Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
(٩) كتاب الزكاة - (٣) باب: الأمر بزكاة الفطر
شَمَل الجميع، إذ قد ذكر فيهم العبد والصغير. فأما الصَّغير: فلا خلافَ عند من
يقول: إنها تُخْرَجُ بسببه؛ أنَّ وليّه هو الذي يُخاطَبُ بإخراجها؛ إذ الصبيُّ لم يَجْرِ
عليه بَعْدُ قلمُ التكليف. وأما العبدُ: فذهب الجمهورُ: إلى أنه ليس مخاطباً بها؛
لأنه لا شيءَ له. ولو كان له مالٌ فسيِّده قادرٌ على انتزاعه، خلافاً لداود؛ فإنه
أوجبها على العبد تمشُّكاً بلفظ العبدِ المذكور في الحديث هذا. وقال: على السَّيد
أن يتركَه قبل الفِطْر فيكتسب ذلك القدر، وليس له مَنْعُه من ذلك في تلك المدة،
کما لا يمنعُه من صلاة الفرض.
ثم إذا تنزَّلنا على قَوْل الجمهور في أنَّه لا يجبُ عليه شيء، فهل يخاطَبُ
سيده بإخراجها عنه أم لا؟. جمهورُهم أيضاً: على أنه يجبُ ذلك عليه؛ لأنه تلزمه
نفقتُه ومؤونته، وهذه من جملة المؤن. فإن المخاطَب بإخراجها المكلّف الواحِد
لها حين الوجوب عن نفسه وعن مَن تلزمه نفقته، بدليل ما رواه الدَّارقطني من
حديث ابن عمر - رضي الله عنه - قال: أمر رسولُ الله ◌ِوَ لَه بزكاة الفِطْر عن الصغير،
والكبير، والحر، والعبد، ممن تمونون(١). والصحيح: ما في الأصل من حديث
أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: كنا نُخرِج إذ كان فينا رسولُ الله ◌َّهِزكاة
الفطر عن كلِّ: صغير، وكبير، وحرٍّ، أو مملوكٍ. فصرَّح فيه بأنهم كانوا يُخاطَبُون
بإخراج زكاة الفِطْر عن غيرهم. وذلك الغير لا بُدَّ أن يكون بينه وبين المأمور
بالإخراج ملابسةٌ، وتلك الملابسة هي التي تكونُ مثل الملابسة التي تكون بين
الصغير ووليّه، والعبد وسيّده، وهي القيامُ بما يحتاجُ إليه كلُّ واحد منهما من
المؤن. وأما إخراجُها عن الزَّوجة: فمذهبُ الجمهور أن ذلك يجبُ على الزوج.
وقال الكوفيون: لا يلزم الرجلُ إخراجها عن زوجته، وانما يلزمها هي أن تُخْرِجَها
عن نفسها. وسَبَبُه ما تقدَّم.
(١) رواه الدارقطني (١٣٩/٢).

٢٢
(٩) كتاب الزكاة - (٣) باب: الأمر بزكاة الفطر
[٨٥٤] وعن أبي سعيد الخدريٍّ، قالَ: كنّا نُخْرِجُ، إذْ كانَ فينَا
رسولُ الله ◌َ﴿ زكاةَ الفِطْرِ عنْ كُلِّ صَغيرٍ وكَبِيرٍ، حُرٍّ أو مَملوكٍ، صَاعاً مِن
طَعام، أو صَاعاً من أَقِطِ، أو صَاعاً مِن شَعيرٍ، أو صَاعاً مِن تمرٍ، أو صَاعاً
من زُّبيبٍ، فلم تَزَلْ نُخْرِجُهُ حتى قَدِمَ علينَا مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانً، حاجّاً أو
مُعتمراً فَكَلَّمَ النَّاسَ على المِنبرِ، فكانَ فيما كلَّم به النَّاسَ أنْ قالَ: إنِّي أَرَى
أنَّ مُدَّيْنٍ مِنْ سَمْراءِ الشَّامِ، تَعَدِلُ صَاعاً من تمرٍ، فأخذَ النَّاسُ بذلكَ. قالَ
أبو سعيد: أمَّا أنَا فلا أزالٌ أُخْرِجُه كما كنتُ أُخْرِجُه أبَداً ما عِشتُ.
مقدار زكاة
الفطر
والأصناف
المخرجة
و (قوله: صاعاً من طعام، أو صاعاً من أَقِط، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً
من زبيب) الطعامُ هنا: هو القمح؛ بدليل ذِكْر الشعير. وقد رواه أبو داود وقال:
أو صاعاً من حنطة، مكان ((من طعام)). وهو حُبَّةٌ على مَن قال: لا تُخرج من البر،
وهو خلاف شاذ. وهو مسبوقٌ بإجماع السلف. وهو حُبَّةٌ على مَن يقول: إنه
يُخْرَجُ من البُرِّ نصفُ صاع. وهم جماعةٌ من السلف، وأبو حنيفة. واحتجُوا
بأحاديث لم يصحَّ عند أهل الحديث شيءٌ منها. وقال الليثُ: مُدَّان بمد هشام،
والأوزاعي: مُدَّان بمدِّ أهل بلده. والجمهور على التمشُّك بما ذكرناه.
و (قوله: أو صاعاً من أَقِط) حُجَّةٌ لعامَّة أهل العلم على مَن مَنَعَ إخراج
الأقِط فيها. [وهو الحسن](١) وهو أحدُ قولي الشافعي. وقصر أشهبُ إخراجَها
على هذه الأصناف الأربعة المذكورة في هذا الحديث، واختلف فيه قولُ مالك،
فالمشهورُ عنه: أنه ألحقَ بهذه الأربعة ما في معناها من المقتاتات: كالذرّة،
والدّخن، والسُّلت(٢). وزاد ابنُ حبيب: العَلَس(٣)، واختلف عنه في القطنية،
-
(١) ساقط من (هـ).
(٢) هو نوع من الشعير.
(٣) هو نوع من أنواع القمح، وقيل: هو العدس.
٠

٢٣
(٩) كتاب الزكاة - (٣) باب: الأمر بزكاة الفطر
وفي روايةٍ: قالَ: كَّا نُخرجُ زكاةَ الفِطْرِ مِن ثلاثةِ أصنافٍ: الْأَقِطِ،
والتَّمرِ، والشَّعِيرِ .
رواه أحمد (٩٨/٣)، ومسلم (٩٨٥)، وأبو داود (١٦١٦)،
والنسائي (٥١/٥ و ٥٣)، وابن ماجه (١٨٢٩).
[٨٥٥] وعن ابن عمرَ، أَنَّ رسولَ الله وَلِهِ أَمَرَ بإخراج زكاةِ الفِطْرِ أنْ
تُؤَدَّى قبلَ خُروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ.
رواه أحمد (١٥١/٢ و١٥٧)، والبخاري (١٥٠٩)، ومسلم
(٩٨٦)، وأبو داود (١٦١٠)، والترمذي (٦٧٧)، والنسائي (٥٤/٥).
*
والسَّويق، والتين إذا كان عيشاً لأهل البلد. وتفصيلُ هذا في الفقه.
و (قوله: كنا نُخرج زكاةَ الفطر إذ كان فينا رسولُ اللهِ﴾ مثل هذا مُلْحَقٌ
بالمسند المرفوع عند المحققين من الأصوليين؛ لأن مثل هذا لا يأمر به غيرُ
النبي ◌َّه، ولا يَخْفى مثله عنه، ولا يذكره الصَّحابيُّ في معرِض الاحتجاج إلا وهو
مرفوعٌ إلى النبيِنَّهِ. وقد زاد في الرُّواية المتقدِّمة على هذه الثلاثة: الطعام.
وصارتِ الأصنافُ المذكورةُ في الحديث أربعة .
و (قول ابن عمر رضي الله عنه: أمر رسولُ الله ﴿ بإخراج زكاة الفِطر أن وقت أداء زكاة
تُؤْدَّى قبل خُروج النَّاس إلى الصلاة) يعني: إلى صلاة يوم عيد الفِطْر. وبهذا الفطر
الحديث قال جمهورُ العلماء. واستحسنوه ليستغنيَ بها المساكين عن السُّؤال في
ذلك اليوم. وقد رُوي مرفوعاً: ((أغنوهم عن الطَّلب في هذا اليوم))(١). وكرهوا
(١) رواه الدار قطني (١٥٣/٢)، والبيهقي (١٧٥/٤) من حديث ابن عمر.

٢٤
(٩) كتاب الزكاة - (٤) باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم
(٤) باب
وجوب الزكاة في البقر والغنم، وإثمُ مانع الزكاة
[٨٥٦] عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا مِن صَاحِبٍ
ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يؤدِّي منها حقَّها إلا إذَا كانَ يومَ القيامةِ صُفُّحَتْ له صَفائِحُ
تأخيرها عن يوم الفطر. ورخّص بعضُهم في تأخيرها. وقاله مالك، وأحمد بن
حنبل، وجعله بعضُ شيوخنا خلافاً من قول مالك. وحاصل مشهور مذهب مالك:
أنَّ آخر يوم الفطر آخرُ وقتِ أدائها، وما بعد الفِطْر وقت قضائها. والله تعالى أعلم.
(٤) ومن باب: وجوب الزَّكاة في البقر والغنم
(قوله: ((ما من صاحب ذهبٍ ولا فضَّة لا يؤدي حقَّها))) كذا صحَتِ الروايةُ
بهاء التأنيث المفردة، وظاهره: أنه عائدٌ على الفضة، فإنه أقربُ مذكور، وهي
مؤنثة، وحينئذٍ يبقى ذِكْرُ الذهب ضائعاً لا فائدةَ له، وهذا مثلُ قوله تعالى:
بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَعْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُونَ أَمْوَلَ اَلنَّاسِ بَلْبَاطِلِ
وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ
فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [التوبة: ٣٤] وقد حُمِل هذا على الاكتفاء بذكر
أحدهما عن الآخر، كما قال الشاعر(١):
نَحْنُ بما عِنْدَنا وأنتَ بما
عِنْدَك راضٍ والرأيُ مُخْتَلِفُ
وقال الآخر :
لكلِّ هَمِّ من الهُمُومِ سَعَةْ
والصُّبْحُ والمَسيُّ لا بقاءَ مَعَهْ
(١) هو قيس بن الخطيم.

٢٥
(١٤) كتاب الزكاة - (٤) باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم
مِن نَارٍ، فَأُحْمِيَ عليها في نَارِ جهنّمَ فِيُكْوَى بها جَنْبُهُ، وجَبِينُهُ وظَهرُه، كلَّما
رُدّتْ أُعيدتْ له ﴿فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] حتى
وقيل: أعادها على معنى الكلمات المتقدمة. وكأنه قال: لا يُؤدِّي من تلك
الأمور المذكورات حقَّها. وأشبه من هذه الأوجه أن يُقال: إنَّ الذهبَ والفضَّة يقال
عليهما: عينٌ لغةً، فأعاد عليها الضمير. وهي مؤنثة، والله أعلم.
وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ الذهبَ والبقرَ فيهما الزكاة. وإن لم يجيءْ وجوب الزكاة
ذكرُهما في حديث جابر المتقدم، ولا في كتاب أبي بكر في الصدقة. على ما ذكره في الذهب
البخاري. ولا خلافَ في وجوبِ الزَّكاة فيهما، وإن اختلفوا في نِصاب البقر على والبقر
ما يأتي.
و (قوله: ((فيكوى بها جبينه، وجنبه، وظهره))) قيل: إنما خُصَّتْ هذه
المواضعُ بالكي دون غيرها من أعضائه لتقطيبه وجهه في وجه السَّائل، وازوراره
عنه بجانبه، وانصرافه عنه بظهره.
و (قوله: ((كلَّما بردت أُعيدت))) كذا رواية السجزي، ولكافة الرواة: كلها
ردت. والأول هو الصَّواب. فتأمله؛ فإنه هو المناسب للمعنى.
و (قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةِ﴾ [المعارج: ٤]) قيل: معناه:
لو حاسب فيه غير الله سبحانه وتعالى. الحسن: قدر مواقفهم للحساب. ابن
اليمان: كل موقف منها ألف سنة (١). وفي الحديث قال ◌َّر: ((والَّذي نفسي بيده!
ليخفّف على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاةٍ مكتوبة))(٢).
(١) جاء في تفسير القرطبي (١٨/ ٢٨٢): وقال يمان: هو يوم القيامة، فيه خمسون موطناً،
كل موطن ألف سنة.
(٢) قال الهيثمي في المجمع (٣٣٧/١٠): رواه أحمد وأبو يعلى، وإسناده حسن على
ضعفٍ في راويه .

٢٦
(٩) كتاب الزكاة - (٤) باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم
يُقضَى بينَ العبادِ، فَيُرى سبيلُه، إمّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النَّارِ)) قيل:
يا رسول الله! فالإِبِلُ؟ قالَ: ولا صاحِبُ إبلٍ لا يُؤدِّي مِنها حَقَّها، ومِنْ
حَقُّها حَلبُها يومَ وِرْدِهَا، إلَّ إذَا كانَ يومُ القِيامَةِ بُطِحَ لها بقاعِ قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ ما
كانتْ لا يَفْقِدُ مِنها فَصِيلاً وَاحِداً تَطَؤُهُ بأخفَافِها وتعَضُّه بأفَوَاهِها، كلَّما مرَّ
عليه أُولاهَا رُدَّ عليه أُخْرَاهَا ﴿فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُمُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ حتى يُقْضَى
بينَ العِبادِ فيُرى سبيلُه إمّا إلى الجَنَّة وإمَّا إلى النَّارِ)) قيلَ: يا رسول الله! فالبقرُ
والغنم؟ قال: ((ولا صَاحبُ بقرٍ ولا غنمٍ لا يُؤدِّي منها حقَّها، إلا إذا كانَ يومُ
القِيامةِ بُطِحَ لها بقاع قَرْقٍَ، لا يفقدُ منها شيئاً، ليسَ فيها عَقْصاءُ ولا جَلْحَاءُ
و (قوله: ((بُطح لها))) أي: أُلقي على وجهه. قاله بعضُ المفسرين. وقال
أهلُ اللغة: البطحُ: هو البسط كيف ما كان على الوجه أو غيره. ومنه: سُمِّيت
بطحاء مكة؛ لانبساطها.
و (قوله: ((بقاع قرقر)) أي: بموضعٍ مستوٍ واسعٍ. وأصلُه: الموضعُ
المنخفضُ الذي يستقرُّ فيه الماء. ويقال فيه: قَاعِ. ويُجمع: قيعة، وقيعان، مثل:
جار، وجيرة، وجيران. وقال الثَّعالبي: إذا كانت الأرضُ مستويةً مع الاتساع فهي
الخبت، والجُدْجُد، والصّحيح، ثم القاع، والقرقر، والصَّفصف.
و (قوله: ((ليس فيهما عقصاء))) وهي: الملتويةُ القرن. ورجل أعقص: فيه
التواء، وصعوبة أخلاق. ((ولا جلحاء))) وهي: التي لا قرونَ لها. ((ولا عضباء)))
وهي: المكسورة داخل القرن، وهو المشاش، وقد يكون العضبُ في الأذن.
والمعضوب: الزَّمِنُ الذي لا حراكَ به. هذا معنى ما ذكره أبو عبيد. وقال
ابنُ دُريد: الأعضبُ: الذي انكسر أحدُ قرنيه. وقال غيرُ هؤلاء: الأعضبُ في
القرن والأذن: الذي انتهى القطعُ إلى نصفه فما فوقه، وكانت لرسول الله وَل﴿ ناقةٌ
تُسمَّى العضباء. ومن رواية مصعب عن مالك: وكانت تسمَّى القصواء. وفي

٢٧
(٩) كتاب الزكاة - (٤) باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم
ولا عَضْباء، تنطحُه بقُرونِها وتَطؤُه بأظْلافِهَا، كلَّما مرَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه
أُخْرَاهَا ﴿فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُمُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةِ (٤)﴾ حتَّى يقْضَى بينَ العَبادِ،
فيُرى سبيلُه إمّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النَّارِ)).
حديث أنس: خطبنا رسولُ الله ◌َل# على ناقته الجدعاء. وفي آخر: على ناقةٍ
خرماء. وفي آخر: مخضرمة(١).
قال أبو إسحاق الحربي: والعضب، والجذع، والخرم، والقصو كلُّه في
الأذن. وقال أبو عبيدة: القصواء المقطوعة الأذن عرضاً. والمخضرمة:
المستأصلة، والعضب: النصف فما فوقه. وقال الخليل: الخضرمةُ: قَطْع الأذن
الواحدة.
و (قوله: ((كلما مرَّ عليه أولاها ردَّ عليه أخراها))) هكذا صحَّتِ الرواية.
فقيل: هو تغييرٌ وقلبٌ في الكلام. وصوابه كما جاء في رواية أبي صالح عن
أبي هريرة: كلَّما مرَّ عليه أخراها رُدَّت عليه أولاها. قيل: وهكذا يستقيمُ الكلام؛
لأنه إنما يريدُ الأول الذي قد مرَّ قبل، وأما الآخر فلم يمرَّ بعد. فلا يقال فيه:
ردّت.
قلتُ: ويظهرُ لي أنَّ الروايةَ الصَّحيحةَ ليس فيها تغييرٌ؛ لأنَّ معناها: أنَّ أول
الماشية كلما وصلت إلى آخر ما تمشي عليه تلاحقتْ بها أخراها، ثم إذا أرادتٍ
الأولى الرجوعَ بدأتِ الأخرى بالرجوع، فعادت الأخرى أولى، حتى تنتهيَ إلى
آخره. وهكذا إلى أن يقضي اللهُ بين العباد. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((تطؤه بأظلافها))) جمع ظلف. وهو: الظفرُ من كلِّ دابةٍ مشقوقة
الرِّجْل، ومن الإبل: الخف. ومن الخيل والبغال والحمير: الحافر.
(١) هي التي قُطِعِ طَرَفُ أذنها.

٢٨
(٩) كتاب الزكاة - (٤) باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم
قيلَ: يا رسولَ الله! الخيلُ؟ قال: ((الخَيْلُ ثَلاثةٌ: هي لرجُلٍ وِزْرٌ،
وهي لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وهي لرجُلٍ أَجْرٌ، فأما التي هي له وِزْرٌ. فرجلٌ رَبَطَها
رِيَاءَ وفَخْراً ونِوَاءَ على أهلِ الإسلامِ، فهي له وِزْرٌ، وأمَّا التي هي له سِتْرٌ،
فَرَجُلٌ رَبَطَها في سبيلِ الله، ثم لم يَنْس حِقَّ الله في ظُهورِها ولارِقَابِها، فهي
له سِتْرٌ، وأمَّا التي هي له أجرٌ فَرَجُلٌ ربطَها في سبيلِ اللهِ لأهلِ الإسلامِ في
مَرْجِ وَرَوْضَةٍ، فَما أكلتْ مِن ذلك المَرْجِ أو الرَّوْضَةِ مِن شيءٍ إلا كُتِبَ له
هل تجب في
الخیل زكاة؟
و (قوله: ((ونِواءً لأهل الإسلام))) وهو بكسر النون والمدُّ، أي: معاداة.
يقال: ناوأته، نواء، ومناوأة: إذا عاديته. والوزر: الإثم. وقد تعلَّق أبو حنيفة ومَن
يقول بوجوب الزكاة في الخيل بقوله: ((ولم ينسَ حقَّ الله في رقابها)) قال: وحقُّ الله
هو الزكاة. ولا حُجَّة فيه؛ لأن ذِكْر الحقِّ هنا مجملٌ غير مُفَسَّر. ثم يقال بموجبه:
إذ قد يتعيَّن فيها حقوق [واجبة لله تعالى](١) في بعض الأوقات: كإخراجها في
الجهاد، وحَمْلٍ عليها في سبيل الله، والإحسان إليها الواجب. والصدقة بما
يكتسب عليها إن دعتْ إلى ذلك ضرورة.
و (قوله: ((فهي له ستر)) أي: حجابٌ من سؤال الغير عند حاجته لركوب
فرس، بدليل قوله: ((تقنياً وتعففاً) أي: عن الناس.
و (قوله: ((وأما التي هي له أجرٌ، فرجلٌ رَبَطَها في سبيل الله))) أي: أعدَّها.
وهو مِن الربط، ومنه: الرباط. وهو: حبسُ الرجل نفسه وعدّته في الثُّغور تجاه
العدو. و (استَنَّت) أي: رَعَتْ. ومنه قولهم: استنتِ الفصالُ حتى القرعى(٢).
وقال ثابت: الاستنانُ: أن تلج في عَدْوها ذاهبةً وراجعة. والشَّرَفُ: المرتفعُ من
الأرض. وقال بعضُهم: الشرف: الطلق، فكأنه يقول: جرتْ طلقاً، أو طلقين.
(١) ساقط من (ع).
(٢) هو مثل يُضرب للرجل يُدْخِل نفسه في قومٍ ليس منهم.

٢٩
(٩) كتاب الزكاة - (٤) باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم
عَددُ ما أكلتْ حَسَناتٍ، وكُتِبَ له أرْواتُها وأبْوالُها حَسَناتٍ، ولا تَقْطَعُ
طِولَها، فاسْتَنَّتْ شَرَفاً أو شَرَفَيْنِ إلا كتبَ اللهُ له عددَ آثارِها وأروائِها
حَسَناتٍ، ولا مرَّ بها صَاحبُها على نهرٍ فشربتْ منه ولا يُريد أن يسقيَها إلا
كتبَ الله له عددَ ما شَربتْ حَسَناتٍ)) قيلَ: يا رسول الله! فالحُمُر؟ قال: ((ما
أَنْزِلَ عليَّ في الحُمُرِ شيءٌ إلا هذه الآية الفاذَّة الجامعة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرَّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:
٧ -٨] .
رواه أحمد (٢٦٢/٢ و٢٧٦)، ومسلم (٩٨٧) (٢٦)، وأبو داود
(١٦٥٨ و١٦٥٩)، والنسائي (١٢/٥ و١٣).
[٨٥٧] ومن حديثٍ جابرٍ، قالَ: ((ولا صَاحبُ كَنْزِ لا يفعلُ فيه حقَّهُ،
و (قوله: ((ولا يريد أن يسقيها))) أي: يمنعها من شربٍ يضرُّ بها أو به
باحتباسها للشرب، فیفوته ما یؤمله، أو یقع به ما یخافه.
و (قوله: ((ما أنزل عليّ في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذَّة الجامعة، أي:
القليلة المثل، المتفرِّدة بمعناها. ((الجامعة)) أي: العامة الشَّاملة. وهو حُبَّةٌ
للقائلين بالعموم؛ فإن لفظة شيء من صيغ العموم. وهو مذهبُ الجمهور من
الفقهاء والأصوليين. وهذا منه* إشارةٌ إلى أنه لم يفسّر الله من أحكام الحُمُر
وأحوالها ما فسَّر له في الخيل والإبل وغيرها مما ذكره.
و (قوله في حديث جابر: ((ولا صاحب كنز)) قال الطَّبري: الكنز: كلُّ شيء
مجموع بعضه إلى بعض، في بطن الأرض كان أو على ظهرها. وقال ابنُ دريد:
الكنز: كلُّ شيء غمزته بيدك أو رِجْلك في وعاء أو أرض.
قلتُ: وأصلُ الكنز: الضَّمُّ والجمع. ولا يختصُّ ذلك بالذهب والفضة، أَلا معنى الكنز

٣٠
(٩) كتاب الزكاة - (٤) باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم
إلا جَاءَهُ كنزُهُ يومَ القيامةِ شُجاعاً أقْرَعَ، يتبعُه فاتحاً فاهُ، فإذَا أَتَاهُ فرَّ منه،
ترى قوله وال﴾: ((ألا أخبركم(١) بخير ما يكنزه المرءُ: المرأةُ الصالحة))(٢) أي: يضُّه
لنفسه ويجمعه .
واختلف في المراد بالكنز في الآية؛ فقال أكثرُهم: هو كلُّ مالٍ وجبتْ فيه
الزكاة، فلم تُؤْذَّ منه، ولا أُخرجت. وكل ما أخرجت زكاته فليس بكنز. وقيل: كلُّ
ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز؛ وإن أديت زكاته. وقيل: هو ما فضلَ عن
الحاجة. ولعلَّ هذا كان في أول الإسلام عند ضِيْق الحال عليهم. والقول الأول هو
الصحيح؛ بدليل هذا الحديث، وبما خرَّجه أبو داود عن ابن عباس قال: لما نزلت
هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] قال: كَبُرَ ذلك
على المسلمين، فقال عمر - رضي الله عنه -: أنا أفرج عنكم، فانطلق، فقال:
يا نبيَّ الله! إنه كَبُرَ على أصحابك هذه الآية. فقال رسولُ الله ◌ِوَّهِ: ((إنَّ اللهَ لم
يفرض الزكاةَ إلا ليُطَيِّبَ ما بقي من أموالكم، وإنما فَرَض المواريث)) [فذكر كلمة]
خیرُ ما یکنز لتکون لمن بعدکم، [لتطیب لمن بعدکم](٣) قال: فکبَّر عمرُ - رضي الله عنه - ثم
المرءُ
قال له رسولُ الله ◌َله: ((ألا أخبرك بخير ما يكنز المرءُ؟ المرأة الصالحة؛ إذا نظر
إليها سرَّته؛ وإذا أمرها أطاعته؛ وإذا غابَ عنها حفظته))(٤).
و (قوله: ((إلا جاء يوم القيامة كنزه شجاعاً أقرع))) وفي أخرى: إلا مُثِّل،
أي: صُوِّر له. وقيل: نُصِب وأقيم. من قولهم: مَثُلَ قائماً؛ أي: منتصباً.
والشجاع من الحيات: هو الحيةُ الذكرُ الذي يواثِبُ الفارسَ والرَّاجل، ويقومُ على
ذنبه، وربما بلغ رأسَ الفارس، ويكونُ في الصّحارى. وقيل: هو الثعبان. قال
عقوبة كنز
المال
(١) في (ع): أنبتكم.
(٢) رواه أبو داود (١٦٦٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.
(٣) ليس في سنن أبي داود.
(٤) سبق تخريجه قبل قليل.

٣١
(٩) كتاب الزكاة - (٤) باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم
فيُنادِيه خُذْ كَنْزَكَ الذي خَبَّأْتَه فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ، فإذَا رأى أَلَّا بُدَّ منه، سَلَكَ يدَه
في فيهِ فَيَقْضَمُها قَضْمَ الفَحْلِ)).
وفيه: قال رجلٌ: ما حقُّ الإبل؟ قال: ((حَلْبُها على المَاءِ، وإعارةُ
دَلْوِها، وإعارةُ فَحْلِها ومَنيحتُها، وحَمْلٌ عليهَا في سبيلِ الله.
رواه أحمد (٣٢١/٣)، ومسلم (٩٨٨) (٢٧)، والنسائي (٢٧/٥).
اللحياني: يقال للحية: شجاعٌ. وثلاثة أشجعةٍ، ثم شجعان. والأقرع من الحيات،
الذي تمعَّط رأسُه، وابيضَّ من السم. ومن الناس: الذي لا شَعْرَ له في رأسه
لتقرُّحه. وفي غير كتاب مسلم من الزيادة: ((له زبيبتان)). وهما الزبيبتان في جانبي فِيْه
من السّم. ويكون مثلهما في شدقي الإنسان عند كثرة الكلام. وقيل: نكتتان على
عينيه، وما هو على هذه الصِّفة من الحيات هو أشدُّ أذىّ. قال الداودي: وقيل:
هما نابان يخرجان مِن ◌ِيْه.
و (قوله: ((فيناديه: خُذْ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غنيٌّ)) كذا وقع لنا فيما
رأيناه من النسخ، وفي الكلام خرمٌ يتلفّق بتقدير محذوف، وهو: فيقول: فأنا عنه
غنيٌّ. وحينئذ يلتئمُ الكلام. فتأمَّلْه. وكثيراً ما يُحْذَفُ القولُ الذي للحكاية كقوله:
﴿إِنَّفْطِئُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] أي: يقولون: إنما.
و (قوله: ((فإذا رأى أن لا بد منه سلك يده في فيه فيقضَمُها قَضْم الفحل)))
معنى سَلَك: أدخل. ويقضَمُها: يأكلها. يقال: قضمتِ الدابةُ شعيرها، تقضمه.
والقضم: بأطراف الأسنان. والخضم: بالفم كلّه. وقيل: القضم: أَكْلُ اليابس،
والخَضْم: أكلُ الرطب. ومنه قولُ عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -: تخضمون
ونقضم والموعد الله.
و (قوله: ((ما حقُّ الإبل؟ فقال: حلبها على الماء ... )) الخ) ظاهِرُ هذا عقوبة مانع
السؤال والجواب: أنَّ هذا هو الحقُّ المتوعَّد عليه فيما تقدَّم حين ذكر الإبل، وأنه زكاة الإبل

٣٢
(٩) كتاب الزكاة - (٤) باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم
[٨٥٨] وعن الأحنفِ بن قَيْس، قالَ: قَدِمْتُ المدينةَ، فبينًا أنَا فِي
حَلْقةٍ فيها مَلاً من قُريشٍ، إذ جاءَ رجلٌ أخشَنُ الثِّابِ، أخشنُ الجَسَدِ،
أَخْشَنُ الوَجْهِ، فقامَ عليهم، فقالَ: بشِّرِ الكانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عليه في نَارِ
كلّ الحق، مع أنه لم يتعرَّضْ فيه لذكر الزَّكاة. وفي هذا الظاهِرِ إشكالٌ تزيلُه الروايةُ
الأخرى التي ذكر فيها ((من)) التي هي للتبعيض. بل وقد جاء في روايةٍ أخرى
مفسّراً: ((ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها)). وكذلك قال في الغنم، وكأنَّ بعضَ
الرواة أسقطَ في هذه الرواية ((من)) وهي مرادةٌ ولا بدَّ، ثم ظاهره: أنَّ هذه الخصالَ
واجبةٌ، ولا قائلَ به مطلقاً. ولعلَّ هذا الحديثَ خَرَجَ على وقت الحاجة، ووجوب
المواساة، وحال الضرورة، كما كان في أول الإسلام. ويكون معنى هذا الحديث:
أنه مهما تعيَّنتْ هذه الحقوقُ ووجبت، فلم تُفْعَلْ تعلَّق بالممتنع من فعلها هذا
الوعيدُ الشديد. والله أعلم.
و (قوله: ((حلْبها يوم وردها، وحلْبها على الماء))) كلُّ ذلك بسكون اللام
على المصدر، وهو الأصلُ في مَصْدر ما كان على فعل يفعل، وقد جاء على فَعَل
بفتح العين في الحَلَبِ. فأمَّا الحلَب: اسم اللبن فبالفتح لا غير، وليس هذا
موضعُه. وخصّ حَلْب الإبل بموضع الماء ليكون أقربَ على المحتاج والجائع،
فقد لا يقدرُ على الوصول لغير مواضع الماء. والمنحة: قال ابنُ دريد: أصلُها أن
يعطيَ الرجلُ الرجلَ ناقتَه يشربُ لبنها، أو شاة. ثم صارت كلُّ عطية منحةً. قال
الفرَّاءُ: يقال: منحتُهُ أمنحَهُ وأمِنِحَه، بالضم والكسر. وقال أبو هريرة: حقُّ الإبل أن تُنحر
السمينة، وتمنح الغزيرة، ويُفْقر الظهر، ويطرق الفحل، ويُسْقى اللبن. وإفقار
الظهر: هو إعارةُ فقار المركوب، وهو الظهر، كما قد جاء في الرواية الأخرى.
و (قول الأحنف بن قيس: إذ جاء رجلٌ أخشن الثياب، أخشن الجسد،
أخشن الوجه) كذا صحَّ هنا من رواية الكرمي بالخاء والشين المعجمتين، من
الخشونة، على وزن أفعل، إلا أنه عند ابن الحذَّاء في الآخر: حَسَن الوجه. وقد

٣٣
(٩) كتاب الزكاة - (٤) باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم
جهنَّمَ، فيُوضعُ على حَلَمَةِ ثَدْيِ أحدِهم حتَّى يخرجَ من نُغْضِ كَتِفَيْهِ ويُوضعُ
على نُغْضٍ كَتِفَيْه حتى يخرجَ مَن حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ، يَتَزلزلُ. قالَ: فوضعَ القومُ
رؤوسهم فما رأيتُ أحداً منهم رجعَ إليه شيئاً، قالَ: فأدبرَ واتَّبَعْتُهُ حتَّى
جلسَ إلى ساريةٍ، فقلتُ: ما رأيتُ هؤلاءِ إلّا كَرِهُوا ما قلتَ لهم. فقالَ:
رواه القابسي في البخاري: حسن الشعر والثياب والهيئة، من الحسن. ولغيره:
خشن، من الخشونة، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. و (قام عليهم): وقف
عليهم. و (الملأ): الأشراف في أصله، وقد يُقال على الجماعة، وهو مهموزٌ
مقصور.
و (قوله: ((بشِّر الكتّازين))) أي: الجمَّاعين. ويُروى: الكانزين، وهو بالنون
عن الكنز. ووقع عند الهروي: الكاثرين، بالثاء المثلثة من الكثرة، والأول أولى؛
لأنه إنما يقال للكثير المال: مكثر، لا كاثر. وأما الكاثر: فهو الشَّيءُ الكثير.
يقال: کثیر، وکاثر، وکثار. ومنه قول الشاعر(١):
فإنما العزَّةُ لِلْكَائِرِ(٢)
و (الرضف): الحجارة المحمَّاة. و (الحلمة): رأس الثدي للمرأة. والَّنْدُوة
للرجل. ونُغْض الكتف، بضم النون: العظم الرقيق الذي في طرف الكتف، وهو
الناغض، سُمِّي بذلك لحركته، من قولهم: أنغض رأسه، أي: حركه. ومنه قوله
تعالى: ﴿فَسَيُنْفِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أي: يُحرِّكونها استهزاءً.
و (يتزلزل) بزائين معجمتين، أي: يتحرك. يعني: الرضف يتزلزل من النغض إلى
الحلمة. ووضعَ الناس رؤوسهم: أطرقوا متخشِّعين، أو مستثقلين، يدلُّ عليه
قوله: ((إنَّ هؤلاء لا يعقلون شيئاً». و(لم يرجع) أي: لم يرد. و(أُحُد): جبل
(١) هو الأعشى.
(٢) وصدره: ولست بالأكثر منهم حصىّ.

٣٤
(٩) كتابالزكاة - (٤) باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم
إِنَّ هُؤلاءٍ لا يَعْقِلونَ شَيئاً، إنَّ خَليلي أبَا القاسمِِّ دَعَاني فأجبتُهُ، فقالَ:
أَتَرى أُحُداً؟ فنظرتُ ما عَلَيَّ من الشَّمس، وأنَا أَظَنُّ أنه يَبعثني في حَاجةٍ له،
فقلت: أراهُ، فقال: ((ما يَسُرُّني أنَّ ليَ مثلَه ذَهَباً أُنفِقُه كلَّه إلا ثلاثَةَ دَنَانِيرَ))
ثم هؤلاءِ يجمعونَ الدُّنيا ولا يَعِقِلون شَيئاً، قالَ: قلتُ: مَالكَ ولإخوتِكَ
قريشٍ لا تَعْتَريهم وتُصيبُ منهم، قال: لا وربّك! لا أسألُهُم عن دينارٍ ولا
أَستفتِيهم عن دِينٍ حتى أُلْحَق بالله ورسوله.
وفي روايةٍ: ((بَشِّرِ الكَتَّازِينَ بِكِيٌّ في ظُهورِهم يخرجُ من جُنوبِهم،
معروف بالمدينة. واستفهامه له عن رؤيته لتحقُّق رؤيته حتى يشبّه له به ما أراد
بقوله: ((ما يسرُّني أنَّ لي مثله ذهباً).
و (قوله: ((إلا ثلاثة دنانير))) يعني: ديناراً يرصده لدينٍ، أي: يؤخّره. وديناراً
لأهله، وديناراً لإعتاق رقبة. والله أعلم.
و (قوله: ((ثم هؤلاء))) ظاهِرُ احتجاج أبي ذر بهذا الحديث وشبهه: أن الكنز
المتوَّد عليه هو جَمْعُ ما فَضلَ عن الحاجة. وهكذا نقل من مذهبه. وهو من
شدائده - رضي الله عنه-، ومما انفرد به. وقد رُوي عنه خلافُ ذلك. وحمل
إنكاره هذا على ما أخذه السَّلاطين لأنفسهم، وجمعوه لهم من بيت المال وغيره.
ولذلك هجرهم. وقال: لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دِيْن، والله أعلم.
و (يعتريهم): يزورهم، ويأتيهم بطلب منهم. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُواْ
الْقَائِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] وهو الزائر. يقال منه: أعروتُه، واعتريتُه. أي: أتيته
أطلبُ منه حاجة.
وهذا الحديثُ يدلُّ على تفضيل الفقرِ على الغنى. وقد تقدمت المسألةُ.
والعطاء الذي سُئِل عنه أبو ذر: هو ما يُعطاه الرجلُ من بيت المال على وجه

٣٥
(٩) كتاب الزكاة - (٤) باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم
وبِكَيٍّ من قِبِلِ أَقْفَائِهِم يخرجُ مِن جِبَاهِهم)) قالَ: ثم تَنَشَى فقعدَ، قالَ: قلتُ:
مَنْ هُذا؟ قَالُوا: هذا أبو ذرّ، قالَ: فقمتُ إليه، فقلتُ: ما شَيءٌ سمعتُك
تقولُ قُبَيْلُ؟ قال: ما قلتُ إلا شيئاً قد سمعتُهُ مِن نبيِّهِم وَِّ، قالَ: قلتُ:
ما تقولُ في هذا العَطَاءِ؟ قال: خُذْهُ؛ فإنَّ فيه اليومَ معونةً فإذا كانَ ثمناً
لِدِينِكَ فَدَعْهُ.
رواه أحمد (١٦٠/٥)، والبخاري (١١٠٧)، ومسلم (٩٩٢).
يستحقُّه، وهو الذي قال فيه النبيُّونَ﴿ لعمر: ((ما أتاكَ من هذا المال وأنت غيرُ
مشرفٍ ولا سائل فَخُذْه، وما لا فلا تتبعه نفسك))(١).
و (قوله: ((فإذا كان ثَمَناً لِدِينِكَ فدعه))) أي: إذا كنتَ لا تتوصَّل إليه إلا بوجهٍ
غير جائز؛ فلا تلتفتْ إليه؛ فإنَّ سلامةَ الدِّين أهمُّ من نيل الدنيا، فكيف إذا انتهى
الأمر، إلا أن لا يسلم دِيْن ولا تُنال دنيا؟! ومَن أخسر صفقةً ممن خسر الآخرة
والأولى؟! نعوذُ بالله من سخطه.
٠
٠
(١) ذكره صاحب التمهيد (١٧/٢).

٣٦
(٩) كتاب الزكاة - (٥) باب: الحض على الصدقة
(٥) باب
الحض على الصدقة،
والنفقة على العيال والأقربين
[٨٥٩] عن أبي ذرٍّ، قالَ: خرجتُ ليلةً من اللَّيالي، فإذا
رسولُ الله ◌َّ﴿ يمشي وحدَه، ليس معه إنسان، قالَ: فظننتُ أنه يكرهُ أنْ
يمشيَ معه أحدٌ، قالَ: فجعلتُ أمشي في ظِلِّ القمر، فالتفتَ فرآني، فقالَ:
مَنْ هُذا؟ فقلتُ: أبو ذرّ جعلني الله فداءَك، قالَ: ((يا أبا ذرّ تَعالَهْ)). قال:
فمشيتُ معه ساعةً، فقال: ((إنَّ المكثرينَ هم المُقِلُون يومَ القيامةِ، إلا مَنْ
أعطَاهُ اللهُ خيراً، فَنَفَخَ فيه يمينَه وشمالَه وبينَ يَدِيْهِ ووراءَه، وعَمِلَ فيه خيراً»
قال: فمشيتُ معه ساعةً، فقال: ((اجلس ها هنا)) قال: فأجلسني في قاع
حولَه حِجَارةٌ، فقال لي: ((اجلسْ ها هنا حتى أرجعَ إليك)) قال: فانطلقَ في
الحرَّة حتَّى لا أراهُ، فلبثَ عني، فأطالَ اللَّْثَ، ثم إني سمعتُه وهو مُقْبِل،
وهو يقولُ: ((وإِنْ سَرَقَ وإِنْ زَنَى)) قال: فلمَّا جاءَ لم أصبرْ، فقلتُ:
يا نبيَّ اللهِ، جَعلني اللهُ فداءَك، مَنْ تُكَلُّم في جانبِ الحرَّةِ؟ ما سمعتُ أحداً
(٥) ومن باب: الحضّ على الصَّدقة
(قوله: ((نفح))) بالفاء والحاء المهملة، ومعناه: أعطى، وأصله: الرَّمي
بالشَّيء. و («يمينه، وشماله، وبين يديه، ووراءه))) كلّها منصوبةٌ على الظرف،
معمولة لنفح. وذِكْر هذه الجهات كنايةٌ عن كثرة العطاء، فكأنه يعطي السُّؤَّال من
أي جهةٍ أتوه. و (القاع): المستوي من الأرض في انخفاضٍ. و (الحرَّة):
الصحراء ذاتُ الحجارة السود، وجمعها: حرّات، وقد تقدَّم الكلامُ على قوله:
(وإن زنى وإن سرق)» في كتاب الإيمان.

٣٧
(٩) كتاب الزكاة - (٥) باب: الحض على الصدقة
يرجِعُ إليكَ شَيئاً. قال: ((ذاكَ جبريلُ، عَرَضَ لي في جَانبِ الحَرَّةِ، فقالَ:
بَشِّر أُمَّتَكَ أنَّه مَنْ ماتَ لا يُشركُ باللهِ شَيئاً دخلَ الجَنَّة، فقلت: يا جبريلُ!
وإِنْ سرقَ وإنْ زنَى؟ قالَ: نعم. قال: قلتُ: وإِنْ سرقَ وإنْ زنَى؟ قالَ: نعم.
قالَ: قلتُ: وإنْ سَرَقَ وإنْ زنَى؟ قال: نعم. وإِنْ شَرِبَ الخمرَ)).
رواه أحمد (٣٩٥/٦)، والبخاري (٢٣٨٨)، ومسلم (٣٢/٩٤)،
والترمذي (٢٦٤٤)، والنسائي (١١٢٠) عمل اليوم والليلة.
[٨٦٠] وعن أبي هُريرةَ، عن رسولِ الله ◌ِنَّهِ قالَ: ((إنَّ اللهَ قالَ لي:
أَنْفِقْ، أُنْفِقْ علیك)).
وقال رسول الله وَ الحجر: ((يمينُ الله مَلَّى لا يَغِيضُها،
و (قوله: ((يمينُ الله ملأى))) كذا صحَّتِ الرواية، وهي الصَّوابُ. ومَن رواها
ملآن فقد أخطأ، فإن اليمينَ اسمُ اليد، واليد مؤنثة. ونسبة اليمين إلى الله تعالى
نسبة مجازية، توسّعية، عبّر بها عن كثرة العطاء، والقدرة عليه [وحمل على هذه
الاستعارة عادة التخاطب وحصول التفاهم](١)، ومنه قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنَّهُ
بِآلْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥]. واليد: عبارة عن القدرة، وتسميتها باليمين: على
ما تعارفناه فيما بيننا من أنَّ القوة والبطشَ والتصرُّفَ إنما هو باليمين. ولأنه مشتقٌّ
من اليُمْن والبركة. وكذلك قال في حديثٍ آخر: ((وكلتا يديه يمين))(٢) نافياً لتوهُّم
النقص والقصور في حقُّه تعالى. وكذلك كلُّ ما أطلق على الله تعالى؛ مما يدلُّ
على الجوارح والأعضاء؛ كالأعين، والأيدي، والجنب، والأصبع، وغير ذلك مما
يلزمُ من ظاهره التَّجسيم، الذي تدلُّ العقولُ بأوائلها على استحالته، فهي كلُّها
(١) ساقط من (ع).
(٢) رواه مسلم (١٨٢٧).

٣٨
(٩) كتاب الزكاة - (٨) باب: الحض على الصدقة
سَخَاءُ اللَّيلَ والنَّهارَ، أرأيتُم ما أَنْفقَ منذُ خلقَ السَّماءَ والأرضَ، فإنَّه لم
يَغِضْ ما في يمينِهِ، قالَ: وعرشُهُ على المَاءِ،
متأولةٌ في حقِّه تعالى؛ لاستحالة حَمْلها على ظواهرها(١).
و (قوله: سخَّاء) بالمد والهمز والرفع، على أنه خبرٌ بعد خبر. و (الليلَ
والنهارَ) منصوبان على الظرف، مُتعلِّقان بما في سحاء من معنى الفعل، وهي
الروايةُ المشهورة، وعند أبي بحر: سحاءً، منصوباً مُنوَّناً على أنه مصدر صدره
محذوف، يدلُّ علیه قوة الكلام. کأنه قال: تسُّ سحاً. ویکون من باب قوله:
منه وحرفَ السَّاق طيُّ المحمل
ما إن تمسّ الأرض إلا منکِبٌ
والسح: الصبُّ الكثير، كما قال امرؤ القيس (٢):
فَدَمْعُهُمَا سَكْبٌ وسَخٌّ وَدِيمَةٌ(٣)
و (يغيضها): ينقصها. يقال: غاضَ الماء، وغِضته، متعدياً ولازماً. وفاعله مضمر
تدلُّ عليه المشاهدة. تقديره: لا ينقصها شيء. وقد جاء هذا المضمرُ مظهراً في
رواية ابن نمير. فقال: لا يغيضها شيءٌ. ووقع عند الطبري في حديث عبد الرزاق:
لا يغيضها سخُ الليل والنهار. برفع سح على أنه فاعل يغيضها.
وخفض الليل والنهار بالإضافة: على التوسع. كما قالوا: يا سارقَ الليلة
أهل الدار.
معنى العرش
و (قوله: ((وعرشه على الماء))) العرش: السرير في أصل اللغة، وهو من
(١) مذهبُ السلف أنهم يُثبتون لله تعالى ما أثبت لنفسه، من غير تأويل ولا تجسيد، وهو
الأسلم.
(٢) اسم الشاعر من (هـ) و (ل).
(٣) عجز البيت: وَرَشِّ وتَوْكَافٌ وتَنْهَمِلانِ.

٣٩
(٩) كتاب الزكاة - (٥) باب: الحض على الصدقة
وبيدِه الأخرى القَبْضُ، يَرْفَعُ ويَخْفِضُ.
الرفع كما تقدَّم. وليس معناه في حقِّ الله تعالى السرير، ولا المحلّ؛ إذ لو كان
كذلك لكان محمولاً، ولكان مفتقراً. ويلزم منه حُدوثه، وإنما العرشُ المضافُ إليه
عبارةٌ عن موجود عظيم، هو أعظمُ المخلوقات. خلقه الله على الماء، فاستولى
عليه، بمعنى: أنه سخَّره كيف شاء. قال كعب في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ
عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧] إنَّ الله تعالى بدأ الخَلْقَ ياقوتة خضراء، فنظر إليها بالهيبة
فصارت ماء، ثم خَلَقَ عَرْشَه عليه. وقال ابنُ عباس: (وكان عرشُه على الماء) أي:
فوقه؛ إذ لم يَخْلُقْ سماءً ولا أرضاً. وظاهِر هذا الحديث: أن العرشَ حالةً
إخباره ** هو على الماء كما قال كعب. وظاهِرُ كلام ابن عباس: أنه لما خلق
السموات والأرض، أضيفت فوقية العرش إليهما.
و (قوله: ((وبيده الأخرى القبض))) ولم يقلِ اليسرى، ولا الشّمال، اجتناباً عظيم قدرة الله
لما تضمَّنته ألفاظهما. ونفياً لتوهُّم النقص؛ ولذلك قال: ((وكلتا يديه يمين)). تعالى
ويُفْهَمُ من إضافة اليدين إليه تعالى: قدرته على المخلوقات(١). والقيض بالقاف
والياء باثنتين من أسفل. والقبض في الرواية الأولى: هو نقيضُ البسط، ولذلك
اکتفی بذکره عن البسط. وصار هذا کقوله: ((بيدك الخير) اکتفی به عن ذكر نقيضه،
وهو الشر. ويكون هذا الحديثُ مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْضُّطُ ﴾
[البقرة: ٢٤٥] أي: يقبض الأرزاق، والأرواح، والقلوب، والأمور كلها، بالقبض
اللائق بها(٢). ويبسطها ببسطها اللائق بها .
و (قوله: ((يرفع ويخفض))) أي: يُعلي ويَضَع، ويُعِزُّ ويُذِلُ، ويفعلُ ما يريدُ
من الشيء ونقيضه.
(١) في (هـ) و (ط): المختلفات.
(٢) في (هـ) و (ظ): به.

٤٠
(٩) كتاب الزكاة - (٥) باب: الحض على الصدقة
رواه أحمد (٢٤٢/٢ و٥٠٠)، والبخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣)
(٣٦)، والترمذي (٣٠٤٥)، وابن ماجه (١٩٧).
[٨٦١] وعن ثوبانَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِصَّهِ: ((أفضلُ دِينارٍ بِنفقُه
الرَّجلُ. دينارٌ يُنفقُه على عِيالِهِ، ودِينارٌ يُنفقُه الرَّجلُ على دَابَّتِه في سبيلِ الله
عزَّ وجلَّ، ودينارٌ يُنفقُه على أصحابِهِ في سبيلِ الله، قالَ أبو قلابةُ: وبدأَ
بالعِيَالِ، وأيُّ رَجلِ أعظمَ أجراً مِن رجلٍ يُنفقُ على عيالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهم أو
يَنْفَعُهُم اللهُ به ويُغنِيهم)) .
رواه أحمد (٢٧٩/٥ و٢٨٤)، ومسلم (٩٩٤)، وابن ماجه
(٢٧٦٠).
[٨٦٢] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله وَلِهِ: ((دينارٌ أنفقتَه في
سبيلِ اللهِ، ودينارٌ أنفقتَه في رَقَبَةٍ، ودِينارٌ تصدَّقتَ به على مِسکینٍ، ودینارٌ
أنفقته على أهلِكَ، أعظمُ أجراً الذي أنفقتَه على أهلِكَ)).
رواه مسلم (٩٩٥).
[٨٦٣] وعن أنس بن مالك، قالَ: كانَ أبو طلحةَ أكثرَ أنصاريٍّ
و (قوله - في الدنانير المنفقة في طرق الخير -: ((أعظمها أجراً الذي تنفقه
على أهلك))) هذا محمولٌ على ما إذا استوتِ الحالةُ في الأهل، والأجنبي، فلو
كان أحدُهما أحوج أو أوكد(١) لكان المُنْفَقُ في الأوكد أعظم أجراً. فإذا استوتٍ
المراتبُ فترتيب الأعظم كما وقع في الحديث.
(١) في (ظ) و (هـ): آكد.