Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
(٢) كتاب الطهارة - (٢٠) باب: ما يحل من الحائض
((اصْنَعُوا كلَّ شَيءٍ إِلا النَّكَاحَ)) فبلغَ ذلكَ اليهودَ فَقالُوا: ما يُريد هذا الرجلُ
أنْ يدعَ مِنْ أَمْرِنا شيئاً إلا خالَفَنا فيه. فجاءَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، وعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ
فقالاً: يا رسولَ الله! إنَّ اليهودَ تقولُ: كذا وكذا. أفلا نُجَامِعُهُنَّ؟ فتغيَّرَ وجهُ
رسولِ الله وَ﴿ه حَتَّى ظَننَّا أن قد وَجَدَ عليهما. فخرجَا فاستقبلهما هَذِيَّةٌ مِن لبنٍ
إلى النبيِّ نَ﴾. فأرسلَ في آثارِهما، فَسِقَاهُما. فَعَرَفا أنْ لم يَجِدْ عليهما.
رواه أحمد (٢٤٦/٣)، ومسلم (٣٠٢)، وأبو داود (٢١٦٥)،
والترمذي (٢٩٨١)، والنسائي (١٥٢/١).
أحدهما: أن حائض وطالق ومرضع مما لا شركةً فيه للمذكر؛ فاستغنى
عن العلامة.
والثاني: ۔ وهو الصحيح -: أن ذلك على طريق النسب، أي: ذات حيض
ورضاع وطلاق، كما قال تعالى: ﴿السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] أي: ذات
انفطار.
وتَغَيُّرُ وجِهِ رسول الله ◌ِ له من قول أُسَيد بنِ الحضير وعبَّاد بن بشر إنما كان رأفة رسول
ليبيّن: أن الحاملَ على مشروعية الأحكام إنما هو أَمْرُ الله ونهيه، لا مخالفة أحد الله ير ورحمته
ولا موافقته، كما ظنًّا، ثم لمَّا خرجا من عنده، وتركاه على تلك الحالة، خاف
باصحابه
عليهما أن يحزنا، وأن يتكدّر حالُهما، فاستدرك ذلك، واستمالهما، وأزال عنهما
ما أصابهما؛ بأن أرسل إليهما فسقاهما اللبن رأفةً ورحمةً منه لهما، على مقتضى
خُلُقه الكريم، كما قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].

٥٦٢
(٢) كتاب الطهارة - (٢١) باب: في الوضوء من المذي
(٢١) باب
في الوضوء من المذي وغسل الذكر منه
[٢٣٥] عن عَلِيٍّ - رضيَ الله عنه -، قالَ: كنتُ رَجُلاً مَذَّاءً، وكنتُ
أَسْتَحْبِي أنْ أسألَ رسولَ الله ◌ِوَ ◌ّهِ، لِمَكانِ ابنِتِهِ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بنَ الأَسْوَدِ،
(٢١) [ومن باب: الوضوء من المذي](١)
حكم المذي
(قول علي رضي الله عنه: ((كنتُ رجلاً مَذَّاءً))) أي: كثير المذي. كما جاء
عنه في كتاب أبي داود قال: «كنت ألقى من المذي شِدَّة، فكنت أغتسلُ منه حتى
تشقق ظهري))(٢). والمذي: ماء أبيض رقيق يخرج عند الملاعبة والتَّذكار، أكثر
خروجه من العزب، وهو نجسٌ باتفاق العلماء، إلا ما يحكى عن أحمد بن حنبل
من أنه طاهر كالمني عنده، وهو خلاف شاذّ، وقد تقدّم القولُ في نجاسة المني،
ويقال فيه: مذي، بسكون الذال وتخفيف الياء. ومذِيّ بكسر الذال، وتشديد
الياء، ويقال: مذى، وأمذى، لغتان.
و (قوله: ((فأمرت المقداد بن الأسود)) هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة
الکندي، وإنما نسب للأسود لأنه كان في حجره، وكان قد تبنّاه، وقيل: حالفه،
وجاء في رواية أخرى: ((أرسلنا المقداد إلى رسول الله وَلير، فسأله عن المذي
جواز العمل يخرجُ من الإنسان كيف يفعل به؟)) وهذا يدلُّ على أنه لم يحضرْ مجلسَ السؤال،
ويتوجّه على هذا إشكالٌ وهو أن يقال: كيف اكتفى بخبر الواحد المفيد لغلبة الظن
مع تمكّنه من الوصول إلى اليقين بالمشافهة؟ ويلزم منه جوازُ الاجتهاد مع القدرة
على النص، والجواب أن نقولَ: يحتملُ أن يكونَ مع أمره بالذهاب إلى
بخبر الواحد
(١) في (ع): ومن باب وضوء الجنب إذا أراد النوم، وهو خطأ.
(٢) رواه أبو داود (٢٠٦).

!
٥٦٣
(٢) كتاب الطهارة - (٢١) باب: في الوضوء من المذي
فَسَأَلَهُ فقالَ: ((يَغْسِلُ ذكرَه، ويَتَوَضَّأُ».
وفي روايةٍ: قالَ رسولُ اللهِ وَِّ: (تَوَضَّأُ، وانْضَحْ فَرْجَكَ)).
رسول الله وَ﴿ وإرساله، حضر مجلس السؤال والجواب، ولو سلمنا عدم ذلك
قلنا: إن العملَ بخبر الواحد جائزٌ مع إمكان الوصول إلى اليقين، إذا كان في
الوصول إلى اليقين كلفةٌ ومشقة، فإنَّ الصحابةَ رضوان الله عليهم كانوا يتناوبون
حضورَ مجلس رسولِ اللهِ وَ﴿ لسماع ما يطرأ فيه، ويحدِّث مَن حضر لمن غاب،
والنبي وَه كان يوجّه ولاته وأمراءه ليعلموا الناس العلمَ آحاداً؛ مع تمكّنه من
إرسال عدد التواتر، أو أمره أن يرتحلَ إليه عدد التواتر ليسمعوا منه، ولم يفعلْ
ذلك إسقاطاً للمشقة، ومُجانبة للتعنيت والكُلْفة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَّفَرَمِن
كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآَيِقَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِ الذِينٍ﴾ [التوبة: ١٢٢]. والطائفة لا يحصل العلمُ
بخبرهم إذ الفرقة أقلّها: ثلاثة. والطائفةُ منهم: واحد أو اثنان، ولا يلزم على ذلك
تجويزُ الاجتهاد مع وجود النّص؛ لأنهم - رضي الله عنهم - لم يجتهدوا إلا حيث
فقدوا النصوصَ القاطعةَ والمظنونة، وذلك لأنَّ الظنَّ الحاصلَ من نصُوص أخبار
الآحاد أقوى من الظنّ الحاصل عن الاجتهاد، وبيان ذلك: أنَّ الوهم إنما يتطرقُ
إلى أخبار الآحاد من جهة الطّريق، وهي جهةٌ واحدة، ويتطرَّقُ إلى الاجتهاد من
جهاتٍ متعددة فانفصلا، والله أعلم.
و (قوله: ((يغسل ذكره ويتوضّأ))) ظاهرُ هذا أنه يغسلُ جميعَ ذكره؛ لأنَّ
الاسمَ للجملة، وهو رأيُ المغاربة من أصحابنا، وهل ذلك للعبادة، فيفتقر إلى
نية، أو لقطع أصل المذي فلا يحتاج؟ قولان لأبي العباس الإبياني، وأبي محمد بن
أبي زيد، وذهب بعضُ العراقيين من أصحابنا: إلى أنه يغسلُ موضع النجاسة فقط،
ولم يختلف العلماءُ أنّ المذي إذا خرج على الوجه المعتاد أنه ينقضُ الوضوء.
و (قوله في الرواية الأخرى: ((توضّأ وانضخ فرجك))) النَّضْح هنا: هو الغسل

٥٦٤
(٢) كتاب الطهارة - (٢٢) باب: وضوء الجنب إذا أراد النوم
رواه أحمد (٧٩/١)، والبخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣)، وأبو داود
(٢٠٦ - ٢٠٩)، والترمذي (١١٤)، والنسائي (١/ ٩٦ - ٩٧).
(٢٢) باب
وضوء الجنب إذا أراد النوم أو معاودة أهله
[٢٣٦] عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِلَّهِ كانَ إذا أرادَ أَنْ يَنامَ - وهو
جُنُبٌ - تَوضَّأَ وُضُوءَهُ الصَّلاةِ قبلَ أنْ يَنامَ.
وفي رواية: إذَا أرادَ أَنْ يَأْكُلَ أو يَنامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ.
رواه أحمد (١٩٢/٦)، والبخاري (٢٨٦)، ومسلم (٣٠٥)،
وأبو داود (٢٢٢ - ٢٢٨)، والترمذي (١١٨ و١١٩)، والنسائي
(١٣٨/١).
[٢٣٧] وعن ابن عُمرَ، أنَّ عمرَ استفتَى النبيَّ ◌َّهِ فقالَ: هَلْ يَنامُ
أَحَدُنَا وهو جُنُبٌ؟ قالَ: ((نَعمْ. لِيَتَوضَّأُ، ثمَّ لْيَتَمْ، حتَّى يَغْتَسِلَ إِذَا شَاءَ».
المذكور في الرِّواية المتقدِّمة، والواو غير مرتبة، ويحتمل أن يريدَ به: أن يرشّ
ذَكَرِه بعد غسله أو وضوئه؛ لينقطع أصل المذي أو يقلّ. والله أعلم.
(٢٢) ومن باب: وضوء الجنب إذا أراد النوم
(قول عائشة: أنه عليه الصلاة والسلام: ((كان إذا أراد أن ينام وهو جُنُبٌ
توضأ وضوؤه للصلاة») يدلُّ على بطلان قول من قال: إنه الوضوء اللغوي.
الوضوء قبل
النوم للجنب
و (قوله: ((ليتوضأ ثم لينم))) حجّةٌ لمن قال بوجوب وضوء الجنب عند نومه،

٥٦٥
(٢) كتاب الطهارة - (٢٢) باب: وضوء الجنب إذا أراد النوم
رواه أحمد (١٦/١)، والبخاري (٢٨٧)، ومسلم (٣٠٦)، وأبو داود
(٢٢١)، والترمذي (١٢٠)، والنسائي (١٤٠/١).
[٢٣٨] وعن عبدِ الله بن أبي قَيْسِ، قالَ: سألتُ عائشةً عَنْ وِتْرِ
رسولِ اللهِوٌَّ فذكرَ الحديثَ. قالَ: قلتُ:" كيفَ كانَ يصنعُ في الجَنَابَةِ؟
أُكانَ يغتسلُ قبلَ أنْ ينامَ، أَمْ يَنامُ قبلَ أنْ يغتسلَ؟ قالتْ: كلُّ ذلكَ كان
يَفْعَلُ. رُبَّما اغتسلَ فنامَ، ورُبَّما تَوَضَّأَ فنامَ. قلتُ: الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ في
الأمرِ سَعَةً.
رواه أحمد (٢٧٣/٦)، ومسلم (٣٠٧)، وأبو داود (٢٢٦)،
والنسائي (٢٣٨/١).
وهو قولُ كثيرٍ من أهل الظَّاهر، وهو مروي عن مالك، وروي عنه: أنه مندوبٌ
إليه، وعليه الجمهور، وهو الصَّحيحُ، إذ قد روى الترمذي عن عائشة أنَّ
النبيَّ ◌َّه: كان ينام وهو جنب لا يمس ماء (١). وقد روت عنه: أنه كان يتوضّأ
قبل أن ينام، فكان وضوؤه كغسله، فإنه كان ربما يغتسلُ قبل النوم، وربما يغتسلُ
بعد النوم كما قد روتْ عنه. وغسل الجنب قبل النوم ليس بواجبٍ إجماعاً بل
مندوبٌ إليه، فيكون الوضوءُ كذلك، ثم هل معنى ذلك حكم غير معلّل فيقتصر به
على محلّه، أو هو معلل؟ فمن أصحابنا مَن قال: هو معلّل بما عساه ينشّط
فيغتسل، ومنهم من علّله بأنه ليبيت على إحدى الطّهارتين، وعلى هذا التّعليل
الثاني تتوضّأ الحائض، ولا تتوضّأ على التعليل الأول.
وأما وضوءُ الجنب عند الأكل: فظاهِرُ مساقٍ حديث عائشة يقتضي أن يكونَ وضوء الجنب
ذلك الوضوءُ هو وضوء الصَّلاة، فإنها جمعت بين الأكل والنوم في الوضوء، وقد عند الأكل
(١) رواه الترمذي (١١٨ و١١٩).

٥٦٦
(٢) كتاب الطهارة - (٢٢) باب: وضوء الجنب إذا أراد النوم
[٢٣٩] وعن ابنِ عَبَّاس، أنَّ النبيَّ بَهِ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فقَضَى حَاجَتَهُ،
ثمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ.
رواه البخاري (١٣٨)، ومسلم (٧٦٣) و (٣٠٤)، وابن ماجه
(٥٠٨).
[٢٤٠] وعن أبي سعيد الخدريٍّ، قالَ: قالَ رسولُ الله وَِّ: ((إِذَا أَتَّى
أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثمّ أرادَ أن يُعَاوِدَ، فَلْيَتَوضَّأُ بينَهما وُضُوءاً».
رواه مسلم (٣٠٨)، وأبو داود (٢٢٠)، والترمذي (١٤١)، والنسائي
(١/ ١٤٢).
حُكي: أنَّ ابنَ عمر كان يأخذُ بذلك عند الأكل، والجمهور على خلافه، وأن معنى
وضوئه عند الأكل: غسل يديه، وذلك لما يخاف أن يكونَ أصابهما أذى. وقد
روى النسائي عن عائشة هذا مفسّراً، فقالت: ((كان رسولُ اللهِوَ﴿ إذا أرادَ أن ينامَ
وهو جُنُبٌ توضّأ، وإذا أراد أن يأكل أو يشربَ قالت: غَسَل يديه، ثم يأكل أو
یشرب)»(١).
و (قول ابن عباس: ((إنَّ النبيَّن ◌َ ﴿ِ قامَ من الليل فقضى حاجته))) المراد
بالحاجة هنا: الحَدَث؛ لأنه هو الذي يمكن أن يطّلعَ عليه ابنُ عباس، وأيضاً: فهو
الذي يُقام له، ويحتمل: أن تكونَ حاجتُه إلى أهله، ويخبر بذلك ابنُ عباس عمن
أخبره بذلك من زوجات النَّبِي وَه، ويقصد بذلك: بيان أن الجنبَ لا يجب عليه
أن يتوضَّأ للنوم الوضوء الشرعي، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعاودَ فليتوضأُ بينهما وضوءاً))
ذهب بعضُ أهل الظَّاهر إلى أنَّ هذا الوضوءَ - هنا - هو الوضوء العرفي، وأنه
غسلُ الفرج لمن
أتی أهله ثم أراد
أن يُعاود
(١) رواه النسائي (١٣٩/١).

ا
٥٦٧
(٢) كتاب الطهارة - (٢٢) باب: وضوء الجنب إذا أراد النوم
[٢٤١] وعن أنس، أنَّ النبيَّ وَّ كانَ يَطُوفُ على نِسَائِهِ بِغُسْلِ
وَاحِدٍ.
رواه البخاري (٢٦٧)، ومسلم (٣٠٩)، وأبو داود (٢١٨)،
والترمذي (١٤٠)، والنسائي (١٤٣/١).
واجب، واستحبّه أحمد وغيره، وذهب الفقهاءُ وأكثرُ أهل العلم: إلى أنه غسل
الفرج فقط، مبالغةً في النظافة واجتناباً لاستدخال النجاسة. ويستدلّ على ذلك
بأمرین:
أحدهما: أنه قد روى هذا الحدیثَ لیثُ بن أبي سليم من حديث عمر، وقال
فيه: ((فليغسل فرجه))(١) مكان: ((فليتوضأ بينهما وضوءاً)).
وثانيهما: أن الوطءَ ليس من قبيل ما شرع له الوضوء، فإنَّ أصلَ مشروعيته
للقُرَب والعبادات، والوطء ينافيه، فإنه للملاذّ والشهوات، وهو من جنس
المباحات، ولو كان ذلك مشروعاً لأجل الوطء لشرع في الوطء المبتدأ، فإنه من
نوع المعاد، وإنما ذلك لما يتلطّخ به الذكر من نجاسة ماء الفرج والمني؛ فإنه مما
يكره ويستثقل عادةً وشرعاً، والله أعلم.
و (قول أنس: ((كان رسولُ اللهِ وَ﴿ يطوفُ على نسائه بغسل واحد))) هذا طواف
يحتملُ أن يكونَ من النَّبِيِ ◌ّ عند قُدومه من سفر، أو عند تمام الدّوران عليهن رسول الله يوم
علی نسائه بغسل
وابتداء دور آخر، فدار عليهن ليلة، أو يكون ذلك عن إذن صاحبة اليوم، أو يكون واحد
ذلك خُصُوصاً به، وإلا فوطءُ المرأة في يوم ضرّتها ممنوعٌ منه، وقد ظهرت خصائصه
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٩٥/٤): رواه أبو يعلى في الكبير، وفيه: ليث بن
أبي سلیم، وهو مدلس.
.-

٥٦٨
(٢) كتاب الطهارة - (٢٣) باب: وجوب الغسل على المرأة
(٢٣) باب
وجوب الغسل على المرأة
إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل
[٢٤٢] عن أُمُّ سلَمَة، قالتْ: جاءتْ أُمُ سُلَيْمٍ إلى النبيِّ ◌َلـ
فقالتْ: يا رسولَ الله! إنَّ الله لا يستحيي مِن الحَقِّ. فهلْ على المرأةِ مِن
غُسْلِ إِذَا اخْتَلَمَتْ؟ فقالَ رسولُ اللهِ وَ﴿: ((نعم، إذَا رَأَتِ الماءَ)) فقالتْ أُمّ
في هذا الباب كثيراً، هذا مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن القَسْم عليه بينهن
واجباً لقوله تعالى: ﴿﴿ تُرْجِ مَن تَشَلَهُ مِنْهُنَّ وَتَّقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١].
لكنه و كان قد التزمه لهن تطبيباً لأنفسهن، ولتقتدي أمّته بفعله، والله تعالى
أعلم.
ويجوز الجمعُ بين الزّوجات والسّراري في غسل واحد، وعليه جماعةٌ
السلف والخلف، وإن كان الغسل بعد كل وطٍ أكملَ وأفضل، لما رواه النسائي
عن أبي رافع قال: ((طاف رسولُ اللهِ لَ﴿ على نسائه، فجعل يغتسلُ عند هذه وعند
هذه، فقلت: يا رسول الله! لو جعلته غسلاً واحداً! قال: ((هذا أزكى، وأطيب،
وأطهر))(١).
الغسلُ بعد كل
وطء أكمل
وأفضل
(٢٣) ومن باب: وجوب الغسل على المرأة إذا
رأت في المنام مثل ما یری الرجل
(قول أم سليم: ((إن الله لا يستحيي من الحق))) أي: لا يأمر بالحياء فيه، ولا
يمنع من ذِكْره، وأصل الحياء: انقباضٌ واحتشامٌ يجده الإنسانُ عندما يُطَّلع منه على
معنی الحياء
(١) رواه أبو داود (٢١٩)، والنسائي في عشرة النساء (١٤٩)، وابن ماجه (٥٩٠).

٥٦٩
(٢) كتاب الطهارة - (٢٣) باب: وجوب الغسل على المرأة
سَلَمَة: يا رسولَ الله! وتحتلمُ المرأةُ؟ فقالَ: ((تَرِبَتْ يَدَاكِ. فَبِمَ يُشْبِهُها
وَلَدُها؟!)).
رواه أحمد (٢٩٢/٦ و٣٠٢)، ومسلم (٣١٠)، والنسائي
(١١٢/١).
مستقبح، وهو في حق الله تعالى: عبارة عن الامتناع عن مثل ذلك الفعل المستحيا
منه .
و (قوله: ((تربت يداك))) أي: افتقرت، قال الهروي: ترب الرجلُ: إذا معنى: تربت
افتقر، وأترب: إذا استغنى، وفي الصِّحاح: ترب الشيء بالكسر: أصابه التراب، يداك
ومنه ترب الرجلُ: افتقر؛ كأنه لصق بالتراب، قال: وأتربَ الرجلُ: استغنى، كأنه
صار ماله من الكثرة بقدر التراب. وتأوَّل مالكٌ قولَه عليه الصلاة والسلام لعائشة:
(تربت يداك)) بمعنى الاستغناء، وكذلك قال عيسى بن دينار، وقال ابن نافع:
معناه: ضعف عقلك. وقال الأصمعي: معناه: الحَضّ على تعلّم مثل هذا، كما
يقال: انْجُ ثكلتك أمك. وقيل: ((تربت يداك)): أصابها التراب، ولم يرد الفقر.
والصحيح: أن هذا اللفظَ وشبهه تجري على ألسنة العرب من غير قصدِ الدعاء به.
وهذا مذهبُ أبي عبيد في هذه الكلمات وما شابهها. وقد أحسن البديعُ في بعض
رسائله، وأوضح هذا المعنى فقال:
((وقد يوحش اللفظ وكله وٍذٌّ، ويُكره الشيء وما من فِعْله بُدُّ، هذه العرب
تقول: ((لا أبالك)) للشيء إذا أهمّ، وقاتله الله، ولا يريدون به الذمّ، وَوَيْل أُمُّهِ،
للأمر إذا تَمَّ. وللألباب في هذا الباب أَنْ تنظر إلى القول وقائله، فإِنْ كان ولياً فهو
الولاء وإن خَشُن، وإنْ كان عدوّاً فهو البلاءُ وإِن حَسُنَ)).
قال الشيخ: وعلى تقدير كونه دعاء على أصله، مقصوداً للنبي الحفر على
بُعدِهِ، فقد قال ◌َّهِ: ((اللهم مَن دعوتُ عليه أو سَيَبْتُه أو لعنته - يعني: من

٥٧٠
(٢) كتاب الطهارة - (٢٣) باب: وجوب الغسل على المرأة
[٢٤٣] وفي روايةٍ: ((فِمِنْ أَيْنَ يكونُ الشَّبَهُ؟ إنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيْظٌ
أَبْيَضُ، وماءُ المرأةِ رقيقٌ أصفرُ. فمِنْ أَيُّهِما عَلا، أو سَبَقَ، يَكُونُ مِنه
الشَّبَهُ».
رواه أحمد (٢٨٢/٣)، ومسلم (٣١١) عن أم سُليم.
المسلمين - فاجعلْ ذلك له زكاة ورحمة وقُربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة))(١).
وإنكار أم سلمة وعائشة على أم سليم قضية احتلام النساء، تدلُّ على قلّة وقوعه من
النساء.
من أين يكون
شبه الولد
لأعمامه أو
أخواله
و (قوله: ((فمن أين يكون الشبه))) يُروى بكسر الشين وسكون الباء، وفتح
الشين والباء، لغتان، كما يقال: مِثْل، ومَثَل. ومعنى ذلك مفسّر في حديث عائشة
وثوبان، وما ذكره من صفة الماءين إنما هو في غالب الأمر واعتدال الحال، وإلا
فقد تختلفُ أحوالُهما للعوارض.
و (قوله: ((فمن أيَّهما علا أو سبق يكون منه الشبه))) أي: فمن أجل علوّ أو
سبق أحدهما يكون الشَّبه؛ ويحتمل: أن يقال: إنّ ((مِنْ)) زائدة على قول بعض
الكوفيين: إنها تُزاد في الواجب بتقدير أيهما، ويحتمل: أن يكون ((أو)) شكّاً من
أحد الرُّواة. ويحتمل: أن يكون تنويعاً؛ أي: أيّ نوع كان منهما، كان منه الشبه،
كما قال الشاعر :
فَقَالُوا لَنَا ثِنْتَانِ لا بُدَّمِنْهْما صُدُورُ رِماحٍ أُشْرِعَتْ أو سَلَاَسِلِ
أي: أحد النوعين لا بُدَّ منه. ((وسبق)) أي: بادر بالخروج، وقد جاء في غير
كتاب مسلم: ((سبق إلى الرحم)) (٢) ويحتمل أن يكون بمعنى: غلب. من قولهم:
(١) رواه أحمد (٤٥/٦)، ومسلم (٢٦٠٠).
(٢) ذكره ابن وهب كما في التمهيد (٣٣٦/٨).

٥٧١
(٢) كتاب الطهارة - (٢٣) باب: وجوب الغسل على المرأة
[٢٤٤] وعن عائشة، أن امرأةً قالتْ لرسولِ الله وَّهِ: هَلْ تغتسلُ
المرأةُ إذَا احتلمتْ وأبصرتِ الماءَ؟ فقالَ: ((نعم)) فقالتْ لها عائشةُ: تَرِبَتْ
يَداكِ. وأَلَّتْ. فقالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((دَعيها. وهَلْ يَكُون الشَّبَهُ إلا مِنَ قِبَلِ
ذلِكَ؟ إذا عَلاَ مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَةَ الولدُ أَخْوَالَه. وإذا عَلا ماءُ الرَّجُلِ
ماءَها أشبه الولدُ أَعْمَامَه».
سابقني فلان فسبقته، أي: غلبته، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا غَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾
[الواقعة: ٦٠] أي: مغلوبین، فیکون معناه: يكثر.
و (قوله في الرواية الأخرى: ((إذا علا ماؤها ماءَ الرجل أشبه الولدُ أخواله،
وإذا علا ماءُ الرجل ماءها أشبه الولدُ أعمامه))) مقتضى هذا: أن العلو يقتضي
الشبه، وقد جعل العلو في حديث ثوبان الآتي يقتضي الذكورة والأنوثة، فعلى
مقتضى الحديثين يلزم اقترانُ الشبه للأعمام، والذكورة إن علا منيّ الرجل، وكذلك
يلزم إذا علا منيّ المرأة اقتران الشّبه للأخوال، والأنوثة؛ لأنهما معلولا علةٍ
واحدة، وليس الأمرُ كذلك، بل الوجودُ بخلاف ذلك؛ لأنا نجدُ الشَّبَه للأخوال
والذكورة، والشّبه للأعمام والأنوثة، فتعيّن تأويلُ أحد الحديثين، والذي يتعين
تأويله: العلو الذي في حديث ثوبان(١)، فيقال: إن ذلك العلو معناه: سبق الماء
إلى الرحم والذكورة(٢). ووجهه: أن العلو لما كان معناه الغلبة، كما فسرناه،
وكان السابق عالياً في ابتدائه بالخروج قيل عليه: علا، ويؤيد هذا التأويلَ أنه قد
روي في غير كتاب مسلم: ((إذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة أذكرا، وإذا سبق ماءُ
المرأة ماءَ الرجل آنثا)(٣).
(١) يأتي برقم (٢٤٥).
(٢) من (ع).
(٣) بل هو في صحيح مسلم (٣١٥) من حديث ثوبان رضي الله عنه.

٥٧٢
(٢) كتاب الطهارة - (٢٣) باب: وجوب الغسل على المرأة
رواه أحمد (٩٢/٦)، ومسلم (٣١٤)، وأبو داود (٢٣٧)، والنسائي
(١١٢/١ - ١١٣).
وقد بنى القاضي أبو بكر بن العربي على اختلاف هذه الأحاديث بناءً فقال:
إنَّ للماءين أربعة أحوال:
الأول: أن يخرج ماء الرجل أولاً .
والثاني: أن يخرج ماء المرأة أولاً .
والثالث: أن يخرج ماءُ الرجل أولاً ويكون أكثر.
الرابع: أن يخرجَ ماء المرأة أولاً ويكون أكثر.
ويتم التقسيم: بأن يخرج ماءُ الرجل أولاً، ثم يخرج ماءُ المرأة بعده، فيكون
أكثر، أو بالعكس، وبالعكس فإذا خرج ماء الرجل أولاً وكان أكثر؛ جاء الولد
ذكراً؛ بحكم السبق، وأشبه الولدُ أعمامه بحكم الكثرة، وإن خرج ماء المرأة أولاً
وكان أكثر؛ جاء الولدُ أنثى؛ بحكم السبق، وأشبه أخواله بحكم الغلبة، وإن خرجَ
ماءُ الرجل أولاً؛ لكن لما خرج ماء المرأة بعده كان أكثر؛ كان الولد ذكراً بحكم
السبق، وأشبه أخواله بحكم غلبة ماء المرأة، وإن سبق ماءُ المرأة لكن لما خرج
ماء الرجل وكان أعلى من ماء المرأة كان الولد أنثى بحكم سبق ماء المرأة، وأشبه
أعمامه بحكم غلبة ماء الرجل. وقال: وبانتظام هذه الأقسام يستتب الكلام،
ويرتفع التعارض عن هذه الأحاديث.
و (قوله في حديث عائشة: ((تربت يداك وأَلَّت))) بضم الهمزة وتشديد اللام،
أي: أُصيبت بالألة، وهي الحربة، يقال: ألَّ يؤلُّه أَلّ، أي: طعنه بها.
الغسل في
وهذه الأحاديثُ كلُّها تدلُّ على أن الغسلَ إنما هو في الاحتلام من رؤية الماء
الاحتلام من لا من رؤية الفعل، وعلى أنَّ الولدَ يكونُ من مجموع ماء الرجل وماء المرأة معاً،
رؤية الماء
خلافاً لمن ذهب: إلى أنَّ الولدَ إنما هو من ماءِ المرأة، وأنَّ ماء الرجل له عاقد
كالأنفحة للّبن، والله أعلم.
:
--- - --

٥٧٣
(٢) كتاب الطهارة - (٢٤) باب: الولد من ماء الرجل وماء المرأة
(٢٤) باب
الولد من ماء الرجل وماء المرأة
[٢٤٥] عن ثَوْبَانَ، - مَوْلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ قالَ: كنتُ قَائِماً عندَ
رسولِ الله وَ﴿. فجاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ اليهودِ. فقالَ: السَّلَامُ عليكَ يا محمّد!
فدفعتُه دَفْعَةً كادَ يُصرُ مِنها. فقالَ: لِمَ تدفعُني؟ فقلتُ: ألا تقولُ
يا رسولَ الله! فقالَ اليهوديُّ: إنما نَدعُوه باسمِه الذي سَمَّاه به أهلُه. فقالَ
رسولُ الله ◌ِوَ﴿: ((إنَّ اسْمِي محمّد الذي سَمَّاني به أهلي)) فقالَ اليهوديُّ:
جئتُ أسْأَلُكَ. فقالَ له رسولُ اللهِ وَلِ: ((أينفعُكَ شيءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟)) قالَ:
أسمعُ بِأُذُنَيَّ. فنكتَ رسولُ الله ◌ِ لَه بعودٍ معَه، فقالَ: ((سَلْ)) فقالَ اليهوديُّ:
أينَ يكونُ النَّاسُ يومَ تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسَّمْوات؟ فقالَ
(٢٤) ومن باب: الولد من ماء الرجل والمرأة
الحبر: العالِم، يقال بفتح الحاء وكسرها، فأما الحِبر المداد فبالكسر،
لا غير.
ونَكْتُ النبيِوَّهُ الأرضَ بعود معه: هو ضَرْبُه فيها، وهذا العودُ هو المسمّى:
بالمِخصرة، وهو الذي جرت عوائدُ رؤساء العرب وكبرائهم باستعمالها؛ بحيث
تصل إلى خصره، ويشغل بها يديه من العبث، وإنما يفعلُ ذلك النكتَ المتفكِّرُ.
و (قوله: ((أين يكون الناسُ يوم تبَدَّلُ الأرضُ غير الأرض))) هذا يدلُّ على أن معنى: تبديل
معنى هذا التَّبديل: إزالة هذه الأرض، والإتيان بأرض أخرى، لا كما قاله كثيرٌ من خوض.
· الأرض غير
الناس: أنها تبدّل صفاتُها وأحوالُها فتسوّى آكامها، وتغيّر صفاتها، وتمدُّ مدَّ
الأديم، ولو كان هذا لما أشكل كون الناس فيها عند تبديلها، ولما جُمعوا على
الصراط حينئذٍ. وقد دل على صحّة الظاهر المتقدّم حديثُ عائشة؛ إذ سألت عن

٥٧٤
(٢) كتاب الطهارة - (٢٤) باب: الولد من ماء الرجل وماء المرأة
رسولُ اللهَِ﴿: ((هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دونَ الجِسْرِ)) قالَ: فمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجازةً؟
قال: ((فقراءُ المهاجرينَ)) قال اليهوديُّ: فما تُحْفَتُهُمْ حينَ يدخلونَ الجنَّةَ؟
قال: ((زِيَادَةُ كَبِدِ النُّون)) قالَ: فما غَدَاؤُهم على إِثْرِها؟ قال: ((يُنحرُ لهم ثورُ
الجنَّةِ الذي كانَ يأكلُ مِنْ أَطْرَافِهَا)) قالَ: فما شرابهُم عليهِ؟ قالَ: ((مِن عين
هذا رسولَ اللهِوَ ﴿؟ فقال مجيباً لها: ((على الصراط))(١). والأرض المبدلة هي
الأرض التي ذكرها في حديث سهل بن سعد حيث قال: ((يُحشر الناسُ على أرض
بيضاء عفراء ليس فيها عَلَمٌ لأحد))(٢) وهذا الحشر هو جَمْعُهم فيها بعد أن كانوا
على الصراط. والله أعلم. وقال العكَّاظي: تُمدُّ الأرض مدَّ الأديم، ثم يزجر اللهُ
الخلقَ زجرةً، فإذا هُم في الأرض الثانية، في مثل مواضعهم من الأرض الأولى،
والله أعلمُ بكيفية ذلك.
والجَسْر - بفتح الجيم وكسرها -: ما يُعبر عليه، وهو الصِّراط هنا. و((دون))
بمعنى فوق، كما قال في حديث عائشة: ((على الصراط)). ((والتُّحفة)): ما يُتُحف به
الإنسانُ من الفواكه والطُّرف، مُحاسنةً ومُلاطفةً. و((زيادة الكبد)) قطعةٌ منه
كالإصبع. و((النون)): الحوت، وقد جاء مفسّراً في حديث أبي سعيد: قال
اليهودي: ألا أخبرك بإدامهم، قال: ((بلی)). قال: إدامهم باللام ونون، قالوا: ما
هذا؟ قال: ((ثور ونون)) يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفاً (٣). وفي الصحاح:
النون: الحوت، وجمعه: أنوان، ونينان، وذو النون: لقب يونس عليه السلام.
و (قوله: ((فما غداؤهم))) بفتح الغين وبالدال المهملة، وللسمرقندي:
غِذاؤهم بكسر الغين وبالذال المعجمة، والأظهر أنه تصحيف.
(١) رواه مسلم (٢٧٩١).
(٢) رواه البخاري (٦٥٢١)، ومسلم (٢٧٩٠).
(٣) رواه مسلم (٢٧٩٢).
:
!

٥٧٥
(٢) كتاب الطهارة - (٢٤) باب: الولد من ماء الرجل وماء المرأة
فيها تُسمَّى سَلْسَبِيلاً)) قالَ: صدقتَ. قالَ: وجئتُ أسألُكَ عن شيءٍ لا يعلمُه
أحدٌ مِن أهلِ الأرضِ، إلا نبيٌّ، أو رجلٌ، أو رَجُلان. قالَ: ((يَنفعُك إنْ
حَدَّثْتُكَ؟)) قالَ: أسمعُ بأُذُنَيَّ. قالَ: جئتُ أسألُكَ عن الولدِ؟ قالَ: ((مَاءُ
الرَّجُلِ أبيضُ، وماءُ المرأةِ أصفرُ. فإن اجتمعَا، فَعَلا مَنِيُّ الرَّجُلِ مِنِيَّ
المرأةِ، أُذْكَرا بإذنِ اللهِ. وإِذَا عَلا مَنِيُّ المرأةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آَنَا بإذنِ اللهِ)) قال
اليهوديُّ: لقد صدقتَ، وإنَّك لنبيُّ. ثم انصرفَ فذهبَ. فقالَ
رسول الله وَل: ((لقد سَأَلَنِي هَذا عن الذي سَأَلِي عنه، ومَا لي عِلْمٌ بشيءٍ
منه، حتَّى أتاني اللهُ به)).
رواه مسلم (٣١٥).
و (قوله: ((تسمّى سلسبيلاً))) أي: سَلِسَةُ السّبيل، سهلة المَشْرَع. يقال:
شراب سلسل، وسلسال، وسلسبيل، عن مجاهد، وقيل عنه: شديد الجِزْيَة، قال
الشاعر(١):
كأساً تُصَفَّقُ بالرَّحِيْقِ السَّلسَلِ (٢)
وقال قتادة: عين تنبع من تحت العرش من جنة عدن إلى الجنان.
و (قوله: لقد صدقت وإنك لنبي) يدل على أن مجرّد التصديق من غير التزام
الشريعة ولا دخول فيها لا ينفع، إذ لم يُحكَمْ له بالإسلام.
(١) هو حسان بن ثابت.
(٢) صدر البيت: يسْقُونَ من وَرَدَ البريصَ عليهم. انظر: ديوانه ص (٧٤) وفيه (بردى) بدل
(كأساً).

٥٧٦
(٢) كتاب الطهارة - (٢٥) باب: في صفة غسله ﴿ من الجنابة
(٢٥) باب
في صفة غسله - عليه الصلاة والسلام - من الجنابة
[٢٤٦] عن عائشة، قالت: كانَ رسولُ اللهِهِ إذَا اغتسلَ مِن
الجَنَابَةِ. يَبْدَأُ فيغسلُ يَدَيْهِ - وفي روايةٍ: كَفَّيْهِ ثَلاثاً -، ثم يُفْرِغُ بيمينِهِ على
شِمَالِهِ فيغسلُ فَرْجَهُ، ثم يَتَوَضَّأُ وُضُوءَه للصَّلاةِ، ثم يأخذُ الماءَ، فيُدْخِلُ
أَصَابِعَه في أُصولِ الشَّعرِ، حتَّى إذَا رأَى أنْ قد استبرأً، حَفَنَ على رأسِهِ
ثَلاثَ حَفَناتٍ، ثم أفاضَ على سَائِرِ جَسَدِهِ، ثم غسَلَ رِجْلَيْهِ.
رواه أحمد (٢٣٧/٦)، والبخاري (٢٥٨)، ومسلم (٣١٦)،
وأبو داود (٢٤٠ - ٢٤٤)، والترمذي (١٠٤)، والنسائي (١٣١/١).
(٢٥) ومن باب: صفة غُسْله وَلِ﴾ من الجنابة
(قوله: ((ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر))) قيل: إنما فعل
ذلك ليسهل دخول الماء إلى أصول الشَّعر، وقيل: ليتأنسَ بذلك حتى لا يجد بعده
من صبّ الماء الكثير نُفْرةٍ(١).
و (قوله: ((حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات)))
التكرار في استبرأ: أي: استقصى وبالَغَ، من قولهم: استبرأ الخبر. ((وحفن)): أخذ وصب.
الغسل غير الحفنات: جمع حفنة، وهي ملء الكفين من الطعام أو نحوه، وأصلها من الشيء
مشروع
اليابس کالدقيق والرمل ونحوه. يقال: حفنتُ له حفنة؛ أي: أعطيته قليلاً، قاله في
الصّحاح. ولا يفهم من هذه الثلاث حفنات أنه غسل رأسه ثلاث مرات؛ لأن
التكرار في الغسل غير مشروع؛ لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد؛
لأنه بدأ بجانب رأسه الأیمن، ثم الأيسر، ثم على وسط رأسه، كما جاء في حديث
(١) ((الُّفْرة): الانقباض.

٥٧٧
(٢) كتاب الطهارة - (٢٤) باب: في صفة غسله18 من الجنابة
[٢٤٧] وعن ميمونةَ، قالت: أَدْنَيْتُ لرسولِ اللهِوَلِ غُسْلَهُ من
الجَنَابةِ، فغسلَ كَفَّيْهِ مَرَّتينٍ أو ثلاثاً، ثم أدخلَ يدَه في الإناءِ، ثم أفرغَ به
على فَرْجِهِ، وغسلَه بشمالِه، ثم ضربَ بشمالِهِ الأرضَ فدلكَها دَلْكاً شَدِيْداً،
ثم تَوَضَّأَ وُضُوءَه للصَّلاةِ، ثم أفرغَ على رأسِهِ ثلاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ كَفِّهِ، ثم
غسلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، ثم تَنَخَّى عن مَقَامِهِ ذلكَ، فغسلَ رِجْلَيْهِ، ثمَّ أتيتُهُ
بالمِندِیلِ فردَّه.
عائشة الآتي بعد هذا، وكما وقع في البخاري أيضاً من حديثها.
و (قوله: ((ثم أفاض الماء على سائر جسده))) استدل(١) به من لم يشترط التدليكُ في
التَّدليك، وهو الشافعي، ولا حُجَّة له فيه، لأن ((أفاض)) إنما معناه: غسل، كما الغسل
جاء في حديث ميمونة الآتي بعد هذا. والغسل: هو صبّ الماء على المغسول
ودلكه، على ما نقله أصحابُنا، والذي وقفتُ عليه مِن نَقْل بعض اللغويين: أن
الغسلَ إجادةُ التطهير. وهو يفيد: أن مجرد الإفاضة والغمس لا يُكتفى به في
مسمَّى الغسل، بل لا بُدَّ مع ذلك من مبالغة، إمَّا بالدَّلك، أو بما يتنزل منزلته، وقد
تواردت الأحاديث عن النبي پے بأنه كان يغسل أعضاء وضوئه، ويدلكها بیدیه،
ولا فرق بين الغسل والوضوء في هذا، وقد روي من حديث عائشة: ((أن النبي وَيه
علّمها كيفية الغسل، وأمرها أن تدلك)) وهذا ذكره ابن حزم، وضعَّفه، وسيأتي في
حديث أسماء بنت شَكَل ما يدل على التدليك (٢).
و (قوله هنا: ((ثم غسل رجليه))) وفي حديث ميمونة: ((ثم تنحّى عن مقامه تأخير غسل
فغسل رجليه)) استحبَّ بعضُ العلماء: أن يُؤْخِّر غسل رجليه على ظاهر هذه الرجلين في
الأحاديث، وذلك ليكون الافتتاحُ والاختتامُ بأعضاء الوضوء، وقد روي عن مالك:
الغسل
ليس العمل على تأخير غسل الرجلين، وليتمَّ وضوءه في أول غسله، فإن أخْرهما
(١) في (ع): اشترط.
(٢) يأتي الحديثُ في أول باب (٢٨).

٥٧٨
(٢) كتاب الطهارة - (٢٥) باب: في صفة غسله ◌َالقر من الجنابة
وفي روايةٍ: ثمَّ أَتِي بمنديلٍ، فلم يمسَّه. وجعلَ يقولُ: بالماءِ هَكَذا،
يعني يَنْفُضُه.
أعاد وضوءه عند الفراغ، وكأنه رأى أنَّ ما وقعَ هنا كان لما ناله مِن تلك البقعة،
ورُوي عنه: أنه واسع، والأظهر الاستحباب؛ لدوام النبي ◌َّي على فعل ذلك.
حكم التنشيف
بعد الوضوء
والغسل
و (في حديث ميمونة [أنه أُتّ](١) بالمنديل فردّه))) يتمسَّك به مَن كره
التمندل (٢) بعد الوضوء والغسل، وبه قال ابن عمرو، وابن أبي ليلى، وإليه مال
أصحابُ الشافعي رحمه الله؛ وقال: هو أثرُ عبادةٍ فتكره إزالتُه، كدم الشّهيد،
وخلوف فَم الصّائم، ولا حُجَّة في الحديث، لاحتمال(٣) أن يكون ردّه إياه لشيء رآه
في المنديل، أو لاستعجاله للصلاة، أو تواضعاً، أو مجانبة لعادة المترفهين. وأما
القياس فلا نسلمه؛ لأنا نمنع(٤) الحكم في الأصل إذ الشهيد يحرم غسل دمه
لا يكره، ولا تكره إزالة الخُلُوف بالسواك، وروي عن ابن عباس أنه يكره التمندل
في الوضوء دون الغسل. والصحيح أن ذلك واسع، كما ذهب إليه مالك، تمسّكاً
بعدم النّاقل عن الأصل. وأيضاً فقد روي عن عائشة: أن النبي و ◌ّكانت له خِرْقَةٌ
يُتَشِّفُ بها بعد الوضوء(٥)، ومن حديث معاذ: ((أن النبي ◌َّ# كان يمسح وجهه من
وضوئه بطرف ثوبه))(٦) ذكرهما الترمذي؛ وقال: لا يصحّ في الباب شيء.
و (قولها: ((وجعل يقول بالماء هكذا))) تعني: ينفضه، ردّ على مَن كره
(١) في (م) و و(ط): أتيته.
(٢) في الأصول: (المنديل) والمثبت من (ط).
(٣) في (ل): لحالة.
(٤) في (ع): لا نمنع.
(٥) رواه الترمذي (٥٣).
(٦) رواه الترمذي (٥٤).

٥٧٩
- -
(٢) كتاب الطهارة - (٢٥) باب: في صفة غسله من الجنابة
وفي أخرى: وَصْفُ الوُضُوء كُلِّهِ، يذكرُ المضمضَة والاستنشاقَ فيه.
رواه البخاري (٢٥٧)، ومسلم (٣١٧)، وأبو داود (٢٤٥)،
والترمذي (١٠٣)، والنسائي (١٣٧/١).
[٢٤٨] وعن عائشةَ، قالت: كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ إذا اغتسلَ من
الجَنابةِ دَعا بشيءٍ نحوَ الحِلاَبِ. فأخذَ بِكَفِّه، بدأَ بِشِقِّ رأسِه الأيمنِ، ثم
الأيسرِ. ثم أخذَ بِكَفَّيْهِ، فقالَ بهما على رأسِه.
التمندل، وقال: لأن الوضوءَ نورٌ؛ إذ لو كان كما قال لما نفضه عنه، لأنَّ النفضَ
کالمسح في إتلاف ذلك الماء.
و (قولها: ((إنَّ النبيَّ ◌َ﴿ تمضمض واستنشقَ في الغسل))) مُتَمَسَّكٌ لأبي حنيفة حكم المضمضة
في إيجابه المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل؛ وقد تكلّمنا على ذلك في والاستنشاق في
الغسل
الوضوء، ولا متمسّك له فيه ها هنا؛ للاتفاق على أنَّ هذا الوضوءَ في أول الغسل
ليس بواجب، بل مندوبٌ، ولأنَّ المأمورَ به في الغسل ظاهرٌ جِلْد الإنسان
لا باطنه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((فاغسلوا الشّعر وأنْقوا البشر))(١) والبشر:
ظاهر جلد الإنسان المباشر.
و (قول عائشة: ((دعا بشيء نحو الحِلاب))) روايتنا فيه: الحِلاب بكسر الحاء
المهملة، لا يصحُّ غيرها. قال الخطابي: هو إناءً يسع قَدْر حلبة، وقال غيره: إناء
ضخم يُحلب فيه، يقال له: المِحلَب أيضاً، بكسر الميم. قال الشاعر:
صَاحِ هَلْ رَأَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعِ ردَّ في الضَّرْعِ ما تَوى(٢) فِي الِحِلَاَبِ
(١) رواه أبو داود (٢٤٨)، والترمذي (١٠٦)، وابن ماجه (٥٩٧) من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه.
(٢) في (ل): ماقرّ.
1

٥٨٠
(٢) كتاب الطهارة - (٢٦) باب: قدر الماء الذي يُغتسل به
الحلاب: إناء ضخم يحلب فيه.
رواه البخاري (٢٦٢ و ٢٧٢)، ومسلم (٣١٨).
*
*
(٢٦) باب
قدر الماء الذي يُغْتَسَلُ به، وَيُتَوضَّأُ به،
واغتسال الرجل وامرأته من إناء واحد، واغتساله بفضلها
[٢٤٩] عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله وَّهِ كانَ يغتسلُ مِن إِنَاءٍ - هو
الفَرَقُ - من الجَنَابَةِ. قالَ سفيانُ: الفَرَقُ ثلاثةُ آصُعِ.
رواه أحمد (١٦١/٦)، والبخاري (٢٥٠)، ومسلم (٣١٩)،
وأبو داود (٢٣٨)، والنسائي (١٢٧/١).
وقد وَهِمَ مَنْ ظَنَّهُ مِنَ الطِّيب، والذي هو من الطيب هو من المَحْلَب، بفتح
المیم واللام، وكذلك وهم من قال فيه : الجُلاب بالجيم المضمومة، قال الهروي:
وفسّره الأزهري بأنه هنا ماء الورد، قال: وهو فارسي معرب.
(٢٦) ومن باب: قدر الماء
(قوله: ((من إناء هو الفرق))) يقال: بفتح الراء وسكونها، حکاهما ابنُ درید،
وتقديره بثلاثةِ آصُع، وهو قول الجمهور، وقال أبو الهيثم: هو إناءٌ يأخذُ ستة عشر
رطلاً، وقال غيره: هو إناءٌ ضخمٌ من مكاييل العراق، وقيل: هو مكيالُ أهل
المدينة .
و (قول سفيان: ((ثلاثة آصع))) يروى هكذا. ويروى «أصْوُع)) وكلاهما
صحيح الرواية، وهو جمعُ صاع، ويقال: صُواع وصُؤَّع، وهو جمع قلّة، وأصله
أصْوُع، بواو مضمومة كدار وأدور، غير أن من العرب من يستثقل الضمة هنا على