Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ (٤) كتاب الجمعة - (١) باب: فضل الغسل للجمعة وتأكيده سمعتُ النِّداءَ أنْ تَوَضَّأْتُ ثم أقبلتُ. فقالَ عمرُ: والوضوءَ أيضاً! ألم تَسْمَعُوا أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((إذا جاءَ أحدُكم إلى الجُمعةِ فليغتسلْ)). رواه مسلم (٨٤٥) (٤). [٧١٤] وعن أبي سعيد الخدريّ، أنَّ رسولَ اللهِوَّةِ قالَ: (((غُسْلُ يوم الجُمعةِ واجبٌ على كُلِّ مُحتلم، وسِوَاٌ، ويَمَسُ مِن الطِّيبِ ما قَدَرَ علیهِ)). وفي أخرى: ((ولو مِن طِيبِ المرأةِ)). رواه أحمد (٦٠/٣)، والبخاري (٢٦٦٥)، ومسلم (٨٤٦) (٧)، وأبو داود (٣٤١)، والنسائي (٩٢/٢)، وابن ماجه (١٠٨٩). و (قول عمر رضي الله عنه: ((والوضوء أيضاً؟!))) إنكارٌ آخر على ترك السُّنَّة الإنكار على المؤكَّدة التي هي الغُسْل على جهة التغليظ؛ حتى لا يتهاونَ بالسُّنن، لا أنَّه كان تارك السُّنن يعتقدُ الغسلَ واجباً، ويجوزُ في ((الوضوء)) النصب والرفع. فالرفع: على أنه (مبتدأ)) و ((خبره)) محذوف، تقديره: الوضوء تقتصرُ عليه؟! والنصب: على أنه ((مفعول)) بإضمار فعل. تقديره: أتخصُّ الوضوءَ دون الغسل؟! أو ما في معنى ذلك. و (الواو) عِوَضٌ من همزة الاستفهام، كما قال تعالى: (قال فرعون: وآمنتم به)(١) في قراءة ابن كثير. و (قوله: ((ولو من طيب المرأة))) يعني بذلك: الطَّيب المباح للنِّساء المكروه تأكد التطيب الرِّجال، وهو ما ظهرَ لونُه، فأباحه هنا لعدم غيره. ويدلُّ هذا: على تأُّد التطيُّب للجمعة للجمعة . (١) الآية هي قوله تعالى: ﴿قال فرعونُ آمنتم به﴾ [الأعراف: ١٢٣]. ١ ٤٨٢ (٤) كتاب الجمعة - (١) باب: فضل الغسل للجمعة وتأكيده [٧١٥] وعن عائشةَ، قالت: كانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الجمعةَ، مِن مَنازِلهم ومِن العَوَالي، فيأتونَ في العَباء، ويُصيبهم الغُبارُ، فتخرجُ منهم الرِّيح، فأتى رسولَ الله وَّه إنسانٌ منهم وهو عندي، فقالَ رسولُ الله وَله: ((لو أنَّكم تَطَهَّرْتُم ليومِكم هذا)». رواه البخاري (٩٠٢)، ومسلم (٨٤٧)، وأبو داود (٣٥٢)، والنسائي (٩٣/٣ - ٩٤). و (قول عائشة رضي الله عنها: كان الناسُ ينتابون) أي: يجيئون. على مَن تجب والانتياب: المجيء نُوَباً. والاسم: النَّوب. وأصله: ما كان من قربٍ، كالفرسخ الجمعة لمن كان خارج المصر؟ والفرسخين. و (الكفاة) جمع: كافٍ، أي: عبيد وخدم يكفونهم العمل. و (العباء) جمع: عباءةٍ. وهو: كساء غليظ. وقد تقدم: أنَّ أقربَ العوالي من المدينة على ثلاثة أميالٍ أو نحوها. وهذا ردٌّ على الكوفيِّ الذي لا يُوجبها على مَن كان خارجَ المصر. وخالفه في ذلك الجمهورُ: مالك، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق، فقالوا: تجبُ الجمعةُ على مَن كان خارجَ المصر ممَّن يسمعُ النِّداء. غير أنَّ مالكاً حدَّه بثلاثة أميال، أخذاً بحديث عائشة هذا. وأيضاً فإنَّ هذا المقدارَ يُسْمَعُ منه النداءُ من المؤذِّن الصَّيِّت في الوقت الهادىء غالباً. واختلفَ أصحابُه: هل تُعتبرُ الثلاثةُ الأميال من طرف المدينة، أو من المنار؟. ولا خلافَ أنَّها تجبُ على أهل المصر، وإن عَظُمَ وزادَ على سَّة أميالٍ. إلَّا شيئاً رُوي عن ربيعة: أنَّ الجمعةَ إنما تجبُ على مَن إذا سمعَ النِّداء وخرج ماشياً أدرك الصَّلاة. وروي عن جماعةٍ: أنها تجب على مَن آواه الليل إلى أهله(١)، فيجيء(٢) على هذا: أنها تجبُ على مَن يكونُ على نصف بومٍ. وهو مذهبُ (١) قوله (إلى أهله) من (هـ). (٢) في (ع) و (هـ): فيجب، وما أثبتناه من (ظ). ٤٨٣ (٤) كتاب الجمعة - (١) باب: فضل الغسل للجمعة وتأكيده [٧١٦] وعنها، قالت: كانَ النَّاسُ أهلَ عَمَلِ، ولم تَكُنْ لهم كُفَاءٌ، فَكَانُوا يكونُ لهم تَفَلٌ، فقيلَ لهم: لو اغْتَسَلْتُمْ يومَ الجُمعةِ. رواه البخاري (٩٠٣)، ومسلم (٨٤٧). [٧١٧] وعن أبي هُريرةَ، عن النبيِّنَّهِ قالَ: ((حَقٌّ للهِ على كُلِّ مسلم أنْ يغتسلَ في كلِّ سبعةِ أيَّامٍ، يغسلُ رأسَه وجسدَه)). رواه مسلم (٨٤٩). الحكم، والأوزاعي، وعطاء، وأبي ثور. وذهبَ الزُّهري إلى أنَّها تجبُ على مَن هو من المصر على ستّة أميالٍ. وروي عنه وعن ابن المنكدر، وربيعة: أربعة أميال. و (قوله: (فيكون لهم تَفَل))) بالتاء باثنتين من فوق، وفتح الفاء. وهي الرَّائحةُ الكريهةُ. وفي رواية الأم: ((فيصيبهم الغبار والعرق)» وهو دليلٌ: على أنهم كانوا يُهَجِّرون. و (قوله: ((حقُّ الله على كلِّ مسلم أن يغتسلَ في كلِّ سبعة أيامٍ))) لم يُعيِّن في الغسل للجمعة الصحيح يوم هذا الغسل. وقد عيَّنه البزارُ في زيادةٍ زادها في هذا الحديث. قال: أم ليومها؟ وهو يوم الجمعة(١). وتمسّك به من قال من أهل الظاهِر: بأن الغُسْلَ ليوم الجمعة لا للجمعة. ولا حُجَّة فيه. لأنَّ الصحيحَ ليس فيه: يوم الجمعة. والمفسَّر ظاهره: أنه قولُ الراوي. والله تعالى أعلم. والصحيح: أنَّ الغسلَ للجمعة لإضافته إليها، ولأنَّ معقولَهُ: المبالغةُ في النظافة، كما فُهِم من حديث عائشة المتقدِّم. (١) رواه البزار (٦٢٤) من حديث ثوبان، كما في كشف الأستار (٣٠٠/١). ٤٨٤ (٤) كتاب الجمعة - (١) باب: فضل الغسل للجمعة وتأكيده [٧١٨] وعنه، أنَّ رسولَ الله ◌ِنَ ◌ّهِ قالَ: ((مَنِ اغتسلَ يومَ الجمعةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثم راحَ، فكأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، ومَنْ راحَ في السَّاعَةِ الثّانيةِ فكأنَّما قَرَّبَ بقرةً، ومَنْ راحَ في السَّاعِةِ الثالثة فكأنَّما قَرَّبَ كَبْشاً أقْرَنَ، ومَنْ راحَ في السَّاعَةِ الرابعةِ فكأنَّما قَرَّبَ دجاجةً، ومَنْ راحَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فكأنَّما قَرَّبَ بيضةً، فإذا خرجَ الإمامُ حَضَرتِ الملائكةُ يستمعونَ الذِّكْرَ)». و (قوله وَّ: ((من اغتسلَ يوم الجُمعة غُسْلَ الجنابة))) يعني في الصِّفة. والأغسال الشرعية كلها على صفةٍ واحدة وإن اختلفتْ أسبابُها. وهكذا روايةُ الجمهور. ووقع عند ابن ماهان: ((غسل الجمعة)) مكان ((غسل الجنابة)). وفي كتاب أبي داود من حديث أوس بن أوس مرفوعاً : - مشدَّد السين -: ((من غسَّل واغتسل)) (١) وذكر نحو حديث مسلم. وقد رُوي مُخفَّف السِّين، وروايتنا: التشديد. واختلف في معناه: فقيل: معناه: جامَعَ. يقال: غَسَل وغسَّل؛ أي: جامع. قالوا: ليكون أغضَّ لِبصره في سعيه إلى الجمعة. وقيل في التشديد: أوجبَ الغُسْل على غيره، أو حَمَله عليه. وقيل: غسَّل: للجنابة. واغتسل للجمعة، وقيل: غسَّل رأسه، واغتسل في بقية جَسَده. وقيل: غسَّل: بالغ في النظافة والدَّلْك. واغتسل: صبَّ الماء عليه. وأنسبُ ما في هذه الأقوال: قولُ مَن قال: حمل غيره على الغسل بالحث، والتّرغيب، والتّذكير. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((ثم راح))). والرَّواح في أصل اللغة: الرجوعُ بعشيٍّ، ومنه قولُ امرىء القيس : ورُخْنا كأنَّا مِنْ جُوَاثَى عَشِيَّةً نُعالي النُّعَاجَ بَيْنَ عِدْلٍ وَمِحْقَبٍ (١) رواه أبو داود (٣٤٥)، وانظر: الترغيب والترهيب رقم (١٠٢٥). ٤٨٥ (٤) كتاب الجمعة - (١) باب: فضل الغسل للجمعة وتأكيده رواه أحمد (٤٦٠/٢)، والبخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠)، وأبو داود (٣٥١)، والترمذي (٤٩٩)، والنسائي (٩٧/٣ - ٩٩)، وابن ماجه (١٠٩٢). وأول العشيُّ: زوال الشمس. وهو أوَّلُ وقتٍ أمرنا اللهُ فيه بالسَّعي إلى التبكير إلى الجمعة؛ لأنه تعالى قد قال: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْءِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ ﴾ الجمعة [الجمعة: ٩] وهذا النداءُ هو الذي يحصلُ به الإعلام بدخول الوقت، وبعده يخرجُ الإمامُ فيجلسُ على المنبر، ويؤذَّن الأذانُ الثاني، وفائدته: الإعلامُ بحضور الخطبة، وعند هذا الأذان تطوي الملائكةُ صُحُف المبكّرين، ويستمعون الذكر، كما جاء في حديث أبي هريرة، ولذلك قال العراقيُّون من أصحابنا: للجمعة أذانان: عند الزَّوال، وعند جُلُوس الإمام على المنبر. وهذه السَّاعاتُ المذكورةُ في هذا الحديث هي مراتبُ أوقات الرَّائحين إلى الجمعة، من أول وقت الزَّوال إلى أن يجلسَ الإمامُ على المنبر، ويُؤْذَّن الأذانُ الثاني، وليست عبارةً عن السَّاعات التعديليَّة التي النهار منها: اثنتي عشرة ساعةً. وهذا الذي ذكرناه هو مذهبُ مالكٍ. وخالفه في ذلك الشافعيُّ، وأكثرُ العلماء، وابنُ حبيب من أصحابنا. قالوا: هذه السَّاعاتُ المذكوراتُ في هذا الحديث هي المعروفةُ عند المعدِّلين، وعلى هذا الخلاف انبنى الخلافُ في الأفضل: هل البكُورُ إليها من أوَّل ساعات النَّهار إلى الزَّوال؟ أو الأفضل البكورُ في أول الزوال إلى أن يجلسَ الإمامُ على المنبر؟ واحتجَّ لمالكِ بثلاثة أوجه: أحدها: التمسُّك بلفظ: الرواح، كما تقدَّم. ولئن سُلِّم أنه يُقال على: المشي مطلقاً. فعلى خلاف الأصل. وهو مجاز. ولا يُعارَضَ هذا بما في حدیث الآخر من قوله: ((المهجِّر إلى الجمعة)) (١) فيقال: إنه من الهاجرة. وذلك قبل (١) رواه أحمد (٢٣٩/٢ و٢٥٩)، والنسائي (٩٨/٣) من حديث أبي هريرة. ٤٨٦ (٤) كتاب الجمعة ۔ (١) باب: فضل الغسل للجمعة وتأكيده [٧١٩] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فأحسنَ الزَّوال؛ لأنا لا نُسلِّم أنها تختصُّ بما قبل الزوال، بل بشدَّة الحرِّ. فهو صالحٌ لما قبل الزَّوال وبعده. فبيَّن لفظ الرَّواح: أنَّ المرادَ به: ما بعد الزوال. ولا يُقال: إنَّ حقيقةَ السَّاعة: العرفية، إنما هي المتعارفةُ عند المعدِّلين؛ لأنَّا نمنعُ ذلك ونقول: الساعة في بل السَّاعةُ في عُرف اللغة: القطعةُ من الزَّمان غير محدود بمقدارٍ، كما قال تعالى: عُرْف اللغة ﴿مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]. وتقولُ العرب: جئتكَ ساعة كذا. فتتعيَّن بحسب ما تُضاف إليه، وليست محدودةً. والأصلُ: التمسُّك بالأصل. وثانيها: قوله وَله: ((على كلِّ بابٍ من أبواب المسجد ملائكةٌ يكتبون الأول فالأول كالجزور، ثم نزلهم حتى صغر مثل البيضة)). وهذا السياقُ تفسيرُ الحديث الأول، فإنَّ الفاءَ للتَّرتيب وعَدم المهلة، فاقتضى هذا سبقيّة الأول، وتعقيب الثَّاني. فالأوَّل: هو الذي راحَ في السَّاعة الأولى، وهو الذي شُبِّه بمُهدي البَدَنة . والثاني: في الساعة الثانية، وهو: المُهْدي بقرة. وبعده: المُهْدي شاة. وبعده: دجاجة. وبعده: بيضة. فهذه الخمسُ المراتب هي: من أوَّل السَّاعة السابعة إلى أن يجلسَ الإمامُ على المنبر. فهي ساعاتُ الدخول للجمعة، لا ساعاتُ النهار، والله أعلم. وثالثها: عمل أهل المدينة المتَّصل [- وقد جاء في سنن النسائي ما ينصُّ على هذا المعنى -](١) بترك البكور للجمعة في أول النهار، وسعيهم إليها قُرْبَ (٢) خطبتها وصلاتها، وهو نَقْلٌ مَعلومٌ عندهم، غير منكرٍ، وما كان أهلُ عصر النبيِّ وَّه والتابعين من بعدهم ممن يترك الأفضل إلى غيره، ويتمالؤون على العمل بأقلِّ الدَّرجات. (١) ما بين حاصرتين سقط من (هـ) واستدرك من (ع) و (ظ). (٢) في (هـ): قبل. ٤٨٧ (٤) كتاب الجمعة - (١) باب: فضل الغسل للجمعة وتأكيده الوُضوءَ، ثم أتى الجمعةَ فاستمعَ وأنصتَ، غُفِرَ له ما بينَه وبينَ الجمعةِ، وزيادةَ ثلاثةِ أَيَّامِ، ومَنْ مَسَّ الحَصَى فقد لغَا)). ورابعها: إنَّا لو تنزلنا على أنَّ السَّاعات في الحديث هي التعديلية للزم عليه انقضاء فضائل المبكّرين للجمعة بانقضاء الخامسة، ولا يبقى لأهل السَّادسة فَضْل، فيلزم طيُّ الصُّحف إذ ذاك، وهو خلافُ الحديث. وبيانُ ذلك: أنَّ البدنةَ لأهل السّاعة الأولى إلى أن تنقضي، والبقرة لأهل الساعة الثانية إلى انقضائها، والشَّاة لأهل الثالثة إلى انقضائها، والدَّجاجة لأهل الرابعة، والبيضة لأهل الخامسة، وقد فرغت ساعاتُ البكور، ولم يبق لأهل السَّادسة ثوابٌ في سعيهم، وهذا مناقضٌ للحديث الذي ذكرناه ولِمَعْناه، فإنه أخبر فيه: أنَّ أجورَهم لا تزالُ تكتب إلى أن يخرجَ الإمام. وهو إنما يخرجُ في السَّابعة، وحينئذٍ تطوي الملائكةُ الصُّحف، وتستمعُ الذكر، فلا تكتبُ للداخل إذ ذاكَ ثوابَ البكور؛ إذ قد فرغتْ مراتبُ ثوابٍ المبكّرين، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام))) زيادة الثلاثة لتكملَ عشرة أيامٍ بالتضعيف؛ حتى تكونَ الحسنةُ بعشر أمثالها، كما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. و (قوله: ((ومن مسَّ الحصى فقد لغا))) أي: قد أتى لَغْواً من الفِعْل أو القول. قال الهروي: تكلم بما لا يجوزُ له. وقيل: لَغَا عن الصَّواب: أي: مال عنه. وقال النضر بن شُمَيْل: خاب. ألغيته: خيَّته. قال ابن عرفة: اللغو: الشَّيءُ المسقط. أي: الملغى. يقال: لغا، يلغو، ولَغِيَ، يَلْغَی. وجوب الإقبال وفي هذا الحديث ما يدلُّ على: وجوب الإقبال على استماع الخطبة، على استماع والتجرُّد لذلك، والإعراض عن كلِّ ما يُشْغِلُ عنها. ولذلك قال وَّ في الحديث الخطبة ٤٨٨ (٤) كتاب الجمعة - (١) باب: فضل الغسل للجمعة وتأكيده رواه أحمد (٣٨٠/٢)، ومسلم (٨٥٧)، (٢٧)، وأبو داود (١٠٥٠)، والترمذي (٤٩٨)، وابن ماجه (١٠٩٠). * الآخر: ((من قال لصاحبه: أنصتْ - يوم الجمعة والإمامُ يخطب - فقد لغا))(١). وهو حُجَّةٌ على وجوب الإنصات للخطبة على مَن كان مستمعاً. وهو مذهبُ الجمهور. وذكر عن الشَّعبيِّ والنخعيّ وبعض السلف: أنه ليس بواجبٍ إلا عند تِلاوة القرآن. وهذه الأحاديثُ حُجَّةٌ عليهم. واختلفَ الجمهورُ فيمن لا يسمع الخطبةَ هل يلزمه الإنصات أو لا؟ فأكثرهم: على أنَّ ذلك لازمٌ. وقال أحمد والشَّافعي في أحد قوليه: إنما يلزمُ من يسمع. ونحوه عن النَّخعي. فلو لغا الإمامُ هل يلزمُ الإنصاتُ أم لا؟ قولان لأهل العلم ولمالك. و (قوله: ((والإمامُ يخطب))) حُجَّةٌ لعامة العلماء: على أنَّه إنما يجبُ الإنصاتُ عند شروع الإمام في الخطبة. وذهبَ أبو حنيفة: إلى أنَّ الإنصاتَ يجبُ بخروج الإمام. والبدنةُ: ما يُهدى إلى الكعبة من الإبل؛ لأنها تَبْدُن؛ أي: تَسْمَن. والبدانة: السِّمن، وعِظَم البدن. وتفريقه بين البدنة والبقرة يدلُّ على: أنَّ البقر لا يقال عليها: بُدْن: وهو مذهبُ عطاء. ومالك يرى: أنَّ البقر من البُدْن. وفائدةُ هذا الخلاف فيمن نذر بدنة؛ أو وجبت عليه فلم يجد البدنة، أو لم يقدر عليها؛ وقدر على البقرة؛ فهل تجزئه أم لا؟ فعلى مذهب عطاء: لا. وعلى مذهب مالك: نعم. وظاهرُ هذا الحديث يدلُّ: على أنَّ الأفضلَ في الهدايا الإبل، ثمَّ البقر، ثمَّ الغنم. وهذا الترتيبُ لا خلافَ فيه في الهدايا، وإنما اختلفوا في ترتيب الأفضل في الضحايا. فذهب الجمهورُ: إلى أنَّ الضحايا مثلُ الهدايا. وذهب مالكٌ: إلى أنَّ (١) رواه أبو داود (١٠٥١). ٤٨٩ (٤) كتاب الجمعة - (٢) باب: فضل يوم الجمعة، والساعة التي فيه (٢) باب فضل يوم الجمعة، والساعة التي فيه [٧٢٠] عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((خَيْرُ يومٍ طَلَعتْ عليه الشمسُ يومُ الجمعةِ؛ فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه أدخِلَ الجَنَّةَ، وفيّه أُخْرِجَ منها، ولا تقومُ السَّاعةُ إلا في يومِ الجُمعة)). الغنم أفضل، ثمَّ البقر، ثم الإبل، نظراً إلى طيب لحومها، وإلى أن النبيَّ لاَله ضحَى بالغنم دائماً. وإطلاق اسم الهدي على الدجاجة والبيضة مجاز، قُصِد به تمثيلُ مقدار أجر المبكّرين للجمعة؛ لأنَّ الهدي إنما هو من النَّعم، كما قال تعالى: ﴿ فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا بَلِغَ الْكُمْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وإنما أطلق اسم الهَذي على هذين لمقابلته ما يُهدى من الإبل، والبقر، والغنم. وقد جاء في الرِّواية الأخرى: قرَّب، مكان: أهدى. وهو لفظٍ ينطلقُ على الهدي وغيره. (٢) ومن باب: فضل يوم الجمعة (قوله: ((خيرُ يومٍ طلعتْ فيه الشمسُ يوم الجمعة))) خيرٌ وشرٍّ: يُستعملان للمفاضلة ولغيرها. فإذا كانتا للمفاضلة؛ فأصلها: ((أخير)) و((أشرُ)) على وزن أفعل. وقد نطق بأصلها، فجاء عنه وَلغير أنه قال: ((توافون يوم القيامة سبعين أمةً أنتم أخيرُهم)»(١). ثم أفعل: إن قُرِنتْ بـ ((من)) كانت نكرةً، ويستوي فيها المذكّر والمؤنث، والواحد والاثنان، والجمع. وإن لم تُقرن بها: لزم تعريفها بالإضافة، أو بالألف واللام. فإذا عرف بالألف واللام أَنّث وثُنِّيَ وجمع. وإن أضيف ساغَ فيه الأمران، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِ كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]، وقال: ﴿وَلَنَجِدَتَّهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْقٍ﴾ [البقرة: ٩٦]. وأما (١) رواه الدارمي (٣١٣/٢) وفيه: (( ... أنتم آخرها)) من حديث أبي هريرة. ٤٩٠ (٤) كتاب الجمعة - (٢) باب: فضل يوم الجمعة، والساعة التي فيه رواه أحمد (٤٠١/٢ و٤٨٦)، ومسلم (٨٥٤) (١٨)، وأبو داود (١٠٤٦)، والترمذي (٤٨٨ و٤٩١)، والنسائي (٨٩/٣ - ٩٠). - إذا لم يكونا للمفاضلة. فهما من جملة الأسماء، كما قال تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وقال: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًاً كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] وهي في هذا الحديث للمفاضلة، غير أنها مضافةٌ لنكرةٍ موصوفة، ومعناها في هذا الحديث: أنَّ يومَ الجمعة أفضلُ من كلِّ يوم طلعت شمسه خصائص فضل يوم الجمعة ثمَّ كون الجمعة أفضلُ الأيام لا يرجع ذلك إلى عَيْن اليوم؛ لأن الأيام متساويةٌ في أنفسها، وإنما يفضلُ بعضُها بعضاً بما به من أمرٍ زائدٍ على نفسه، ويوم الجمعة قد خُصَّ من جنس العبادات بهذه الصلاة المعهودة التي يجتمعُ لها النَّاس، وتتفقُ هممُهم ودواعيهم، ودعواتهم فيها، ويكون حالُهم فيها كحالهم في يوم عرفة، فيستجابُ لبعضهم في بعضٍ، ويُغْفَرُ لبعضهم ببعضٍ، ولذلك قال ◌ِّ: (الجمعةُ حجُّ المساكين))(١) أي: يحصل لهم فيها ما يحصل لأهل عَرَفة. واللهُ أعلم. ثم إنَّ الملائكة يشهدونهم، ويكتبون ثوابهم. ولذلك سُمِّي هذا اليوم: المشهود. ثم تخطرُ فيه لقلوب العارفين من الألطاف والزِّيادات بحسب ما يدر كونه من ذلك، ولذلك سُمِّي: بيوم المزيد. ثمّ إنَّ الله تعالى قد خصَّه بالسّاعة التي فيه على ما يأتي ذِكْرُها. ثمّ إنَّ اللهَ تعالى قد خصَّه بأن أوقع فيه هذه الأمورَ العظيمة التي هي: خَلْق آدم، الذي هو أَصْلُ البشر، ومِن وَلَده الأنبياء، والأولياء، والصَّالحون. ومنها: إخراجُه من الجنَّة؛ التي حصل عنده إظهارُ معرفة الله وعبادته في هذا النَّوعِ الآدمي. ومنها: توبةُ الله عليه التي بها ظهرَ لُطفه تعالى ورحمته لهذا النوع الآدمي مع احترامه(٢) ومخالفته. ومنها: موته الذي بعده وفي أجره، ووصل (١) ذكره في كشف الخفاء (١٠٧٦) وقال: رواه القضاعي عن ابن عباس، وفي سنده مقاتل : ضعيف. (٢) ((اجترم)): كسب، واجترم الذنب: ارتكبه. ٤٩١ (٤) كتاب الجمعة - (٢) باب: فضل يوم الجمعة، والساعة التي فيه [٧٢١] وعنه، قالَ: قَالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((نحنُ الْآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يومَ القِيامةِ، ونحنُ أَوَّلُ مَنْ يدخلُ الجنةَ، بَيْدَ أنهم أُوتوا الكِتَابَ مِن قَبْلِنَا، وأُوتيناه من بعدِهم فاختلفُوا فيه، فهدَانا اللهُ لما اختَلِفُوا فيهِ مِنَ الحَقِّ، فهذا إلى مأمنه، ورجع إلى المستقر الذي خرج منه. ومن فهم(١) هذه المعاني فهِمَ فضيلةَ هذا اليوم، وخصوصيته بذلك، فحافظ عليه، وبادرَ إليه. و (قوله وَظاهر: ((نحن الآخرون الأولون))) قد فسَّرته الروايةُ الأخرى التي قال فيها: ((نحن الآخرون من أهل الدُّنيا، والأولون يوم القيامة المقضيُّ لهم قبل الخلائق، وأول من يدخل الجنة)) وهنا كلُّه شرفٌ لهذه الأُمَّةِ بشرف نبيِّها، ولأنهم خير أمةٍ أُخرجت للناسِ. و (قوله: ((بَيْدَ أنهم أوتوا الكتابَ من قبلنا))) هكذا رَوَيْنا هذا الحرف ((بَيْدَ» بفتح الباء، وسكون الياء، وفتح الدَّال. قال أبو عبيد: تكون ((بيد)) بمعنى: غير. وبمعنى: على. وبمعنى: من أجل. وأنشد: عَمْداً فعَلتُ ذاكَ بَيْدَ أَنِّي أَخافُ(٢) إِنْ هَلَكْتُ لَمْ تَرِنِّي(٣) قال الليث: ويقال: مَيْدَ وبَيْدَ. بالياء والميم، بمعنى: غير. قلتُ: ونصبه إذا كان بمعنى: غير، على الاستثناء، ويمكنُ أن يقال: إنَّه بمعنى: مع، ويكون نصبُه على الظرف الزَّماني. و((أوتوا الكتاب)): أُعْطُوه. و ((الكتاب)): التوراة. ويُحتملُ أن يريدَ به: التوراة والإنجيل؛ بدليل: أنه قد ذكر بعد هذا: اليهود والنصارى. و (قوله: ((فاختلفوا))) يعني: في يوم الجمعة. وقد اختلف العلماءُ في كيفية (١) في (ظ): جمع. (٢) في اللسان: إخال. (٣) ((الرَّنَّةُ»: الصيحة الحزينة. ٤٩٢ (٤) كتاب الجمعة - (٢) باب: فضل يوم الجمعة، والساعة التي فيه يومُهم الذي اختلفُوا فيه، هدَانا الله له - قالَ: يوم الجمعة - فاليومَ لنَا، وغداً لليهودِ، وبعدَ غدٍ للنَّصارَىْ)). اختلاف اليهود ما وقع لهم من فريضةِ يوم الجمعة: فقالت طائفةٌ: إنَّ موسى أَمَرهم بيوم الجمعة، والنصارى في وعيَّنه لهم، وأخبرهم بفضيلته على غيره، فناظروه: أنَّ السبتَ أفضل. فقال الله له: دعهم وما اختاروا لأنفسهم. ونقلوا هذا القولَ. ويُؤيِّد هذا: قول نبينا ◌َّ في تحدید یومهم بعض طرق هذا الحديث: ((وهذا يومُهم الذي فُرِض عليهم، ثم اختلفوا فيه)) (١). وقيل: إن الله لم يعينه لهم، وإنما أمرهم بتعظيم يوم في الجمعة، فاختلف اجتهادُهم في تعيينه، فعينت اليهود السبت؛ لأنَّ اللهَ فَرَعَ فيه من الخَلْقِ. وعينتِ التَّصارى يوم الأحد؛ لأن الله تعالى بدأ فيه الخَلْق. فألزم كلّ واحدٍ منهم ما أدّاه فضل الله تعالى إليه اجتهادُه. وعيَّنه الله لهذه الأمة من غير أن يَكِلَّهُم إلى اجتهادهم؛ فضلاً منه بتعيين يوم ونعمة. ويدلُّ على صحة هذا قوله وَّهِ: ((فهذا يومُهم الذي اختلفوا فيه)) أي: في الجمعة تعيينه. ((هدانا اللهُ له)) أي: بتعيينه لنا، لا باجتهادنا. وممَّا يؤيِّده: أنه لو عُيِّن لهم فعاندوا فيه لما قيل: ((اختلفوا فيه)). وإنما كان ينبغي أن يقال: فخالفوا فيه، وعاندوا. وممّا يؤيده أيضاً: قوله في الأمّ في بعض طرقه: ((أضلَّ اللهُ عن الجمعة من کان قبلنا)»(٢). و (قوله: ((فاليوم لنا، وغداً لليهود، وبعد غدٍ للنصارى))) أي: بعد إلزام المشروعية بالتعيين لنا، وبالاختيار لهم. وحقّ ((غد)) و ((بعد)) أن يكونا مرفوعين على المبتدأ، وخبراهما في المجرورين بعدهما. وقد [قيّدهما كذلك بعضُ من نعتمده. و](٣) قيدناهما أيضاً بالنصب بناءً على أنهما ظرفان غير متمكنين. والأول أولى؛ لأنهما قد أخبر عنهما هنا، فقد خرجا عن الظّرفية، وقد جاء في روايةٍ: (١) انظر: صحيح مسلم رقم (٢١/٨٥٥). (٢) انظر: صحيح مسلم رقم (٨٥٦/ ٢٢). (٣) ما بين حاصرتين سقط من (ع)، واستدرك من (هـ) و (ظ). ٤٩٣ (٤) كتاب الجمعة - (٢) باب: فضل يوم الجمعة، والساعة التي فيه وفي روايةٍ: ((وهذا يومُهم الذي فرضَ الله عليهم، فاخْتَلِفُوا فيه، فَهَدانا الله له، فهُم لَنا فيه تَبَعِّ، فاليهودُ غداً والنَّصَارى بعدَ غَدٍ)). رواه أحمد (٢٧٤/٢)، والبخاري (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥) (١٩)، والنسائي (٨٥/٣ و ٨٧). [٧٢٢] ومن حديث حُذيفة نحوُه، قالَ: ((نحنُ الآخِرُون مِنْ أَهلِ الذُّنيَا، والأَّوَّلُونَ يومَ القيامةِ، المَقْضِيُّ لهم قبلَ الخَلائقِ». وفي رواية: ((المَقْضِيُّ بينَهم)). رواه مسلم (٨٥٦) (٢٢)، والنسائي (٨٧/٣). [٧٢٣] وعن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ أبو القاسم وَّهِ: ((إنَّ في الجُمعةِ لَساعةً، لا يُوافقها عَبْدٌ مسلمٌ قائمٌ يُصلِّي يسألُ اللهَ خيراً إلا أعطَاه إِيَّاه)) وقال بيدِهِ يُقَلِّلُها، يُزَهِّدَها. ((فاليهود غداً والنصارى بعد غدٍ)) وضمّ إلى ذلك: أنَّ ظروفَ الزمان لا تكون أخباراً عن الجثث(١). و (قوله: ((إنَّ في الجمعة ساعةً))) اختلفَ في تعيينها: فذهبتْ طائفةٌ من تعيين ساعة السلف: إلى أنها من بعد العصر إلى الغروب. وقالوا: إنَّ معنى قوله وَلتِ: ((وهو الإجابة في يوم الجمعة قائمٌ يصلي)). أنه بمعنى: ملازم، ومواظبٌ على الدُّعاء. وذهب آخرون: [إلى أنها فيما بين خروج الإمام إلى أن تُقضى الصَّلاة، كما في حديث أبي موسى. وذهب (١) أي: الأشخاص. ٤٩٤ (٤) كتاب الجمعة - (٢) باب: فضل يوم الجمعة، والساعة التي فيه وفي رواية، قال: ((وهي ساعةٌ خَفِيفَةٌ)). رواه أحمد (٤٠١/٢)، والبخاري (٩٣٥)، ومسلم (٨٥٢) (١٣ و ١٤ و١٥)، والنسائي (١١٥/٣ -١١٦)، وابن ماجه (١١٣٧). [٧٢٤] وعن أبي بُرْدَةَ بن أبي موسى الأُشْعرِيِّ، قالَ: قال لي عبدُ الله بنُ عمرَ: أَسَمِعْتَ أباكَ يُحدِّثُ عن رسولِ اللهَِّ فِي شأنِ سَاعةِ الجُمعةِ؟ قالَ: قلتُ: نعم، سمعتُهُ يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِوَّهِ يقولُ: ((هي ما بينَ أنْ يجلسَ الإمامُ إلى أن تُقْضَى الصَّلاةُ)). رواه مسلم (٨٥٣)، وأبو داود (١٠٤٩). آخرون](١): إلى أنها وقت الصَّلاة نفسها. وقيل: من وقت الزَّوال إلى نحو الذُّراع. وقيل: مِن طلوع الفجر إلى طلوع الشَّمس. وقيل: هي مخفيةٌ في اليوم كلِّه، كَلَيْلة القَدْر. قلتُ: وحديثُ أبي موسى نصٌّ في موضع الخلاف، فلا يُلتفتُ إلى غيره. والله أعلم. و (قوله: ((وهي ساعةٌ خفيفة))) أي: قصيرةٌ غيرُ طويلةٍ، كما قال في الرِّواية الأخرى: يُزَهِّدها: أي: يُقلِّلها. وهذا يدلُّ: على أنها ليستْ من بعد العصر إلى غروب الشمس؛ لطولِ هذا الوقت. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٤٩٥ (٤) كتاب الجمعة - (٣) باب: فضل التهجير للجمعة ووقتها (٣) باب فضل التهجير للجمعة ووقتها [٧٢٥] عن أبي هريرة، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إذا كانَ يومُ الجُمعةِ كانَ على كلِّ بابٍ من أبوابِ المسجدِ ملائكةٌ يكتبونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فإذا جلسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ وجَاؤُوا يستمعونَ الذِّكْرَ، ومَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الذي يُهْدِي بَدَنَةً، ثم كالذي يُهْدِي بَقَرَةً، ثمَّ كالذي يُهدِي الكَبْشَ، ثمَّ كالذِي يُهدي الدَّجَاجَةَ، ثمَّ كالذي يُهدي البيضةَ)). رواه أحمد (٢٣٩/٢ و٢٦٤)، والبخاري (٩٢٩)، ومسلم (٨٥٠) (٢٤). [٧٢٦] وعن سَلَمَةَ بن الأَكْوَع؛ قالَ: كَّا نُجَمِّعُ معَ رسولِ اللهِ وَّل إذَا زَالتِ الشَّمسُ، ثم نَرْجِعُ نَتَبَّعُ الفَيءَ. رواه مسلم (٨٦٠)، وأبو داود (١٠٨٥). (٣) ومن باب: فضل التَّهجير للجمعة قد تقدَّم الكلامُ على التَّهجير، وعلى كثير مما تضمَّنه حديثُ أبي هريرة. و (قوله: كَنَّا نُجمِّع مع رسول الله وَ ﴿ إذا زالتِ الشَّمس) دليلٌ للجمهور على أحمد بن حنبل وإسحاق؛ إذ قالا: إنَّه يجوزُ أن تُصلَّى الجمعةُ قبل الزوال. وهذا الحديثُ مُبيِّن للأحاديث التي بعده، ولا متمسّك لأحمد وإسحاق في شيءٍ منها مع هذا النص؛ فإنها كلّها محتملة، وهو القاضي عليها المبيِّنُ لها. ٤٩٦ (٤) كتاب الجمعة - (٣) باب: فضل التهجير للجمعة ووقتها [٧٢٧] وعنه، قالَ: كَّا نُصلِّي معَ رسولِ اللهِوَّهِ الجمعةَ، ثم نَرْجِعُ وما نَجِدُ للحيطان فَيْئاَ نَسْتَظِلُّ بِهِ. رواه أحمد (٤٦/٤ ٥٤)، والبخاري (٤١٦٨)، ومسلم (٨٦٠) (٣٢)، والنسائي (١٠٠/٣)، وابن ماجه (١١٠٠). [٧٢٨] وعن جعفر بن محمّد، عن أبيهِ، أنَّه سألَ جابرَ بن عبدِ الله : متَى كانَ رسولُ اللهِوَّهِ يُصلِّي الجمعةَ؟ قالَ: كانَ يُصلِّي، ثم نذهبُ إلى جِمَالِنا فَتُرِيحُها. وفي روايةٍ: نَوَاضِحِنَا. قال حسنُ بنُ عَيَّشٍ فقلت لجعفرٍ: في أيِّ ساعةٍ تلكَ؟ قالَ: زوالَ الشَّمس. رواه أحمد (٣٣١/٣)، ومسلم (٨٥٨) (٢٨ و٢٩)، والنسائي (١٠٠/٣). و (قوله: فنرجع وما نجدُ للحيطان فيئاً نستظلُّ به) يعني: أنه كان يفرغُ من صلاة الجمعة قبل تمكُّن الفيء من أن يُستظلَّ به، كما قال: ((ثم نرجعُ نتتبع الفيء))، وهذا يدلُّ على إيقاعه وَ لَ﴿ الجمعةً(١) في أول الزَّوال. و ((النَّواضح)) الإبل؛ أي: التي يُستقى عليها. و((نريحها)) أي: نروحها لتستريح. قال القاضي أبو الفَضْل: لا خلافَ بين فُقَهاء الأمصار: أنَّ الجمعة لا تُصلَّى إلا بعد الزَّوال، إلَّا أحمد وإسحاق، وروي من هذا عن الصَّحابة أشياء لم تصحّ عنهم، إلا ما عليه الجمهور، وقد رُوي عن مجاهد: أنَّها صلاةُ عید. (١) في (هـ): إياها. ٤٩٧ (٤) كتاب الجمعة - (٤) باب: الإنصات للجمعة وفضله (٤) باب الإنصات للخطبة وفضله [٧٢٩] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ◌َّه قالَ: ((إذا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يومَ الجمعة، والإمامُ يَخْطُبُ، فقد لَغَوْتَ)). وفي روايةٍ: لَغَيْتَ، وهي لغة أبي هريرةَ. رواه أحمد (٢٧٢/٢ و٣٩٦)، والبخاري (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١) (١١ و١٢)، وأبو داود (١١١٢)، والترمذي (٥١٢)، والنسائي (١٠٣/٣ - ١٠٤)، وابن ماجه (١١١٠). [٧٣٠] وعنه، قالَ عن النبيِّوَّ قالَ: ((مَنِ اغتسلَ ثم أَتَى الجمعةَ فصَلَّى ما قُدِرَ له، ثم أَنْصَت حتَّى يَفْرُغَ من خُطبِه، ثمَّ يُصلِّي الجمعةَ، غُفِرَ له ما بينَه وبينَ الجُمعةِ الأُخرى. وفضلَ ثلاثةِ أَيَّامٍ». زاد في روايةٍ: ((ومن مَسَّ الحَصَى فقد لَغا)). رواه مسلم (٨٥٧) (٢٦ و ٢٧). قلتُ: ويلزم على هذا ألّا تنوبَ عن ظهر يوم الجمعة، كظهر يوم العيد. والله أعلم. ٤٩٨ (٤) كتاب الجمعة - (٥) باب: الخطبة، والقيام لها (٥) باب الخطبة، والقيام لها، والجلوس بين الخطبتين، والإشارة بالید [٧٣١] عن جابر بن عبد الله، أنَّ النبيَّ ◌َ كان يَخْطُبُ قائماً يومَ (٥) ومن باب: الخُطْبة والقِيام لها (١) (قوله: كان رسولُ اللهِّهِ يخطبُ قائماً) هكذا سُنَّهُ الخطبة ليكونَ أبلغَ في الإسماع، كالمؤذِّن [عند الجمهور](٢) إلا أن تدعوه حاجةٌ من ضَعْف أو غيره. وقد حُكي عن أبي حنيفة: أنه لا يرى القيامَ لها مشروعاً. حكاه ابنُ القصَّار، بل هو عنده مُباح. ثم اختلف (٣) في مشروعيته؛ هل هو شَرْطٌ في صحَّة الخطبة والجمعة أم لا؟ فذهب الشافعيُّ إلى أنه شرطٌ إلا مع العذر، ومذهبنا: أنه ليس من شُروط الصِّحة للخطبة ولا للجمعة، ومَن تَرَكه أساء ولا شيءَ عليه. وقد روي: أنَّ أولَ من خَطَب جالساً معاوية لما ثَقُل. واختلف في الخُطْبة: هل هي شرطٌ في صحَّة الجمعة أم لا؟. فكافةُ العلماء على أنَّها شَرْط، وشدَّ الحسن، فرأى: أنَّ الصلاةَ تُجزىء دونها، وتابعه أهلُ الظَّاهر في هذا، وحكاه ابنُ الماجشون عن مالك، ثم اختلف هؤلاء: هل هي فرضٌ أو سُنَّة؟ واضطربتِ الرواياتُ عن أصحابنا في ذلك، ثم الخُطْبَة شرطٌ في صحة الجمعة (١) ورد قبل هذا الباب بابٌ عنوانه: ((الإنصات للخطبة وفضله))، ومرَّ شرحُه في الباب الأول رقم الحديث (١٠١٩). (٢) ساقط من (ع) واستدرك من (ظ) و (هـ). (٣) في (ع): اختلفوا. ٤٩٩ (٤) کتاب الجمعة - (٥) باب: الخطبة، والقيام لها الجمعةِ، فجاءتْ عِيرٌ من الشَّام، فانْفَتَلَ النَّاسُ إليها، حتَّى لم يبقَ إلا اثنا عشرَ رَجُلاً - وفي روايةٍ: فيهم أبو بكر وعمرُ - فأُنزِلَتْ هذه الآيةُ: اختلفوا في الخطبة المشروعة: فذهب مالكٌ وجمهورُ العلماء إلى: أنه لا يُجْزِىء في الخُطْبة إلا ما وقعَ عليه اسمُ الخطبة عند العرب، وأبو حنيفة. وأبو يوسف ذَهَبا إلى: أنه يُجزىء من ذلك تحميدةٌ، أو تهليلة، أو تسبيحة. وحكاه ابنُ عبد الحكم عن مالك. و «العير)): الإبلُ التي تحملُ الأطعمةَ والتِّجارة، وهي المسمّاةُ في الرواية الأخرى: سويقة. وهي تصغير سوق. و (قوله: ((فانفتل الناسُ إليها حتى لم يبقَ إلا اثنا عشر رجلاً))) فيه ردٌّ على الاختلاف في من يقول: إنَّ الجمعةَ لا تُقام إلا على أربعين فصاعداً، وحُكي ذلك عن الشافعي، ١ العدد المشروط لوجوب وقد تمسَّك بهذا الحديث طائفةٌ من أهل العلم على أنَّ أقلَّ ما تنعقد به الجمعةُ اثنا عشر، ولا حُجَّة فيه على ذلك؛ لأنَّه ◌ِوَهَ إِنَّما عَقَدَها، وشرَع فيها بأكثر من هذا(١) الجمعة العدد، ثم عرض لهم أن تفرَّقوا، ولم يبقَ منهم غيرُ ذلك العدد. وقد رُوي في بعض روايات هذا الحديث: أنه بقي معه أربعون رجلاً، والأولُ أصحُ، وأشهر. وعلى الجملة: فقد اختلف العلماءُ في العدد المشروط في وجوب الجمعة، وفي العدد الذي تصحّ ببقائهم إذا تفرقوا عن الإمام بعد شروعه فيها على أقوال كثيرة، فلنرسم فيه مسألتين: المسألة الأولى: اختلف هل يُشترطُ في وجوب الجمعة عَدَد؟ فذهب الجمهورُ من الصَّحابة والتَّابعين والفقهاء: إلى اشتراطه. وذهب داود: إلى أنه لا يُشترطُ ذلك في وُجُوبها، وتلزم المنفرد، وهي ظهرُ ذلك اليوم عنده لكلِّ أحد. قال القاضي عياض: وهو خلافُ الإجماع. واختلف المشترطون: هل هو مختصُّ (١) من (هـ). ٥٠٠ (٤) كتاب الجمعة - (٥) باب: الخطبة، والقيام لها بعددٍ محصور أم لا؟ فَعَدَمُ الحصر هو مذهبُ مالك، فإنه لم يشترطْ في ذلك حدّاً محدوداً، وإنما قال: يكونون بحيث يمكنهم الثَّواء في بلدهم، وتتقرَّى(١) بهم قرية. وفشَّره بعضُ أصحابنا: بنصب الأسواق فيها، حكاه عِياض. والمشترطون للعدد اختلفوا، فمن قائل: مئتان، ومن قال: خمسون، قاله عمرُ بن عبد العزيز. ومن قائل: أربعون، قاله الشَّافعي، ومِن قائل: ثلاثون بيتاً. قاله مطرف، وعبد الملك عن مالك. ومِن قائل: اثنا عشر. ومن قائل: أربعة، قاله أبو حنيفة، لكن إذا كانوا في مصر. وقال غيره: ثلاثة. وقيل: واحد مع الإمام. وهذه أقوالٌ متكافئة، وليس على شيءٍ منها دليلٌ، فالأصلُ ما صار إليه مالك من عدم التَّحديد، والتمسُّك بفعل النَّبِي وَّه، والعمل المتَّصل في ذلك؛ فإنهم كانوا يُجمِّعون في الأمصار الكِبار، والقُرى الصِّغار. کجواثا وغيرها. وأما المسألة الثانية: فقد اختلفوا فيما إذا كملَ ما تنعقدُ به الجمعة، ثم تفرَّقوا عن الإمام؛ فقيل: إنها تجزىء وإن بقي وحده. قاله أبو ثور، وحُكي عن الشافعي، وقيل: إذا بقي معه اثنان، وهو قولُ الثوري، والشَّافعي. وقيل: إذا بقي معه اثنا عشر رجلاً، تمشُّكاً بهذا الحديث. وحكاه أبو يعلى العبدي عن أصحاب مالك، وبه قال إسحاق. ثم اختلفوا في الحال التي يتفرَّقُون عنها؛ فقال أبو حنيفة: إن عَقَدَ بهم ركعةً وسجدة ثم تفرَّقوا عنه أجزأه أن يُتُمَّها جمعة، وإن كان قبل ذلك استقبل ظهراً. وقال مالك والمزني: إنْ صلَّى بهم ركعةً بسجدتيها أتمَّها جمعة، وإلا لم تجزه. وقال زفر: متى تفرَّقوا قبل الجلوس للتشهُّد لم تصحّ جمعة، وإن جلسَ وتفرقوا عنه قبل السَّلام صحَّت. وقال ابنُ القاسم وسحنون: إن تفرَّقوا عنه قبل سلامه لم تجزئ الجمعة. وللشافعي قولٌ ثالث: إنها لا تجزئه حتى يبقى معه (١) ((تتقرَّى)): تقوم وتستغني.