Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(٢) كتاب الطهارة - (١٠) باب: ما جاء في استقبال القبلة واستدبارها
رواه أحمد (١١٢/٣)، والبخاري (٢١٧)، ومسلم (٢٧١).
*
(١٠) باب
ما جاء في استقبال القبلة واستدبارها
بيول أو غائط والنهي عن التخلي في الطرق والظلال
[٢٠٢] عن أبي أيُّوبَ، أَنَّ النبيَّ نَّهِ قالَ: ((إِذَا أَتْيتمُ الغَائِطَ فلا
تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوهَا، بِبَوْلٍ ولا غَائِطِ، ولكنْ شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا)).
و (قوله: ((فيتغسَّل به))) كذا صحَّ بالتَّاء والتَّشديد، وهو يدلُّ على المبالغة في
غَسْل تلك المواضع.
وقد روى أبو داود هذا الحديثَ وزاد فيه: ثم مَسَحَ يَدَه على الأرض. وهي
زيادةٌ حسنة؛ تدلُّ على أنه لا بُدَّ من إزالة رائحة النجاسة في غَسْلها إذا أمكن
ذلك، والله أعلم.
واختلف العلماءُ في الاستنجاء: فقال أبو حنيفة: الاستنجاءُ ليس بفرض، حكم الاستنجاء
وإزالة النَّجاسة فَرْض. وقال الجمهورُ: هو من باب إزالة النَّجاسة، إلا أنهم
اختلفوا في حُكْم إزالتها على ثلاثة أقوال: هل هي فريضةٌ مُطْلقاً، أو سُنَّةٌ مُطْلَقاً،
أو هي واجبةٌ بشرط الذّكر والقدرة؟ وهذا اختلافُ أصحاب مالك عنه.
(١٠) ومن باب: ما جاء في استقبال القبلة ببول أو غائط
(قوله: ((ولكن شرّقوا أو غرّبوا))) هذا الحديثُ قيل لأهل المدينة ومن وراءها النهي عن
استقبال القبلة أو
من أهل الشام والمغرب؛ لأنهم إذا شرّقوا أو غرّبوا لم يستقبلوا القبلةَ، ولم
يستدبروها، فأما من كانت الكعبةُ في شرقٍ بلاده أو غَرْبها فلا يشرّق ولا يغرّب قضاء الحاجة
إكراماً للقبلة. واختلف أصحابُنا في تعليل هذا الحكم: فقيل: إنه مُعلَّل بحرمة
استدبارها عند

٥٢٢
(٢) كتاب الطهارة - (١٠) باب: ما جاء في استقبال القبلة واستدبارها
قال أبو أيوب: فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فوجدَنا مَرَاحِيضَ قد بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلةِ.
فَنْحَرِفُ عَنْها ونستغفرُ اللهَ.
رواه أحمد (٤٢١/٥)، والبخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤)،
وأبو داود (٩)، والترمذي (٨)، والنسائي (٢١/١ -٢٢).
[٢٠٣] وعن ابنِ عُمرَ، قالَ: رَقِيْتُ على بَيْتِ أُختي حَفْصَةَ فرأيتُ
رسولَ اللهِوَ﴿ قَاعِداً لحاجتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَذْبِرَ القِبْلَةِ.
القِبْلة، وقيل: بحرمة المصلِّين من الملائكة. والصَّحيحُ الأول، بدليل ما رواه
الدّار قطني مُرْسلاً عن طاووس مرفوعاً: ((إذا أتى أحدُكم البرازَ فليكرم قِبْلَةَ الله، فلا
يستقبلها ولا يستدبرها)»(١)، وقول أبي أيوب: فنتحرف عنها، ونستغفر الله، دليلٌ
على أنه لم يبلغه حديثُ ابن عمر، أو لم يَرَهُ مُخَصِّصاً، وحُمِل ما رواه على
العموم.
و (قول ابن عمر: رقيت على بيت أختي حفصة) هذا الرقي من ابن عُمَر
الظاهِرُ منه أنه لم يكنْ عن قَصْد الاستكشاف، وإنما كان لحاجةٍ غير ذلك. ويُحتمل
أن يكونُ ليطّلع على كيفية جلوس النَّبِي وَّه للحَدَث، على تقدير أن يكونَ قد
استشعر ذلك، وأنه تحفّظ من أن يَطّلع على ما لا يجوزُ له، وفي هذا الثَّانِي بُعْدٌ،
وكونه ◌َ﴿ على لَبِنَتَيْن يدلُّ لمالك على قوله: إذا اجتمع المرحاضُ المُلْجِىء
والسّاتِرُ جاز ذلك.
واستقبالُه بيت المقدس يدلُّ على خلاف ما ذَهَبَ إليه النّخعي وابن سيرين،
فإنهما منعا ذلك، وما رُوي من النَّهي عن استقبال شيءٍ من القِبْلَتَيْن بالغائط
لا يصحّ؛ لأنه من رواية عبدالله بن نافع مولى ابن عمر، وهو ضعيفٌ؛ وقد ذهبَ
(١) رواه الدارقطني في سننه (١/ ٥٧).

٥٢٣
(٢) كتاب الطهارة - (١٠) باب: ما جاء في استقبال القبلة واستدبارها
وفي روايةٍ: قاعِداً على لَبِنَتَيْنِ مُستقبلاً بيتَ المَقْدِسِ.
رواه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦)، وأبو داود (١٢)، والترمذي
(١١)، والنسائي (٢٣/١).
بعضُ من مَنَع استقبالَ القبلةِ واستدبارها مُطْلقاً: إلى أنَّ حديثَ ابن عمر
لا يصلحُ تخصيص حديث أبي أيوب؛ لأنه فِعْلِ في خَلْوة، وهو محتملٌ
للخصوص. وحديث أبي أيوب قولٌ قُعُدتْ به القاعدةُ، فبقاؤه على عمومه أولى،
والجواب عن ذلك أن نقول: أما فعله عليه الصلاة والسلام فأقلُّ مراتبه أن يُحْمَلَ
على الجواز بدليلٍ مُطْلَق اقتداء الصَّحابة بفعله، وبدليل قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَلَكُمْ
فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وبدليل قوله له لعائشة حين سألتها
المرأةُ عن قُبلة الصائم: ((ألا أخبرتها أني أفعل ذلك))(١)؟! وقالت عائشة: فَعَلْتُه أنا
ورسول الله ﴿ فاغتسلنا، يعني: التقاء الختانين(٢)، وقَبِل ذلك الصّحابة وعَمِلُوا
عليه. وأما كون هذا الفعل في خلوة فلا يصلحُ مانعاً من الاقتداء؛ لأنَّ الحدثَ كلّه
كذلك يُفْعَل، ويمنع أن يُفْعَل في الملأ، ومع ذلك فقد نُقِلَ وتُحدِّث به، سيما
وأهل بيته كانوا ينقلون ما يفعلُه في بيته من الأمور المشروعة(٣). وأما دعوى
الخصوص فلو سَمِعها النَّبي ◌َ﴿ لغضب على مدعيها [وأنكر ذلك] (٤) كما قد
غضب على من ادّعى تخصيصه بجواز القُبلة، فإنه غضب عليه؛ وأنكر ذلك وقال:
«والله إني لأخشاكم للهِ وأعلمكم بحدوده»(٥) و کیف یجوز توهّم هذا؟ وقد تبيّن أن
(١) رواه مالك في الموطأ (٢٩١/١ و٢٩٢).
(٢) رواه أحمد (٢٣٩/٦).
(٣) في (م) : الشرعية.
(٤) من (ع).
(٥) رواه مالك في الموطأ (٢٩٣/١) بلفظ: ((والله! إني لأتقاكم ... )).

٥٢٤
(٢) كتاب الطهارة - (١٠) باب: ما جاء في استقبال القبلة واستدبارها
[٢٠٤] وعن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((اتَّقُوا اللَّعِنَيْنِ))
قَالُوا: ومَا اللَّعِنانِ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((الذي يَتَخَلَّى في طَريقِ النَّاس أو
في ظِلِّهم)).
رواه أحمد (٣٧٢/٢)، ومسلم (٢٦٩)، وأبو داود (٢٥).
ذلك إنما شُرع إكراماً للقِبلة وهو أعلمُ بحرمتها وأحقّ بتعظيمها، وكيف يستهينُ
بحرمة ما حرّم الله؟ هذا ما لا يصدرُ توهّمه إلا من جاهلٍ بما يقول، أو غافلٍ عما
کان یحترمه الرسول ﴾﴾.
التخلي في
الطرق والظلال
و (قوله: ((اتقوا اللاعنين))، قالوا: وما اللاعنان؟) يُروى هكذا. وصحيحُ
، روايتنا: ((اللعانين)). قالوا: وما اللعانان؟ بالتشديد على المبالغة. وكلاهما
صحيح، وقد تقدَّمَ القولُ: أن اللعنَ: الطرد والبعد، وقد فسّرها: بالتخلّي في
الطّرق والظّلال، وجاء في الترمذي من حديث معاذ مرفوعاً: ((اتقوا الملاعنَ
الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظلّ بخرأة)) (١). وسُمِّيت هذه
ملاعن لأنها تجلبُ اللعن على فاعلها العادي والشّرعي؛ لأنه ضررٌ عظيم
بالمسلمين؛ إذ يعرّضهم للتنجيس، ويمنعهم من حقوقهم في الماء والاستظلال
وغير ذلك.
ويُفهم من هذا: تحريم التخلّي في كلّ موضع كان للمسلمين إليه حاجة،
کمجتمعاتهم، وشجرهم المثمر، وإن لم یکن له ظلال وغير ذلك.
(١) لم يروه الترمذي، بل رواه أبو داود (٢٦)، وابن ماجه (٣٢٨) وآخره عندهما: ((في
الظل))، ورواه الحاكم (١٦٧/١) وآخره: ((للخرأة)).

٥٢٥
(٢) كتاب الطهارة - (١١) باب: ما جاء في البول قائماً
(١١) باب
ما جاء في البول قائماً
[٢٠٥] عن أبي وَائلِ، قالَ: كانَ أبو مُوسى يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ، ويبولُ
فِي قَارُورَةٍ، ويقولُ: إنَّ بني إسرائيلَ كَانُوا إذا أصابَ جِلْدَ أَحْدِهم بَوْلٌ
قَرَضَهُ بالمقَاريضِ. فقالَ حُذيفةُ: لوددتُ أنَّ صَاحِبَكُم لا يُشَدِّدُ هذا
التَّشْدِيْدَ، فلقدْ رأَيتني أَنَا ورسولُ اللهِ لهَ نتماشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَومٍ خَلْفَ
(١١) ومن باب: ما جاء في البول قائماً
(قول أبي موسى: ((إنَّ بني إسرائيل كانوا إذا أصاب جلدَ أحدهم بولُ
قرضه))) يعني الجلود التي كانوا يلبسونها، وقد سمعتُ بعضَ أشياخي من يحملُ
هذا على ظاهره، ويقول: إنَّ هذا كان من الإصر الذي حُمِّلوه، والله تعالى أعلم.
((وقرضه)): قطعه. والسباطة: المِزْبلة. وقول حذيفة: ((فانتبذت منه)) أي: صرت
منه بعیداً.
واختلف العلماء في البول قائماً؛ فمنعه قومٌ مطلقاً، منهم: عائشة، حُكْمِ البول
وابن مسعود. وقد ردَّ سعد بن إبراهيم شهادةَ مَن بال قائماً. مُتمسّكين في ذلك بما قائماً
رُوي عن النبي ◌َّي، أنه قال لعمر وقد رآه يبولُ قائماً: (يا عمر! لا تبل قائماً) قال:
فما بلتُ قائماً بَعْدُ(١). وبقول عائشة: من حدَّثكم أن النبيَّ ◌َه كان يبولُ قائماً فلا
تُصدِّقوه، وما كان يبول إلا قاعداً (٢). وذهب الجمهورُ إلى جواز ذلك؛ إذا أمن
مما يؤدِّي إليه: من تطاير البول، وانكشاف العورة. مُستدلِين بحديثٍ حُذيفة هذا،
منفصلين عن حديث عُمَر، فإنَّ في إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو
ضعيف، وعلى تقدير تَسْليم صحّته فكأن ذلك لما يُؤدِّي إليه من التّطاير
(١) رواه الترمذي (١٢).
(٢) رواه الترمذي (١٢)، والنسائي (٢٦/١).

٥٢٦
(٢) كتاب الطهارة - (١١) باب: ما جاء في البول قائماً
خَائطٍ، فقامَ كما يقومُ أحدُكم، فبالَ فانتبذتُ مِنه، فأشار إليَّ فجئتُ،
فقمتُ عندَ عَقِهِ حتَّى فَرَغَ.
زاد في رواية: فَتَوضَّأَ فمسحَ علی خُفَّيْهِ.
رواه البخاري (٢٢٦)، ومسلم (٢٧٣)، وأبو داود (٢٣)، والترمذي
(١٣)، والنسائي (٣٥/١).
والانكشاف، وعن حديث عائشة: فإنها أخبرت عمّا أدركته من النبيِ وَ ﴿، ولا شكَّ
في أنَّ بَوْلَه قاعداً، كان أكثرَ أحواله، ولا يلزمُ من قولها تكذيب حذيفة، إذ هو
العالِمِ العَلَم المرجوُ إليه في قبول الأحاديث بإجماع الصَّحابة. وقد انفصل
المانعون عن حديث حُذيفة: باحتمال أن يكونَ فَعَلَهُ لجرح بمأبضيه(١) أو لنجاسة
الشُّباطة، فلم يمكنه القعودُ فيها، أو لأنه كان بين الناس ولم يمكنه التباعد، لأن
البولَ حَفَزَه؛ فبال قائماً، لئلا يخرجَ منه حَدَث، كما جاء عنه أنه قال للذي كان
معه: ((تنعَّ عني، فإنَّ كل بائلة تفيخ))(٢).
والجواب: أنَّ هذه الأوجهَ وإن كانت محتملة، إلا أنَّ حذيفةَ كان شاهداً
لحالته كلّها. واستدلّ بهذا الفعل على جَواز البول قائماً، وعلى تَرْك التعمّق في
التحرُّز من النجاسة، فلو كان هناك شكٍّ من تلك الاحتمالات لما استدلَّ به، ولنقل
التواري عند ذلك المعنى، والله أعلم. وكون النَّبِيِ ﴿ لم يَتَوَارَ على خلافِ عادته لأنَّ البولَ
التبول
حَفَزه، والله أعلم. ومع ذلك فارتاد لبوله السّباطة خلف الحائط، ويقال: إنه
استقبلَ الجدارَ، واستتر من المارِّين خَلْفه بحذيفة، ولذلك دعاه فقام عند عقبه حتى
فرغ، والله تعالى أعلم.
(١) ((المأيض)): باطن الركبة.
(٢) في حاشية (ل): ذكره ابن الأثير في ((النهاية)) له في مادة الباء، وعزاه إلى أبي موسى
الأصبهاني. انظر: النهاية (١٦٣/١) وفيه: يعني أنَّ مَن يبول يخرج منه الريح.

٥٢٧
(٢) كتاب الطهارة - (١٢) باب: المسح على الخفين والتوقيت فيه
(١٢) باب
المسح على الخفين والتوقيت فيه
[٢٠٦] عن همَّام، قالَ: بالَ جريرٌ، ثمَّ تَوَضَّأَ، ومسحَ على خُفَّيْهِ،
فقيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ فقالَ: نعم. رأيتُ رسولَ الله وَ ◌ّهِ بَالَ، ثمَّ تَوَضَّأْ ومَسَح
علی خُفَيْهِ.
(١٢) ومن باب: المسح على الخفّين
أنكر طائفةٌ من أهل البِدَع المسحَ على الخفّين في السَّفر والحَضَر،
كالخوارج، لأنهم لم يجدوه في القرآن، على أصلهم وردّهم أخبار الآحاد،
وأنكرته الشيعةُ لما رُوِي عن عليّ أنه كان لا يمسح، وأنكره غيرُ هؤلاء زاعمين أن
التمشُّكَ بآية الوضوء أولى؛ إمَّا لأنها ناسخةٌ لما تقدّمها من جَوَاز المسح الثّابت
بالسنة، وإمَّا لأنها أرجحُ من أخبار الآحاد.
وأمَّا جمهورُ العلماء من السَّلف وأئمّة الفتوى فالمسحُ عندهم جائز. قال جواز المسح
الحسن: حدَّثني سبعون من أصحاب رسول الله وَلي أنه مسح على الخفين، ثم إنه على الخفين
قد وَرَدَ من الأحاديث الصَّحيحة والمشهورة ما يُفيد مجموعُها القطعَ بأن النبيَّ ◌َّ
مَسَحَ على الخفين. وقد روي عن مالك إنكار المسح على الخفين، وليس ذلك
بصحيح مطلقاً، وإنما الذي صحَّ عنه من رواية ابن وهب في هذا؛ أنه قال:
لا أمسحُ في حضر ولا سفر، نقلها أبو محمد بن أبي زيد في ((نوادره)) وغيره،
فظاهر هذا أنه اتَّقاه في نفسه، وقد روى ابنُ [نافع في ((المبسوط)) عن](١) مالك:
ما يزيل كلَّ إشكال، أنه قال له عند موته: المسح على الخفين في الحضر والسفر
صحيح، يقين، ثابت، لا شكَّ فيه، إلا أني كنت أجدُ في خاصّة نفسي بالطهور،
(١) ساقط من (م).

٥٢٨
(٢) كتاب الطهارة - (١٢) باب: المسح على الخفين والتوقيت فيه
قال إبراهيمُ: كان يُعجبُهم هَذا الحديثُ، لأنّ إسلامَ جَرِيرٍ كانَ بعدَ
نُزُولِ المَائدةِ.
رواه أحمد (٣٥٨/٤)، والبخاري (٣٨٧)، ومسلم (٢٧٢)،
وأبو داود (١٥٤)، والترمذي (٩٣)، والنسائي (١/ ٨١).
ولا أرى مَن مسح مُقَصِّراً فيما يجبُ عليه، وعلى هذا حمل أحمدُ بنُ حنبل قولَ
مالك.
كما رُوي عن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا أخفافَهُم، وخَلَع هو وتوضَّأ،
وقال: حُبِّب إليّ الوضوء. ونحوه عن أبي أيوب. قال الشيخ - رحمه الله -: وعلى
هذا يُحمل ما رُوي عن عليّ. قال أحمدُ بن حنبل: فمن تَرَكَ ذلك على نحو
ما تركه عمر، وأبو أيوب، ومالك، لم أنكره عليه، وصَلَّينا خلفه ولم نَعِبْه إلا أن
يترك ذلك ولا يراه - كما صنع أهل البدع - فلا نصلّي خَلْفه.
فأما مَن أنكر المسحَ في الحضر - وهي أيضاً روايةٌ عن مالك - فلأن أكثرَ
أحاديث المسح إنما هي في السَّفر. والصَّحیحُ جوازُ المسح فیه، إذ هو ثابتٌ عن
النَّبِي ◌َّهُ من قوله وفِعْله، وحديث السّباطة مما يدلُّ عليه؛ حيث كانت السّباطةُ
خلفَ الحائط، بل قد رُوي في ذلك الحديثُ عن حذيفة، قال: كنتُ مع النبي وَله
بالمدينة ... وذكر الحديث، وقد روى أبو داود عن بلال: أنَّ النبي ◌َّ دخل
الأسواق لحاجته، ثم خرج فتوضأ، ومسح على خفيه(١) والأسواقُ: موضعٌ
بالمدينة، وسيأتي حديثُ عليّ في توقيت المسافر والمقيم(٢).
· و (قول النخعي: ((كان يعجبهم))) يعني: أصحاب عبد الله، وقد جاء في
(١) رواه أبو داود (١٥٣).
(٢) يأتي برقم (٢٠٨).

٥٢٩
(٢) كتاب الطهارة - (١٢) باب: المسح على الخفين والتوقيت فيه
[٢٠٧] وعن المغيرة، قالَ: كنتُ مع النبيِّ وَ﴿ِ ذاتَ ليلةٍ في مَسيرٍ
فقال لي: ((أمعكَ مَاءُ))؟ قلتُ: نعم. فنزلَ عن راحلتِهِ، فمشَی حتَّى تَوارَی
في سَوادِ اللَّيلِ، ثم جَاءَ، فأفرغتُ عليه من الإِداوةِ - فغسلَ وجهَه. وعليه
جُبَّةٌ مِن صُوفٍ - وفي رواية: شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الكُمَّيْنِ - فلم يستطعْ أنْ يُخرجَ
رواية مفسراً هكذا. وإنما أعجبهم ذلك لأنه إنَّما رأى النبيَّ ◌َ ﴿ بعد أن أسلم،
وأسلم بعد نزول المائدة، فمسح النبي ﴿ بعد نزول المائدة، فلا تكون آيةُ الوضوء آية الوضوء
التي في المائدة ناسخة للسنّة [الثابتة في ذلك](١) ولا مُرَجَّحةً عليها، خلافاً لمن ليست ناسخة
للمسح الثابت
ذهب إلى ذلك.
في السنة
و (قوله في حديث المغيرة: ذات ليلة) أي: ليلة من الليالي، وهي منصوبةٌ
على الظّرفية، كما تقول: ذات مرة، أي: مرة من المرات، ويُقال للمذكّر:
ذا صباح وذا مساء، كما قال الشاعر (٢):
عَزَمْتُ على إِقامة ذِيْ صَبَاحِ
لأمرٍ ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ
وكان هذا المسيرُ في غزوة تبوك، كما في الموطأ. والمسير: السير، وقد
يكون: الطَّريق الذي يُسار فيه. وتوارى: غاب. والإدارة: الإناء من الجلد، وفي
طريق آخر: مطهرة، وفيه حجّة للجماعة في جواز صبّ الماء على المتوضّىء. وقد صبّ الماء على
رُوي عن عمر وابنه كراهة ذلك، وقد روي عنهما خلاف ذلك. فَرُوي عن عمر: المتوضئء
أنَّ ابنَ عبَّاس صبَّ على يديه الوضوء. وقال ابنُ عمر: لا أبالي، أعانني رجلٌ على
وضوئي وركوعي وسجودي(٣). وهو الصّحيح.
جواز الاقتصار
وفيه دليلٌ على جواز الاقتصار على فروض الوضوء، دون السنن، إذا على فروض
الوضوء
(١) ساقط من (ع).
(٢) هو أنس بن نَهِيك.
(٣) رواه أبو جعفر الطبري كما في فتح الباري (٢٨٦/١).

٥٣٠
(٢) كتاب الطهارة - (١٢) باب: المسح على الخفين والتوقيت فيه
ذراعيْهِ منها، حتَّى أخرجَهما مِن أسفلِ الجُبَّةِ. فغسلَ ذراعيْهِ، ومسحَ
برأسِه، ثم أَهْوَيْتُ لُأَنْزِعَ خُفَيْهِ، فقالَ: ((دَعْهُما، فإِنِّي أدخلتُهما طَاهِرَتَيْنِ))
ومسحَ علیھما.
أرهقت إلى ذلك ضرورة، ويُحتمل أن يكونَ النَّبِي ◌َّهِ فَعَلَها ولم يذكرْها المغيرة،
والظّاهِرُ خلاف، وقد روى البخاري من حديث عبد الله بن زيد: أنه عليه الصلاة
والسلام اقتصر على الفروض (١)، وقد قدّمنا قوله للأعرابي: ((توضَّأ كما أمرك
الله))(٢)، وفيه دليلٌ على أن يسيرَ التفريق في الطهارة لا يفسدها. قال أبو محمد
عبد الوهاب: لا يختلف في أن التفريقَ غير المتفاحش لا يُفْسِد الوضوء. واختلف
في الكثير المتفاحش. فروي عن ابن وهب: أنه يفسده في العَمْد والسّهو، وهو
أَحْدُ قولي الشّافعي، وحُكي عن ابن عبد الحكم أنه لا يفسده في الوجهين، وبه قال
أبو حنيفة، والشّافعي في قول آخر. وعند ابن القاسم: أنه يُفسده مع العَمْد أو
التّفريط، ولا يفسده مع السهو، وقال أبو الفضل عياض: إن مشهورَ المذهب أنَّ
الموالاةَ سُنةٌ. وهذا هو الصَّحيحُ، بناءً على ما تقدم: من أن الفرائضَ محصورةٌ في
الآية، وليس في الآية ما يدلُّ على الموالاة. وإنما أُخذت من فِعْل النَّبِي ◌َِّ، وإذ
لم يُرْوَ عنه قطّ أنه فرّق تفريقاً متفاحشاً. واختلف في الفَرْق بين اليسير والكثير؛
فقيل: ذلك يرجعُ إلى الاجتهاد، وليس فيه حَدٌّ. وقيل: جفاف الوضوء هو الكثير.
وفيه دليلٌ على أنَّ الصوفَ لا ينجس بالموت؛ لأن الجبةَ كانت من عَمَل الشام،
والشام إذ ذاك بلاد الكفر والشرك من مجوس وغيرهم، وأكثر مأكلهم ميتة، ولم
يسأل عن ذلك وَ﴿ ولا توقَّفَ فيه.
التفریق غیر
المتفاحش
لا يفسد الوضوء
الصوف
لا ینجس بالموت
وفيه دليلٌ على لباس الضَّيِّق والتَّشمير للأسفار.
و (قوله: ((دعهما، فإني أدخلتهما وهما طاهرتان))) حَمَل الجمهورُ هذه
طهارة القدمين
شرطٌ للمسح
على الخفين
(١) سبق تخريجه برقم (١٧٣).
(٢) سبق تخريجه ص (٤٨٢).

٥٣١
(٢) كتاب الطهارة - (١٢) باب: المسح على الخفين والتوقيت فيه
رواه أحمد (٢٥١/٤)، والبخاري (٥٧٩٩)، ومسلم (٢٧٤)، وأبو
داود (١٤٩ و١٥٠ و١٥١)، والترمذي (٩٧ - ١٠٠)، والنسائي
(٨٢/١).
[٢٠٨] وعن شُريح بن هَانىءٍ، قالَ: أتيتُ عائشةَ أَسألُها عن المَسْح
على الخُفَّيْنِ. فقالتْ: عَليكَ بابنِ أبِي طَالِبٍ فَسَلْهُ. فإِنَّه كانَ يُسَافِرُ معَّ
رسولِ الله ◌ِ﴾. فسأَلْناه، فقالَ: جعلَ رسولُ اللهِ وَّه ثلاثَة أَيَّامٍ وَلَّيَالِيَهُنَّ
للمُسافِرِ، ويَوْماً وليلةً للمُقيمِ.
رواه مسلم (٢٧٦)، والنسائي (٨٤/١).
#
الطهارةَ على العرفية، وهي طهارةُ الحدث، وخصّوها بالماء؛ لأنه الأصل،
والطهارةُ به هي الغالبة، ورأى أصبغ: أن طهارةَ التيمّم تدخل تحت مطلق قوله:
((هما طاهرتان))، وقيل عنه: إنه بناه على أن التيُّمَ يرفعُ الحدث، وذهب داود إلى
أن المرادَ بالطهارة هنا: هي الطهارةُ من النّجس فقط، فإذا كانت رجلاه طاهرتين
من النَّجاسة جاز المسحُ على الخفّين، وسببُ الخلاف: الاشتراكُ في اسم
الطّهارة.
و (قوله(١) في حديث علي: ((جعل رسولُ اللهِ وَ﴿ ثلاثةَ أيام ولياليهن للمسافر مَُّّة المسح على
ويوماً وليلةً للمقيم))) نصّ في اشتراط التَّوقيت في المسح، وبه أخذ أبو حنيفة، الخفين
والثوري، وأصحاب الحديث، والشّافعي، ومالك وأحمد في أحد قوليهما،
ومشهورُ مذهب مالك: أنه لا توقيت فيه، وهو قولُ الأوزاعي والليث، والقول
(١) قدّمنا هذه الفقرة من حديث علي برقم (٢٠٨) كي تتوافق مع شرح الحديث في الباب
(١٢).

٥٣٢
(٢) كتاب الطهارة - (١٣) باب: المسح على الناصية والعمامة والخمار
(١٣) باب
المسح على الناصية والعمامة والخمار
[٢٠٩] عن المغيرة، قال: تَخَلَّفَ رسولُ اللهِوَِّ وتخَلَّفْتُ معه.
فلمَّا قَضَى حاجته قالَ: ((أَمَعَكَ مَاءٌ؟)) فأتيتُهُ بِمَطْهَرَةٍ، فغسلَ كَفَّيْهِ ووجهَه،
ثم ذهبَ يَحْسِرُ عن ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمُّ الجُبَّةِ، فأخرجَ يدَه من تحتِ الجُبَّةِ،
وألقَى الجُبَّةَ على مَنْكِبَيْه، وغسلَ ذِرَاعَيْهِ، ومسحَ بناصيتِهِ وعلى العِمامَةِ
الآخر للشافعي، وأقوى ما يُتَمَسَّك به لمشهور مذهب مالك حديث عقبة بن
عامر، الذي خرّجه الدّار قطني، وصحّحه، قال: خرجتُ من الشام إلى المدينة يوم
الجمعة، فدخلتُ المدينة يوم الجمعة، ودخلتُ على عمر، فقال لي: متى أولجتَ
خفّيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، فقال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا، قال:
أصبت السنة(١). ومثل هذا يَشِيع، ولم ينكره أحد، مع أنه قال فيه: أصبت السنة.
وهو مُلْحَق بالمسند المرفوع، وأما حديث أبي عِمارة الذي قال فيه: امسخ ما شئتَ
ما بدا لك. فقال فيه أبو داود: ليس بالقوي، ومالُ هذا: أن حدیثَ عقبة ◌ُعارض
حديث علي، غير أنَّ حديث عُقبة وافقه عَمَل الصَّحابة، فهو أولى عنده. والله
تعالى أعلم.
(١٣) [ومن باب: المسح على الناصية والعِمامة والخمار](٢)
( قوله، في الرّواية الأخرى: ((ومسح بناصيته وعلى العمامة))) تمسّك
أبو حنيفة وأشهب من أصحابنا بهذا الحديث على إجزاء مَسْح النَّاصية فقط،
ولا حُجَّة لهما فيه، فإنَّ النبيَّ ◌َ﴿ لم يقتصرْ عليه، وأنه مَسَحَ على النَّاصية، وعلى
(١) رواه الدارقطني في سننه (١٩٦/١).
(٢) هذا الباب سقط من المفهم، وأثبتناه من التلخيص.
۔۔

٥٣٣
(٢) كتاب الطهارة - (١٤) باب: المسح على الناصية والعمامة والخمار
وعلى خُفَيْهِ. ثم ركبَ وركبتُ، فانتهينا إلى القَوْم وقد قَامُوا في الصَّلاة،
يُصلِّي بهِم عبدُ الرحمن بن عَوْف، وقد ركعَ بَهم ركعةً. فلمَّا أحسَّ
بالنبيِّ ◌َ﴿ِ ذهبَ يَتَأَخَّرُ، فأوماً إليه، فصلَّى بهم. فلمَّا سَلَّمَ قامَ النبيُّ ◌َِله
وقمتُ. فركَعْنا الرَّكعةَ التي سَبَقَتْنا.
كلِّ العمامة. واحتجَّ به الشافعي، وأحمدُ بن حنبل: على جواز المسح على
العمامة، وأنه يجزىء. ولا حُجَّة لهما فيه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقتصر
عليها، بل مسح معها الناصية. واشترطَ بعضُ مَن أجاز المسحَ على العمامة أن
يكونَ لَبِسَها على طهارةٍ كالخفّين، وزاد بعضُهم: أن تكونَ بحنك(١)، ليكون في
نزعها مشقة. وذهب مالك وجُلُّ أصحابه إلى أنَّ مَسْحَ الرأس على حائلٍ لا يجوزُ،
تمسكاً بظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وهذا يقتضي
المباشرة، كقوله في التيمم: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُومِكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] إلا أن يدعو إلى
ذلك ضرورةُ مرضٍ أو تخوّفٍ على النفس، فحينئذٍ يجوز المسحُ على الحائل،
كالحال في الجبائر والعصائب(٢). وحمل بعضُ أصحابنا هذا الحديثَ: على أنه
عليه الصلاة والسلام كان به مرضٌ مَنَعَهُ من كَشْف رأسه كلِّه، أو توقّعه توقعاً
صحيحاً، وهذه طريقةٌ حسنة، فإنه تمسّك بظاهر الكتاب وتأول هذه الواقعة المعينة
[ويتأيد تأويله](٣) بأمرين:
أحدهما: أن هذه الواقعة كانت في السفر، وهو مظنّة الأعذار والأمراض.
والثاني: أنه مَسَح من رأسه الموضعَ الذي لم يؤلمه أو لم يتوقّعْ فيه شيئاً.
ومَسْحُه عليه الصلاة والسلام جميعَ العِمامة دليلٌ لمالك: على وجوب عموم مسح عموم
الرأس، إذ قد نزَّل العِمامة عند الضرورة منزلةَ الرأس، فمَسَح جميعَها، كما فَعَل الرأس
(١) أي: تُدار العِمامة من تحت الحَنَّك.
(٢) ((العصائب)): جمع عصابة، وهي: ما يعصب به الجرح.
(٣) مابين حاصرتين سقط من (ع) واستدرك من عدّة نسخ.
۔

٥٣٤
(٢) كتاب الطهارة - (١٣) باب: المسح على الناصية والعمامة والخمار
وفي رواية: فأفزعَ ذلكَ المسلمينَ، فأكثِرُوا التسبيحَ. فلمَّا قَضَى
النبيُّ ◌َّهِ صلاتَه، أقبلَ عليهم، ثم قالَ: ((أحسنتُم (أوْ قَدْ أصبتُم)) يَغْبِطُهم
أنْ صَلَّوا الصَّلاةَ لِوَقْتِها.
رواه مسلم (٢٧٤).
[٢١٠] وعن بلالٍ، أنَّ رسولَ الله ل ◌َّهِ مسحَ على الخُفَيْنِ والخِمَارِ.
رواه أحمد (١٢/٦ و١٣)، ومسلم (٢٧٥)، وأبو داود (١٥٣)،
والترمذي (١٠١)، والنسائي (٧٥/١ - ٧٦).
في الخَفّين. والله تعالى أعلم. ومبادرةُ أصحاب النَّبِي وَّ إلى تَقْديم عبد الرحمن
عند تأخّر النّبِي ◌َ ﴿ عن الوقت الذي كان يُوقع فيه الصَّلاة، فيه دليل: على
الصلاة لوقتها محافظتهم على أول الوقت، وبه احتجّ الشَّافعيُّ وغيره على هذا، ويحتمل: أن
يكونوا يئسوا من وصوله إليهم في الوقت بتقديرهم، أنه أخذ في طريق أخرى، أو
أنه عرَّس(١)، أَا ترى فَزَعهم حين أدركهم النبيُّ ◌َ ﴾ يصلّون؟! فدل: على أنهم لم
يبادروا إلى أول الوقت، ولا أخّروها آخره، والأشبه: أنهم انتظروه إلى الوقت
المعهود، بدليل قوله: ((فغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها)) فلما خرج ذلك الوقت؛
تأولوا أنه صلّى أو أخذ طريقاً أخرى، أو أنه عرَّس، فقدَّموا عبد الرحمن. وفيه
أبوابٌ من الفقه لا تخفى على مُتأمُّل.
و ((المطهرة)): الإناء الذي يُتَطَهَّر به. و((يحسر عن ذراعيه)): يكشف عنهما.
((الناصية)): مقدم شعر الرأس.
و (قوله في حديث بلال: مَسَحَ على الخفّين والخِمار)))، الخِمار هنا: هي
(١) ((عرَّس)): نزل آخر الليل للراحة.

٥٣٥
(٢) كتاب الطهارة - (١٤) باب: فعل الصلوات بوضوء واحد
(١٤) باب
فعل الصلوات بوضوء واحد، وغسل اليدين
عند القيام من النوم، وأن النوم ليس بحدث
[٢١١] عن بُريدةَ، أنَّ النبيَّنَّهِ صَلَّى الصَّلواتِ يومَ الفَتْح بوُضُوءٍ
واحدٍ. ومسحَ على خُفَّيْهِ. فقالَ له عُمر: لقدْ صنعتَ اليومَ شَيئاً لم تكنْ
تَصْنَعُهُ، فقالَ: ((عَمْداً صنعتهُ يا عُمَرُ)).
العِمامة. سُمِّيت بذلك لتخميرها الرأس، شبَّهها بخِمار المرأة، ولم يختلفْ مَن
أجاز المسحَ على العِمامة في مَنْع مَسْح المرأة على خِمارها؛ إلا بشيء رُوي عن
أم سلمة وعن أنس في مَسْحه على القلنسوة، وفَرْقُ ما بين العِمامة والخِمار عندهم
أن العِمامة يشقُّ نَزْعُها لا سيما إن كانت بِحَنَك، ولورود الرخصة فيها عندهم، ولم
يرد في الخِمار للمرأة. والله أعلم.
(١٤) ومن باب: فعل الصلوات بوضوء واحد
(قوله: ((عمداً فعلتُه يا عمر))) أي: قَصْداً، ليبين للناس: أنه يجوزُ أن يُصَلَّى
بوضوء واحد صلوات، وهذا أمرٌ لا خلافَ فيه، وعليه ما ذهبَ إليه بعضُ الناس:
أن الوضوءَ لكلِّ صلاةٍ كان فَرْضاً خاصّاً بالنَّبِي وَ﴿، وأنه نَسَخ ذلك بفعله هذا.
قال الشّيخ: ولا يصحُّ أنه كان فَرْضاً على النَّبِي وَلِّ، وإنما كان يفعله ابتغاءً
لفضيلة التَّجديد، كما في حديث أنس أنه قال: ((كان رسولُ اللهِ وَله يتوضَّأ لكلِّ
صلاةٍ طاهراً وغير طاهر، قيل لأنس: كيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنّا نتوضَّأ
وضوءاً واحداً))(١). خرّجه التِّرمذيُّ وقال: إنه صحيح.
(١) رواه البخاري (٢١٤)، وأبو داود (١٧١)، والترمذي (٥٨ و٦٠)، والنسائي (٨٥/١).
أ

٥٣٦
(٢) كتاب الطهارة - (١٤) باب: فعل الصلوات بوضوء واحد
رواه مسلم (٢٧٧)، وأبو داود (١٧٢)، والترمذي (٦١)، والنسائي
(٨٦/١).
[٢١٢] وعن أبي هُرِيرَة، أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ قَالَ: ((إذا استيقظَ أحدُكم من
نومِهِ. فلا يَغْمِسْ يدَه في الإناءِ حتَّى يَغْسِلَها ثَلاثاً. فإنَّه لا يَدْرِي أينَ باتَتْ
يَدُهُ».
رواه أحمد (٢٤١/٢)، والبخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٣٨)،
وأبو داود (١٠٣ - ١٠٥)، والترمذي (٢٤)، والنسائي (٦/١ - ٧).
غسل الیدین قبل
إدخالهما في
الإناء
و (قوله: ((إذا استيقظ أحدُكم من نومه فلا يغمس يَدَه في الإناء))) تمسَّك
داود والطّبري بظاهر هذا الخبر؛ فأوجبا: غَسْل اليدين على من قام من النوم لَيْلاً،
أو نهاراً، للوضوء، وحَكَما: بأن الماءَ ينجس إن لم يغسل يديه قبل أن يُدخلهما
فيه، وخصّه ابنُ حنبل وبعضُ أهل الظَّاهر بنومِ الليل خاصّةً، لأنهما فَهِما من لفظ
البيات نوم الليل. لما رواه أبو داود في هذا الحديث حيث قال: ((إذا استيقظ
أحدُكم من الليل)) وذكر الحديث. وذهب الجمهورُ إلى أنَّ ذلك على جهة
الاستحباب، بدليل تعليله في آخره بقوله: ((فإنه لا يدري أين باتتْ يَدُه)). ومعنى
ذلك: أن يَدَ النائم تجولُ في مغابنه ومواضع استجماره، وأعراقه، فقد يتعلّق باليد
منها شيءٌ فيؤدِّي إلى إفساد الماء، على قول من يرى: أن قليلَ النجاسة ينجس
قليل الماء، أو إلى عيافته على قول من يرى أنها لا تنجسه إلا أن تغيّره، واحتجَّ
أصحابُ الشَّافعي بهذا الحديث على الفَرْق بين ورود النَّجاسة على الماء، وبين
ورود الماء على النَّجاسة؛ ولا يصحّ لهم ذلك حتى يصحّ لهم أنَّ هذا الحديثَ يفيدُ
أن قليلَ النّجاسة ينجس الماء وإن لم تغيّره، وذلك ممنوع؛ فإنه يحتملُ أن يكون
نَهْيُه عن ذلك؛ لأنه يصيرُ الماء مما يُعاف، لا أنه ينجس. والله تعالى أعلم.
ومن هذا الحديث فهم أشهب أنَّ حُكْم غَسْل اليد في الوضوء الاستحباب
للشاكّ في نظافة يده، وقد قدَّمنا مأخذَ ابن القاسم.

٥٣٧
(٢) كتاب الطهارة - (١٤) باب: فعل الصلوات بوضوء واحد
[٢١٣] وعن أنس، قالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، والنبيُّ ◌َ﴿ يُنَاجِي رَجُلاً،
لم يزلْ يُناجيهِ حتَّى نامَ أَصحابُه. ثمَّ جَاءَ فَصلَّى بهم. ولم يَذْكُرْ وُضُوءاً.
رواه البخاري (٦٤٢)، ومسلم (٣٧٦)، وأبو داود (٥٤٢)،
والترمذي (٥١٧ و٥١٨)، والنسائي (٨١/٢).
و (قوله: ((أقيمت الصلاة والنبي ﴿ يُناجي رجلاً)))، أي: يحادثه سراً.
و (قوله: ((حتى نام أصحابه))) يعني: أنهم ناموا جلوساً، وقد روى أبو داود
عنه قال: ((كان أصحابُ رسولِ الله في ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفقَ
رؤوسُهم، ثم يصلّون ولا يتوضؤون))(١) وهذا يدلُّ على أن النومَ ليس بحدثٍ؛ إذ لو النوم الخفيف
كان حَدَثاً كما ذهب إليه المزني وابنُ القاسم - فيما حكى عنه أبو الفرج - لاستوى ليس بحدث
قليلُه وكثيرُه، كالبول والغائط. وهذا النومُ في هذه الأحاديث هو الخفيف المعبَّرُ
عنه بالسُّنة التي ذكر الله تعالى في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُّذُمُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
[البقرة: ٢٥٥] والذي قال فيه بعض شعراء العرب(٢):
وَسْنانُ أَقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَتَّقْتْ فِيْ عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنِائِمٍ
وقال المفضل: السّنةُ في الرأس، والنعاس في العين، والنَّومُ في القلب، وهذا
أصلُ الوضع، وقد يتجوّز فيقال على الجميع نوم، كما جاء في الحديث: ((إن عينيَّ
تنامان ولا ينام قلبي)»(٣) وكما قد أطلق النوم في حديث أنس هذا على السُّنة،
وذهب الجمهورُ: إلى أن المستثقلَ من النوم ناقضٌ للوضوء، من حيث كان مظنّةً النومُ المستقَل
للحدث، كما جاء في حديث ابن عباس: ((إنما الوضوء على مَن نام مضطجعاً؛ ناقضٌ للوضوء
فإنه إذا اضطجعَ استرختْ مفاصله))(٤). وفي حديث علي: ((وكاء السَّه العينان، فمن
(١) رواه أبو داود (٢٠٠).
(٢) الشاعر: هو ابن الرِّقاع.
(٣) رواه أحمد (٧٣/٦)، والبخاري (٢٠١٣)، ومسلم (٧٣٦).
(٤) رواه أبو داود (٢٠٢)، والترمذي (٧٧)، والنسائي (٣٠/٢).

٥٣٨
(٢) كتاب الطهارة - (١٥) باب: إذا ولغ الكلب في إناء أُريق الماء
[٢١٤] وعنه، قالَ: كانَ أصحابُ رسولِ الله ◌ِّهِ يَنَامُون ثم يُصَلُّونَ،
ولا يَتَوَضَّؤُون.
رواه مسلم (٣٧٦)، وأبو داود (٢٠٠)، والترمذي (٧٨).
*
(١٥) باب
إذا ولغ الكلب في الإناء، أُريق الماء،
وغُسل الإناء سبع مرات
[٢١٥] عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إذا وَلَغ الكلبُ
في إناءٍ أَحَدِكُم، فلْيُرِقْهُ، ثمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ)).
نام فليتوضأ))(١). وقد حكي إجماع العلماء: على أن ما أزال العقلَ من الجنون
والإغماء ناقضٌ للوضوء. والنوم المستثقل يزيل العقلَ فيكون مثلهما، وقد شذَّ
أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيّب. فكانا ينامان مضطجعين ثم لا يتوضآن.
وقد تُؤْوِّل ذلك عليهما: بأنه كان خفيفاً. وما دون الاستثقال اختُلِف فيه على
تفصيل يُعرف في الفقه، والله أعلم.
(١٥) ومن باب: إذا ولغ الكلب في الإناء
طهارة الإناء
(قوله: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليُرِقه ثم ليغسله))) في الصِّحاح: ولغ
الذي ولغ فيه الكلب في الإناء، يلغ ولوغاً: إذا شرب ما فيه بطرف لسانه، ويولغ: إذا أولغه
الكلب
صاحبه. قال الشاعر(٢):
مَا مَرَّ يَوْمٌ إِلَّا وَعِنْدَهُما لَحْمُ رِجَالٍ أَوْ يُوْلَغَانِ دَما
(١) رواه أبو داود (٢٠٣)، وابن ماجه (٤٧٧).
(٢) هو أبو زبيد الطائي.

٥٣٩
(٢) كتاب الطهارة - (١٥) باب: إذا ولغ الكلب في إناء أُريق الماء
وفي لَفَظِ آخَر: ((ُّهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغْ فِيه الكَلْبُ، أنْ يَغْسِلَهُ
وحكى أبو زيد: ولغ الكلب بشرابنا، وفي شرابنا، ومن شرابنا؛ ويقال:
ليس شيءٌ من الطيور يلغُ غير الذباب. وقد تمسَّك الشافعيُّ بظاهر الأمر بالغسل
والإراقة؛ وبقوله: ((طهور إناء أحدكم إذا وَلَغ الكلبُ فيه أن يغسله)). على أن
الكلبَ نجس، وعلى أن ذلك الماءَ والإناءَ نجسان؛ بسبب لعابه؛ ومع ذلك فلا بُدَّ
عنده مِن غَسْل الإناء سبعاً، وذهب أبو حنيفة إلى القول بأن ذلك للنجاسة، ويكفي
غسل الماء مرّة واحدة، والمشهورُ من مذهب مالك: أن ذلك للتعبّد لا للنّجاسة،
وهو قولُ الأوزاعي، وأهل الظاهر، بدليل دخول العدد السّبع؛ ولو كان للنّجاسة
لاكْتُفي فيه بالمرة الواحدة؛ وبدليل جواز أكل ما صاده الكلبُ من غير غسل.
وذهب بعضُ أصحابنا: إلى أنَّ ذلك لكون الكلبِ مُستقذراً مَنْهِيّاً عن مخالطته؛
وقصر هذا الحكم على الكلب المنهي عن اتخاذه؛ وهذا ليس بشيء؛ لأنه استنبط
من اللفظ ما خصّصه من غير دليل منفصل عنه. وذهب أبو الوليد بن رشد: إلى أن
ذلك مُعَلَّل بما يتقى من أن يكونَ الكلبُ كَلِباً، واستدلَّ على هذا: بأن هذا العددَ
السبع قد جاء في مواضع من الشَّرع على جهة الطّب والتَّداوي، كما قال: ((من
تصبَّحَ كلَّ يوم بسبع تمرات من عجوة المدينة لم يضرّه ذلك اليوم سُمِّ))(١)،
ولقوله ◌َلي في مرضه: ((أهريقوا عليَّ من سبع قِرَبٍ لم تُحلل أوكيتهن))(٢) ومثل هذا
كثير، وقد أوردَ على هذا: أنَّ الكَلِبَ لا يقربُ الماء، وانفصل عن ذلك حفيدُه
صاحب «كفاية المقتصد)»: بأن ذلك لا يكون إلا في حال تمكُّن ذلك الدَّاء به، وأما
(١) رواه أحمد (١٨١/١)، والبخاري (٥٤٤٥)، ومسلم (٢٠٤٧)، وأبو داود (٣٨٧٦) من
حديث سعد رضي الله عنه، وليس فيه لفظة: ((المدينة)). وإنما في بعض ألفاظه: ((من
تمر العالية)». وانظر: الأحاديث الواردة في فضائل المدينة للدكتور صالح الرفاعي
ص (٦٤٣).
(٢) رواه أحمد (١٥١/٦) والبخاري (٤٤٤٢).

٥٤٠
(٢) كتاب الطهارة - (١٥) باب: إذا ولغ الكلب في إناء أُريق الماء
سَبِعَ مَرَّاتٍ. أُولاهُنَّ بالتُّرابِ)).
رواه أحمد (٣٦٠/٢ و٣٩٨ و٥٠٨)، والبخاري (١٧٢)، ومسلم
(٢٧٩)، وأبو داود (٧١ - ٧٣)، والترمذي (٩١)، والنسائي (١٧٦/١ -
١٧٧).
[٢١٦] وعن ابن المُغَفَّل، قال: أَمَرَ رسولُ الله وَّه بقتلِ الكِلابِ.
ثم قالَ: ((ما بَالُهُم وبَالُ الكِلَبِ؟)) ثم رَشَّصَ في كلب الصَّيْدِ وكَلْبِ الغَنَمِ.
في مباديه فيقرب الماء ويشربه، وأولى هذه الأقوال كلِّها ما صار إليه مالك: في أنه
تعبّد؛ لا للنّجاسة، وأنه عام في جنس الكلاب، وفي جنس الأواني، وينبني على
هذا الاختلاف في التعليل: الاختلاف في فروع كثيرةٍ تُعرف في الفقه.
و (قوله: ((أولاهن بالتراب))) هذه الزيادة ليست من رواية مالك، ولذلك لم
يقل بها، وقد قال بها جماعةٌ من العلماء، وقد رواه أبو داود وقال: ((السابعة
بالتراب)). وفي حديث عبد الله بن مُغَفَّل وغيره عن النَّبِي وَّ قال: ((عفّروه الثامنة
بالتراب)) وبهذه الثامنة قال أحمد، فهذه الزيادةُ مضطربة. ولذلك لم [يأخذ بها
مالك، ولا أحد من أصحابه](١).
قَتْل الكلاب
الضارة
وأمره ﴿ بقتل الكلاب؛ إنما كان لمَّا كثرتْ وكَثُرِ ضَرَرُها، ثُمَّ لما قَتَل
أكثرها، وذهب ضَرَرُها أنكر قَتْلها؛ فقال: ((ما بالهم وبال الكلاب))؟ ويحتملُ: أن
يكون ذلك ليقطعَ عنهم عادة إلْفِهِم لها، إذ كانوا قد أَلِفِوها ولابسوها كثيراً.
و (قوله: ((وأرخص في كلب الصيد والغنم))) يعني: في اتّخاذه، وغيرها
جواز اتخاذ
كلب الصيد لا يُتَّخذ، وإن لم يُقْتَل، وهو الذي من اتّخذه نقص من عمله كلَّ يوم قيراط، وذلك
لما يُرَوِّع ويؤذي، وسيأتي لهذا مزیدُ بیانٍ إن شاء الله تعالى.
والغنم
(١) في (م) و (ل): لم يقل بها، وقد قال بها جماعة من العلماء. والمثبت من (ع).