Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
(١٠) كتاب الصوم - (٢) باب: لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد
[٩٥٤] ومن حديث جابر، فقال النبيُّ وَّهِ: ((إنَّ الشَّهْرَ يكونُ تِسْعاً
وعشرينَ)) ثم طبَّقَ النبيُّ نَّهِ بيديْهِ ثلاثاً مَرَّتين، بأصابع يَدَيْهِ كُلّها، والثالثة
بتسع منها.
رواه أحمد (٣٢٩/٣)، ومسلم (١٠٨٤) (٢٤).
*
(٢) باب
لأهل كلٌّ بلدٍ رؤيتُهم عند التَّباعُد،
وفي الهلال يُرى كبيراً، وشهران لا ينقصان،
والنهي عن أن يتقدَّم رمضانَ بصوم
[٩٥٥] عن كُرِيب، أنَّ أُمَّ الفَضْلِ بنتَ الحَارثِ بعثتُهُ إلى مُعاوية
بالشَّام، قال: فقَدِمتُ الشَّامَ فقَضيتُ حَاجتَها، واستُهِلَّ عليَّ رمضانُ، وأنَا
يكفيه تسعٌ وعشرون كما تقدَّم؟ وإخبار عائشة للنَّبِيِّ ◌َ ﴿ بعَدَد تلك الليالي، يُفهم
منه: أنها اعتبرتْ ذلك الشَّهرَ بالعدد، واعتناؤها بعدد الأيام استطالةٌ لزمان الهجر، منزلة عائشة
وذلك يدلُّ على فرط محبَّتها؛ وشدَّة شوقها للنبيِّ وَّر، وأنه كان عندها من ذلك ما عند
لم يكن عند غيرها، وبذلك استوجبتْ أن تكون أحبَّ نساء النبيِّ وَلّ إليه، كما قد
رسول الله رَهُ
صرَّح به ◌َّ: حيث قيل له: مَن أحبُّ النَّاس إليك؟ فقال: ((عائشة))(١).
(٢) ومن باب: لأهل كلٌّ بلدٍ رؤيتهم عند التَّباعد
(قوله: واستهل عليَّ هلال رمضان) مبنياً لما لم يُسمَّ فاعله. أصل استهلَّ:
من الإهلال الذي هو رفعُ الصوت عند رؤية الهلال، ثم غلب عُرْفُ الاستعمال
(١) رواه الترمذي (٣٨٧٩) من حديث عمرو بن العاص.

١٤٢
(١٠) كتاب الصوم - (٢) باب: لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد
بالشَّام فرأيتُ الهلالَ ليلةَ الجُمعةِ ثم قدمتُ المدينةَ في آخر الشَّهر، فسألني
عبدُ الله بن العبَّاس، ثم ذكَرَ الهلالَ وقال: متى رأيتُم الهلالَ؟ فقلتُ: رأيناه
ليلةَ الجمعة، فقالَ: أرأيتَه؟ قلتُ: نعم، ورآهُ النَّاسُ وصَامُوا، وصَامَ
معاويةُ، فقال: لكنَّا رَأَيْنَاه ليلةَ السَّبتِ، فلا نزالُ نصومُ حتَّى نُكمِلَ ثلاثينَ
أو نراهُ، فقلتُ: أو لا تَكْتَفي بِرُؤْيةِ مُعاوية وصِيامِهِ؟ فقالَ: لا، هكذا أَمَرنا
رسول الله ◌َّ﴾. شك في نَكْتَفِي أو تَكْتَفِي.
رواه مسلم (١٠٨٧)، وأبو داود (٢٨٣٢)، والترمذي (٦٩٣)،
والنسائي (١٣١/٤).
فصار يُفْهم منه رؤيةُ الهلال، ومنه سُمِّي الهلالُ لما كان يهلُّ عنده.
و (قول ابن عباس: فلا نزالُ نصومُ حتى نكمل ثلاثين أو نراه) ثم قال في
آخره: (هكذا أمرنا رسول الله وَ﴿) كلمةُ تصريح برفع ذلك للنبيِّ وَّر، وبأمره به.
فهو حُجَّةٌ على أنَّ البلاد إذا تباعدتْ كتباعد الشام من الحجاز أو ما قاربَ ذلك،
فالواجبُ علی أهل کلِ بلدٍ أن تعمل على رؤیته دون رؤية غيره، وإن ثبت ذلك عند
حمل الإمام الإمام الأعظم؛ ما لم يحمل الناس على ذلك فلا تجوزُ مخالفته؛ إذ المسألةُ
اجتهاديةٌ مختلفٌ فيها؛ ولا يبقى مع حُكْم الإمام اجتهاد، ولا تحلُّ مخالفته. أَلَا
ترى أنَّ معاويةً أمير المؤمنين قد صام بالرؤية وصام الناسُ بها بالشام، ثم لم يلتفت
ابنُ عباس إلى ذلك، بل بقي على حُكْم رؤيته هو. ووجهُ هذا يُعرف من علم
الهيئة(١) والتعديل، وذلك أنه يتبيَّن فيها: أنَّ ارتفاعات الأقاليم مختلفة؛ فتختلف
مطالعُ الأهلَّة ومغاربها، فيطلع الهلال، ويغرب على قوم قبل طلوعه وغروبه على
آخرين. وعلى هذا: فلا يظهر تأثيرُ هذا إلا فيما بَعُدَ جداً، لا فيما قرب. والله
الأعظم الناس
على رؤية بلدٍ
للهلال
(١) ((علم الهيئة)): هو علم الفلك، ويختصُّ بدراسة أصل الكون وتطوره، ويبحث عن
أحوال الأجرام السماوية، وعلاقة بعضها ببعض، وما لها من تأثير في الأرض.

١٤٣
(١٠) كتاب الصوم - (٢) باب: لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد
[٩٥٦] وعن أبي البَخْتَرِيِّ، قال: خرجنَا لِلْعُمْرةِ، فلمَّا نزلنَا بِبطن
تعالى أعلم. وإلى ذلك صار ابنُ عباس، وسالم، والقاسم، وعكرمة. وبه قال
إسحاق. وإليه أشار الترمذيُّ؛ حيث بوَّب: لأهل كلِّ بلدٍ رؤيتهم. وحكى
أبو عمر بن عبدالبر: الإجماع على أنه لا تُراعى الرؤيةُ فيما بَعُد من البلدان
كالأندلس من خراسان، قال: ولكلِّ بلدٍ رؤيتهم، إلا ما كان كالمصر الكبير،
وما تقاربت أقطارُه من بلدان المسلمين. قلت(١): وهذا الإجماعُ الذي حكاه
أبو عمر يدلُّ: على أن الخلافَ الواقعَ في هذه المسألة إنما هو فيما تقاربَ من
البلاد؛ ولم يكن في حكم القطر الواحد. ونحن نذكرُه إن شاء الله تعالى. قال
ابنُ المنذر: اختلفَ في الهلال يراه أهلُ بلدٍ ولا يراه غيرهم: فقال قومٌ: لأهل كلِّ الهلال يراه أهل
بلدٍ رؤيتهم، وذكر من تقدَّم ذِكْرُ أكثرهم. وقال آخرون: إذا ثبت أنَّ أهلَ بلدٍ رأوه بلدٍ ولا يراه
فعليهم قضاء ما أفطروا. وهو قولُ الليث، والشافعي، وأحمد. ولا أعلم إلَّا قول عبرهم
المزني، والكوفي. وقال شيوخُنا: إذا كانت رؤيةُ الهلال ظاهرةً قاطعةً بموضع، ثمَّ
نقل إلى غيرهم بشهادة شاهدَيْن لزمهم الصوم. وقال عبد الملك: أمَّا ثبوتُه
بالشهادة فلا يلزمُ فيها الصوم إلَّا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة، إلا أن يثبتَ
عند الإمام الأعظم فيَلْزَمُ الناسَ كلَّهم الصيامُ. وعلَّل هذا: بأنَّ البلاد كلَّها كبلدٍ
واحدٍ؛ إذ حكمه نافذٌ في الجميع.
قلت: هكذا وقع نقل المشايخ لهذه المسألة، ولم يُفرِّقوا بين البعيد والقريب
من الأقاليم. والصواب: الفرق(٢)؛ بدليل الإجماع الذي حكاه أبو عمر، فيحمل
(١) ساقط من (ع).
(٢) بل الصواب توحيدُ الرؤية لإظهار وحدة المسلمين. ثم إنه بعد التقدم العلمي الهائل في
وقتنا المعاصر، أصبح من الممكن إثبات يوم الرؤية بشكل صحيح؛ اعتماداً على علم
الفلك؛ الذي حقَّق سَبْقاً علمياً لا يُضاهى، مقترناً بتقدُّم أجهزة الحاسوب. فصار من
الممكن والمحقّق إثبات يوم الرؤية إلى ما بعد مئات السنين. وكلنا أمل في أن يتحقق
توحید یوم الرؤية لدى المسلمين كما تحقق توحيد وقوفهم في عرفات.

١٤٤
(١٠) كتاب الصوم - (٢) باب: لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد
نَخْلَةَ، قال: تراءَيْنا الهِلالَ، وقالَ بعضُ القومِ: هو ابنُ لیلتینِ، وقال بعض
القوم: هو ابنُ ثلاث. قالَ: فَلِقِينَا ابنُ عَبَّاسَ، فقلنا: إنَّا تَرَاءَيْنا الهِلالَ،
فقالَ بعضُ القومُ: هو ابنُ ثلاثٍ، وقالَ بعض القوم: هو ابن ليلتين. فقالَ:
إطلاقُ المشايخ على البلاد المتقاربة. والله تعالى أعلم.
وفي ( قوله: ((صوموا لرؤيته))) دليلٌ: على أنَّ يوم الشكِّ لا يلزم صومُه.
وهو مذهبُ الجمهور خلافاً لأحمد بن حنبل، فإنه أوجبَ صومَهُ احتياطاً، فإن
صحَّ أنه من رمضان أجزأه. ونحوه قال الكوفيون. إلا أنهم لم يُوجبوا صَوْمَهُ.
والجمهورُ على أنه لا يصومُه عن رمضان، ولا يجزئه إن صامه، وكان بعضُ
الصحابة يأمر بالفَصْل ما بين رمضان وشعبان بفطر يوم أو يومين. وكره محمد بن
مسلمة تحرِّي فطره، کما کره تحرِّي صومه.
قلت: والأصل: أنه محكومٌ له بأنه من شعبان حتى يدل الدليلُ على أنه من
رمضان. والأدلةُ النَّاقلةُ عن حكْم شعبان: الرؤية، أو الشهادة، أو إكمال عدَّة
شعبان بثلاثين؛ ولم يوجد واحدٌ منها في يوم الشك، غير أنه يستحبُّ أن يمسكَ
فيه من غير صومٍ ليسلمَ من الأكل في زمان رمضان. ثم قوله: ((صوموا لرؤيته))
يقتضي وجوبَ الصَّوم حين الرؤية متى وُجِدت، لكن مَنَعَ الإجماعَ من الصوم
حينئذٍ؛ فكان محمولاً على اليوم المستقبل؛ لأنه هلالُ ليلةٍ ذلك اليوم، ولا فرقَ
أحوال رؤية بين رؤيته قبل الزوال، أو بعده، وهو المشهورُ من مذاهب العلماء، ومن مذهب
الهلال
مالكِ. وقال ابنُ وهب، وابنُ حبيب، وعيسى بن دينار: إذا رُؤي قبل الزَّوال فهو
لِلَّيلة الماضية، ويفطرون ساعةً رؤيته إن كان هلال شوال. وقال بعضُ أهل
الظاهر: أما في الصَّوم فيجعل الماضية، وأما في الفطر فيجعل للمستقبلة، وهو
أخذٌ بالاحتياط منهم. والحديثُ المتقدِّمُ حُجَّةٌ عليهم على ما قرَّرناه.
و (بطن نخلة) موضعٌ معروف بذات عرق، ولذلك قال في روايةٍ أخرى في
الأصل: قال أبو البختري: أهْلَلْنا رمضانَ ونحن بذات عرقٍ.
صوم يوم الشك

١٤٥
(١٠) كتاب الصوم - (٢) باب: لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد
أيَّ ليلةٍ رأيتمُوه؟ قال: قلنا: ليلة كذا وكذا. فقال: إنَّ رسولَ الله وَ ◌ّهِ قال:
((إِنَّ اللَّهَ مَّه للرؤيةِ فهو لليلةِ رأيتمُوه)).
وفي رواية: ((إنَّ اللَّهَ قد أَمدَّه لرؤيتِهِ، فإِنْ أُغْميَ عليكم فَأَكْمِلُوا
العِدَّةَ».
رواه مسلم (١٠٨٨) (٢٩).
[٩٥٧] وعن أبي بكرةَ، عن النبيِّ وَ ◌ِّ قالَ: ((شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ:
رَمَضَانُ وذو الحِجَّةِ)).
رواه أحمد (٤٧/٥ - ٤٨)، والبخاري (١٩١٢)، ومسلم (١٠٨٩)
(٣١)، وأبو داود (٢٨٢٣)، والترمذي (٦٩٢)، وابن ماجه (١٦٥٩).
و (قوله: فقال: إنّ رسولَ اللهِوَّ قال: ((إنَّ اللهَ مدَّه للرؤية))) هكذا صحَّتْ
روايتنا فيه، وهكذا الأصولُ الصحيحة، والنسخ المقيَّة، وقد سقط في بعض
النسخ لمن لا يضبط ولا يحفظ: (قال: إن الله) فيبقى اللفظ: (أنَّ رسولَ الله وَليه
مدَّه للرؤية) وهو خطأً صُراح، لا يقبلُ الإصلاح. ووقع في إحدى الروايتين:
(مدّه) ثلاثياً. وفي الأخرى: (أمذَّه) رُباعياً. قال القاضي أبو الفضل عياض: هما
بمعنى: أطال له مُدَّة الرؤية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ الْغَيِّ ثُمَّ لَا
يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] وقُرىء بالوجهين. أي؛ يطيلون لهم. وقال غيرُه:
مدَّ: من الامتداد. وأمدَّ: من الإمداد، وهو الزيادة. ومنه: أمددتُ الجيش بمدد.
ويجوزُ أن يكون: أمدّه من المدَّة. قال صاحبُ الأفعال: أمددتُك مدة: أعطيتكها.
و (قوله: «شهرا عیدٍ لا ینقصان)) قیل فيه أقوال:
أحدها: لا ينقصان من الأجر وإن نقصا في العدد.

١٤٦
(١٠) كتاب الصوم - (٢) باب: لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد
[٩٥٨] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَهِ: ((لا تَقَدَّمُوا
رمضانَ بصومٍ يومٍ ولا يَومينٍ، إلا رجلٌ كانَ يصومُ صوماً فليَصُمْه)).
رواه أحمد (٢٣٤/٢ و٣٤٧)، والبخاري (١٩١٤)، ومسلم
(١٠٨٢)، وأبو داود (٢٣٣٥)، والترمذي (٦٨٥)، والنسائي (١٥٤/٤)،
وابن ماجه (١٦٥٠).
وثانيها: لا ينقصان في عامٍ بعينه.
وثالثها: لا يجتمعان ناقصين في سَنَةٍ واحدةٍ في غالب الأمر.
ورابعها: ما قاله الطّحاوي: لا ينقصان في الأحكام، وإن نقصا في العدد؛
لأن في أحدهما الصيام، وفي الآخر الحج، وأحكامُ ذلك كلّه كاملةٌ غير ناقصةٍ.
وخامسها: ما قاله الخطّابيُّ: لا ينقص أجرُ ذي الحجة عن أجر رمضان؛
لفضل العمل في العشر.
النهي عن تقدّم
رمضان بصوم
و (قوله: ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين))) هذا النھيُ لما يُخاف من
الزيادة في شهر رمضان، وهو من أدلَّة مالك على قوله بسدُّ الذَّرائع، لا سيَّما وقد
وقع لأهل الكتابين من الزِّيادة في أيام الصوم [غلط] (١) حتى أنهوا ذلك إلى ستين
يوماً، كما هو المنقولُ عنهم. وقد وسع في المنع في الحديث الذي خرَّجه الترمذيُّ
عن أبي هريرة وصححه [فقال:](٢) قال رسول الله وَلاير: ((إذا بقي نصفٌ من شعبان
فأمسكوا عن الصَّوم حتى يأتي رمضان))(٣). ومحملُ هذا النهي ما يخافُ من الزِّيادة
(١) ساقط من (ع) واستدرك من (ظ) و (هـ).
(٢) ساقط من (ع).
(٣) رواه الترمذي (٧٣٨).

١٤٧
(١٠) كتاب الصوم - (٣) باب: في قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط ... ﴾
(٣) باب
في قوله تعالى: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَرِ ﴾
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ بلالاً يُنادي بليلٍ))
[٩٥٩] عن عديٍّ بن حاتم، قالَ: لما نزلت: ﴿حَتَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ
الْأَبْيَضُ مِنَ اْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قالَ له عديّ:
في رمضان، فإنْ أُمِن ذلك جاز بدليل قوله: ((إلَّا رجلٌ كان يصومُ صوماً فليصمْه))
وبدليل ما قالت عائشة رضي الله عنها: ((كان ◌َ﴿ يصومُ شعبان كله))(١)، ((كان
يصوم شعبان إلا قليلاً))(٢). وسيأتي الكلامُ على هذا الحديث إن شاء الله تعالى.
وفي هذا الحديث ما يدل: على أنَّ صوم يوم الشكِّ جائزٌ. وقد اختلفَ في
ذلك.
(٣) ومن باب: قوله تعالى: ﴿حَتَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ
اَلْأَسْوَرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]
(حديث عديٍّ هذا يقتضي: أنَّ قوله تعالى: ﴿من الفجر﴾ نزل(٣) متصلاً معنى:
بقوله تعالى: ﴿حَتَّ يَتَبَيَّنَ لَكُّ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وأنَّ الخيط الأبيض
عديَّ بن حاتم حمل الخيط على حقيقته، وفهم من قوله: ﴿من الفجر﴾: من أجل و
والخيط الأسود
الفجر. ففعل ما فعل بالعقال الأبيض والأسود. وهذا بخلاف حديث سهل بن
سعد؛ فإن فيه: أنَّ الله لم ينزلْ ﴿من الفجر) إلاّ منفصلاً عن قوله: ﴿حَّ يَبَيَّنَ لَكُو
الْغَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾. ولما وقع لهم الإشكالُ حينئذٍ أنزلَ اللهُ تعالى:
(١) رواه مسلم (١٧٦/١١٥٦)، والنسائي (١٩٩/٤ و٢٠٠).
(٢) رواه البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (١٧٦/١١٥٦).
(٣) ساقط من (ع).

١٤٨
(١٠) كتاب الصوم - (٣) باب: في قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط ... ﴾
يا رسولَ الله! إنِّي جعلتُ تحتَ وِسَادَتِي عِقالَينِ: عِقالاً أبيضَ وعِقالاً
أسوَدَ، أَعرِفُ اللَّيلَ مِن النَّهارِ. فقالَ رسول الله وَله: ((إِنَّ وِسَادَكَ لعَرِيضٌ،
إِنَّمَا هُوَ سَوادُ اللَّيل وبياضُ النَّهارِ)).
رواه أحمد (٣٧٧/٤)، والبخاري (١٩١٦)، ومسلم (١٠٩٠)،
والترمذي (٢٩٧٠).
﴿من الفجر﴾ رافعاً لذلك الإشكال، وكأنَّ الحديثين واقعتان في وقتين، ويصح
الجمعُ بأن یکون حدیثُ عدي متأخراً عن حديث سهلٍ، وأنّ عديًّاً لم يسمع ما جرى
في حديث سهلٍ، وإنما سمع الآية مجردةً، ففهمها على ما قرَّرناه، فبيَّن له
النبيُّ ◌َله: أنَّ الخيط الأبيض كنايةٌ عن بياض الفجر، والخيط الأسود كنايةٌ عن
سواد الليل، وأنَّ معنى ذلك أن يفصلَ أحدهما عن الآخر. وعلى هذا فيكون ﴿من
الفجر﴾ متعلقاً في ﴿يتبين﴾. وعلى مقتضى حديث سهلٍ يكونُ في موضع الحال
متعلّقاً بمحذوف، وهكذا هو معنى جوابه في حديث سهل، ويحتملُ أن يكونَ
الحديثان قضيةً واحدةً. وذكر بعضُ الرواة: ﴿من الفجر﴾ متَّصلاً بما قبله؛ كما
ثبت في القرآن وإن كان قد نزل متفرّقاً؛ كما بيَّنه حديثُ سهلٍ، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((إني جعلت تحت وسادتي عقالين))) إنما جعلهما تحت وساده
لاعتنائه بهما، ولينظر إليهما وهو على فراشه من غير كلفة قيام ولا طَلَبٍ، فكان
يرفعُ الوسادَ إذا أراد أن ينظر إليهما. والعقال: الخيط. سُمِّ بذلك: لأنه يعقل به.
أي: ◌ُربط به ويُحبس.
و (قوله: ((إنَّ وسادكَ لعريض))) حمله بعضُ الناس على الذمِّ له على ذلك
الفَهْم، وكأنَّه فهمَ منه: أنَّ النبيَّ ◌َله [نسبه إلى الجهل والجفاء وعدم الفقه. وربما
عضدوا هذا بما روي: أنه ◌َ﴾](١) قال له: ((إنك لعريض القفا))، وليس الأمر
(١) ساقط من (ع).

١٤٩
(١٠) كتاب الصوم - (٣) باب: في قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط ... ﴾
[٩٦٠] وعن سهل بن سعدٍ، قالَ: لمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَكُلُواْ
وَأَشْرَبُواْ حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكُّ الْخَيْطُ اَلْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قالَ:
فكانَ الرَّجلُ إذا أرادَ الصَّومَ رَبَط أحدُهم في رِجليْهِ الخيطَ الأبيضَ والخيطَ
الأسودَ، فلا يزالُ يأكلُ ويشربُ حتى يتبيَّنَ له رِئْيُهُما، فأنزلَ اللَّه بعدَ ذلكَ:
﴿مِن الفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّما يَعني بذلكَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ.
كذلك؛ فإنه حمل اللفظ على حقيقته اللسانية؛ إذ هي الأصل، إذ لم يتبيَّنْ له دليلُ
التجوز. ومَن تمسَّك بهذا الطريق لم يستحقَّ ذماً، ولا يُنسب إلى جهلٍ، وإنما عنى
بذلك النبي ◌َّ﴿ والله أعلم: أنَّ وسادك إنْ غطَّى الخيطين اللذين أراد الله، اللذين
هما الليل والنهار، فهو إذاً وسادٌ عريضٌ واسع؛ إذ قد شملهما وعلاهما، ألا تراه
قد قال على إثر ذلك: إنما هو سوادُ الليل وبياضُ النهار؟! فكأنه قال: فكيف
يدخلان تحت وسادٍ؟! وإلى هذا يرجعُ قوله: ((إنك لعريضُ القفا»؛ لأن هذا الوسادَ
الذي قد غطَّى الليلَ والنهارَ بعرضه لا يرقدُ عليه، ولا يتوسّده إلا قفا عريض، حتى
يناسب عرضُه عرضَه، وهذا عندي أشبه ما قيل فيه وأليق. [ويدلُّ أيضاً عليه:
ما زاده البخاري قال: ((إنَّ وسادك إذاً لعريضٌ إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت
وسادك»](١) وقد أکثر الناسُ فیه.
و (قوله: ((حتى يتبيَّن له رِئْيُهما))) بكسر الراء وهمزة ساكنةٍ وياءٍ باثنتين من
وهو المنظر. ومنه: ﴿أَحْسَنُ أَثَثَّا وَرِهْيَا﴾ [مريم: ٧٤]. قال في
أسفل مرفوعة،
الرِّنْيُّ: ما رأيته من حالٍ حسنةٍ، وربما صحَّف بعضُ الناس:
كتاب ((العين)):
رَثْيهما، بفتح الراء وكسر الهمزة. ولا وَجْهَ له؛ لأن الرَّئيَّ هو التابعُ من الجنِّ،
يقال فيه: بفتح الراء وبکسرها.
و (قوله: ((فأنزل اللهُ تعالى بعد ذلك ﴿من الفجر﴾))) روي: أنه کان بينهما
(١) ساقط من (هـ).

١٥٠
(١٠) كتاب الصوم - (٣) باب: في قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط ... ﴾
رواه البخاري (١٩١٧)، ومسلم (١٠٩١).
[٩٦١] وعن ابن عُمرَ، قالَ: كانَ لرسول اللهِوَ لَ مُؤَذِّنانِ: بلالٌ
وابنُ أُمّ مَكْتوم الأعمى، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إِنَّ بلالاً يَؤَذِّنُ بِلَيْلِ فكلُوا
أذان الفجر
عامٌ. والفجرُ مأخوذٌ من تفجّر الماء؛ لأنه ينفجرُ شيئاً بعد شيء.
و (قوله: ((إنَّ بلالاً ينادي بليلٍ))) هذا النداءُ هو أذانُ الفجر عند الجمهور.
وحكمتُهُ عندهم: الهبوبُ من النوم، والتأهُّب لصلاة الصُّبح. واختصت الصبحُ
بذلك لأن الأفضلَ فيها إيقاعُها في أول وقتها مُطلقاً، فيلزم من المحافظة على
إيقاعها في أوَّل وقتها التأهُّبُ لها قبل وقتها، وقبلها نوم الليل المستصحب،
فاقتضى مجموعُ ذلك أن يُنْصَبَ من يُوقظُ الناسَ قبل وقتها، فكان ذلك بالأذان.
وذهب أبو حنيفة والثَّوري: إلى أنَّ هذا الأذانَ إنما فائدتُه ما نصَّ عليه في الحديث
الآخر: ((ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم)) والإعلامُ بوقت السَّحور لا يكتفى به
للفجر، بل لا بُدَّ من آذانٍ آخر إذا طلع الفجر، كما كان يؤذنُ ابنُ أمّ مكتوم.
ومتمسّكهما من حديث بلالٍ وابن أمّ مكتوم واضحٌ، غير أنَّ العملَ المنقولَ بالمدينة
على تقديم أذان الفجر قبله. ثم اختلف الجمهورُ في الوقت الذي يُؤْذَّن فيه للفجر:
فأكثرهم قال: السدس الأخير من الليل. وقيل: النِّصف. وقيل: بعد خروج وقت
العشاء الآخرة. وهذه الأقاويلُ الثلاثةُ في مذهبنا.
و (قوله: ((ولم يكن بينهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا))). وفي البخاري من
حديث عائشة - رضي الله عنها - عن ابن أم مكتوم: فإنه لا يؤذِّنُ حتى يطلع الفجر،
وقال فيه: قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا(١). وفي
الموطأ: وكان ابن أمّ مكتوم رجلاً أعمى، لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت،
أصبحت. ومثله في البخاريِّ أيضاً(٢).
(١) رواه البخاري (٦٢٣).
(٢) رواه مالك في الموطأ (٧٤/١ - ٧٥)، والبخاري (٦١٧).

١٥١
(١٠) كتاب الصوم .- (٣) باب: في قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط ... ﴾
واشربُوا حَتَّى يُؤذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكتُوم)) قال: ولم يكنْ بينَهما إلا أن يَنْزِلَ هذا
ویَرْقَى هَذا.
قلتُ: وقد أشكل قولُ القاسم مع مساق حديث بلالٍ وابن أمّ مكتوم وذلك:
أنَّ حديثَ بلالٍ يقتضي: أنَّ بين وقت أذانه وطلوع الفجر زماناً طويلاً يتَسعُ لصلاة
الليل وللسَّحور، وأذان ابن أمِّ مكتوم يقتضي: أنه كان لا يؤذِّن حتى يطلع الفجر،
ثمَّ قال القاسمُ: لم يكنْ بين أذانهما إلا أن يرقى ذا، وينزل ذا. وهذا الوقتُ
لا يتسعُ لشيء من الصَّلاة، ولا من السَّحور، فتناقضا. وقد انفصل عنه من
و جھین:
أحدهما: أن هذا كان من بلالٍ في بعض الأوقات، لا في غالبها، بل كان
غالب أحواله: أنْ يوسعَ بين أذانه وبين طلوع الفجر. وقد روي: أنه أذَّنَ عند طلوع
الفجر.
وثانيهما - وهو الأشبهُ -: أنَّ بلالاً كان يؤذِّنُ قبل طلوع الفجر، فيجلسُ في
موضع أذانه يذكر الله ويدعو حتى ينظر إلى تباشير الفجر ومقدّماته، فينزل، فيعلمُ
ابنَ أم مكتومٍ بالفجر، ولعلَّه هو الذي كان يقولُ له: أصبحت، أصبحت .. أي:
قاربت الصَّباح. وعند ذلك يرقى ابنُ أم مكتوم، فيؤذِّن. والله تعالى أعلم. فقول
القاسم في رواية البخاري: بين أذانهما. معناه: بينهما؛ كما قال في حديث
ابن عمر: ((ولم يكن بينهما)). أي: لم يكنْ بين نزول بلالٍ وصعود ابن أمِّ مكتوم
طويلُ زمنٍ، بل بنفس ما ينزل أحدهما يصعدُ الآخر من غير تراخٍ. والله تعالى
أعلم.
و (قوله: ((إنَّ بلالاً ينادي بليلٍ))) دليلٌ: على أنَّ ما بعد الفجر لا يقالُ عليه
ليلٌ، بل هو: أول اليوم المأمور بصومه.
و (قوله: ((حتى يؤذِّنَ ابنُ أمّ مكتوم))) أي: حتى يشرعَ في الأذان. وهذا

١٥٢
(١٠) كتاب الصوم - (٣) باب: في قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط ... ﴾
رواه أحمد (١٠٧/٢)، ومسلم (١٠٩٢) (٣٨) والترمذي (٢٠٣)،
والنسائي (١٠/٢).
حدُ الصوم
ظاهِرُه. ويحتملُ: حتى يفرغَ من الأذان. ويؤيِّد هذا الاحتمال: ما ذكره أبو داود
من حديث أبي هريرة الذي قال فيه رسولُ الله وَله: ((إذا سمع أحدُكم النداءَ والإناءُ
على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه))(١). وهذا هو أذانُ ابن أم مكتومٍ، فإنه
مُشْعِرٌ بأنَّ هذا إنما يُفْعَلُ عند ضيق الوقت، ولا يصح أن يُردَّ إلى حديث ابن عمر؛
لأنَّ ذلك صرَّح فيه بالتَّراخي والتوسعةُ تقتضي أكثر من هذا الوقت، وعلى هذا:
فيكون قولُه في أذان ابن أمِّ مكتوم: حتى يطلعَ الفجر. أي: يقارب. وكذلك:
أصبحتَ. أي: قاربتَ الدخول في الصباح. وهذا التأويلُ على ما قرَّرناه في حدٍّ
الصَّوم: من أنَّ الواجبَ إمساكُ جميع أجزاء اليوم، وحالة: طلوع الفجر من اليوم،
فلا بُدَّ من إمساكها، ويلزم من إمساكها: إمساكُ جزءٍ من الليل حتى يأمنَ مِنَ الأكل
فيما هو جزءٌ من اليوم، وعلى هذا فأوَّلُ التبيُّن هو المحرمُ بنفسه، لكن اختلفَ في
هذا التبيُّن بالنسبة إلى ماذا يكون؟ فذهب الجمهورُ وفقهاء الأمصار والأعصار: إلى
أنه أول تبيَّن الفجر في الأفق الذاهبِ فيه عَرْضاً. وروي عن عثمان، وحذيفة،
وابن عباسٍ وطلق بن علي، وعطاء بن أبي رباح، والأعمش، وغيرهم: أنَّ
الإمساك يجبُ لتبين الفجر بالطرق وعلى رؤوس الجبال. وقد قيل لحذيفة: إنِّي
حين تسخّرتُ مع رسول الله ﴿ فقال: ((هو النهارُ إلا أن الشمس لم تطلع))(٢).
وروي عن علي - رضي الله عنه -: أنه صلَّى الصبح ثم قال: الآن تبيَّنَ الخيطُ
الأبيض من الخيط الأسود (٣). قال الطبري: ومما قادهم إلى هذا القول: أنَّ الصومَ
إنما هو في النهار، والنهار عندهم: من طلوع الشمس، وآخره غروبها، [فأوله
(١) رواه أبو داود (٢٣٥٠).
(٢) رواه أحمد (٤٠٠/٥).
(٣) رواه الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير. انظر: (الدر المنثور ٤٨١/١).

١٥٣
(١٠) كتاب الصوم - (٣) باب: في قوله تعالى ﴿حتى يتبين لكم الخيط ... ﴾
[٩٦٢] وعن ابن مسعودٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِصَلّهِ: ((لا يَمْنَعَنَّ أحداً
منكم أَذانُ بلالٍ - أو قَال: نِداءُ بلالٍ - مِن سَحُورِهِ، فإنَّه يُؤْذِّنُ - أو قال:
يُنادي - لِيُرْجِعَ قَائِمَكُم، ويُوقِظَ نَائِمَكُم)). وقالَ: ((ليس أنْ يقولَ هكذا
وهكذا)) وصَوَّبَ يَده ورفعَها ((حتى يقولَ هُكذا)) وفرَّج بينَ إِصْبَعَيْهِ.
طلوعها](١). وحكى النقَّاش عن الخليل: أن النّهار من طلوع الفجر. ويدلُّ على
ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الضَلَوَةَ طَرَفَ اَلنَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤].
قلتُ: وما قاله الطبريُّ ليس بصحيح؛ لأنَّ الله تعالى: إنما أمر بصوم ما يقال
عليه يوم، لا بما يقال عليه نهار، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾
[البقرة: ١٨٤].
و (قوله: ((لا يمنعنكم أذانُ بلالٍ من سَحُورِكم))) السَّحور، بفتح السِّين: هو
ما يُؤْكل في السَّحر، وقد تقدَّم في أول كتاب الطّهارة: أن الفتح للاسم، والضمَّ
للمصدر.
و (قوله: ((فإنه يؤذِّن لِيُرْجِعَ قائمگم») أي: لیردًّ قائمکم إلی راحته وجمام
نفسه، كي ينشطً لصلاة الصبح. (ويُوقِظَ نائمكم) أي يُنَبِّه مَن استولى عليه النَّوم؛
لئلا يفوته.
((ليس أن يقول: هكذا - وصوَّب يده، ورفعها -))) أي: مدَّ يده الفجر الكاذب
و (قوله:
صوب مخاطِبِه، ثم رفعها نحو السَّماء. وفي الرواية الأخرى: ((إنَّ الفجر ليس والفجر
الصادق
الذي يقول: هكذا)) وجمع أصابعه ثم نكَّسها إلى الأرض. وتحصَّل من الرِّوايتين:
أنه ﴿ أشار إلى أن الفجر الأول يطلعُ في السماء، ثم يرتفعُ طرفُه الأعلى وينخفض
طرفُه الأسفل. وقد بيَّن هذا بقوله: ((ولا بياض الأفق المستطيل)) يعني: الذي يطلعُ
(١) ساقط من (ع).

١٥٤
(١٠) كتاب الصوم - (٣) باب: في قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط ... ﴾
وفي روايةٍ، قال: (إنَّ الفَجْرَ ليس الذي يَطُولُ هُكَذا)) وجمَع أصابعَه،
ثم نَكَسَها إلى الأرض ((ولكنِ الذي يقولُ هُكَذا)) ووضعَ المُسَبِّحة على
المُسَبّحة ومَذَّ يدَه.
رواه أحمد (٣٩٢/١)، والبخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣) (٣٩)،
وأبو داود (٢٣٤٧)، والنسائي (١١/٢).
[٩٦٣] وعن سَمُرَة بنِ جُنْدَبٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ:
((لا يَغُرَّنَّكُم مِن سَحُورِكُمْ أذانُ بَلالٍ، وَلا بَاضُ الأُفقِ المُستطيلِ هُكَذا
بِيَدَيْهِ، حتَّى يستطيرَ هُكَذا، وحكاه بيده، فقالَ: يَعني مُعترِضاً)).
رواه مسلم (١٠٩٤)، وأبو داود (٢٣٤٦)، والترمذي (٧٠٦)،
والنسائي (١٤٨/٤).
طويلاً. فهذا البياضُ هو المسمَّى: بالفجر الكاذب، وشُبِّه بذنب السَّرحان، وهو
الذئب، وسُمِّ به. وهذا الفجرُ لا يتعلَّق عليه حكمٌ، لا من الصيام، ولا من
الصَّلاة، ولا من غيرهما. وأمَّا الفجرُ الصَّادق: فهو الذي أشار النبيُّ بَّل حيث
وضع المسبِّحة على المسبِّحة، ومذَّ يديه. وهو إشارةٌ إلى أنه: يطلعُ معترضاً، ثم
يعمُّ الأفقَ ذاهباً فيه عَرْضاً. ويستطيرُ، أي: ينتشر.

١٥٥
(١٠) كتاب الصوم - (٤) باب: الحث على السحور
(٤) باب
الحثِّ على السَّحور، وتأخیرُه،
وتعجيلُ الإفطار
[٩٦٤] عن أنس، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلِّ: ((تسخَّروا فإنَّ في
السَّحُورِ بَرَكَةٌ)).
رواه أحمد (٩٩/٣ و٢٢٩)، والبخاري (١٩٢٣)، ومسلم
(١٠٩٥)، والترمذي (٧٠٨)، والنسائي (١٦١/٤)، وابن ماجه (١٦٩٢).
[٩٦٥] وعن عبدِ الله بن عمرٍو، أنَّ رسولَ الله ◌َوَ ◌ّهِ قالَ: ((فصلُ ما
بين صِيامِنا وصِيامِ أهلِ الكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ)).
رواه أحمد (٢٠٢/٤)، ومسلم (١٠٩٦)، وأبو داود (٢٣٤٣)،
والترمذي (٧٠٩)، والنسائي (٤٦/٤).
(٤) ومن باب: الحث على السَّحور
(قوله: ((تسخَّروا فإن في السَّحور بركة))) هذا الأمرُ على جهة الإرشاد إلى
المصلحة، وهي حِفْظُ القوة التي يُخاف سقوطُها مع الصوم الذي لا يتسخّر فيه،
وقد نبّه على ذلك بقوله: ((تسخَروا، فإنَّ في السَّحور بركة)) وهي: القوةُ على
الصيام، وقد جاء مُفسَّراً في بعض الآثار، وقد لا يبعدُ أن يكونَ من جملة بركة بركة السَّحور
السَّحور ما يكون في ذلك الوقت من ذكر المتسخِّرين لله تعالى، وقيام القائمین،
وصلاة المتهجِّدين؛ فإنَّ الغالبَ ممن قام ليتسخَّر أنه يكونُ منه ذكر ودعاء، وصلاةٌ
واستغفار، وغير ذلك مما يفعل في رمضان.
السَّحور مِن
و (قوله: ((فَصْلُ ما بين صيامِنا وصيام أهل الكتاب أَكْلة السَّحور))) روايتنا خصائص هذه
عن مُتقني شيوخنا: أُكْلة، بفتح الهمزة، وهي مصدر: أكل أكلةً، كضرب ضَرْبةً. الأمة

١٥٦
(١٠) كتاب الصوم - (٤) باب: الحث على السحور
[٩٦٦] وعن أنس، عن زيد بن ثابت، قالَ: تَسخَّرنا معَ
رسولِ اللهِ وَّه، ثم قُمِنَا إلَى الصَّلاة، قلتُ: كم كانَ قَدْرُ ما بَينِهِما؟ قال:
خَمْسين آية.
رواه البخاري (١٩٢١)، ومسلم (١٠٩٧) (٤٧) والنسائي (١٤٣/٤)،
والترمذي (٧٠٣)، وابن ماجه (١٦٩٤).
[٩٦٧] وعن سَهْلِ بن سعْدٍ، أنَّ رسولَ الله﴿ ﴿ قالَ: ((لا يزالُ النَّاسُ
بِخَيْرِ ما عجَّلُوا الفِطْرَ)).
رواه أحمد (٣٣٧/٥ و٣٣٩)، والبخاري (١٩٥٧)، ومسلم
(١٠٩٨) (٤٨) والترمذي (٦٩٩).
والمرادُ بها: أَكْل ذلك الوقت. وقد روي: أُكلة؛ بضم الهمزة. وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ
الأُكلة بالضم، هي: اللُّقمة. وليس المرادُ: أنَّ المتسخِّر يأكل لقمةً واحدة. ويصُ
أن يقال: إنه عبّر عما يُتَسخّر به: باللُقمة؛ لقلَّته. والله تعالى أعلم. و (الفصْل):
الفرق. و (أهل الكتاب): اليهود والنصارى.
وهذا الحديثُ يدلُّ: على أن السَّحورَ من خصائص هذه الأمّة، ومما خفّف
به عنهم.
و (قول زيد بن ثابت: ((تسخَّرنا مع رسول الله وَّه، ثم قُمْنا إلى الصَّلاة)))
يعني: صلاة الفجر. و (قوله: خمسين آيةً) كذا الرواية بالياء لا بالواو، وهو على
حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مخفوضاً، وهو شاذِّ، لكن سوَّغه دلالةٌ
السؤال المتقدِّم؛ لأنه لما قال: كم قَدْرُ ما بينهما؟ فقال: خمسين. كأنه قال: قدر
خمسین. فحذف: قدر، وبقي ما بعده مخفوضاً على حاله معه.
وهذا الحديثُ يدلُّ: على أنه كان يفرغُ من السَّحور قبل طلوع الفجر. وهو

---
(١٠) كتاب الصوم - (٤) باب: الحث على السحور
١٥٧
[٩٦٨] وعن أبي عَطِيَّةً، قالَ: دخلتُ أنَا ومَسروقٌ على عائشةَ،
فقلتُ: يَا أُمَّ المؤمنين! رَجُلانِ من أصحابٍ محمّد عليه الصلاة والسلام،
أَحَدُهُما يُعجِّلُ الإفطارَ ويُعجِّلُ الصَّلاة، والآخَرُ يؤخِّرُ الإفطارَ، ويُؤْخِّر
الصلاة. قالت: أَيُّهما الذي يُعجِّلُ الإفطارَ ويُعجِّل الصَّلاة؟ قالَ: قلنا:
عبد الله، يعني ابن مسعود. قالت: كذلكَ كان يَصْنَعَ رسولُ اللهِه ـ
وفي روايةٍ: والآخَرُ أبو مُوسى.
رواه مسلم (١٠٩٩) (٤٩) وأبو داود (٢٣٥٤)، والترمذي (٧٠٢)،
والنسائي (٤/ ١٤٣ - ١٤٤).
معارَضٌ بظاهر حديث حُذيفة، حيث قال: ((هو النَّهارُ إلَّ أن الشمسَ لم تطلع)).
فيمكن أن يُحمل حديثُ حذيفة: على أنه قَصَد الإخبارَ بتأخير السَّحور، فأتى بتلك
العبارة.
و (قوله: ((لا تزالُ أمتي بخير ما عجَّلوا الفطر))) إنما كان ذلك؛ لأنَّ التعجيلَ تعجيل الإفطار
أحفظُ للقوَّة، وأرفعُ للمشقَّة، [وأوفق للسنَّة](١) وأبعد عن الغلوِّ والبدعة، وليظهر
الفرقُ بين الزَّمانين في حُكْم الشرع. وأمَّا تعجيلُ المغرب: فقد تقدَّم الكلامُ عليها
في الأوقات.
(١) ساقط من (ع).

١٥٨
(١٠) كتاب الصوم - (٥) باب: إذا أقبل الليل وغابت الشمس أفطر الصائم
(٥) باب
إذا أقبلَ اللَّيلُ وغابتِ الشمس أفطرَ الصَّائم
[٩٦٩] عن عُمرَ، قالَ: قال لي رسولُ اللهِوَ له: ((إِذَا أَقْبَلَ اللَّيلُ وأَدْبِرَ
النَّهارُ وغَابتِ الشَّمسُ فقد أَفْطر الصَّائمُ)).
رواه أحمد (٢٨/١ و٣٥)، والبخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠)،
وأبو داود (٢٣٥١)، والترمذي (٦٩٨).
(٥) ومن باب: إذا أقبل الليلُ وأدبر النهارُ
وغربت الشمسُ فقد أفطر الصائم
هذه الثلاثةُ الأمورُ متلازمةٌ؛ إذا حصل الواحدُ منها حصلَ سائرها. وإنما
جَمَعَها في الذكر - والله أعلم - لأنَّ الناظرَ قد لا يرى عينَ غروب الشمس لحائل.
ويرى ظلمةَ الليل في المشرق، فيحلُّ له إذ ذاك الفِطْر. وإقبال الليل: إقبالُ ظلمته.
وإدبارُ النهار: إدبارُ ضوئه. ومجموعُهما: إنَّما يحصلُ بغروب الشمس.
و (قوله: ((فقد أفطر الصائم))) يحتملُ أن يكون معناه: دخل في وقت الفِطْر.
كما تقول العربُ: أظهر: دخل في وقت الظهر. وأشهر: دخل في الشهر. وأنجد،
وأتهم: إذا دخل فيهما. أعني: الموضعين. وعلى هذا: لا يكونُ فيه تعرُّض
للوصال، لا بنفي ولا بإثباتٍ. ويحتملُ أن يكونَ معناه: فقد صار مفطراً حُكْماً.
ومعنى هذا: أنَّ زمان الليل يستحيلُ فيه الصومُ الشرعيُّ. وعلى هذين التأويلين
إمساك ما بعد يخرجُ خلافُ العلماء: هل يصحُّ إمساكُ ما بعد الغروب؟ فمنهم من قال: لا يصحُّ،
الغروب
وهو كيوم الفطر، ومَنعَ الوصال، وقال: لا يصح. ومنهم من جوَّز إمساكَ ذلك
الوقت، ورأى: أنَّ له أجرَ الصائم محتجاً بأحاديث الوصال، وبقوله وَّ: ((فأَيُّكم
أرادأن يواصلَ فليواصلْ حتى السَّحر)»(١) قالوا: وإنما نهاهم عن الوصال رحمةً لهم
(١) رواه أحمد (٨٧/٣).

١٥٩
(١٠) كتاب الصوم - (٥) باب: إذا أقبل الليل وغابت الشمس أفطر الصائم
[٩٧٠] وعن عبد الله بن أبي أَوْفى، قالَ: كُنَّ معَ رسولِ الله ◌َِِّ فِي
سَفَرٍ في شهرِ رمضانَ، فلمّا غابتِ الشَّمسُ، قال: ((يا فلان! انزلْ فَاجْدَخْ
لَنا)). قالَ: يا رسولَ الله! إنَّ عليكَ نَهاراً. قالَ: («انزلْ فَاجْدَخْ لنَا)». فنزلَ
فَجَدَحَ فَأَتَاه به فشربَ النبيُّ بِ ◌ّه ثم قالَ بيدِه: ((إذا غابتِ الشَّمسُ مِن ها هُنا
وجَاءَ اللَّيْلُ مِن ها هُنا فقد أَفْطَرَ الصَّائِمُ)).
وفي روايةٍ: ((إِذَا رأيتُم اللَّيلَ قد أَقْبَلَ مِن ها هُنا)) وأشارَ بيدِه نحوَ
المشرقِ ((فقد أفْطرَ الصَّائمُ)).
رواه أحمد (٣٨١/٤)، والبخاري (١٩٥٦)، ومسلم (١١٠١) (٥٢
و ٥٣) وأبو داود (٢٣٥٢)، والنسائي في الكبرى (٣٣١١).
ورفقاً بهم؛ لما يخافُ من الضَّعف فيه، ولما يوجدُ من مشقته. وسيأتي لهذا
مزید .
و (قوله: ((يا فلان! انزلْ فاجدح لنا))) أي: اخلط اللبن بالماء. والجدحُ:
خَلْطُ الشيء بغيره. والمجدح: المِخْوَضُ، قالوا: وهو عودٌ في طرفه عودان.
و (قوله: ((إنَّ عليك نهاراً)) أي: إن النهارَ باقٍ عليك. وإنما قال له ذلك؛
لأنه رأى ضوءَ الشَّمس ساطعاً، وإن كان جُرمها غائباً، فأعرض رسولُ الله ◌ِ لّه عن
الضَّوء، واعتبر غيبوبةَ جُزْم الشمس، ثم بيَّن ما يعتبره من لم يتمكّن من رؤية جرم
الشَّمس، وهو: إقبالُ الظلمة من المشرق.

١٦٠
(١٠) كتاب الصوم - (٦) باب: النهي عن الوصال في الصوم
(٦) باب
النهي عن الوصال في الصَّوم
[٩٧١] عن أبي هريرة قال: نهى رسولُ اللهِوَِّ عن الوِصَالِ، فقال
رَجُلٌ من المسلمينَ: فإنَّكَ يا رسول الله! تُواصِلُ. قالَ رسول الله وَلقوله:
((فأيُّكم مِثْلِي؟ إنِّي أَبيتُ يُطْعِمُني رَبِّي ويَسِقِيني)). فلمَّا أَبُوا أَنْ يَنْتُهُوا عَن
الوِصَالِ، وَاصَل بهم يَوْماً ثُمَّ يَوْماً ثم رَأَوْا الهِلالَ. فقال: ((لو تأَخَّرَ الهلالُ
لَزِدْتُكم)) كالمُنكِّلِ لهم حينَ أَبَوْا أنْ يَنْتَهُوا.
(٦) ومن باب: النهي عن الوصال
اختلف في نهي رسول الله وَّه عن الوصال: فذهب قومٌ: إلى أنه مُحَرَّمٌ.
وهو مذهبُ بعضُ أهل الظاهر في علمي. وذهب الجمهورُ: مالك، والشافعي،
وأبو حنيفة، والثوريُّ، وجماعةٌ من أهل الفقه: إلى كراهته. وقد واصل جماعةٌ من
السَّلف، منهم: ابن الزبير وغيره. وأجازه ابنُ وهب، وإسحاق، وابن حنبل من
سحرٍ إلى سحرٍ. وسببُ هذا الخلاف: هو: هل محملُ هذا النهي على الظاهر وهو
التحريم، أو يصرف عن ظاهره إلى الكراهية؛ لأن النبيَّ ◌ُ لټ قد واصل بأصحابه بعد
أن نهاهم فلم ينتهوا؟ ثم إذا حملناه على الكراهة فإنما هي لأجل ما يلحقُ من
المشقة والضعف، فإذا أمِنَ من ذلك، فهل يجوزُ أم تسدُّ الذريعة فلا يجوز؟ وأما
من خصَّ جوازَه بالسَّحر؛ فلما جاء في الحديث المذكور في الأصل؛ ولأن أَكْلَةً
السّحر يؤمنُ معها الضعف والمشقة التي لأجلها كره الوصال.
معنى: إني
و (قوله: ((إني أبيت يطعمني ربِي ويسقيني))) حمله قومٌ على ظاهره، وهو:
أبيت يطعمني أنَّ الله يُطعمه طعاماً، ويسقيه شراباً حقيقةً من غير تأويل. وليس بصحيح؛ لأنه لو
ربي ويسقيني
كان كذلك لما صَدَقَ عليه قولُهم: إنك تُواصل، ولا ارتفع اسم الوصال عنه؛ لأنه
حينئذٍ كان يكون مفطراً، وكان يخرجُ كلامُه عن أن يكون جواباً لما سُئِل عنه، ولأنَّ