل أن يُخْرِمَ(١). وفي أخرى: كأني أنظر إلى وَبِيْصِ الطيب في مفرق رسول الله وَه وهو محرم(٢)، واعتذر عن الحديث الأول بأن قال: إنما أُمَرَه بغسل ما عليه منه؛ الطيب في جسد المحرم (١) رواه أحمد (٣٩/٦ و١٨١)، والبخاري (١٧٥٤)، ومسلم (١١٨٩). (٢) رواه أحمد (١٠٩/٦)، ومسلم (٤١/١١٩٠)، وابن ماجه (٢٩٢٧). ٢٦٠ (١٢) كتاب الحج - (١) باب: ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب فاغسلْه ثلاثَ مَرَّاتٍ، وأمَّا الجُبَّةُ فَانْزِعْها، ثم اصنعْ في عُمْرِتِكَ ما تصنعُ في حَجِّكَ)). وقد رواه من طُرق، ولم يذكر في شيءٍ منها ثلاثَ مَرَّاتٍ. لأن ذلك الطِّيب كان زعفراناً، وقد نهى رسولُ الله:﴿ِ الرَّجلَ عن المزعفر؛ وإن لم يكن مُخرِماً. وهذا التأويلُ يأباه مساقُ الحديث، فتأمله. وقد تأوَّلَ أصحابُنا حديثَ عائشة تأويلاتٍ؛ أقربها تأويلان: أحدهما: أنَّ ذلك الوبيصَ الذي أبصرته عائشةُ إنما كان بقايا دُهْن ذلك الطيب؛ تعذَّر قَلْعُها، فبقيت بعد أن غسلت. وثانيهما: قالهُ أبو الفرج من أصحابنا: إنَّ ذلك من خواصُّه ◌َ﴿؛ لأنَّ المحرمَ إنما مُنع من الطّيب لئلا يدعوه إلى الجماع، والنبيُّ ◌َ﴿ أملكُ النَّاس لإربه؛ كما قالت عائشةُ - رضي الله عنها -، وقد ظهرت خصائصُه في باب النكاح كثيراً. و (قوله: ((فاغسلْه ثلاثَ مراتٍ))) دليلٌ على المبالغة في غسله؛ حتى يذهبَ ريحُه، وأَثَرُه، لا أنَّ ثلاثاً حدٌّ في هذا الباب. ويحتملُ: أن ثلاثاً راجعٌ إلى تكرار قوله: «فاغسله» فكأنه قال: اغسله، اغسله، اغسله. يدلُّ على صحته ما قد روي من عادته وَّ في كلامه، فإنه كان إذا تكلّم بكلمةٍ أعادها ثلاثاً. تغطية رأس المحرم و (قوله: ((وأما الجبَّةُ فانْزِعْها))) ردٌّ على الشعبيِّ، والنَّخعيِّ حيث قالا: إنَّ ذلك الثوبَ يُشَقُّ؛ لأنه إذا خلعه من رأسه غطَّى رأسه، والمحرمُ ممنوعٌ من تغطية رأسه. وهذا ليس بشيء؛ لأنَّا لا نُسلِّمُ أنَّ هذه التغطيةَ منهيٌّ عنها، لأنه لا ينفكُ عن المنهيِّ إلا بها، فصَار هذا الخَلْعُ مأموراً به، فلا يكون هو الذي نُهي عنه المحرم. ويجري هذا مَجْرى من حَلَف ألَّ يلبس ثوباً هو لابسه، ولا يركبَ دابةً هو راكبها. وأيضاً: فإنَّ هذه التغطية لا ينتفعُ بها، فلا تكون هي المنهيُّ عنها للمحرم، فإنه إنما نهي عن تغطيةٍ ينتفعُ بها على ما يأتي إن شاء الله تعالى. و (قوله: ((ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجِّك))) هذا اللفظُ جاء في أكثر