Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ (٣) كتاب الصلاة - (٦٢) باب: إتيان الصلاة بالسكينة [٤٨٩] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا تُوِّبَ بالصَّلاةِ فلا يَسْعَ إلَيْها أحدُكم، ولكِنْ ليمشٍ وعليه السَّكِينَةُ والوَقَارُ، صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ واقْضٍ ما سَبَقكَ)). رواه أحمد (٤٦٠/٢)، ومسلم (٦٠٢) (١٥٤). [٤٩٠] وعن أبي قَتَادةَ، قالَ: بينما نحنُ نُصَلِّي مِعَ رسولِ اللهِ وَّهِ، فسمعَ جَلَبَةً، فقالَ: ((مَا شأنكم؟)) قَالُوا: استعجلْنَا إلى الصَّلاةِ. قالَ: (فلا تفعلُوا. إذا أتيتُم الصَّلاةَ فعليكُم السَّكينةُ فمَا أدركتُم فصَلُّوا، وما سبقگُم فأتُّوا)). رواه أحمد (٣١٠/٥)، والبخاري (٦٣٥)، ومسلم (٦٠٣). [٤٩١] وعنه، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذَا أُقيمتِ الصَّلاةُ فلا تَقُومُوا حتی تَرَوْنِي». هذا الخلاف خلاف، فيما يدركه الداخل؛ هل هو أول صلاته؟ أو آخرها؟ على ثلاثة أقوال : أحدها: أنه أول صلاته، وأنه يكونُ بانياً عليه في الأفعال والأقوال. وإليه صار جمهورُ السَّلف، والعلماء، الشافعي وغيره. وثانيها: أنه آخرُ صلاته، وأنه يكون قاضياً في الأقوال والأفعال. وهو مذهب أبي حنيفة. قال أبو محمد عبد الوهاب: وهو مشهورُ مذهب مالك. وثالثها: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فيبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال، فيقضيها، وكأنَّ هذا جمع بين الخبرين. وهذه الأقوال الثلاثة مرويةٌ عن مالك وأصحابه. وسَبَبُ الخلاف ما أشرنا إليه. فتفهّم. و (قوله: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني))) ظاهِرُه: أن الصلاةَ إلى الصلاة؟ متى يقوم الناس ٢٢٢ (٣) كتاب الصلاة - (٦٢) باب: إتيان الصلاة بالسكينة رواه أحمد (٣٠٤/٥ - ٣٠٨)، والبخاري (٦٣٨)، ومسلم (٦٠٤) (١٥٦)، وأبو داود (٥٣٩ و٥٤٠)، والترمذي (٥٩٢)، والنسائي (٨١/٢). [٤٩٢] وعن أبي هريرةَ، أنَّ الصَّلاةَ كانت تُقامُ لرسولِ الله وَّلـ فيأخذُ الناسُ مَصَافَّهُم، قبلَ أنْ يَقُوم النبيُّ ◌ِّ مقامَه. رواه مسلم (٦٠٥) (١٥٩)، وأبو داود (٥٤١). [٤٩٣] وعن جابر بن سَمُرة، قالَ: كانَ بلالٌ يُؤْذِّنُ إذَا دَحَضَتْ، فلا كانت تُقام قبل أن يخرجَ النبيُّ وَلِّ من بيته. ويعارضُه حديثُ بلال: إنه كان لا يقيمُ حتى يخرجَ النبيُّ نَّهِ وَوَجْهُ الجمعِ: أنَّ بلالاً كان يراقبُ النبيَّ وَّ فيرى أوَّل خروجه قبل أن يراه مَنْ هناك فيشرُ في الإقامة إذ ذاك، ثم لا يقومُ الناسُ حتى يروا النبيَّ ◌َّهِ، ثم لا يقومُ النبيُّ وَّهِ مقامَه حتى يُعَدِّلوا صفوفَهم. وبهذا الترتيب يصحُ الجمعُ بين الأحاديث المتعارضة في هذا المعنى. وقد اختلفَ السلفُ والعلماءُ في: متى يقوم الناسُ إلى الصلاة؟ ومتى يُكَبِّر الإمام؟ فذهبَ مالك، وجمهورُ العلماء: إلى أنه ليس لقيام الناس حدٍّ، ولكن استحبَّ عامَّتُهم القيامَ إذا أخذ المؤذِّنُ في الإقامة، وكان أنسٌ يقومُ إذا قال المؤذن: قد قامتِ الصلاة. وذهب الكوفيون إلى أنهم يقومون إذا قال: حيَّ على الفلاح. فإذا قال: قد قامتِ الصلاة؛ كبَّر الإمام. وحُكي عن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز: إذا قال المؤذن: الله أكبر وجَبَ القيام، وإذا قال: حيَّ على الصلاة، اعتدلتِ الصفوفُ. فإذا قال: لا إله إلا الله كبَّ الإمام. وذهب عامةُ الأئمة: إلى أنه لا يكبِر حتى يفرغَ المؤذنُ من الإقامة. و (قوله: ((كان بلال يؤذِّنُ إذا دحضت))) أي: زالتْ عن كبد السماء. وأصلُ الدّحض: الزَّلَق. وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((كان النبي ◌ِّ، يصلِّي الظهرَ ٢٢٣ (٣) كتاب الصلاة - (٦٣) باب: من أدرك ركعة من فعل الصلاة يُقِيمُ حتى يخرج النبيُّ وَّهِ. فإذَاَ خرِجَ أقامَ الصَّلاة حينَ يَراهُ. رواه أحمد (٩١/٥ و ١٦٠)، ومسلم (٦٠٦). (٦٣) باب من أدرك ركعة من فعل الصلاة أو وقتها فقد أدركها [٤٩٤] عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِوَله قالَ: ((مَنْ أدركَ ركعةً مِن الصَّلاة مع الإمامِ، فقد أدركَ الصَّلاةَ)). وفي روايةٍ: ((فقد أدركَ الصَّلاةَ كلَّها)). رواه البخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧)، وأبو داود (١١٢١)، والترمذي (٥٠٢٤)، والنسائي (٢٧٤/١)، وابن ماجه (١١٢٢). إذا دحضتِ الشمسُ))(١) أي: زالت. وقال الهروي في الحديث الأول: ((إذا انحطت للغروب))؛ لأن الشمس حينئذ يتبيَّن زلقُها بالكلية. والأول أولى. والله تعالى أعلم. (٦٣) ومن باب: من أدرك ركعةً من فِعْل الصَّلاة أول وقتها (قوله: ((من أدرك الركعةَ من الصَّلاة فقد أدركَ الصلاةَ كلَّها))) ظاهِرُ هذا حكم من أدرك الحديثِ لا يصحُّ، بدليل قوله وَالرِ: ((ما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتموا))(٢) ركعة من الصلاة (١) رواه أحمد (١٠٦/٥)، والنسائي (١/ ٢٥١ و٢٥٢) من حديث جابر رضي الله عنه. (٢) سبق تخريجه برقم (٤٩٠) من حديث أبي قتادة. ٢٢٤ (٣) كتاب الصلاة - (٦٣) باب: من أدرك ركعة من فعل الصلاة [٤٩٥] وعنه، أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قالَ: ((مَنْ أدركَ ركعةً مِن الصُّبح ويفعل النبي ◌َ﴿﴿ حيث فاتته ركعةٌ من صلاته خلف عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه، فلما سلَّم عبدُ الرحمن قام النبيُّ #، فصلَّى الركعةَ التي سبقه بها(١). وقد روى هذا الحديثَ أبو بكر البزار؛ وقال: فقد أدرك الصلاة كلَّها، إلا أنه يقضي ما فاته، ولا خلاف في ذلك. فتعيَّن تأويلُ الحديث الأول. وقد تأوله بعضُ أصحابنا علی تأویلین: أحدهما: أنه أدرك فَضْلَ الصَّلاة كلّها. وقد ذكر أبو عمر في التمهيد هذا الحديث، ولفظه: ((مَن أدركَ ركعةً من الصلاة فقد أدرك الفَضْلَ))(٢)، وقد رواه أبو أحمد بن عدي، وقال: ((فقد أدرك فضلَ الجماعة))(٣). والصَّحيح: اللفظ الأول. والتّأويل الثاني: أن معناه: أنه أدركَ حُكْمَ الصَّلاة. أي: يلزمه من أحكام الصَّلاة ما لزم الإمامَ من الفساد والسَّهو وغير ذلك. ويؤيِّد هذا التأويلَ قولُه: ((معَ الإمام)). وهذا اللفظُ يُبْطِلُ على داود وغيره قولَه: إنَّ هذا الحديثَ مردودٌ إلى إدراك الوقت الذي يدلُّ عليه قولُه: ((مَن أدركَ ركعةً من العصر قبل أن تغربَ الشَّمسُ فقد أدركَ العصر)). وهذا ليس بصحيح من قولهم، بل الحديثان مختلفان، يُفيدان فائدتين كما قرّرناه، ثم إذا تنزّلنا على التّأويل الأول: وهو إدراكُ فَضْل الجماعة، فهل يكونُ ذلك الفضلُ مُضَاعَفاً كما يكونُ لمن حضرها من أوّلها؟ أو يكونُ غيرَ مضاعف؟ اخْتُلِفَ فيه على قولين: وإلى التَّضعيف ذَهَبَ أبو هريرة وغيره من السَّلف. وكذلك إن وجدهم قد سلموا عند هؤلاء كما قدَّمنا من ظاهِر حديث أبي داود عن أبي هريرة حيث قال: ((أعطاه الله عز وجل من الأجرِ مِثْلَ أَجْرِ مَن (١) رواه مسلم (٢٧٤) من حديث المغيرة بن شعبة. (٢) التمهيد (٦٤/٧). (٣) رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٠٩٠) من حديث جابر. ٢٢٥ (٣) كتاب الصلاة - (٦٣) باب: من أدرك ركعة من فعل الصلاة قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ فقد أدركَ الصُّبحَ، ومَنْ أدركَ ركعةً من العَصْرِ قبلَ أنّ تغربَ الشمسُ فقد أدركَ العصرَ)). رواه أحمد (٤٦٢/٢)، والبخاري (٥٥٦)، ومسلم (٦٠٨) (١٦٣)، وأبو داود (٤١٢)، والترمذي (١١١٦)، والنسائي (٢٥٧/١ - ٢٥٨). حَضَرها وصلَّها))(١). وإلى عدم التضعيف ذهبت طائفةٌ أخرى، وإلى هذا يشير قولُ أبي هريرة: ((ومن فاته قراءةُ أُمِّ القرآن، فقد فاتَّه خَيْرٌ كَثِيرٌ))(٢). ثم اختلفوا أيضاً، هل يكون مدركاً للحكم؟ أو للفضل؟ أو للوقت، بأقلّ من ركعة؟ فذهب مالكٌ وجمهورُ الأئمة، وهو أَحَدُ قولي الشَّافعي: إلى أنه لا يدركُ شيئاً من ذلك بأقلّ من ركعة. مُتَمَسُّكين بلفظ الركعة. وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، والشَّافعي، في القول الآخر: إلى أنه بالإحرام يكون مُذْرِكاً لحكْم الصَّلاة. واتَّفقَ هؤلاء: على إدراكهم العصر بتكبيرةٍ قبل غروب الشمس. واختلفوا في الظُّهر. فعند الشَّافعيِّ في أَحد قوليه: هو مدركٌ بالتّكبيرة لهما؛ لاشتراكهما في الوقت. وعنه: أنه بتمام القامة للظهر، ويكون قاضياً لها بعد. و (قوله: ((من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغربَ الشَّمسُ فقد أدرك إدراك ركعة من العصر))) هذا محمولٌ عند مالك وأصحابه على أصحاب الأعذار. كالحائض صلاة العصر تطهر، والمغلوب يفيق، والصبي يبلغ، والكافر يُسْلِم، والمسافر يقدمُ، أو الحاضر الشمس قبل أن تغرب يسافر وقد نسي صلاة. والذي حملهم على ذلك رَوْمُ الجمع بين الأحاديث المتعارضة في هذا الباب. وذلك أنه قد تقرَّر في حديث جبريل عليه السلام، وفي حديث أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، وغيرهم: أنَّ آخرَ وقتِ العصر (١) رواه أبو داود (٥٦٤). (٢) رواه مالك في الموطأ (١١/١). ٢٢٦ (٣) كتاب الصلاة - (٦٣) باب: من أدرك ركعة من فعل الصلاة إنما هو المثلان، أو إذا اصفرَّتِ الشمسُ (١). على اختلاف الألفاظِ. وقولِه: (الوقت فيما بين هذين)). ثم جاء من حديث أنس الذَُّ والتهديدُ لمن يُؤْخِّر العصر إلى أن تكونَ الشمسُ بين قرني شيطان(٢). وظاهِرُ هذه الأحاديث يدلُّ: على أن ما بَعْدَ هذه الحدودِ ليس وقتاً للصَّلاة، ولا يكونُ موقِعُها فيها مُذْرِكاً لها. وظاهِرُ الحديث الأول: أنّه يكون مدركاً. فرأى أصحابنا: أنَّ الوقتَ الأول المحدَّد وهو الوقتُ الأصلي لكافة (٣) المكلَّفين، وهم السَّالمون عن الأعذار، وأنَّ الوقتَ الثَّاني لأصحاب الأعذار المذكورين. وهذه طريقةٌ في الجمع حَسَنة، والجمع أولى من التَّرجيح، غير أنَّ أصحابنا جَزَمُوا بهذا الأصل، حيث جَعَلُوا مَن ترك الصَّلاةَ متعمداً؛ حتى بلغَ بها إلى وقت الضَّرورة، فصلَّها مُؤدِّياً مع أنه قد عصى، وذُمَّ بإخراج الصلاة عن آخر وقت توسعتها. وإذا كان هذا فلا معنى لتخصيصه بأصحاب الأعذار. ثم هذه الركعةُ التي يدركون بها الوقتَ، هي: قَدْرُ ما يكبِّر فيه للإحرام، ويقرأ أمّ القرآن قراءةً معتدلة، ويركع، ويرفع، ويسجد سجدتين يفصلُ بينهما، ويطمئنُّ في كل (٤) ذلك، على قول مَن أوجبَ الطّمأنينة. وعلى قول من لا يوجبُ قراءةَ أمّ القرآن في كلِّ ركعة؛ يكفيه قدرُ تكبيرة الإحرام، والوقوف لها. وأشهبُ لا يراعي إدراكَ السُّجود بعد الركعة. وسببُ الخلاف: هل المفهومُ من اسم الركعة الشرعية؟ أم اللغوية؟ . الرَّکعة التي يُدرك بها الوقت (١) رواه مسلم (٦١٤)، وأبو داود (٣٩٥)، والنسائي (٢٦٠/١ و٢٦١) من حديث أبي موسى الأشعري. ورواه مسلم (٦١٢)، وأبو داود (٣٩٦)، والنسائي (١/ ٢٦٠) من حدیث عبد الله بن عمرو بن العاص. (٢) رواه مسلم (٦٢٢)، وأبو داود (٤١٣)، والترمذي (١٦٠)، والنسائي (١/ ٢٥٤). (٣) في (م) و(ط): العامة. (٤) من (م) و (ط). ٢٢٧ (٣) كتاب الصلاة - (٦٣) باب: من أدرك ركعة من فعل الصلاة [٤٩٦] وفي حديث عائشةَ: ((مَنْ أدركَ مِن العَصْرِ سَجْدَةً ... )) وذكرَ نحوه، وفيه: ((والسَّجْدَةُ إنَّما هي الرَّكْعَةُ)). رواه أحمد (٧٨/٦)، ومسلم (٦٠٩)، والنسائي (١/ ٢٧٣). وأما الركعةُ التي يدركُ بها فضيلةَ الجماعة وحُكْمها، بأن يُكبِّر لإحرامه الركعة التي قائماً، ثم يركع، ويُمكِّن يديه من ركبتيه قبل رَفْع الإمام رأسه. وهذا يدرك بها مذهبُ الجمهور، مالكِ وغيره. ورُوي عن أبي هريرة: أنه لا يعتدّ بالركعة ما لم يُذْرِك الإمامَ قائماً قبل أن يركعَها معه. ورُوي معناه عن أشهب. وروي عن جماعةٍ من السَّلف: أنه متى أحرمَ والإمامُ راكعٌ أجزأه؛ وإن لم يدركِ الركوعَ وركع بعد الإمام كالنَّاعس؛ اعتَدَّ بالركعة، وقيل: يجزئه وإن رفع الإمام؛ ما لم يرفع الناس. وقيل: تجزئه إن أحرم قبل سجود الإمام. حكى هذه الأقوالَ القاضي عياض. فضيلة الجماعة و (قوله: ((من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلعَ الشمسُ فقد أدرك هل للصبح الصبح))) ظاهِرُ هذا: أنَّ لها وقتَ ضرورة، كالعصر، وهو أحدُ القولين عندنا. وقت ضرورة؟ وقيل: ليس للصبح وقتُ ضرورة بخلاف العصر. والأول أظهر. و (قوله: ((من أدرك من العصر سَجْدة))) وفسَّرها في الأم(١): أنها الركعة. وَوَجْهُه: أنَّ أهلَ الحجاز يسمّون الركعة: سجدة. فهما عند الجمهور عبارتان عن مُعبَّر واحد. وقال الشافعيُّ في أحدٍ قوليه، وأبو حنيفة: إنَّ السجدةَ هنا ليست بالركعة، وإنما هي على بابها، من وَضْع الوجه بالأرض. واحتجًا بذلك على قولهما: إنه يكونُ مُذْرِكاً بتكبيرة الإحرام، وَوَجْهُ احتجاجِهم: أنه لما ذكر مرةً ركعة، ومرة سجدة، سبرنا أوصافهما فوجدناهما يجمعان الرُّكنية والفَرْضية. وأولُ الفروضِ تكبيرةُ الإحرام. فقدَّراه بذلك. والله تعالى أعلم. (١) الحديث في أصل صحيح مسلم رقم (٦٠٨). ٢٢٨ (٣) کتاب الصلاة ۔ (٦٤) باب: إذا ذَگر الإمامُ أنه مُحدِث خرج (٦٤) باب إذا ذَكَرَ الإمامُ أنه مُحْدِثٌ خرج فأمرَهم بانتظاره [٤٩٧] عن أبي هُريرةَ، قالَ: أُقيمتِ الصَّلاةُ، فقُمنا فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ، قبلَ أنْ يخرجَ إلينا رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ، فَأَتَى رسولُ اللهِ وَِّ، حتَّى إِذَا قامَ في مُصَلَّهُ قبلَ أنْ يُكَبِّرَ، ذَكَرَ فانصرفَ. وقالَ لنا: ((مَكَانَكُم)) فلم نَزَلْ (٦٤) ومن باب: إذا ذَكَر الإمامُ أنه مُحدِثٌ خَرَجَ (قوله: ((حتى إذا قام في مُصلّه قبل أن يكبِّر ذَكَر فانصرف))) هذا هو الصَّحيحُ من حديث أبي هريرة في كتاب مسلم والبخاري: أنه وَ﴿ ذَكَر قبل أن يُكبِّر، وقبل أن يدخلَ في الصلاة. وعلى هذا فلا يكونُ في الحديث إشكال، ولا مخالفةُ أصل، وأقصى ما فيه أن يقال: لِمَ أشار إليهم ولم يتكلم؟ ولِمَ انتظروه قياماً؟ والجواب: أنَّا لا نُسلم أنه لم يتكلَّم، بل قد جاء في هذه الرواية: أنه قال لهم: ((مكانكم)). وفي الرواية الأخرى: ((أنه أومأ إليهم)) وعلى الجمع بين الرِّوايتين: أنه جَمَع بين القول والإشارة تأكيداً لملازمة القيام. ولو سَلَّمْنا: أنه لم يتكلّم، وأنه اقتصرَ على الإشارة؛ لم يكنْ فيه دليلٌ على أنه دَخَلَ في الصَّلاة؛ إذ يحتملُ أن يكونَ ذلك استصحاباً لما شَرَع فيه من الوقار؛ لأنه بمنزلة مَن هو في الصلاة، إذ قَصْدُه أن يخرجَ للتطهُّر ثم يعودُ لها. كما قال ◌َله: ((إذا أتيتُم الصلاةَ فعليكم بالسَّكينة والوقار))(١). وأمَّا ملازمتُهم للقيام: فامتثالٌ لأمره وَلّ لهم بذلك. وإنما أَمَرَهُمْ بذلك ليُشعرَ بسرعةِ رجوعه حتى لا يتفرَّقُوا، ولئلا يزايلوا ما كانوا شَرَعُوا فيه من القيام للقُرْبة حتى يفرغُوا منها. والله أعلم. ثم لما رجع هل بنى على التفریق بین الإقامةِ الأولى، أو استأنفَ إقامةً أُخرى؟ لم يصحّ في ذلك نقل. وظاهِرُ الأمر: أنه الإمامة والصلاة لو استجدَّ إقامةً أخرى لَنُقِل ذلك، إذ قد رُوي هذا الحديثُ من طرق، وليس فيها (١) سبق تخريجه برقم (٤٩٠) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه. ٢٢٩ (٣) كتاب الصلاة - (٦٤) باب: إذا ذَكّر الإمام أنه مُحْدِث خرج شيءٌ من ذلك، وحينئذٍ يَحْتَجُّ به مَن يرى: أن التفريقَ بين الإقامة والصلاة لا يقطعُ الإقامةَ وإن طال؛ إذا كان لِعُذْرٍ. كما قد ثبت: أن النبيَّ ◌َ ﴿ ناجى رجلاً بعد أن أقيمتِ الصلاةُ، حتى نام مَن في المسجد، وبنى على تلك الإقامة (١). وليس هذا مذهبُ مالك، بل مَذْهَبه: أن التفريقَ إن كان لغير عذرٍ قَطَعَ الإقامة، وابتدأها؛ طويلاً كان التفريقُ أو سريعاً. كما قال في ((المدونة)) في المصلي (٢) بثوبٍ نجس: يقطعُ الصلاة، ويستأنفُ الإقامة. وكذلك قال في القهقهة. وإن كان لعذر: فإن طال قطع، واستأنف، وإن لم يطل لم يقطع، وبنى عليها. فصل: وقد روى أبو داود هذا الحديث من رواية أبي بكرة: أنه دخل في صلاة الفجر، فأومأ بيده: أن مكانكم، ثم خرج ورأسُه يقطر. فصلَّى بهم. وفي رواية أخرى: قال في أوله: فكبّر، وقال في آخره: فلما قَضَى الصَّلاة قال: ((إنما أنا بشر، وإني كنتُ جُنُباً)(٣). ورواه مالك في الموطأ مرسلاً عن عطاء بن يسار وقال: ((إنه كبّر)). وقد أشكلَ هذا الحديثُ على هذه الرواية على كثيرٍ من العلماء، ولذلك سَلَكُوا فيه مسالك: فمنهم مَن ذَهَب: إلى ترجيح الرِّواية الأولى، ورأى: أنها أصُّ وأشهر، ولم يُعَرِّجْ على هذه الرواية. ومنهم مَن رأى: أنَّ كليهما صحيح، وأنه لا تعارضَ بينهما؛ إذ يُحْتَمَلُ أنهما نازلتان في وقتين، فيقتبسُ من كلِّ واحدة منهما ما تضمنته من الأحكام، فمما يُقتبس من رواية أبي داود ومالك (٤): أنَّ الإمامَ إذا طرأ له(٥) ما يمنعه عن التَّمادي استخلفَ بالإشارة، لا بالكلام. وهو أحدُ (١) رواه البخاري (٦٤٢)، ومسلم (٣٧٦) من حديث أنس رضي الله عنه. (٢) في (م): الصلاة. (٣) رواه أبو داود (٢٣٣ و٢٣٤). (٤) رواه مالك في الموطأ (٤٨/١). (٥) من (م). ٢٣٠ (٣) كتاب الصلاة - (٦٤) باب: إذا ذَكّر الإمامُ أنه مُحْدِث خرج قِيَاماً ننتظرُهُ حتَّى خرجَ إلينا، وقد اغتسلَ، يَنْطِفُ رأسُه ماءً، فكبَّرَ فصَلَّى بِنا. وفي روايةٍ: فأوماً إليهم بيدِه: أنْ مَكَانَكُم. رواه أحمد (٢٣٧/٢ و٢٨٣)، والبخاري (٢٧٥)، ومسلم (٦٠٥) (١٥٧ و١٥٨)، وأبو داود (٢٣٤ و٢٣٥)، والنسائي (٨١/١ -٨٢). القولين لأصحابنا. وجواز البناء في الحدث وهو مذهبُ أبي حنيفة، لكن إنما يتمّ له ذلك إذا ثبت فعلاً أنه لم يكبِّر حين رجوعه. بل الذي صحَّ في البخاري ومسلم: أنه كبّر بعدما اغتسل عند رجوعه. والمشكلُ على هذه الرّواية: إنما هو وقوعُ العمل الكثير وانتظارهم له هذا الزمان الطويل بعد أن كبَّروا! وإنما قلنا: إنّهم كبّروا؛ لأن العادةَ جاريةٌ بأنّ تكبيرَ المأمومين يقعُ عقيبَ تكبير إمامهم، ولا يُؤْخِّرُ ذلك إلا القليلُ من أهل الغلوّ والوسوسة. ولما رأى مالكٌ هذا الحديثَ مخالفاً الأصل الصَّلاة قال: إنه خاصٌّ بالنبي ◌ِّ، على ما رُوي عنه. ورُوي عن بعض أصحابنا: أنَّ هذا العملَ من قبيل اليسير، فيجوزُ مثله. وهذا مناكرةٌ للمشاهدة. وقال ابنُ نافع: إنَّ المأمومين إذا كانوا في الصَّلاة؛ فأشار إليهم إمامُهم بالمكث(١)؛ فإنه يجبُ عليهم انتظاره حتى يأتي، فيتمّ بهم أَخْذاً بفعل النَّبِيِّ لَه في هذا الحديث. وكأن الأولى في هذه الرواية ما قاله مالك. والله أعلم. و (قوله: ((ينطف رأسُه))) أي: يقطر. والقطرة: النطفة من الماء. والله أعلم . (١) في (م): باللبث. ٢٣١ (٣) كتاب الصلاة - (٦٥) باب: أوقات الصلوات (٦٥) باب أوقات الصَّلوات [٤٩٨] عن ابن شِهاب، أنَّ عمرَ بن عبد العزيز أخّرَ الصَّلاة شيئاً، فقالَ له عروةُ: أمَا إنَّ جبريلَ قد نزلَ، فصلَّى إمَامَ رسولِ الله وَّهِ. فقالَ له عُمَرُ: اعْلَمْ ما تقولُ يا عروةُ. فقالَ: سمعتُ بَشِير بن أبي مَسعود يقولُ: (٦٥) ومن باب: أوقات الصّلوات (قوله: ((إنَّ عمر بن عبد العزيز أخْر الصلاة(١) شيئاً)) يدلُّ: على أنَّ تأخيرَها إنما كان عن أول وقتِ الاختيار. وإنما أُنكر عليه لعدوله عن الأفضل، وهو ممن يُقتدى به، فيؤدِّي تأخيرُه لها إلى أن يُعتقدَ أن تأخيرَ العصر سُنَّة. ويُحتمل: أنّه أخّرها إلى آخر وقتِ أدائها، وهو وقتُ الضَّرورةِ عندنا، مُعْتَقِداً أنَّ الوقتَ كلَّه وقتُ اختيار. كما هو مذهب إسحاق وداود. والأول أشبه، بفضله وعلمه، وأظهر من اللّفظ . و (قول عروة لعمر: ((أما إنَّ جبريلَ قد نزل فصلّى إمامَ رسول الله وَيرِ))) وفي إمامة جبريل الرواية الأخرى: ((أما علمت أن جبريلَ نزلَ فصلّى فصلّى رسولُ اللهِوَلَ))) ليس فيه للرسول ◌َل حُبَّةٌ واضحة على عمر (٢)، إذ لم يُعَيِّن له الأوقات التي صلّى فيها. وغايةُ ما يتوهّم عليه: أنه نبّهه وذكّره بما كان يعرفُ من تفاصيل الأوقات المعروفة من حديث جبريل كما قد روى ذلك النَّسائي، وأبو داود، كما سنذكره(٣). ويظهرُ لي: أنَّ (١) في (ظ) و (ج١) وهامش التلخيص: نسخة (ش): العصر. ومن خلال الشرح يتبيّن أنها صلاة العصر . (٢) من (م) و(ط) و (ظ). (٣) زاد في (ظ) و(م) و(ط): أول حديث الموطأ. وليس في الموطأ تفاصيل أوقات الصلاة . ٢٣٢ (٣) كتاب الصلاة - (٦٥) باب: أوقات الصلوات سمعتُ أَبًّا مَسعودٍ يقولُ: سمعتُ رسولَ الله ﴿ يقولُ: ((نزلَ جبريل فَأَمَّنِ، فصلَّيْتُ معه، ثم صَلَّيْتُ معَه، ثم صَلَّيْتُ معه، ثم صَلَّيْتُ معه، ثم صَلَّيْتُ مَعَه)) ويَحْسُبُ بأصابعِهِ خمسَ صَلواتٍ. وفي روايةٍ، قال عُروةُ: ولقد حدثتني عائشةُ زوجُ النبيِّ وَّهِ: أنَّ رسولَ اللهِ﴿ كَانَ يُصلِّي العصرَ والشمسُ في حُجْرَتِها، قبلَ أنْ تظهرَ. وفي رواية: لم يظهرِ الفيءُ في حُجْرَتِها. رواه البخاري (٣٢٢١)، ومسلم (٦١٠) (١٦٦ و١٦٨)، وأبو داود (٣٩٤)، والنسائي (١ /٢٤٥ - ٢٤٦)، وابن ماجه (٦٦٨). هذا التأويلَ فيه بُعْدٌ لإنكار عمر بن عبد العزيز على عروة، حيث قال له: اعلم، ما تحدِّث به يا عروة! أو أن جبريلَ هو الذي أقامَ لرسول اللهِوَّله وقتَ الصلاة؟! وظاهِرُ هذا الإنكار: أنه لم يكنْ عنده خبرٌ من حديث إمامة جبريل، إما لأنه لم يبلغْه، أو بلغه فنسيه. وكلُّ ذلك جائزٌ عليه، والأولى عندي: أن حُجَّةَ عزوة عليه؛ إنما هي فيما رواه عن عائشة: من أنَّ النبيَّ ◌ََّ كان يصلِّي العصر والشمسُ طالعةٌ في حجرتها قبل أن تظهرَ. وذكر له حديث جبريل موطئاً له ومعلِّماً بأنَّ الأوقات إنما ثبت أصلُها بإيقاف جبريل للنبي وَّرِ عليها وتعيينها له. والله أعلم. و (قوله: ((قبل أن تظهر))) أي: تعلو وترتفع. والظُّهور: العلوّ. ومنه قول النابغة الجعدي : بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدُنا وجُدُودُنا وإِنَّا لَنَبْغِي(١) فَوْقَ ذلك مَظْهَرا (١) في (ظ) واللسان: لنرجو. وورد البيت في جمهرة أشعار العرب (٧٨٥/٢): بلغنا السما مجداً وجُوداً وسُودَداً وإنّا لنرجو فوقَ ذلك مَظْهَرا ٢٣٣ (٣) كتاب الصلاة - (٦٥) باب: أوقات الصلوات أي: مَصْعَداً عالياً، وهذا المعنى قد رُوي بألفاظٍ مختلفةٍ: رُوي كما ذكرناه. وروي: لم ترتفعْ من حجرتها. وروي: لم يظهر لها فيءٌ بعد. وفي البخاري: ((لم تخرج الشمسُ من حجرتها)). وكلُّها محوُّمة على معنى واحد، وهو: أنه لو كان يعجِّلُ العصر، وينصرفُ منها والشمسُ في وسط الحجرة، لم تصعد منها في جُذُرِها، وذلك لسعةٍ ساحتها، وقِصَر جدرانها. وقد رأيت أن أذكرَ حديثَ النسائي الذي رواه من طريق جابر بن عبد الله(١) الأوقات التي في تفصيل الأوقات التي صلّى جبريلُ فيها بالنَّبِيِ وََّ، وهو أصحُّ ما في إمامة صلَّى جبريل جبريل؛ على ما ذكره الترمذي عن البخاري، وأبينُ، قال فيه عن جابر بن عبدالله : فيها بالني ◌َ﴾ أنَّ جبريلَ أتى النبيَّ وَ﴿ ليعلِّمه مواقيتَ الصلاة، فتقدَّم جبريلُ ورسولُ الله ◌ِّ خلفه، والناسُ خلفَ رسولِ اللهِوَ ﴿َ، فصلَّى الظهرَ حين زالتِ الشمسُ. وأتاه حين كان الظلُّ مثل شخصه؛ فصنع كما صَنَع. يعني: فصلّى العصر. ثم أتاه حين وجبتِ الشمسُ، فصنع كما صنع. [فصلّى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفقُ فصنع كما صنع، فصلّى العشاء، ثم أتاه حين انشقَّ الفجرُ فصنع كما صنع](٢) فصلّى الغداة، ثم أتاه اليوم الثاني حين كان ظلُّ الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس فصلّى الظهر، ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس فصلّى العصر. ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع بالأمس، فصلّى المغرب. وفي رواية: وقتاً واحداً لم يزل عنه، فنمنا، ثم قمنا، ثم نمنا، ثم قمنا، فأتاه فصنع مثل ما صنع بالأمس، فصلّى العشاء. وفي رواية: ثم جاء للصبح حين أسفرَ جدّاً، يعني: في اليوم الثاني، ثم قال: ((ما بين هاتين الصَّلاتين (١) رواه النسائي (٢٥٥/١). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٢٣٤ (٣) كتاب الصلاة - (٦٥) باب: أوقات الصلوات [٤٩٩] وعن عبدِ الله بن عمرو، أنَّ رسولَ الله ◌ِوَّهِ قالَ: ((وقتُ الظُّهرِ إذا زالتِ الشَّمسُ وكانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كطُولِهِ ما لم تحضِر العصرُ. وقت))(١). وسيأتي الكلامُ على ما تضمّنه من التُّكت إن شاء الله تعالى، وقد أخذ بعضُ الناس من هذا الحديث: صحةَ إمامة المفترض بالمتنفل، وذلك لا يتمّ حتى يتبيَّنَ أنَّ جبريلَ كان متنفِّلاً، ولا يُقدر عليه. وفيه أبوابٌ من الفقه لا تخفى على متأمّل، وسيأتي التنبيهُ على أكثرها إن شاء الله تعالى. و (قوله: ((في حديث عبد الله بن عمرو: ((وقت الظهر إذا زالتِ الشمسُ))) زوال الشمس: عبارةٌ عن بداية انحطاطها مغربةً بعد نهاية ارتفاعها، وهو أول وقتٍ الظهر بالإجماع. ولا خلافَ: أنَّ الوقتَ من فُروض الصلاة، ومن شروط صحتها إلا شيئاً رُوي عن أبي موسى الأشعري وبعض السّلف، ولم يصحّ عنهم، وانعقد الإجماعُ على خلافه. ولا خلافَ: في أوائل أوقات الصلوات، إلا في وقت العصر والعشاء الآخرة. فأبو حنيفة يقول: أول وقت العصر إلى آخر(٢) القامتين. وخالفه الناسُ كلُّهم حتى أصحابه. وأما العشاء فاتّفق: على أنَّ وقتَها بعد مغيب الشفق، لكن ذهب أبو حنيفة والمزني: إلى أنه البياضُ، والجمهور: على أنه الحمرة. واختلفوا في تحديد أواخرِ الأوقات كما سيأتي. الوقت من شروط صحة الصلاة وقت صلاة العصر و (قوله: ((وكان ظلُّ الرجل كطوله))) يعني: بعد طرح اعتبار القدر الذي زالت عليه الشمسُ، إن كان له قدر، فلو قدّرنا أنَّ الشمسَ وقفت على رأس ذي الظلّ، لم يكن للظل قدر، واعتبر من أصل القائِم. ثم أفاد بقوله: ما لم يحضرِ العصرُ: أن الوقتَ ممتدٌّ مُتَّسِع، وأن آخرَه أول وقت العصر، وهو: انتهاءُ آخر ظل المثل، وهذا مثل ما جاء في حديث إمامة جبريل بالنبي ◌ّر: أنه صلَّى به العصرَ في (١) رواه الترمذي (١٥٠). (٢) من (ظ) و(ط). ٢٣٥ (٣) کتاب الصلاة ۔ (٦٥) باب: أوقات الصلوات ووقتُ العصرِ ما لم تَصْفرَّ الشَّمسُ . اليوم الأول حين كان ظلُّ كلِّ شيء مثله. وكلاهما حُجَّةٌ على أبي حنيفة في قوله: إن أول وقتِ العصر إذا كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه. وهو قولٌ شاذّ خالفَ فيه هذه النصوصَ وجميعَ الناس خلا أنه قد حُكي عن الشَّافعي. وقد تبرأ من هذا القول أصحابُ أبي حنيفة والشافعي لظهور فساده. ثم تمامُ القامة بلا فصل بينهما هو أولُ وقتِ العصر، وهو مشتركٌ بينهما - عند مالك، وابن المبارك، وإسحاق في آخرين - تمسكاً بحديث جبريل، وذلك: أنه صلّى به العصرَ في اليوم الأول حين كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله، وصلَّى به في اليوم الثاني حين كان ظلُّ كلِّ شيء مثليه، غير أنهم حَمَلُوا قوله: صلَّى في الظهر: على أنه فرغَ منها في آخر القامة، وصلَّى في العصر على أنه بدأ بها في أول القامة الثانية، وقال الشافعيُّ، وأبو ثور، وداود، وأحمد، والطبري، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف، وابن حبيب، وابن المؤَّاز من أصحابنا: لا مشاركةً بين الوقتين، ولا بُدَّ من فاصلةٍ بينهما، وهي: زيادةُ أدنى شيء على القامة، غيرَ أنَّ أصحابنا لا يشترطون هذه الزيادة، ويقولون بانتهاء القامة الأولى يخرجُ وقت الظهر، فيعقبها أول وقت العصر من غير زيادة. وقال أشهب: بل الاشتراكُ في القامة الأولى، فيكون ما قبلها بقدر ما يوقعُ فيه إحدى الصلاتين مشتركاً بينهما. واختار هذا القول أبو إسحاق التونسي، وحكاه القاضي أبو بكر بن العربي رواية عن مالك، وحجّة من لم ير الاشتراك قوله: ((وقت الظهر ما لم تحضرٍ العصرُ))، وما جاء في حديث أبي موسى؛ وذلك: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ صلَّى بالسَّائل الظهر في اليوم الثاني حين كان قريباً من وقت العصر بالأمس. وظاهِرُ هذين الحديثين أنَّ بينهما فَضْلا قريباً، والقولُ بالاشتراك أبينُ، وهو الذي يجمعُ شتات الأحاديث، وأشهبُ لم يتأوَّل: فصلَّى في الظهر والعصر. بل حَمَلهما على ظاهِرهما في الظُّهر والعصر، وهو: أنه مَ ﴿ فَرَغَ من الظهر والعصر في اليومين عند انتهاء القامة. والله أعلم. و (قوله: ((ووقت العصر ما لم تصفرّ الشمس))) يعني بقوله: ما لم تصفر: i ٢٣٦ (٣) كتاب الصلاة - (٦٥) باب: أوقات الصلوات - وفي روايةٍ: ويسقطُ قَرْنُها الأَولُ. ما لم تدخلها صفرة. وظاهره: أنَّ آخرَ وقتِ العصر قبل مخالطةِ الصّفرة، وهذا كما قال في حديث بريدة بن حُصَيب: ثم أمره بالعصر والشمسُ بيضاء نقيةٌ لم تخالطها صفرة. يعني: في اليوم الثاني، وهذا الظَّاهِرُ مخالفٌ لحديث أبي موسى، إذ قال فيه: ثم أخّر العصر حتى انصرفَ منها والقائلُ يقول: قد احمرَّتِ الشمس. وظاهِرُ هذا: أنه بَعْدَ الصُّفرة بكثير، ووَجْهُ الجمع: أنَّ هذا كلَّه تقريب، وإنما التحقيقُ يحصلُ بما في حديث جبريل من تقديره بما إذا كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلي شخصه. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهُما متساويان في المعنى؛ لأنَّ الشمسَ لا يزال بياضُها ناصعاً حتى ينتهي ثني الظل، فإذا أخذَ في التثليث نقص البياضُ حتى تأخذَ الشمسُ في التطفيل(١) فتتمكّن الصُّفرة. و (قوله: ((ويسقط قرنُها الأول)): فيه إشكال، وذلك: أنَّ قرنَ الشمس أعلاها، وهو أول ما يبدو منها في الطُّلوع، وأول ما يسقطُ منها في الغروب، كما قال في هذه الرواية في وقت الفجر: ((ما لم يطلع قرنُ الشمس الأول))، وهو إما أن يُرادَ به أعلى شعاعِها الدَّائر بها، وإما أعلى جرمها وعينها. وعلى التَّقديرين فآخر وقت توسعة العصر قبله كما قرّرنا، وحينئذٍ يتَّضحُ الإشكالُ. قلتُ: ويظهر لي: أن المقصودَ من قوله: ((ووقت العصر ما لم تصفرّ الشمسُ ويسقط قرنُها الأول)) أن يُبيِّن به امتدادُ وقت الأداء كلِّه إلى غايته، ويدخلُ فيه الوقتُ الذي سمَّيناه نحن: وقت الضَّرورة. وعلى هذا يمكنُ أن يقال: إنَّ الصفرةَ هنا هي ابتداءُ تغيُّرِ الشمس إلى السَّواد عند الغروب، وهذا على لغة العرب في تسميتهم الأسود: أصفر. كما قال(٢): هُنَّ صُفْرٌ أَوْلادُها كالزَّبِيبِ(٣) (١) ((التطفيل)): هو مَيْل الشمس للغروب. (٢) هو الأعشى. (٣) وصدره: تلك خيلي منه وتلك ركابي. ٢٣٧ (٣) كتاب الصلاة - (٦٥) باب: أوقات الصلوات ووقتُ صَلاة المغربِ ما لم يغبِ الشَّفقُ. وكما قال تعالى: ﴿كَنَُّ جِمَلَتُ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]، وفي قوله: ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ﴾ [البقرة: ٦٩]، أي: سوداء، ويكون قرنُها: جرمها. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((ووقت صلاة المغرب ما لم يغبِ الشَّفَقُ))) هذا يُؤْذِنُ بأن وقتَ وقت صلاة المغرب موسّع كسائر أوقات الصلوات. وهو موافقٌ لحديث أبي موسى: ((حيث المغرب صلَّى المغربَ في اليوم الأول عند وقوع الشمس، وفي الثاني حين غابَ الشفقُ)) وهو قولُ مالك في الموطأ، وأحدُ قولي الشافعي، وقول الثوري، وأصحاب الرأي - على اختلافهم في الشفق ما هو - على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وقد عارضَ هذا الحديثَ في المغرب حديث جبريل فإن فيه: إنه صلاّها في اليومين في وقتٍ واحد حين غابتِ الشمس. وصار أيضاً إليه جمهورٌ من العلماء، وهو مشهورُ قولِ مالك، والشَّافعي، والأوزاعي، وغيرهم. وقالوا: هو محدودُ الأول بمغیپٍ قرص الشَّمس، وغير محدود الآخر. بل مقدّراً آخره بالفراغ منها في حَقِّ كلّ مُكلَّف. ولما تعارض الحديثان اختلفَ العلماءُ في الأرجح(١) منهما: فرجَّحَ كلٌّ منهم بحسب ما ظهر له. قلتُ: ويمكن الجمعُ والبناءُ بينهما بأن يُقال: إن إيقاعَ المغربِ في حديث جبريل في وقتٍ واحد؛ لعلَّه إنما كان ليبيّن: أنَّ إيقاعَها في ذلك الوقت أفضل، ولذلك انَّفقتِ الأمةُ على ذلك، وقد قال ◌َِّ: ((لا تزالُ أمتي بخيرٍ - أو قال: على الفطرة - ما لم يُؤَخِّروا المغربَ إلى أن تشتبكَ النجوم))(٢) وليس فيه ما يدلُّ على منع تأخيرها عن ذلك الوقت. وتكون أحاديثُ التوسعة تُبيِّنُ وقتَ الجواز، فيرتفعُ التعارضُ، ويصحُّ الجمع. وهو أولى من التَّرجيح باتفاق (١) في (ظ): الأصح. (٢) رواه أحمد (١٤٧/٤)، وأبو داود (٤١٨) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه . ٢٣٨ (٣) كتاب الصلاة - (٦٥) باب: أوقات الصلوات ووقتُ صَلاة العِشاء إلى نصفِ اللَّيل الأوسطِ الأصوليين؛ لأنَّ فيه إعمالَ كلِّ واحدٍ من الدليلين، والتَّرجيح: إسقاطُ أحدهما. والله أعلم. ما هو الشَّفَق؟ وقد اختلفَ العلماءُ في الشّفق: فذهب الجمهور: إلى أنه الحمرةُ التي تكونُ في المغرب. وذهب أبو حنيفة والمزني: إلى أنَّه البياضُ الذي يكونُ بعد الحمرة. وسببُ الخلاف: انطلاقُ اسم الشَّفق عليهما بالاشتراك. وهما متَّصلان، أي: أحدهما بعد الآخر. فمن أخذ بأول الاسم قال: هو الحمرةُ، ومن أخَذَ بآخره قال: هو البياض، ومذهب الجمهور أولی بوجهین: أحدهما: أنَّ أهلَ الاعتبار بذلك قد رَصَدُوا ذلك وراقبوه، فتحقق لهم أنَّ البياضَ لا يغيبُ إلا عند طلوع الفجر، قال ذلك الخليلُ بن أحمد، وابن أبي أویس، وغيرهما. والثاني: أنه قد روى أبو داود من طريقٍ صحيح عن الثُّعمان بن بشير: أنه قال: أنا أعلمُ الناس بوقت هذه الصَّلاة صلاة العشاء الآخرة، كان رسولُ اللهِ وَلّ يصليها لسقوط القمر الثالثةٍ (١). وهذا بَيِّنٌ على أنه كان يُصلِّيها قبل مغيب البياض، بل على أنه كان يصلِّيها عند تمكُّنِ البياض، لأنه إذ ذاك يسقطُ القمرُ في الثالثة من الشَّهر. وهذا يرفعُ الخلاف. وقت صلاة العِشاء و (قوله: ((ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط))) أكثرُ ، واٍ هذا الحديث لم يذكروا فيها الأوسط، وإنما يقولون: إلى نصفِ الليل، فقط، وتلك الزيادةُ هي من حديث همام عن قتادة. وكلُّ مَن روى هذا الحديثَ عن قتادة لم يذكرها غيره، وكأنَّ هذه الروايةَ وَهْمٌ؛ لأنَّ الأوسطَ في المقدّرات والمعدودات إنما يقالُ فيما (١) رواه أبو داود (٤١٩)، والترمذي (١٦٥). ٢٣٩ (٣) كتاب الصلاة - (٦٥) باب: أوقات الصلوات - ولم يذكرْ: ((الأوسطَ)) إلا في هذه الرواية - ووقتُ صَلاةِ الصُّبح من طُلوع الفجرِ ما لم تطلع الشّمسُ، يتوسّط بين اثنين فأكثر؛ اللهمَّ إلا أن يريدَ بالأوسط: الأعدل، فحينذٍ يصحُ أن يقال: هو أوسطُ الشَّيئين، أي: أعدلهما، وهذا الشيءُ أوسط من هذا، أي: أعدل منه، ويمكن أن تُحمل رواية تلك الزيادة على الصّحة. ويكون معناه: أنّ النصفَ الأول أعدلُ بالنسبة إلى إيقاع الصَّلاة فيه من النِّصف الآخر؛ لتأدية الصَّلاة في الأول. وكثرة الثَّواب فيه. ثم اختلفَ العلماءُ في آخر وقت العشاءِ الآخرةِ: فذهبتْ طائفةٌ من العلماء: إلى أن ذلك آخرَ النصفِ الأول. وإليه ذهبَ ابنُ حبيب من أصحابنا مُتَمَسِّكاً بهذا الحديث. ويقول عمر رضي الله عنه: فإن أخّرتَ فإلى شَطْر الليل. ومشهورُ مذهب مالك: أنه أخّر إلى الثلث الأول مُتمسِّكاً بحديث أبي موسى؛ إذ فيه: ((أنه وَ لِّ أَخَّر العشاءَ الآخرة حتى كان ثلثُ الليل)) (١). وهو قولُ جمهور العلماء، وروى النّخعي: أنه الربعُ الأول. ولا متمسَّك له واضحٌ في الأحاديث. وسببُ الخلاف: الترجيحُ بين هذه الأحادیث. و (قوله: ((ووقت الصُّبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشَّمس))) الفجر: هو وقت صلاة انصداعُ البياض من المشرق. وسُمِّ بذلك: لانفجاره؛ أي: لظهوره، وخروجه الصُّبح كما ينفجرُ النهر. وهو اثنان: الكاذب، وهو المسمَّى: بذنب السِّرْحان، وهو الصَّاعِد المستطيل، والصَّادق: وهو الممتدُّ المنتشرُ في الأفق. قال الشاعر: * فإذا رأى الصُّبحَ المُصَدِّقُ يَخْفِقُ * وهذا هو الذي يُحرِّم الأكلَ على الصَّائم وتجزئه الصَّلاةُ فيه دون الأول بلا خلاف. واخْتُلِفَ في آخر وقتِ الصُّبح: فذهب الجمهورُ وأئمة الفُتيا: إلى أن آخرَ (١) انظره في التلخيص برقم (٥٠٠). ٢٤٠ (٣) كتاب الصلاة - (٦٥) باب: أوقات الصلوات فإذا طَلَعَتِ الشمسُ فأمسكْ عن الصَّلاة، وقتِها طلوعُ أول جرم الشَّمس، وهو مشهورُ مذهبٍ مالك، وعلى هذا لا يكونُ لها عنده وقتُ ضرورة، ولا يُؤْثَّم تاركُ الصلاة إلى ذلك الوقت مُتعمِّداً. وروى عنه ابنُ القاسم، وابنُ عبد الحكم: أنَّ آخرَ وقتها الإسفارُ الأعلى، وعلى هذا: فما بعد الإسفارِ وقتٌ لأصحاب الأعذار، ويأثم من أخّر الصلاةَ إلى ذلك الوقت، وسَبَبُ هذا الخلاف: اختلافُ الأحاديث الواردة في هذا المعنى. وذلك: أنَّ ظاهِرَ هذا الحديث، ونصّ الرواية الأخرى التي قال فيها: ((فإذا صليتم الفجرَ فإنه وقتٌ إلى أن يطلعَ قرنُ الشمس الأول)»، وفي حديث أبي موسى: أنه مصر: ((صلّى بالسَّائل الفجرَ في اليوم الثاني حتى انصرفَ منها والقائلُ يقول: قد طلعتِ الشمسُ أو كادتْ)» وظاهِرُ هذا: أنَّ آخرَ وقتها يخرجُ قبل طلوع الشمس بيسير، وهو الذي يقدَّر بإدراك ركعة، كما قال: ((من أدركَ ركعةً من الصبح. قبل أن تطلعَ الشمسُ فقد أدركَ الصُّبْحَ))(١). تنبيه: قال مالك، والشافعي: التغليسُ بالصُّبح أفضل. وقال أبو حنيفة: الأفضلُ الجمعُ بين التغليس والإسفار، فإن فاته ذلك فالإسفارُ أولى [من التغليس](٢). وهذا مخالفٌ لما كان النبيُّ ◌َلم يفعلُه من المداومة على التغليس. حتى قد قال ابنُ عباس لما وَصَفَ صلاةَ جبريل بالنبي ◌َّهِ: ثم كانت صلاتُه بعد ذلك التغليسَ لم يعد إلى أن يُسْفِرِ بها. و (قوله: ((فإذا طلعتِ الشمسُ فأمسكَ عن الصلاة)) هذا حُجَّةٌ لأبي حنيفة وأصحاب(٣) الرأي: على مَنْع إيقاع شيءٍ من الصَّلوات فرضها ونفلها عند الطُّلوع. وقد غلوا في هذا حتى قالوا: إنه لو طلعتْ عليه الشمسُ وقد صلَّى ركعةً من الصُّبح (١) سبق تخريجه برقم (٤٩٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) ساقط من (ع). (٣) في (ظ): وأهل.