Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ . (٩) كتاب الزكاة - (١٢) باب: الصدقة وقاية من النار (١٢) باب الصدقة وقاية من النار [٨٨٣] عن عديٍّ بن حَاتم، قالَ: قالَ رسولُ اللهِنَّهِ: ((مَا مِنكم أحدٌ إلا سيكلِّمُه اللهُ ليس بينَه وبيتُّه تُرجُمَانٌ، فينظرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فلا يَرى إلَّا ما قَدَّمَ، ويَنْظُرُ أشَأَمَ منه فلا يَرى إلّا ما قَدَّمَ وينظرُ بينَ يَدِيْهِ فلا يَرى إلَّ النَّارَ تِلِقَاءَ وَجهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقُ تَمْرَةِ». وفي روايةٍ: أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ ذَكَرَ النَّارِ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا وأشاحَ بوجهِهِ ثلاثَ مِرَارٍ، ثم قالَ: ((انَّقُوا النّارَ ولو بِشقِّ تمرةٍ؛ فإنْ لم تَجِدُوا فبكلمةٍ طيِّبةٍ)). رواه أحمد (٢٥٨/٤ و٢٥٩)، والبخاري (١٤١٧)، ومسلم (١٠١٦). (١٢) ومن باب: الصدقة وقاية من النار الترجمان: المفسِّر للكلام، والمترجم له. ويقال: تُرجمان، بالفتح وبالضم. و (قوله: ((أيمن منه، وأشأم منه))) كلاهما منصوبٌ على الظَّرف. ويعني بهما: يمينه وشماله. مأخوذٌ من اليد اليمنى والشُّؤْمی. [و (قوله: ((واتقوا النار))) أي: اجعلوا بينكم وبينها وقايةً من الصدقات وأعمال البر](١). و (قوله: ((وأشاح بوجهه))) قال الخليلُ: أشاحَ بوجهه عن الشَّيء: نخَّاه (١) ساقط من (ع). ٦٢ (٩) كتاب الزكاة - (١٣) باب: حثّ الإمام الناسَ على الصدقة (١٣) باب حَثِّ الإمام النَّاسَ على الصَّدقة إذا عَنتْ فاقةٌ [٨٨٤] عن جريرٍ، قالَ: كنّا عندَ رسولِ اللهِ وَّهِ فِي صَدْرِ النَّهَارِ قالَ: فجاءَ قومٌ حفاةٌ عُراةٌ مُجْتَابِي النِّمارِ أو العَباءِ، متقلّدي السُّيوف، عَامَّتُهُم من مُضَر، بل كلُّهم مِن مُضَر، فتمغَّرَ وجهُ رسولِ اللهِصَهْ لِمَا رَأَى عنه. قلتُ: وهذا هو معناه في هذا الحديث. وقال الفرَّاء: المشيحُ على معنيين: المقبل إليك، والمانع لما وراء ظهره. [(١٣) ومن باب: حثّ الإمام النَّاس على الصَّدقة](١) (قوله: مجتابي العباء) أي: مقطوعي أوساط النِّمار. والاجتباب: التقطيع والخَرْق، ومنه قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ بَابُواْ الصَّخْرَ بِأَلْوَادِ﴾ [الفجر: ٩] أي: خرقوها. والنِّمار: جمع نمرة. هِي: ثيابٌ من صوف فيها تنمير. والعباء: جمع عَباءة، وهي: أكسيةٌ غِلاظٌ مُخطّطة. و (تمعَّر وجهُ رسول اللهِوَّة): تغيَّر لما شقَّ عليه من فاقتهم. و(كَومين) بفتح الكاف هي الرواية. أي: صُبْرَتيْن، وقد قيّد كُومين، بضم الكاف. قال أبو مروان بن سراج: هو بالضم اسم لما كُوَّمَ، وبالفتح: المرة الواحدة. والكومة: الصبرة والكوم العظيم من كلِّ شيء. والكوم: المكان المرتفع كالرابية، والفتح هنا أولى؛ لأنه إنما شبّه ما اجتمع هناك بالكوم الذي هو الرابية. و(المذهبة) الرواية الصَّحيحة المشهورة فيه هكذا، بالذال المعجمة، والباء المنقوطة بواحدة من (١) ساقط من الأصول، ومستدرك من التلخيص. ٦٣ (٩) كتاب الزكاة - (١٣) باب: حثّ الإمام الناس على الصدقة بهم مِن الفَاقَةِ فدخلَ ثم خرجَ فَأَمَرَ بلالاً فأذَّنَ وأقامَ فصَلَّى ثم خطبَ، فقالَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ الَّذِى خَلَقَكُ﴾ الآية إلى قوله: ﴿رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] والآية التي في الحشر: ﴿أَنَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] تصدَّقَ رجلٌ مِن دينارِهِ، مِن دِرِهَمِه، مِن ثوْبِهِ، مِن صَاعِ بُرِّه، من صَاع تمرِهِ، حتَّى قال: ولو بشِقِّ تمرةٍ؛ قالَ: فجاءَ رجلٌ منَ الأنصارِ بِصُرَّةٍ كادتْ كفُّه تعجزُ عنهَا، بلْ قد عَجَزَتْ. قال: ثم تتابعَ النَّاسُ حتَّى رأيتُ كَوْمَيْنِ مِن طَعامٍ وثيابٍ، حتَّى رأيتُ وجهَ رسولِ الله وَّهِ يتهلَّلُ كأنه مُذْهَبَةٌ. فقالَ رسول الله ◌َّهِ: ((مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّة حسنةً فله أسفل، من الذهب. ويحتملُ أن يريدَ بِها: كأنه فضَّة مذهبة. كما قال الشاعر: كأنَّها فِضَّة قد مَسَّها ذهبُ ﴾ ويعني به: تشبيه إشراق وجهه، وتنويره. أو كأنه آلةٌ مذهبة، كما يُذْهَّب من الجلود، والسروج، والأقداح، وغير ذلك؛ ويجعلُ طرائق يتلو بعضُها بعضاً. وقد وقع للحميدي في الجمع بين الصحيحين: مدهنة: بالدال المهملة والنون. قال: والمدهن: نقرة في الجبل يستنقعُ فيها ماءُ المطر. والمدهن أيضاً: ما جُعِل فيه الدهن. والمدهنة من ذلك، شبّه صفاءَ وجهه بإشراق السُّرور بصفاء هذا الماء المستنقع في الحَجَر، أو بصفاء الدُّهن. وسُروره ◌ََّ بذلك فَرَحٌ بما ظهر من فِعْل المسلمين، ومن سهولة البذل عليهم، ومبادرتهم لذلك، وبما كشف الله من فاقات أولئك المحاويج. و (قوله: ((من سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنة))) أي: مَن فَعَل فِعْلاً جميلاً فاقتُدي به فيه. وکذلك إذا فعل قبيحاً فاقتدي به فيه. ويفيدُ الترغيبَ في الخير المتكرر أجره؛ بسبب الاقتداء والتحذير من الشر المتكرر إثمه بسبب الاقتداء. ٦٤ (٩) كتاب الزكاة - (١٤) باب: النهي عن المز المتصدق أجرُهَا وأجرُ مَنْ عَمِلَ بها مِن غيرِ أن يَنْقصَ من أجورِهم شيءٌ ومَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّ سَيِّةً كانَ عليه وِزْرَها وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها من بعدِهِ مِن غیرِ أن ينقصَ مِن أَوْزارِهم شيءٌ. رواه أحمد (٣٥٧/٤ و٣٥٨)، ومسلم (١٠١٧)، والترمذي (٢٦٧٥)، والنسائي (٧٥/٥ - ٧٧)، وابن ماجه (٢٠٣). (١٤) باب النهي عن لَمْزِ المُتَصدِّق، والترغيب في صَدقة المِنْحَة [٨٨٥] عن أبي مسعودٍ، قالَ: أُمِرْنَا بِالصَّدقةِ. قالَ: كُنَّا نُحَامِلُ - في رواية - على ظُهورِنَا قالَ: فتصدَّقَ أبو عَقِيلِ بنصفِ صَاعٍ. قال: وجاءَ إنسانٌ بشيءٍ أكثرَ منه. فقال المنافقونَ: إنَّ اللهَ لغنيٌّ عَن صَدقةِ هذا، وما فعلَ هذا الآخرُ إلَّ رِيَاءً، فنزلتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَلَّوَّعِينَ مِنَ اٌلْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. رواه البخاري (١٤١٥)، ومسلم (١٠١٨)، والنسائي (٥٩/٥ - ٦٠). (١٤) ومن باب: لَمْز المتصدِّق (قوله: نحامل على ظهورنا) أي: نحملُ عليها بالأجرة. و (يلمزون): يعيبون. و(المطوعين): المتطوعين، من الطاعة والطواعية، وأدغمت التاء في الطاء. و (الجهد): بضم الجيم: الطاقة، وبالفتح: المشقة. ٦٥ (٩) كتاب الزكاة - (١٤) باب: النهي عن لمز المتصدق [٨٨٦] وعن أبي هُريرةَ، عن النبيِّنَِّ أنَّه نَهَى، فذَكَر خِصَالاً، وقال: ((مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةً غَدتْ بصدقةٍ وراحَتْ بصدقةٍ صَبُوحِها وغَبُوقِها)). رواه مسلم (١٠٢٠). [٨٨٧] وعنه، يبلغُ به النبيَّ نَّهِ: ((أَلَا رجلٌ يَمْنَحُ أهلَ بيتٍ ناقَةً، تغدو بِعُسِّ وتَرُوحِ بِعُسِّ، إنَّ أجرَها لَعظيمٌ)). رواه مسلم (١٠١٩). و (قوله: ((من منح منيحة)) - ويروى: منحة ــ ((غدتْ بصدقة وراحتْ بصدقة))) المنحة والمنيحة: عطية ذوات الألبان لينتفعَ المعطَى له باللبن، ثم يردّ المحلوب. ((ومن)): شرط في موضع رفع بالابتداء. جوابه: غدتْ بصدقة، وراحتْ بصدقة. وهو خبرُ المبتدأ على قول. والصَّحيح: أنَّ خبرها ما بعدها؛ لأنَّ من الشرطية لا تحتاجُ إلى صِلة، بل هي اسمٌّ تاءٌّ، وإنما لم يتمَّ الكلامُ بما بعدها لما تضمَّنته من معنى الشرط. فتدبَّره، فإنه الصَّحيح. ومعنى الكلام: أنَّ من منحَ منيحةً كان للمانح صدقة كلما غدتْ أو راحت؛ لأجل ما ينال منها في الصَّباح والمساء. و (الغدو): ((البكرة. و (الرواح): العشي. و (الصبوح): شرب الصباح. و (الغبوق): شرب العشي. و (الجاشرية): شرب نصف النهار(١). و (العُسّ): قدح ضخم يُحلب فيه. والرواية الصحيحة المعروفة: بعُسٌّ: بعين مهملة مضمومة. ووقع للسّمرقندي: تروح بعشاء، وتغدو بعِشاء. ورواه الحُميدي: بعَساء، بعين مهملة مفتوحة، وسين مهملة، وبالمدِّ والهمز. وفسَّره في غير الأم: بالعُسِّ الكبير. (١) في اللسان: الجاشرية: الشرب مع الصبح. ٦٦ (٩) كتاب الزكاة - (١٥) باب: مَثَل المتصدق والبخيل (١٥) باب مَثَل المُتصدّق والبخیل، وقَبول الصَّدقة تقع عند غير مُستحق [٨٨٨] عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلِّ: ((مَثَلُ البخيل والمُتصدِّق كَمَثل رجُلَين عليهما جُتَّتَانِ من حَديدٍ، فإذا همَّ المُتصدِّق بصَدقةٍ اتسعَت عليه حتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ، وإذا همَّ البخيلُ بصدقةٍ تقلَّصَتْ عليه، وانضَمَّت يَدَاهُ إلى تَرَاقِيهِ، وانقبضتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إلى صَاحِبَتِها)). قال: فسمعتُ رسولَ الله وَّهِ يقولُ: ((فَيَجْهدُ أنْ يُوَسِّعَها فلا يستطيعُ)). رواه أحمد (٣٠٥/٢ - ٣٠٦)، والبخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠). [٨٨٩] وعنه، عن النبيِّ لنَّ﴾ قالَ: ((قالَ رجلٌ: لأتصدَّقَنَّ اللَّيلةَ [(١٥) ومن باب: مثل المتصدِّق والبخيل](١) (قوله: ((جنتان من حديد))) يعني: درعين. والجنة: ما يستجنُّ به، وكذا صحيحُ الرواية. وقد رُوي: جبتان، بالباء بواحدة، وفيه بُعْدٌ في المعنى. و ((اتسعت)) من السّعة، ويعني به، طالت؛ لأنه إذا اتَّسع الثوبُ طال. فإذا اتسعتْ تصرفَ فيها بيده وغيره، بخلاف جُنَّة الحديد. وقد رُوي: سبغت: وهو أحسنُ في المعنى. و((تقلصت)): تقبضت، وانضمت على يده. وهذان المثلانِ للبخيل والمتصدِّق واقعان؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما إنما يتصرَّفُ بما يجدُ من نفسه. فمن غلب الإعطاءُ والبذلُ عليه طاعتْ نفسهُ، وطابت بالإنفاق، وتوسَّعت فيه، ومن غَلَبَ عليه البخلُ، كان كلما خَطَر بباله إخراجُ شيءٍ مما بيده شخَّتْ نفسه بذلك، فانقبضتْ يدُه للضِّيقِ الذي يجدُه في صدره، ولشحِّ نفسه الذي مَن وُقيه فقد أفلح، (١) ساقط من الأصول واستدرك من التلخيص. ٦٧ (٩) كتاب الزكاة - (١٥) باب: مثل المتصدق والبخيل بصدقةٍ، فخرَجَ بصدقته، فوضعَها في يَدِ زانيةٍ، فأصبحُوا يتحدَّثُون: تُصُدِّق اللَّيلةَ على زانيةٍ. قالَ: اللَّهُمَّ لكَ الحمدُ على زانيةٍ. لأتصدَّقَنَّ بصدَقِةٍ، فخرجَ بصَدقتِهِ فوضعها في يدِ غَنِيٍّ، فَأَصبحُوا يَتَحدَّثونَ: تُصُدِّق على غَنِيٌّ. قالَ: اللَّهُمَّ لكَ الحمدُ على غَنِيٌّ. لأتصدقَنَّ بصَدقةٍ، فخرجَ بصَدقِتِهِ فوضعَها في يدِ سَارقٍ فأصبحُوا يَتَحدَّثُونَ: تُصُدِّق على سَارقٍ. فقالَ: اللَّهُمَّ لكَ الحمدُ على زانيةٍ، وعلى غنيٍّ، وعلى سَارقٍ، فأُتي فقيل له: أمَّا صَدَقَتُك فقد قُبِلتْ. أما الزَّانيةُ فلعلَّها تَستعِفُّ عن زِنَاها، ولعلَّ الغَنِيَّ يَعْتبرُ فيُنفقُ مِمَّا أعطَاء اللهُ، ولعلَّ السَّارقَ يَسْتَعِفُّ بها عن سَرِقِتِهِ». رواه أحمد (٣٥٠/٢)، والبخاري (١٤٢١)، ومسلم (١٠٢٢)، والنسائي (٥٥/٥ - ٥٦). كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] وقد وقع حديثُ أبي هريرة هكذا في ((الأم)) من طرق فيها تثبيجٌ(١) وتخليط. وما أثبتناه هنا أحسنها مساقاً، والله تعالى أعلم. و (قول المتصدق: ((اللهم لك الحمد، على زانية!))) إشعارٌ بألم قلبه، إذ ظنَّ أنَّ صدقته لم توافقْ محلَّها، وأنَّ ذلك لم ينفعه، ولذلك كرَّر الصَّدقة، فلما عَلِمِ اللهُ صحَّة نيته تقبَّلها منه، وأعلمه بفوائد صدقاته. ويُستفاد منه: صحةُ الصدقة وإن لم توافقْ محلاً مرضياً إذا حَسُنت نيةُ صحة الصدقة وإن لم توافق المتصدق. [فأما لو علم المتصدقُ أن المتصدَّق](٢) عليه يستعينُ بتلك الصدقة على " محلاً مرضياً معصية الله لَحَرُمَ عليه ذلك، فإنه من باب التعاون على الإثم والعدوان. (١) قال في اللسان: تَبَّج الكتاب والكلام تثبيجاً: لم يُبيِّته. وقيل: لم يأتِ به على وجهه. (٢) ساقط من (هـ). ٦٨ (٩) كتاب الزكاة - (١٦) باب: أجر الخازن الأمين (١٦) باب أجر الخازن الأمين، والمرأة تتصدَّق من كسب زوجها، والعبد من مال سيِّده [٨٩٠] عن أبي موسى، عن النبيِّ وَ ل ◌ّ قالَ: ((إنَّ الخازنَ المسلمَ الأمينَ الذي يتصدَّقُ (وربما قال): يُعطي ما أُمرَ به، فيُعطِيه كاملاً مُوفَّراً، طيِّةً به نفسُه، فيدفعُه إلى الذي أُمِرَ له به أحدُ المُتَصَدِّقَيْنِ)). رواه أحمد (٣٩٤/٤)، والبخاري (١٤٣٧)، ومسلم (١٠٢٣)، وأبو داود (١٦٨٤)، والنسائي (٧٩/٥ - ٨٠). (١٦) ومن باب: أجر الخازن الأمين (قوله: ((إنَّ الخازن الأمين المسلم)) إلى آخره) هذه الأوصافُ لا بُدَّ من اعتبارها في تحصيل أَجْر الصَّدقة للخازن، فإنه إن لم يكن مسلماً لم يصحّ منه التقرُّبُ. وإن لم يكن أميناً كان عليه وِزْرُ الخيانة. فكيف يحصل له أجرُ الصَّدقة؟! وإن لم یطب بذلك نفساً لم یکن له نيةٌ، فلا يؤجر. و (قوله: ((أحد المتصدِّقَيْن))) لم نروه إلا بالتثنية. ومعناه: أنه بما فَعَل متصدِّقٌ. والذي أخرج الصدقةَ بما أخرج متصدِّق آخر، فهما متصدِّقان. ويصحُّ أن يقالَ على الجمع. ويكون معناه: أنه متصدِّقٌ من جُمْلة المتصدِّقِين. (وآبي اللحم) اختلفَ في سبب تسميته بذلك، فمنهم من قال بما جَاء بيانُه في الحديث الآخر بعده، وذلك: أنه لما ضَرَب عبده على دَفْع اللحم سُمِّي آبي اللحم لذلك. وقيل: لأنه كان لا يأكلُ مِن لَحْم ما ذُبح على النُّصُب، وقيل: لأنه كان لا يأكلُ اللحمَ جُمْلَةً. وآبي اللحم: بطنٌ من بني غفار، ومولاه عمير منهم. ٦٩ (٩) كتاب الزكاة - (١٦) باب: أجر الخازن الأمين [٨٩١] وعن أبي هُريرةَ، عن محمّدٍ رسولِ اللهِ وَّهِ، فذكرَ أحاديثَ مِنْهَا، وقالَ رسول الله وَّهِ: ((لا تَصُم المرأةُ وبَعْلُهَا شَاهدٌ إلَّا بإذنه، ولا تَأْذَنُ في بيتِه وهو شاهدٌ إلَّا بإذنِهِ، وَما أنفقتْ مِن كَسْبِهِ مِن غيرِ إذنِهِ فإنَّ نصف أجرِه له)). و (قوله ◌َّةٍ: الأجرُ بينكما))) يعني: فيما أعطى العبد، ممَّا جرتِ العادةُ بإعطائه، والمسامحةُ بأمثاله، كاللحم، واللَّبن، والطَّعام اليسير، وغير ذلك. وأما لو دَفَع مالَه بالٌ مما لم تجرِ العادةُ بإعطائه لكان عليه الوزر، وللمالك كل الأجر. و(قوله: ((لا تَصُمِ المرأةُ وبعلُها شاهدٌ إلا بإذنه))) البعلُ: الزوج. وشاهِد: لا تصومُ المرأة حاضِر، ومحملُ هذا على المتطوِّعة بالصَّوم؛ لأنَّ مراعاةَ حقِّ الزوج واجبٌ عليها ولا تحجُ نفلاً [وحثُّه عليها مستصحب](١)، فلو سُوِّغ لها الصومُ بغير إذْنه لكان ذلك مَنْعاً للزَّوج إلا بإذن زوجها من حقّه، فلو شرعتْ في صوم التطوّع بغير إذْنه فله أن يُحَلِّلها؛ لأنَّ حقَّه مقدَّم على ما شرعتْ فيه، وكذلك لو أحرمتْ بالحج والعمرة تطوعاً. و (قوله: ((ولا تأذنْ في بيته وهو شاهِدٌ إلا بإذنه))) تخصيصُ المنع بحضور لا تأذنُ الزوجة الزوج يدلُّ: على أنَّ ذلك لحقّ الزوج في زوجته؛ إذ قد يكونُ المأذونُ له في تلك في بيت زوجها الحال ممن يشوِّشُ على الزوج مقصوده وخلوته بها. وعلى هذا تظهرُ المناسبةُ بين الشاهد إلا بإذنه هذا النَّهي وبين النَّهي عن الصَّوم المتقدِّم. وقال بعضُ الأئمة: إنَّ ذلك مُعلَّلٌ بأنَّ البيتَ ملكٌ للزوج، وإذنُها في دخوله تصرُّفِ فيما لا تملك. وهذا فيه بُعْدٌ؛ إذ لو كان مُعلَّلاً بذلك لاستوى حضورُ الزوج وغيبته، والله أعلم. و (قوله: ((وما أنفقت من كسبه))) هو محمولٌ على ما تقدَّم من الأطعمة، وما لا بال له. (١) ساقط من (ع). ٧٠ (٩) كتاب الزكاة - (١٧) باب: أجر من أنلق شيئين في سبيل الله رواه أحمد (٣١٦/٢)، والبخاري (٥١٩٢)، ومسلم (١٠٢٦)، وأبو داود (٢٤٥٨). [٨٩٢] وعن عُمير مولى آبي اللحم، قالَ: كنت مَملُوكاً فسألتُ رسولَ الله ◌َله: أأتصَدَّقُ مِن مَالِ مَواليَّ بشيءٍ؟ قالَ: ((نعمْ، والأجرُ بينَكُما نصفانٍ». رواه مسلم (١٠٢٥). [٨٩٣] وعنه، قالَ: أَمرني مَوْلايَ أنْ أُقَدِّدَ لحماً، فأَتى مسكينٌ فأطعمتُهُ منه فَعَلِمَ مولايَ بذلك، فضرَبني، فأتيتُ رسولَ الله ◌َّهِ فذكرتُ ذلك له، فدعَاهُ فقالَ: ((لِمَ ضَرَبْتَه؟)) قال: يُعْطِي طَعامي بغيرِ أنْ آمَرَه فقال: «الاجرُ بینگما)). رواه مسلم (١٠٢٥) (٨٣). # (١٧) باب أجر من أنفق شیئین في سبيل الله، وعِظَم منزلة من اجتمعتْ فيه خصالٌ من الخير [٨٩٤] عن أبي هُرِيرَة، أنَّ رسولَ اللهِوَهِ قالَ: ((مَنْ أَنفَق زَوْجين في سبيلِ الله نُودِيَ في الجَنَّةِ: يا عبدَ الله! هَذا خیرٌ، [(١٧) ومن باب: أجر من أنفق شيئين في سبيل الله](١) (قوله: ((من أنفق زوجين في سبيل الله))) هكذا وَقَعَ هذا اللفظ في كتاب مسلم. ووقع في البخاري: ((مَن أنفق زوجين من شيءٍ من الأشياء في سبيل الله)) (١) العنوان ساقط من الأصول، ومستدرك من التلخيص. ٧١ (٩) كتاب الزكاة - (١٧) باب: أجر من أنفق شيئين في سبيل الله فَمِنْ كَانَ مِن أهلِ الصَّلاةِ دُعِيَ من بابِ الصَّلاةِ، ومَنْ كانَ مِن أهلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِن بَابِ الجِهَادِ، ومَنْ كانَ مِن أهلِ الصَّدقةِ دُعِيَ من بابِ الصَّدقةِ، ومَنْ كانَ مِن أهلِ الصِّيامِ دُعِيَ مِن بَابِ الرَّيَّانِ)). قال أبو بكر الصِّدِّيق: يا رسول الله! ما عَلى أحدٍ يُدْعَى مِن تلكَ الأبوابِ مِنْ ضَرورةٍ، فهل يُدْعَی أحدٌ مِن تلكَ الأبوابِ كلِّها؟ قال رسول الله بَّه: ((نعم، أرجو أنْ تكونَ منهم)). رواه أحمد (١٦٦/٢)، والبخاري (١٨٩٧)، ومسلم (١٠٢٧)، والترمذي (٣٦٧٤)، والنسائي (١٦٨/٤ - ١٦٩). وهذا نصٌّ في عموم كلِّ شيءٍ يُخْرَجُ في سبيل الله. وقيل: يصحُّ إلحاقُ جميع أعمال البِرِّ بالإنفاق. ويدلُّ على صحة هذا بقيةُ الحديث؛ إذ قال فيه: ((مَن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام)). والزوج: الصِّنف، وكذلك قيل في قوله تعالى: ﴿وَكُمْ أَزْوَبًا ثَثَّةً ﴾ [الواقعة: ٧] قال ابن عرفة: كلُّ شيءٍ قُرِن بصاحبه فهو زَوْج. ويقال: زُوَّجْتِ الإبل؛ إذا قرنت واحداً بواحد. زاد الهرويُّ في هذا الحديث: قيل: وما زوجان؟ قال: ((فرسان، أو عبدان، أو بعيران))(١). و ((الريَّان))) فعلان من الري على جهة المبالغة. وسُمِّي بذلك على جهة مقابلة العطشان؛ لأنه جُوزي على عطشه بالرّي الدَّائم في الجنة، التي يدخلُ إليها من ذلك الباب. و (قوله: ((فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة))) أي: من التفاضل يكون المكثرين لصلاة التطوُّع. وكذلك غيرها من أعمال البِرِّ المذكورة في هذا الحديث؛ بكثرة التطوّعات لأنَّ الواجبات لا بُدَّ منها لجميع المسلمين. ومَن ترك شيئاً من الواجبات إنما يُخافُ عليه أن يُنادى من أبواب جهنم، فيستوي في القيام بها المسلمون كلُّهم، وإنما يتفاضلون بكثرة التطوُّعات التي بها تحصلُ تلك الأهليةُ التي بها يُنادَون من (١) رواه أحمد (١٦٤/٥) وانظر: التمهيد (١٨٦/٧). ٧٢ (٩) كتاب الزكاة - (١٧) باب: أجر من أنفق شيئين في سبيل الله [٨٩٥] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: (مَنْ أصبحَ منكمُ اليومَ صَائماً؟)). قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمن تَبِعَ منكم اليومَ جنازةً؟)) قال أبو بكر: أنَا. قال: ((فمن أطعمَ منكُم اليَوم مِسكيناً؟)) قال أبو بكر: أنا. قال: ((فمَنْ عَادَ مِنكُم اليَومَ مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله وَ له: ((ما اجتمعت في امرىءٍ إلا دخلَ الجَنَّةَ». رواه مسلم (١٠٢٨). فضل أبي بكر تلك الأبواب. ولما فَهِمَ أبو بكر - رضي الله عنه - هذا المعنى قال: فهل يُدعى أحدٌ الصديق رضي من تلك الأبواب؟ أي: هل يحصل لأحدٍ من أهل الإكثار من تطوّعات البِرِّ المختلفة الله عنه وسبقه إلی أعمال البر ما يتأهَّلُ به لأن يدعوه خزنة الجنة من كلِّ بابٍ من أبوابها؟ فقال له النبيُّ ◌َّى: (نعم، أنت منهم)) فإنه - رضي الله عنه - كان قد جَمَعَ خصالَ تلك الأبواب كلُّها، أَلا ترى أنه قال:﴿ في الحديث الآتي بعد هذا: ((هل فيكم مَن أطعمَ اليومَ مسكيناً)؟ فقال أبو بكر: أنا، قال: ((هل فيكم مَن عاد مريضاً؟)) فقال أبو بكر: عدد أبواب الجنة أنا)). وقد تقدَّم الكلامُ على بعض نُكَتِ هذا الحديث. وذكر مسلمٌ في هذا الحديث من أبواب الجنة أربعة، وزاد غيره بقية الثمانية، فذكر فيها: باب التوبة، وباب: الكاظمين الغيظ، وباب: الراضين. والباب الأيمن الذي يدخل منه مَنْ لا حسابَ عليه، حكاهُ القاضي أبو الفَضْل. ٧٣ (٩) كتاب الزكاة - (١٨) من أحصى أحصي عليه (١٨) باب من أَحصى أُخْصِي عليه، والنهيُ عن احتقار قليل الصَّدقة وفضل إخفائها [٨٩٦] عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قالتْ: قالَ لي رسولُ اللهِ وَلّ: ((انْفَحِي أو انْضَحِي أو أَنْفِقي، ولا تُحْصِي فِيُخْصِيَ اللهُ عليك، ولا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عليكِ». رواه أحمد (٣٤٥/٦ و٣٤٦)، والبخاري (١٤٣٣)، ومسلم (١٠٢٩)، والنسائي (٥/ ٧٣ - ٧٤). (١٨) ومن باب: من أَحْصى أُحْصِي عليه (قوله: ((انفحي أو انضحي أو أنفقي))) معناه: أعطي. وأصل النَّفح: الضرب تأكُّد أمر بالعصا، أو بالسيف، وكأنَّ الذي ينفقُ يضربُ المعطى له بما يعطيه. ويحتملُ أن الصدقةِ يكون من نَفْح الطيب: إذا تحرَّكتْ رائحته؛ إذِ العطيةُ تُستطابُ كما تُستطابُ الرائحةُ والحضُّ عليها الطيبة. أو من نفحت الريح: إذا هبَّتْ باردةً. فكأنه أَمَر بعطيةٍ سهلةٍ كثيرة. وفي حديث أبي ذر: ((ونفح به يميناً وشمالاً))(١) أي: أعطاه في كلِّ وجه. وأصل النضح: الرش. وكأنه أمره بالتصدُّق بما تيسّر، وإن كان قليلاً. وفي الحديث: (ارضخي)) أي: أعطي بغير تقدير. ومنه: أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ كان يرضخُ للنساء من الغنيمة، ولا يضرب لهن بسهم(٢). ويفيدُ تكرارُ هذه الألفاظ تأكُّدَ أمر الصدقة، والحضّ عليها على أي حال تيسَّرت بكثير أو قليل، بمقدر أو بغير مقدر. والله أعلم. (١) سبق تخريجه في التلخيص برقم (٨٥٩). (٢) رواه أحمد (٢٢٤ و٣٥٢)، وأبو داود (٢٧٢٨) من حديث ابن عباس. ٧٤ (٩) كتاب الزكاة - (١٨) باب: من أحصى أُحصي عليه [٨٩٧] وعنها، أنَّها جَاءتْ للنبيِّ وَّهِ، فقالتْ: يا نبيَّ اللهِ ليسَ لي شيءٌ إلا مَا أدخَلَ عليَّ الزُّبيرُ، فهلْ عليَّ جُنَاحٌ أنْ أَرْضَخَ مِمَّا يُدخِلُ عليَّ؟ فقال: ((ارْضَخِي ما استطعتِ، ولا تُوعي فيوعِيَ اللهُ عليكِ)). رواه أحمد (٣٥٤/٦)، والبخاري (١٤٣٤)، ومسلم (١٠٢٩) (٨٩)، والنسائي (٧٤/٥). [٨٩٨] وعن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِوَلّهِ كان يقولُ: ((يا نساءَ المسلماتِ لا تَحْقِرَنَّ جَارةٌ لجَارِتِها ولو فِرْسِنَ شَاةٍ)). رواه أحمد (٢٦٤/٢ و٤٣٢)، والبخاري (٦٠١٧)، ومسلم (١٠٣٠)، والترمذي (٢١٣٠). و (قولها: ليس لي شيءٌ إلا ما أدخلَ عليَّ الزبير) تعني: ما يُدْخِلُ عليها للإنفاق عليها، وعلى أهل بيتها، وهذا محمولٌ على ما تقدَّم. و (قوله: ((فلا تحصي فيحصي اللهُ عليك))) أي: لا تبخلي فتجازين على بُخْلك. وأصل هذا: من الإحصاء الذي هو العدّ. وعبَّر عن البخل بالإحصاء؛ لأن البخیل یعدُّ ماله ویتحرّز به، ویغار عليه. و (قوله: ((ولا تُوعي فيوعي الله عليك))) أي: لا تمسكي المال في الوعاء فيمسك اللهُ فَضْلَه وثوابه عنك. وفي غير مسلم: ((ولا تُوكي فيوكي عليك)) أي: لا تربطي. والوكاء: الخيطُ الذي يُشَدُّ به. وهذا كلُّه من باب مقابلة اللفظ باللفظ. ومعنى ما ذكر: أنكِ إذا فعلتِ ذلك جُزيت عليه بنسبة ما فَعَلْتِ. و (قوله: ((يا نساء المؤمنات))) روايتنا فيه بفتح الهمزة وكسر تاء المؤمنات على المنادى المضاف، وهو من إضافةِ الشَّيء إلى صفته. وقد تقدَّم. وقد قدَّر النحويون هذا: يا نساءَ الجماعات المؤمنات، تحرُّزاً من إضافة الشيء إلى النهي عن احتقار الصدقة ٧٥ (٩) كتاب الزكاة - (١٨) باب: من أحصى أُحصي عليه [٨٩٩] وعنه، عن النبيِّينَ ﴿ قالَ: ((سبعةٌ يُظلُّهُم اللهُ في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلَّ ظِلُّه: الإمامُ العَادِلُ، وشَابٌّ نشأَ بعبادةِ اللهِ، نفسه (١). وهذه روايةُ الجمهور، وقد رواه بعضُهم: يا نساءُ، بالرفع. والمؤمنات بالكسر. وعلى هذه الرواية يكونُ: يا نساء، منادى مفرداً، والمؤمنات صفة على الموضع. ويجوز رفعُه على اللفظ، كما تقول: يا زيد العاقل. بالرفع على اللفظ. والنصب على الموضع. والفِرسن: للبعير، كالقَدَم للإنسان. وأصله للبعير. وقد يقال للشَّاة، كما جاء هنا، ومقصودُ هذا الحديث النَّهيُ عن احتقار القليلِ من الصَّدقة. و (لو) هنا: للتقليل، وقد بيّنًا محاملها في أول الكتاب. و (قوله: ((سبعةٌ يُظِلُّهمُ الله في ظله))) أي: في ظل عرشه. كما جاء في ◌ِلُّ عرش الله الحديث الآخر، والمرادُ يوم القيامة إذا قام الناسُ في صعيدها، وقربت الشمس من يوم القيامة الرؤوس، وأُديرت النار بأهل الموقف. فليس هناك إلا ظلُّ العرش. فأمَّا ظلُّ الصدقة فمن ظِلُّ العرش، والله أعلم. ويحتملُ أن يُرادَ بالظُّل هنا: الكَنَفُ، والكرامة، والوقاية من المكاره. كما تقول العرب: أنا في ظِلِّ فلان، أي: في صيانته، وكرامته، وكَنَفِه، وإلى هذا نحا ابنُ دينار. والإمامُ العادل: هو كلُّ من وُلِّي شيئاً من أمور المسلمين، فعدل فيه. و (قوله: ((شاب نَشَأ بعبادة الله))) كذا الروايةُ: بعبادة الله، بالباء، وهذه الباء فضلُ الشابُ هي باء المصاحبة. كما تقول: جاء زيد بسلاحه، أي: مُصاحِباً لها، ويحتملُ أن التقيّ النقيّ تكونَ بمعنى الفاء، كما قد تكون الفاءُ بمعنى الباء، في مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَغُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُكَلٍ مِنَ الْغَمَاءِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. ونشأ: نبت، وابتدأ، أي: لم يكن له صَبْوة، وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر: ((يعجبُ ربُّك من صبيّ ليست له صَبْوة))(٢) وإنما كان ذلك لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعتِ الصّبوة. (١) في (ع): جنسه. (٢) رواه أحمد (١٥١/٤). ٧٦ (٩) كتاب الزكاة - (١٨) باب: من أحصى أُحصي عليه ورجلٌ قلبُهُ مُعَلَّقٌ في المَساجِدِ، ورَجُلان تحابًا في اللهِ اجتمعًا عليه وتفرَّقا عليه، ورجلٌ دعتهُ امرأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمالٍ فقالَ: إنِّي أخافُ اللهَ، ورجلٌ تَصَدَّقَ بصدقةٍ فأخفَاهَا حتى لا تعلَمُ يمينُهُ ما تُنْفِقُ شِمَالُهُ، و (قوله: ((ورجل قلبه معلَّق في المساجد))) أي: يحبُّ الكونَ فيها للصلاة، والذكر، وقراءة القرآن. وهذا إنما يكونُ ممن استغرقه حبُّ الصلاة، والمحافظةُ عليها، وشُغِف بها . و (قوله: ((ورجلان تحابًّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرَّقا عليه))) أي: داما على المحبة الصَّادقة الدِّينية، المبرَّأة عن الأغراض الدُّنيوية، ولم يقطعاها بعارضٍ في حال اجتماعهما، ولا حال افتراقهما. المقامُ اليوسفيُّ و (قوله: ((ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إنِّي أخافُ الله))) معنى دعته: عَرَضَتْ نفسَها عليه. أي(١): للفاحشة. وقول المدعو في مثل هذا: إنِّي أخافُ الله، وامتناعه لذلك دليلٌ: على عظيم معرفته بالله تعالى، وشدَّه خَوْفه من عقابه، ومتين تقواه، وحيائه من الله تعالى. وهذا هو المقامُ اليوسفيّ. و (قوله: ((ورجل تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها))) هذه صدقةُ التطوُّع في قول واجبٌٍ في ابن عباس وأكثر العلماء. وهو حضٍّ على الإخلاص في الأعمال، والتستُّر بها. ويستوي في ذلك جميعُ أعمال البِرِّ التطوعيّة. فأما الفرائضُ فالأولى إشاعتُها وإظهارُها لتنحفظ قواعدُ الدين، ويجتمع الناس على العمل بها، فلا يضيع منها شيء، ويظهر بإظهارها جمالُ دِيْن الإسلام، وتُعْلَم حدوده وأحكامه. والإخلاصُ واجبٌ في جميع القُرَب، والرياءُ مفسدٌ لها . الإخلاص جميع القُرَب و (قوله: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))) هذا مبالغةٌ في إخفاء الصدقة. (١) من (ع). ٧٧ (٩) كتاب الزكاة - (١٨) باب: من أحصى أُحصي عليه ورجلٌ ذكرَ الله خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» . رواه أحمد (٤٣٩/٢)، والبخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١)، والترمذي (٢٣٩). وقد سمعنا من بعض المشايخ أنَّ ذلك أن يتصدَّق على الضَّعيف في صورة المشتري منه، فيدفعُ له درهماً مثلاً في شيء يساوي نصف درهم. فالصورةُ مبايعة، والحقيقةُ صَدَقة، وهو اعتبارٌ حَسَن. و (قوله: ((ورجل ذكر اللهَ خالياً ففاضتْ عيناه))) خالياً: يعني: من الخَلْق، بكاء الذاكر ومن الالتفات إلى غير الله. وفيضُ العين: بكاؤها. وهو على حَسَب حال الذِّكر، خوفاً أو محبةً وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى. فإن انكشفَ له غَضَبُه، فبكاؤه عن وشوقاً خوف، وإن انكشفَ له جمالُه وجلاله؛ فبكاؤه عن محبةٍ وشوق. وهكذا يتلوَّن الذاكرُ بتلوَّنِ(١) ما يذكر من الأسماء والصفات. وهذا الحديثُ جديرٌ بأن يُنْعَمَ فيه النظر، ويُستخرجَ ما فيه من اللَّطائف والعِبَر. والله الموفِّقِ المُلْهِم. (١) في (ع): بحسب. ٧٨ (٩) كتاب الزكاة - (١٩) باب: أي الصدقة أفضل (١٩) باب أيّ الصَّدقة أفضل، وفضلُ الید العلیا، والتَّعفُّف عن المسألة [٩٠٠] عن أبي هُريرةَ، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ وَّ فقالَ: يا رسولَ الله! أيُّ الصَّدَقة أعظمُ أجْراً؟ فقالَ: ((أَمَا وأَبِيكَ لتُنَأَنَّهُ: أنْ تَصدَّقَ وأنتَ صَحيحٌ شَحيحٌ تخشَى الفقرَ وتأْمُلُ البقاءَ. ولا تُمْهِلْ حتّى إذا بلغتِ الحُلقُومَ قلتَ: (١٩) ومن باب: أيُّ الصَّدقة أعظم (قوله وال﴾: ((أما وأبيكَ لتُبأنَّه))) أما: استفتاحٌ للكلام. ((وأبيك)) قسم، ومقسم به. وتقدم الكلامُ على القَسَم بالأب في كتاب الإيمان. والمقسم عليه: لتنبأنه، أي: لتُخبرنَّ به حتى تعلمه. ذم الشُّحِّ، وبيان خطره والشح: المنعُ مطلقاً، يعُّ مَنْعَ المال وغيره. وهو من أوصاف النَّفْس المذمومة؛ ولذلك قال الله: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] والبخل: بالمال، فكأنه نوعٌ من الشح. قال معناه الخطابي. وقد دلَّ على صحة هذا قولُهُ وَله: ((إياكم والشُّحَّ فإنه أهلكَ مَن كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا. وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا)) (١) أي: شح النفس، وهو مَنْعُها من القيام بالحقوق المالية وغيرها. و (قوله: حتى إذا بلغتِ الحلقوم) أي: النفس. ولم يجر لها ذكرٌ، لكن دلَّ عليها الحال. كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْمُلْقُوَمَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ومعناه: قاربتِ الحلقوم. فلو بلغته لم تأتٍ منه وصية ولا غيرها. والحلقوم: الحَلْق. (١) رواه أبو داود (١٦٩٨) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ٧٩ (٩) كتاب الزكاة - (١٩) باب: أي الصدقة أفضل لِفُلانٍ كذَا ولفلانٍ كذَا، وقد كانَ لفُلان. وفي روايةٍ: ((ألا وقدْ كانَ لفُلان)). رواه أحمد (٢٥/٢ و٢٣١)، والبخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢)، وأبو داود (٢٨٦٥)، والنسائي (٨٦/٥)، وابن ماجه (٢٧٠٦). [٩٠١] وعن عبد الله بن عُمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَهِ قالَ، وهو على المِنبرِ، وهو يذكرُ الصَّدقةَ والتَّعفُّفَ عن المسألةِ ((اليدُ العُلْيا خَيرٌ من اليدِ السُّفلى، واليدُ العُليَا المُنفِقةُ، والسُّفلى السَّائِلةُ». رواه أحمد (٦٧/٢)، والبخاري (١٤٢٩)، ومسلم (١٠٣٣)، وأبو داود (١٦٤٨)، والنسائي (٦١/٥). و (قوله: ((لفلان كذا، ولفلان كذا، أَلَّ وقد كان لفلان))) قال الخطابيُّ: المرادُ به الوارث. قلتُ: وفيه بُعْدٌ. بل الأظهرُ أنه الموصى له ممن تقدَّمت وصيُّه له على تلك الحالة، ومن ينشىء له الوصيّة في تلك الحالة أيضاً. و (قوله: وهو يذكر الصدقة، والتعفُّف عن المسألة) أي: يحضُّ الغني على الصدقة، والفقير على التعفُّف عن المسألة. و (قوله: ((اليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى))) ثم فسَّر اليد العليا بالمنفقة اليد العليا هي والسُّفلى بالسائلة. وهو نصٌّ يرفع تَعَشُف مَن تَعَسَّف في تأويله، غير أنه وقع هذا المنفقة، الحديثُ في كتاب أبي داود، وقال فيه في بعض طرقه بدل المنفقة: المتعفِّقة. والشُّفلى هي السائلة قال: وقال أكثرُهم: اليدُ العليا: المنفقة. وذكر أبو داود أيضاً من حديث مالك بن نضلة مرفوعاً: ((الأيدي ثلاثٌ: فيدُ الله العليا، ويدُ المعطي التي تليها، ويدُ السائل السفلى. فأعطِ الفَضْل، ولا تعجز عن نفسك))(١). (١) رواه أبو داود (١٦٤٩). ٨٠ (٩) كتاب الزكاة - (١٩) باب: أي الصدقة أفضل [٩٠٢] وعن حكيم بن حزام، أنَّ رسولَ الله ◌ِوَّه قالَ: ((أفضلُ الصَّدقةِ أو خيرُ الصَّدقةِ عَنَ ظَهْرِ غِنَىَ، واليدُ العُلْيا خيرٌ من اليدِ السُّفلى وابدأُ بِمَن تعولُ)). رواه البخاري (١٤٧٢)، ومسلم (١٠٣٤)، والنسائي (٦٩/٥). و (قوله: ((وابدأ بمن تعول))) يعني: أنه يبدأُ بكفاية من تلزمه كفايته، ثم بعد ذلك يدفعُ لغيرهم؛ لأنَّ القيامَ بكفاية العيال واجب، والصدقة على الغير مندوبٌ إليها، ولا يدخل في ذلك ترفيهُ العيال الزائد على الكفاية؛ فإنَّ الصدقةَ بما يرفه به العيال أولى؛ لأنَّ من لم تندفع حاجتُهُ أَوْلى بالصدقة ممن اندفعتْ حاجتُه في مقصود الشرع. أفضلُ الصدقة و (قوله: ((خيرُ الصَّدقة ما كان عن ظهر غنىّ))) أي: ما كان من الصَّدقة بعد ما كان عن غنّى القيام بحقوق النفس وحقوق العيال. وقال الخطابي: أي: متبرعاً أو عن غنّى يعتمده، ويستظهر به على النَّوائب. والتأويلُ الأول أولى، غير أنه يبقى علينا النّظر في دَرَجة الإيثار التي أثنى اللهُ بها على الأنصار؛ إذ قال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَنَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وقد روي: أنَّ هذه الآية نزلت بسبب رجلٍ من الأنصار ضافه ضيفٌ فنوَّم صِبْته وأطفأ السَّراج، وآثر (١) الضَّيف بِقُوتهم، وكذلك قولُه تعالى: ﴿وَيُطْعِعُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهٍ﴾ [الإنسان: ٨] أي: على شدَّة الحاجة إليه والشهوة له، ولا شكَّ أنَّ صدقة مَن هذه حالُه أفضل. وفي حديث أبي ذرًّ: ((أفضلُ الصدقة جهدٌ من مُقلِّ))(٢)، وفي حديث أبي هُريرة: ((سبق درهمٌ مئة ألفٍ)) قالوا: و کیف؟ قال: «رجلٌ له درهمان؛ فتصدق بأحدهما، ورجلٌ له مال كثير؛ فأخذ من (١) في (ع) و (ظ): وآثروا. (٢) رواه الحميدي (١٢٧٦)، وابن عدي (١٠٨٥/٣). وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (٥٦٦).