Indexed OCR Text
Pages 501-520
1 ٥٠١ (٢) كتاب الطهارة - (٦) باب: الغرّة والتحجيل من الإسباغ [١٨٥] وعن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِوَ ﴿ أتى المَقْبَرَة، فقالَ: ((السَّلامُ عليكم دارَ قَوْمٍ مُؤمنينَ، وإنَّا إن شاء اللهُ بِكُم لاَ حِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إخواننَا)) قَالُوا: أَوَلَسْنا إخوانَك يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((أنتمْ وثانيها: أنه يكون أراد: إنّا بكم لاحقون في الإيمان. ويكون هذا قبل أن يَعْلَمَ بمآل أمره، كما قال: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا يَكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]. وثالثها: أن يكونَ استثناءٌ في الواجب، كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللَّهُ مَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وتكون فائدته التفويض المطلق. التفويض إلى مشيئة الله ورابعها: أن يكونَ أراد: لاحِقُون بكم في هذه البقعة الخاصّة، فإنه وإن كان قد علم أنه يموت بالمدينة ويُدْفَن بها؛ فإنه قد قال للأنصار: ((المحيا محياكم والممات مماتكم))(١)، لكن لم تُعيّن له البقعة التي يكون فيها إذ ذاك، وهذا الوجه أولى من كلِّ ما ذُكِر، وكلّها أقوالٌ لعلمائنا. و (قوله: ((وددتُ أنا قد رأينا إخواننا))) هذا يدلُّ على جواز تمنّي لقاء جواز تمني لقاء الفُضَلاء والعلماء، وهذه الأخوة هي أخوة الإيمان اليقيني، والحبّ الصّحيح الفضلاء الرَّسول ◌َ﴾. وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث: أنه عليه الصلاة والسلام قال: ( والعلماء ((إخواني الذين يؤمنون بي ولم يروني، ويصدّقون برسالتي ولم يلقوني، يودُ أحدهم لو رآني بأهله وماله)»، وقد أَخَذَ ابو عمر ابن عبد البر - رحمه الله - من هذا الحديث ومِن قوله وَليهِ: ((إن من ورائكم أياماً الصَّبْر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أَجْرُ خمسين منكم))(٢) أنه يكونَ فيمن يأتي بعد الصَّحابة من يكونُ (١) رواه أحمد (٥٣٨/٢)، ومسلم (١٧٨٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) رواه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٦٠)، وابن ماجه (٤٠١٤) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه . ٥٠٢ (٢) كتاب الطهارة - (٦) باب: الغرّة والتحجيل من الإسباغ أَصْحَابِي. وإِخْوَاتُنا الذينَ لم يَأْتُوا بَعْدُ». فَقالُوا: كيفَ تَعْرِفُ مَنْ لم يأتِ بعدُ مِنْ أُمَّتِكَ يا رسولَ الله؟ فقالَ: ((أرأيتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً له خَيْلٌ غُرِّ مُحَجَّلَةٌ، أفضل ممن كان في جُمْلَة الصَّحابة، وذهب معظمُ العلماء إلى خلافِ هذا، وأنَّ من صَحِب النبيَّ ◌َ﴿، ورآه ولو مرة من عمره، أفضل [من كل من](١) يأتي بَعْدُ، وأن فضيلة الصحبة فضيلة الصحبة لا يَعْدِلها عملٌ. وهو الحقُّ الذي لا ينبغي أن يُصار لغيره، لأمورٍ: لا يعدلها عمل أولها: مزية الصُّحبة ومُشاهدة رسول الله وَصَّهـ وثانيها: فضيلة السَّبق للإسلام. وثالثها: خُصُوصية الذَّبِّ (٢) عن حَضْرة رسول الله إِلَّهِ . ورابعها: فضيلة الهجرة والنُّصرة. وخامسها: ضبطهم للشّريعة وحِفْظها عن رسول الله وَهِ. وسادسها: تبليغها لمن بعدهم. وسابعها: السَّبق في النَّفقة في أول الإسلام. وثامنها: أنَّ كلَّ خيرٍ وفَضْل وعِلْم وجهاد ومعروف فعل في الشريعة إلى يوم القيامة، فحظّهم منه أكمل حظ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم سَنُّوا سُنَن الخير، وافتتحوا أبوابه، وقد قال وَ اجِ: ((من سَنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة كان له أَجْرُها وأجرُ مَن عمل بها إلى يوم القيامة))(٣) ولا شكّ في أنَّهم الذين ستُّوا جميعَ السُّنَن، (١) في (ع): من كان. (٢) في (ل): القرب. (٣) رواه أحمد (٣٥٧/٤)، ومسلم (١٠١٧)، والنسائي (٧٥/٥ و٧٦) من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه. ٠ ٥٠٣ (٢) كتاب الطهارة - (٦) باب: الغرّة والتحجيل من الإسباغ بِينَ ظَهْرِيْ خَيْلِ دُهْم بُهْم أَلا يعرفُ خَيْلَهُ؟)) قَالُوا: بَلى يا رسولَ الله! قالَ: وسابقوا إلى المكارم. ولو عُدِّدَتْ مكارمَهم، وفُسِّرت خواصُّهم، وحُصِرت لملأت أسفاراً، ولكلّت الأعينُ بمطالعتها حيارى. وعن هذه الجملة قال ## فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله مرفوعاً: ((إنَّ اللهَ اختار أصحابي على العالمين سوى النَّبيين والمرسلين، واختارَ من أصحابي أربعة - يعني: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً - فجعلهم أصحابي))، وقال: ((في أصحابي كلّهم خير)) (١). وكذلك قال وَ له: ((اتقوا الله في أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)) (٢) وكفى من ذلك كلُّه ثناء الله تعالى عليهم جملة وتفصيلاً، وتعييناً وإبهاماً، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم. فأما استدلال المخالف بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إخواننا)) فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ الصحابةَ قد حصل لهم من هذه الأخوة الحظّ الأوفر؛ لأنها الأخوة اليقينية العامة، وانفردت الصّحابةُ بخصوصية الصّحبة. وأما قوله: «للعامل منهم أجر خمسین منکم، فلا حُجّة فیه؛ لأن ذلك - إن صحّ - إنما هو في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؛ لأنه قد قال عليه الصلاة والسلام في آخره: ((لأنكم تجدون على الخير أعواناً ولا يجدون))، ولا بُعد في أن يكونَ في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه، ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث. والله أعلم. (١) رواه البزار كما في كشف الأستار (٢٧٦٣)، وقال الهيثمي: ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف (مجمع الزوائد ١٦/١٠). (٢) رواه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١)، وأبو داود (٤٦٥٨)، والترمذي (٣٨٦٠) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ٥٠٤ (٢) كتاب الطهارة - (٦) باب: الغرّة والتحجيل من الإسباغ (فإِنَّهم يأتونَ غُرّاً مُحَجَّلِيْنَ مِن الوُضوءِ، وأَنَا فَرَطُهُم على الحَوْضِ. أَلاَ لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عن حَوْضِي كما يُذَادُ البعيرُ الضَّالُّ. أُنَادِيهِمٍ: أَلَا هَلُمَّ أَلَا هُلُمَّ! فيُقَالُ: إِنَّهم قد بَدَّلُوا بعدَك. و (قوله: ((وأنا فرطهم على الحوض))) أي: مُتقدِّمهم إليه، يقال: فرطتَ القوم: إذا تقدمتَ لترتادَ لهم الماء. و((على)) وقعت هنا موقع ((إلى)) ويُحتمل أن يقدر هناك فعل يدلُّ عليه مَساقُ الكلام، تقديره: فيجدوني على الحوض. و (قوله: ((ألا ليذادن))) كذا روايته ها هنا من غير خلاف، واختلف فيه في الموطأ(١). فروي: فليذادن بلام القسم. وروي: فلا يذادن، بلا النافية، وكلاهما صحیح، فاللام علی قسم محذوف تقديره: فوالله لیذادن، وبـ (لا) یکون من باب قولهم: لا أرينك ها هنا أي: لا يتعاطى أسباب الذود عن حوضي، ومعنى ليذادنَّ: ليدفعن. والذَّود: الدَّفع. والدهم: جمع أدهم: وهو الأسودُ من الخيل الذي يضرب إلى الخضرة. والبهم: جمع البهيم الذي لا لون فيه سوى الدهمة. و (قوله: ((أناديهم ألا هلم))) أي: تعالوا. وفي (هلم) لغتان: إلحاقُ علامة التثنية، والجمع، وبهذه اللغة جاء لفظً هذا الحديث، وبها جاء القرآن. المذادون عن الحوض و (قوله: ((فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك))) اختلف العلماءُ في تأويله، فالذي صار إليه الباجي وغيره - وهو الأشبهُ بمساق الأحاديث - أنَّ هؤلاء الذين يُقال لهم هذا القول ناسٌ نافقوا، وارتدّوا من الصَّحابة وغيرهم، فيحشرون في أمة الَّبِي وَله كما قد تقدَّم من قوله: ((وتبقى هذه الأمةُ فيها منافقوها))، وعليهم سيماء هذه الأمة من الغُرّة والتّحجيل، فإذا رآهم النبيُّ # عرفهم بالسّيماء ومن كان من أصحابه بأعيانهم فيناديهم: ((ألا هلم))، فإذا انطلقوا نحوه حِيل بينهم وبينه، وأُخذ بهم ذات الشّمال. فيقول النبيُّ: ((يا ربِّ أمتي ومن أمتي))، وفي لفظ آخر: ((أصحابي))، (١) الموطأ (٢٨/١ و٢٩). ٥٠٥ (٢) كتاب الطهارة - (٦) باب: الغرّة والتحجيل من الإسباغ فأقولُ: سُحْقاً سُحْقاً). رواه أحمد (٣٧٥/٢)، ومسلم (٢٤٩). [١٨٦] وفي رواية؛ قالَ: ((إِنَّ حَوْضِي أبعدُ من أَيْلَةَ إلى عَدَنٍ. لَهُو أَشَدُّ بَيَاضاً من الثَّلْج وأُحْلَى من العَسَلِ باللَّبَنِ، ولَآنيتُه أكثرُ مِن عددِ فيقال له إذ ذاك: ((إنَّكَ لا تدري ما أَحْدَثُوا بعدك، وإنهم لم يزالوا مُرْتدِّين منذٌ فارقتهم)) فإذ ذاك تذهب عنهم الغُرَّة والتَّحجيل. ويُطفأ نورهم، فيبقون في الظُّلمات، فينقطع بهم عن الورود وعن جواز الصّراط، فحينئذ يقولون للمؤمنين: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن نُِّكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فيقال لهم: ﴿أَرْجِعُواْ وَرَةَكُمْ فَالْتَِّسُوا نُورً ﴾ [الحديد: ١٣] مكراً وتنكيلاً ليتحققوا مقدار ما فاتهم، فيعظم أسفهم وحسرتهم، أعاذنا الله من(١) أحوال المنافقين، وألحقنا بعباده المخلصين. وقال الداودي وغيره: يحتمل: أن يكونَ هذا في أهل الكبائر والبِدَع الذين لم يَخْرُجوا عن الإيمان ببدعتهم، وبعد ذلك يتلافاهم اللهُ برحمته، ويشفع لهم النبيُّ وَّرِ. قال القاضي عِياض: والأول أظهر. و (قوله: ((سحقاً سحقاً)) أي: بُعْداً. والمكان السحيق: البعيد، والتكرار للتأکید. و (قوله: «إنَّ حوضي أبعد من أیلة إلى عدن») يريد طوله وعرضه، وقد جاء في الحديث الآخر: ((زواياه سواء))(٢). وسيأتي الكلامُ على الحوض إن شاء الله تعالى. (١) في (م): من ذلك ومن أحوال. (٢) رواه أحمد (٣٨٤/٣)، ومسلم (٢٢٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. ٥٠٦ (٢) كتاب الطهارة - (٦) باب: الغرّة والتحجيل من الإسباغ الثُّجوم، وإِنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عنه كما يَصُدُّ الرَّجُلُ إبلَ النَّاس عن حوضِهِ)) قَالُوا: يا رسولَ الله! أَتَعْرِفُنا يومئذٍ؟ قالَ: ((نعم، لَكُمْ سِيمَا لَيَستْ لُأَحَدٍ مِن الأُممِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرّاً مُحََّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ». رواه مسلم (٢٤٧). و (قوله: ((إني لأصدّ الناس))) أي: لأمنع وأطرد الناس، بمعنى: أنه يأمر بذلك، والمطرودون - هنا - الذين لا سيماء لهم من غير هذه الأمة. ويحتمل أن يكون هذا الصدّ هو الذَّوْدُ الذي قال فيه في الحديث الآخر: ((إنِّي لأذودُ الناسَ عن حوضي بعصاي لأهل اليمن)) مبالغة في إكرامهم، يعني به السباق للإسلام من أهل اليمن، والله أعلم. و (قوله: ((كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه))) وفي أخرى: الإبل الغريبة، وهذا كقوله: ((كما يذاد البعير الضال، [ووجه التشبيه: أن أصحاب الإبل إذا وردوا المياه بإبلهم ازدحمت الإبل عند الورود، فيكون فيها الضال](١) والغريب، وكل واحد من أصحاب الإبل يدفعه عن إبله، حتى تشرب إبله، فيكثر ضاربوه ودافعوه حتى لقد صار هذا مثلاً شائعاً. قال الحجاج لأهل العراق: ((لأحزمنَّكم حَزْمَ السلمة، ولأضربنَّكم ضَرْبَ غرائب الإبل)). و (قوله: ((لكم سيماء ليست لأحدٍ غيركم))) السيماء: العلامة، يُمدّ، الغرة والتحجيل ويهمز، ويقصر، ويترك همزه، وهذا نصّ: في أن الغُرَّةَ والتَّحجيل من خواصٌ هذه من خواصّ هذه الأمة الأمة. ولا يعارضه قوله عليه الصلاة والسلام: ((هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي))(٢) لأنَّ الخصوصية بالغرة والتحجيل لا بالوضوء، وهما من الله تفضّل يختصُّ به من يشاء. (١) ساقط من (م). (٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٠) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ـبـ ٥٠٧ (٢) كتاب الطهارة - (٦) باب: الغرّة والتحجيل من الإسباغ [١٨٧] وعن أبي حَازِم، قالَ: كنتُ خلفَ أبي هُريرةَ وهو يَتَوَضَّأُ الصَّلاةِ، فكانَ يَمُدُّ يدَه حتَّىَّ تَبْلُغَ إبطَه. فقلتُ له: يا أبا هريرة! ما هذا الوُضُوء؟ فقالَ: يا بَنِي فَرُوخَ! أنتم هَا هُنا؟ لو علمتُ أنَّكم هَا هُنَا مَا توَضَّأْتُ هَذَا الوُضوءَ. سمعتُ خَليليَِّهِ يقولُ: ((تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يبلغُ الوَضُوءُ». رواه أحمد (٣٧١/٢)، ومسلم (٢٥٠)، والنسائي (١/ ٩٣). [١٨٨] وعن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِِّ قالَ: ((أَلَا أَدُلُكُم على ما يمحُو اللهُ بِه الخَطَايَا ويرفعُ به الدَّرَجَاتِ؟)) قَالُوا: بلى، يا رسولَ الله! قال: ((إسباغُ الوُضُوءِ عِنْدَ المَكَارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطَا إلى المَساجِدِ، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ. وقول أبي هريرة: ((يا بني فروخ)) تقييده: بفتح الفاء والخاء المعجمة من من هم بنو فوق، وهو رجل من ولد إبراهيم بعد إسماعيل وإسحاق، كَثُر نَسْلُه، والعجم الذين فروخ؟ في وسط البلاد من ولده. عنى به أبو هريرة: الموالي. وكان خِطابُه لأبي حازم سلمان الأعرج الأشجعي الكوفي مولى عزّة الأشجعية، وليس بأبي حازم سلمة بن دينار، الفقيه الزَّاهد المدني مولى بني مخزوم، وكلاهما خرّج عنه في الصَّحيح. وإنكارهم على أبي هُريرة، واعتذاره عن إظهاره ذلك الفعل، يدلُّ على انفراده بذلك الفعل. وقوله: ((إسباغ الوضوء عند المكاره)) أي: تكميله وإيعابه مع شدّة البرد وألم إسباغ الوضوء عند المكاره الجسم ونحوه. ((وكثرة الخطا إلى المساجد)) ببعد الدار وبكثرة التكرار. و (قوله: ((وانتظار الصلاة بعد الصلاة))) قال الباجي: هذا في المشتركتين (١) بعد الصلاة انتظار الصلاة (١) في (ع) و(ل) و(ط): المستكثرين، والمثبت من (م). ٥٠٨ (٢) كتاب الطهارة - (٧) باب: السواك عند كل صلاة والتيمن في الطهور فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذلِكُمُ الرِّيَاطُ)). رواه أحمد (٢٧٧/٢)، ومسلم (٢٥١)، والترمذي (٥١)، والنسائي (٨٩/١ - ٩٠). (٧) باب السواك عند كل صلاة والتيمن في الطهور [١٨٩] عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّينَ ﴿ قالَ: ((لَوْلاَ أنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي لأمرتهُم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صَلاةٍ». من الصلوات(١)، وأما غيرها فلم يكن من عمل الناس. و (قوله: ((فذلكم الرباط))) أصله: الحبس على الشيء؛ كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة، ويحتمل أنه أفضل الرباط، كما قال: ((الجهاد جهاد النفس)) (٢) و((الحج عرفة))(٣) ويحتمل: أنه الرباط المتيسر الممكن، وتكراره: تعظيم لشأنه. (٧) ومن باب: السواك (قوله: ((لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتُهم بالسّواك))) أي: لأوجبتُ ذلك عليهم. عبَّر بالأمر عن الوجوب لأنه الظاهِرُ منه. وهل المندوبُ مأمورٌ به أو لا؟ هل المندوب مأمورٌ به؟ (١) أي: في الوقت كالظهر والعصر، وكالمغرب والعشاء. (٢) قال الحافظ ابن حجر في ((تسديد القوس)): هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن عبلة. بلفظ: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)) قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: ((جهاد القلب)). انظر: (كشف الخفاء ٤٢٤/١ -٤٢٥). (٣) رواه أبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٢٦٤/٥)، وابن ماجه (٣٠١٥) من حديث عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلي رضي الله عنه. ٥٠٩ (٢) كتاب الطهارة - (٧) باب: السواك عند كل صلاة والتيمن في الطهور رواه أحمد (٤١٠/٥)، والبخاري (٧٢٤٠)، ومسلم (٢٥٢)، وأبو داود (٤٦)، والترمذي (٢٢)، والنسائي (١٢/١). [١٩٠] وعن المِقْدَام بن شُرَيْح، عن أبيهِ، قالَ: سألتُ عائشةً. قلتُ: بأيِّ شيءٍ كانَ يبدأُ النّبيُّ نَّهِ إِذَا دَخَلَ بيتَه؟ قالَت: بالسُّواكِ. رواه أحمد (٤١/٦)، ومسلم (٢٥٣)، وأبو داود (٥١ و ٥٦ و ٥٧)، والنسائي (١٧/١). [١٩١] وعن حُذَيْفَةَ، قالَ: كانَ رسولُ اللهِوَ ﴿ إِذَا قامَ لِيَتَهَجَّدَ، اخْتَلَفَ في ذلك أهلُ الأصول، والصَّحيح: أنه مأمورٌ به لأنه قد اتَّفَق على أنه مطلوبٌ مقتضىً، كما قد حكاه أبو المعالي. وهذا الحديثُ نصٌّ في أنَّ السِّواكَ ليس بواجب، خلافاً لداود، وهو حُبَّةٌ عليه. وقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما لكم تدخلون عليَّ قُلحاً؟ استاكوا)) (١) على جهة الندب. ولم يختلف الناسُ في أن مشروعية السواكَ مشروعٌ عند الوضوء، أو عند الصَّلاة. وفيه حُجّة لمن قال: إن النبيَّ ◌َافِ السواك كان يجتهدُ في الأحكام على ما يُذْكَر في الأصول. و (قول عائشة إنه عليه الصلاة والسلام: كان يبدأ إذا دخل بيته بالسواك) يدلُّ مواطن استعمال على استحباب تَعَاهُدِ السواك؛ لما يُكره من تَغَيُّر رائحة الفم بالأبخرة والأطعمة السواك وغيرها، وعلى أنه يُتَجَنَّب استعمالُ السواك في المساجد والمحافل وحضرة الناس، ولم يُرْوَ عنه وَ ﴿ أنه تسؤَّكَ في المسجد، ولا في مَحْفل من الناس؛ لأنه من باب إزالة القذر والوسخ، ولا يليق بالمساجد ولا محاضر الناس. ولا يليق بذوي المروءات فِعْل ذلك في الملأ من الناس. ويحتملٍ: أن يكونَ ابتداءُ النبيِوَ لّ عند دخول بيته بالسواك لأنه كان يبدأ بصلاة النَّفلة، فقلَّما كان يتنفَّلُ في المسجد .. و (قوله: كان إذا قام ليتهجد) أي: ليصلِّي بالليل امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ (١) رواه أحمد (٤٤٢/٣) من حديث تمام بن قثم عن أبيه. ٥١٠ (٢) كتاب الطهارة - (٧) باب: السواك عند كل صلاة والتيمن في الطهور يَشُوصُ فَاهُ بِالسُّواكِ. رواه البخاري (٢٤٥)، ومسلم (٢٥٤)، وأبو داود (٥٥)، والنسائي (٨/١). [١٩٢] وعن ابن عبَّس، أنَّه باتَ عندَ نبيِّ الله وَ له ذاتَ ليلةٍ. فقامَ نبيُّ الله وَ﴿ من آخرِ اللَّيلِ، فخَرجَ فنظرَ في السَّماءِ، ثم تَلاَ هذه الآية في آلِ عمران: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِى الْأَلَبابِ﴾ حتى بلغ: ﴿فقنا عذاب النار﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. ثم رجعَ إلى البيتِ فَتَسَوَّكَ وتَوضَّأَ، ثم قامَ فصلَّى، ثم اضْطَجَعَ ، ثم قَامَ فخرجَ فنظرَ إلى السَّماءِ ثم تَلاَ هذه الآية، ثم رجعَ فَتَسَوَّكَ فَتوضَّأ، ثم قَامَ فَصَلَّی. رواه أحمد (٢٢٠/١ و٣٥٤)، والبخاري (١١٧)، ومسلم (٢٥٦)، وأبو داود (٥٨)، والنسائي (٣٠/٢). الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. وتهجّد: من الأضداد، يقال: تهجد بمعنی قام. وتهجد بمعنی نام. شوص الفم بالسواك و (قولها: يشوص فاه بالسواك) قيل: هو أن يستاكَ عرضاً، كذلك: المَوْصُ، وقال الهروي: يغسله، وكلُّ شيء غسلته فقد شصته ومصته. وقال ابنُ الأعرابي: الشوص: الدلك، والموص: الغسل. وقال وكيع: الشوص: بالطول، والموص: بالعرض، وقال ابنُ دريد: الشوص: الاستياك من سُفْل إلى علو. ومنه المشوصة: ريح ترفع القلب عن موضعه. وفي الصّحاح: الشوص: الغسل والتَّنظيف. ٥١١ (٢) كتاب الطهارة - (٨) باب: خصال الفطرة والتوقيت فيها [١٩٣] وعن عائشة، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِوَلِ يُحِبُّ التَّيَقُّنَ في شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي تَنَقُّلِهِ، وفي تَرَجُلِهِ، وطُهورِهِ. رواه أحمد (٩٤/٦ و١٣٠ و١٤٧)، والبخاري (٥٨٥٤)، ومسلم (٢٦٨)، وأبو داود (٤٤٠ (٨) باب خصال الفطرة والتوقيت فيها [١٩٤] عن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِِّ: ((عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: و (قولها: ((كان يحب التيمّن في شأنه كلّه))) كان ذلك منه تبرّكاً باسم التيتُّن في اليمين لإضافة الخير إليها؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَعَْبُ أَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ أَلْيَمِينِ ﴾ الأمور كلها [الواقعة: ٥٧]، ﴿وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِ اَلُّورِ آلْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] ولما فيه من اليُمْن والبركة، وهو من باب التفاؤل، ونقيضه الشُّمال. ويُؤْخَذ من هذا الحديث: احترامُ اليمين وإكرامها، فلا تُستعمل في إزالة احترام اليمين شيء من الأقذار، ولا في شَيْء من خَسِيس الأعمال، وقد نهى وَله عن الاستنجاء، وإكرامها ومَسّ الذَّكَر بالیمین. (٨) ومن باب: خصال الفطرة (قوله: ((عشر من الفطرة))): المرادُ بالفطرة هنا: السُّنَّة. قاله الخطابي، وقد المراد بالفطرة تقدَّم القولُ فيها عن الإسراء. وهذه الخصالُ هي التي ابتلى اللهُ بها إبراهيمَ فأتمَّهُنَّ فجعله اللهُ إماماً. قاله ابنُ عباس. وهذه الخصالُ مجتمعةٌ في أنّها محافظة على ٥١٢ (٢) كتاب الطهارة - (٨) باب: خصال الفطرة والتوقيت فيها قصُّ الشَّارِبِ، وإِعْفَاءُ اللُّحْيَةِ، والسُّوَاكُ، واسْتِنْشَاقُ المَاءِ، وقَصُّ الأَظْفَارِ، حُسْن الهيئة والنَّظافة. وكلاهما يحصلُ به البقاء على أصل كمال الخِلْقة (١) التي خُلِقِ الإنسانُ عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها يشوّه الإنسان ويقبحه، بحيث يُستقذر، ويُجتنب، فيخرج عمّا تقتضيه الفطرةُ الأولى، فسُمِّيَتْ هذه الخصال: فطرةً، لهذا المعنى. والله أعلم. ولا تباعد في أن يقول: هي: عشر، وهي: خمس، لاحتمال أن يكون أُعْلِمَ بالخمس أولاً ثم زِيْد عليها، قاله عِياض. ويحتمل: أن تكون الخمسُ المذكورةُ في حديث أبي هريرة هي أوكدُ من غيرها، فقصدنا بالذِّكْر هنا تنبيهاً على غَيْرِها من خِصال الفطرة. و ((من)) في قوله: ((عشر من الفطرة)) للتبعيض، ولذلك لم يذكر فيها الختان، قصّ الشارب ولعلّه هو الذي نسيه مصعب. وقصّ الشارب: أن يأخذَ ما يطول عن إطار الشفة وإحفاؤه بحيث لا يُشوّش على الآكل، ولا يجتمع فيه الوسخ. والإحفاء، والجزّ، في الشارب: هو ذلك القصُّ المذكور، وليس بالاستئصال عند مالك وجماعة من العلماء. وهو عنده مُثلة يُؤْذَّب مَن فَعَله، إذ قد وُجِد من يُقتدى به من الناس لا يحفون جميعه ولا يستأصلون ذلك. ورُوي عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا حَزَبه أمر فَتَل شاربه، ولو كان يستأصله لم يكن له ما يفتل. وذهب الكوفيون وغيرهم: إلى الاستئصال، تمشُّكاً بظاهر اللفظ. وذهب بعضُ العلماء: إلى التَّخيير في ذلك. إعفاء اللحية وأما إعفاء اللِّحية: فهو توفيرُها، وتكثيرُها. قال أبو عبيد: يقال: عَفَا الشيء؛ إذا كثر وزاد. وأعفيته أنا، وعفا؛ إذا درس، وهو من الأضداد. وقال غيرُه: يقال: عفوت الشعر، وأعفيته، لغتان، فلا يجوز حَلْقها، ولا نَتَّفها، ولا قصّ الكثير منها. فأما أَخْذُ ما تطاير منها؛ وما يُشوّه ويدعو إلى الشُّهرة طولاً (١) في (ع): أصل كمال الهيئة الخَلْقية. ٥١٣ (٢) كتاب الطهارة - (٨) باب: خصال الفطرة والتوقيت فيها وغَسْلَ البَراجِم، ونَتْفُ الإِبِطِ، وحَلْقُ العَانَةِ، وانْتِقَاصُ المَاءِ». قال مصعب بن شيبة: ونَسِيْتُ العَاشِرَةَ - إِلَّ أنْ تكونَ المَضْمَضَة. قال وكيعٌ: انتقاصُ الماء: يعني الاستنجاء. رواه أحمد (١٣٧/٦)، ومسلم (٢٦١)، وأبو داود (٥٣)، والترمذي (٢٧٥٨)، والنسائي (١٢٦/٨ - ١٢٧). [١٩٥] وعن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ ◌َ﴿ْ قالَ: ((الفطرةُ خمسٌ: الاخْتِتَانُ، والاسْتِحْدَادُ، وقَصُّ الشَّارِبِ، وتقليمُ الأظْفَارِ، ونتفُ الإِبِطِ)). رواه البخاري (٥٨٩١)، ومسلم (٢٥٧)، وأبو داود (٤١٩٨)، والترمذي (٢٧٥٧)، والنسائي (١٤/١ _ ١٥). وعرضاً فَحَسَنٌّ عند مالك وغيره من السلف، وكان ابنُ عمر يأخذُ من طولها ما زاد على القبضة. والبراجم: مفاصل الأصابع، وقد تقدَّم الكلامُ عليها، وهي إن لم تعهُّد البراجم تُتعاهد بالغسل أسرع إليها الوسخ. بالغسل ((وانتقاص الماء)) قال أبو عبيد: انتقاص البول بالماء: إذا غسل مذاكيره به، انتقاص الماء وقيل: هو الانتضاح. وقال وكيع: هو الاستنجاءُ بالماء. وخُرِّج نتف الإبط وحلق العانة على المتيسّر في ذلك، ولو عكس: فحلق نتف الإبط الإبط؛ ونتف العانة؛ جاز؛ لحصول النظافة بكل ذلك، وقد قيل: لا يجوز في وحلق العانة العانة إلا الحلق، لأنَّ نَتْفَها يؤدِّي إلى استرخائها. وذكره أبو بكر بن العربي. و ((الاستحداد)»: استعمالُ الحديدة في الحلق. الاستحداد ((وتقليم الأظفار)): قصّها، والقُلامة: ما يُزال منها. تقليم الأظفار. ٥١٤ (٢) كتاب الطهارة - (٨) باب: خصال الفطرة والتوقيت فيها ١ [١٩٦] وعن ابن عُمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((خَالِفُوا المُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوارِبَ وأَوْفُوا اللِّحَى)). رواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩)، وأبو داود (٤١٩٩)، والترمذي (٢٧٦٤)، والنسائي (١٦/١). [١٩٧] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((جُزُّوا الشَّوَارِبَ وأَرْخُوا اللِّحَى. خَالِفُوا المَجُوْسَ)). الختان وأما الختان: فسنةٌ منتشرة في العرب، معمولٌ بها من لدن إبراهيم، فإنه أول من اختتن، وهو عند مالك وعامة العلماء سُنَّةٌ مُؤكَّدة، وشعارٌ من شعائر الإسلام، إلا أنه لم يرد من الشرع ذَّ تاركه، ولا توعّده بعقاب، فلا يكون واجباً خلافاً للشافعي، وهو مقتضى قول سحنون من أصحابنا. واستدل ابن سريج على وجوبه: النظر إلى العورة بالإجماع على تحريم النَّظر إلى العورة، وقال: لولا أن الختانَ فرضٌ لما أُبِيحَ النظرُ إليها من المختون. وأجيب: بأنَّ مِثلَ هذا قد يُباح لمصلحة الجسم، كنظر الطبيب، على ما قد ثبت عن جماعة من السلف من إباحة ذلك، على ما حكاه أبو عمر، ولم يذكر في إباحة ذلك خلافاً، والطّب ليس بواجبٍ إجماعاً، فما فيه مصلحةٌ دينيةٌ أولى بذلك. و (قوله: ((أحفوا الشوارب))) بألف القطع رباعياً، وهو المشهورُ فيه، وهو في أصل اللغة للمبالغة في استقصاء ذلك الشيء، ومنه: أحفى في المسألة، وفي الكلام إذا أكثر من ذلك وبلغ غايته، وقد قال ابنُ دُريد: يقال: حفا شاربه، يحفوه، حفواً: إذا استأصل جزّه. قال: ومنه: ((احفوا الشوارب))، فعلى هذا يكون ثلاثياً، وتكون ألفُه ألف وصل تبتدأ مضمومة بضم ثالث الفعل، وقد قدّمنا أن هذا الظاهرَ غیرُ مرادٍ بما تقدّم. ٥١٥ (٢) كتاب الطهارة - (٨) باب: خصال الفطرة والتوقيت فيها رواه أحمد (٣٦٥/٢ و٣٦٦)، ومسلم (٢٦٠). [١٩٨] وعن أنس بن مالكِ، قالَ: وُقِّتَ لنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وتقليمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وحَلْقِ العَانَةِ، أَلَّ نتركَ أكثرَ مِنْ أربعينَ لَيلةً. رواه أحمد (١٢٢/٣ و٢٠٣)، ومسلم (٢٥٨)، وأبو داود (٤٢٠٠)، والترمذي (٢٧٥٩)، والنسائي (١٥/١ -١٦). و (قوله: ((جزّوا الشَّوارب))) كذا الرِّوايةُ الصَّحيحةُ عند الكافة، ووقع: خُذوا الشوارب. وكأنه تصحيف. ووقع لابن ماهان: ارجُوا اللحى، بالجيم. وكأنَّ هذا تصحيف، وتخريجه على أنه أراد أرجئوا من الإرجاء، فسهّل الهمزة فيه. و (قوله: ((خالفوا المشركين والمجوس))) دليل على اجتناب التشبه بهم. و (قوله في حديث أنس: وقّت لنا في قص الشارب .. إلى آخره) هذا تحديد أكثر المدة، والمستحبُّ تفقُّد ذلك من الجمعة إلى الجمعة. وإلا فلا تحديدَ فيه للعلماء، إلا أنه إذا كَثُر ذلك أُزيل. وهذا الحديثُ يرويه جعفر بن سليمان. قال العقيلي: في حديثه نظر. وقال أبو عمر فيه: ليس بحُجَّة لسوء حفظه، وكثرة غلطه(١). [قال الشيخ - رحمه الله -: وفي قولهما نظر](٢). (١) انظر: ميزان الاعتدال (٤٠٨/١ -٤١١). (٢) ساقط من (ع). ٥١٦ (٢) كتاب الطهارة - (٩) باب: ما يُسْتنجى به والنهي عن الاستنجاء باليمين (٩) باب ما يُسْتَنْجَى به والنهي عن الاستنجاء باليمين [١٩٩] عن سَلْمانَ، قالَ: قيلَ له: قدْ عَلَّمَكُمْ نِيُّكُمْ وَل﴿ كلَّ شَيءٍ حتَّى الخِرَاءَة. قالَ، فقالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهانَا أنْ نستقبلَ القِبْلَةَ بغَائِطٍ أو بَوْلٍ، (٩) ومن باب: الاستنجاء (قوله: ((قد علمكم نبيّكم كلَّ شيء حتى الخِراءة))) هو بكسر الخاء؛ ممدود مهموز، وهو اسم فِعْل الحدث، وأما الحَدَث نفسه فبغير تاء ممدود، وتُفتح خاؤه وتُكسر، ويقال: بفتحها وسكون الراء والقصر من غير مدٍّ. و (قوله: ((أجل))) أي: نعم. قال الأخفش: إلا أنه أحسن من نعم في الخبر، ونعم أحسن منه في الاستفهام، وهما لتصديق ما قبلهما مُطْلقاً، نفياً كان أو إيجاباً، فأمّا بلى: فهو جوابٌ بعد النفي عارياً من حرف الاستفهام، أو مَقْرُوناً به. قال الجوهري: بلى؛ إيجاب لما يقال لك؛ لأنها تردّ النَّفي، وربما ناقضتها نعم. فإذا قال: ليس لك وديعة. فقولك: نعم: تصدیقٌ له، وبلی: تكذیب له. و (قوله: ((نهانا أن نستقبلَ القبلة بغائطٍ أو بول))) دليلٌ لمن ذهب إلى مَنْع الاستقبال والاستدبار مُطْلَقاً، وهو أحمد، وأبو ثور، وأبو حنيفة في المشهور عنه، وزاد النّخعي، وابن سيرين: منع استقبال القبلة المتقدِّمة واستدبارها. وكأنّ هؤلاء لم يبلغهم حديثُ ابن عمر الآتي(١)، أو لم يصلخ عندهم للتَّخصيص؛ لأنه فِعْل في خلوة. وذهب ربيعةُ وداود: إلى جواز ذلك مُطْلَقاً. مُتَمَسِّکین بحديث ابن عمر، وبما رواه الترمذي عن جابر قال: نهى رسول الله وَ ل﴿ أن نستقبلَ القبلة بيول، فرأيته قبل أن يموتَ بعام يستقبلها(٢). قال: وقال فيه البخاري: هو صحيح. النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول (١) يأتي برقم (٢٠٣). (٢) رواه أبو داود (١٣)، والترمذي (٩). ٥١٧ (٢) كتاب الطهارة - (٩) باب: ما يُسْتنجى به والنهي عن الاستنجاء باليمين أو أنْ نستنجيَ باليمينِ، أَو أَنْ نَستنجيَ بأقلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارِ، أَوْ أَنْ نَسْتنجيَ بِرَجِيْعٍ أو بِعَظم. وذهب الشافعي إلى التفريق بين القرى والصحارى تعويلاً على أن حديث ابن عمر مُخصِّص لأحاديث النهي، وأما مذهب مالك فهو أنه إذا كان ساتر وكُنُف ملجئة إلى ذلك جاز، وإن كان الساترُ وحده فروايتان، وسببُ هذا الاختلاف: اختلاف هذه الأحاديث، وبناء بعضها على بعض. وقد أشرنا إلى ذلك. وقد تقدَّم القولُ على قوله: وأن نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجار. والضَّابط فيما يُستنجى به ما يُستنجى به عندنا: كلّ طاهر مُتَقِّ، ليس بمطعوم ولا ذي حرمة، ولا تخفى قيوده. و (قوله: ((برجيع أو بعظم)): الرَّجيع: العَذِرة، والأرواث. ولا يُستنجى بها لا يُستتجى لنجاستها، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن مسعود حيث أتاه بالنجاسة بالحجرين والرّوثة: ((إنها رجس))(١)، ذكره البخاري. وقد جاء أيضاً من حديثه في كتاب أبي داود: ما يدلُّ على أنه إنما نهى عن الاستنجاء بها. وبالعظم لكونهما زاداً للجنِّ. قال: قدم وفدُ الجِنِّ على النبي ◌َِله فقالوا: يا محمد! إِنْهَ أمتك أن يستنجوا بعظمٍ أو روثةٍ أو حُمَمَة فإن الله جاعلٌ لَنا فيها رزقاً(٢). وكذلك جاء في البخاري من حديث أبي هريرة قال: فقلت: ما بالُ العظم والرّوثة؟ قال: ((هُما من طعام الجن، وإنه أتاني وَفْدُ جِنّ نصيبين - ونِعْم الجنّ - فسألوني الزادَ فدعوتُ الله أَلاَّ يمرّوا بعظم ولا رَؤثة إلا وجدوا عليها طعاماً))(٣)، وفي بعض الحديث: ((وأما الروث فعلف دوابهم)» (٤) . (١) رواه البخاري (١٥٦)، وفيه: «هذا رِْسٌ)). (٢) رواه أبو داود (٣٩). (٣) رواه البخاري (٣٨٦٠). (٤) رواه أحمد (٤٣٦/١، ٤٥٧)، ومسلم (٤٥٠)، والترمذي (٣٢٥٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. ٥١٨ (٢) كتاب الطهارة - (٩) باب: ما يُسْتنجى به والنهي عن الاستنجاء باليمين وفي روايةٍ: ونَهانَا عن الرَّوْثِ والرِّمة. رواه مسلم (٢٦٢)، وأبو داود (٧)، والترمذي (١٦)، والنسائي (٣٨/١ - ٣٩). احترام أطعمة بني آدم ويُؤخذ من هذا الحديث: احترامُ أطعمة بني آدم وتنزيهها عن استعمالها في أمثال هذه القاذورات. ووجه هذا الأخذ أنه إذا منع من الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنها زادُ الجن وطعامهم، فأحرى وأولى زاد الإنس وطعامهم. (والرّمة))(١) العظم البالي. وقد أطلق عليه أيضاً: الحائل. أي: قد أتت عليه أحوالٌ فَحَال. ويمكن جريان العلّة المتقدِّمة في الرّمة من حيث هو عَظْم فيجدون عليها طعاماً، كما قد صحَّ. وقيل: لأنها تتفَّتت فلا تثبتُ عند الاستنجاء بها، ولا يتأتَّى بها قَلْع ما هنالك. وقيل: لأنها تصير مثل الزّجاج من حيث ملوستها فلا تقلع شيئاً. (الحمم)): الفحم. وعلّل بأنه زاد الجن، وهو أيضاً: لا صلابة لأكثره، فيتفتّت عند الاستنجاء، ويلوّث الجسد، ويسخمه(٢)، والدِّين مبنيّ على النظافة. مسائل في الاستنجاء تنبيه : إن وقع الاستنجاءُ والإنقاء بالطاهر المنقِي المنهي عن الاستنجاء به فإنه يجزئه عندنا. وهل يعيدُ الصَّلاة في الوقت أو لا؟ قولان، وكذلك مسألةُ من استنجى بيمينه فإنه أساء وأجزأه. وقال أهلُ الظَّاهر: لا يُجزئه لاقتضاء النهي فساد المنهي عنه. وعند الجمهور لا يقتضيه، وأيضاً(٣) فإن الجمهورَ صرفوا هذا النَّهي (١) هذه اللفظة لم ترد في أصل مسلم، وإنّما هي من رواية أبي داود والنسائي وغيرهما، ولفظ مسلم: ونهانا عن الروث والعظام. (٢) ((یسخمه)): أي: يسوّده. (٣) ساقط من (ع). ٥١٩ (٢) كتاب الطهارة - (٩) باب: ما يُسْتنجى به والنهي عن الاستنجاء باليمين [٢٠٠] وعن أبي قَتَادةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بيمينهِ وهو يَبُولُ، ولا يَتَمَسَّحْ مِنَ الخَلاَءِ بيمينِهِ، ولا يَتْنَفَّسْ في الإِناءِ». رواه البخاري (٥٦٣٠)، ومسلم (٢٦٧)، وأبو داود (٣١)، والترمذي (١٥)، والنسائي (٢٥/١). إلى غير ذات المنهي عنه، وهو احترامُ المطعوم واليمين، والمطلوبُ - الذي هو الإنقاء - قد حصل، فيجزىء عنه، ونهيه في حديث أبي قتادة عن إمساك الذَّكَر باليمين، وعن التمسُّح في الخلاء باليمين، يلزم منهما تعذّر. اختلفَ علماؤنا في كيفية التخلُّص منه؛ فقال المازري: يأخذ ذَكَره بشماله ثم يمسح به حجراً ليسلم على مقتضى الحديثين. قال الشيخ - رحمه الله -: وهذا إن أمكنه حجر ثابت، أو أمكنه أن يسترخيَ فيتمسّح بالأرض؛ فإذا لم يمكنه شيءٌ من ذلك؟ فقال الخطابي: يجلس على الأرض ويمسك برجليه الشيء الذي يتمسَّحُ به ويتناول ذَكَره بشماله. قال الشيخ: وقد يكون بموضع لا يتأتى له فيه الجلوس، فقال عِياض: الأولى من ذلك: أن يأخذ ذَكَره بشماله، ثم يأخذ الحجر بيمينه، فيمسكه أمامه، ويتناول بالشمال تحريك رأس ذَكَره، ويمسحه بذلك، دون أن يستعملَ اليمين في غير إمساك ما يمسح به. قال الشيخ: وهذه الكيفية أحسنها لقّة تكلّفها وتأتيها(١)، ولسلامتها عن ارتكاب منهي عنه، إذ لم يمسكْ ذَكَره باليمين ولم تمسح به، وإنما أمسك ما یتمسح به . و (قوله: ولا يتنفس في الإناء) هذا التأديبُ مبالغة في النَّظافة؛ إذ قد يخرج النهي عن مع النفس بصاق، أو مخاط، أو بخار رديء، فيكسبه رائحة كريهة، فيتقذّر الغير عن شربه، أو الشارب نفسه، وهذا من باب النّهي عن النّفخ في الشراب، ومن باب التنفس في الإناء (١) قال في اللسان: تأتى الرجلُ لحاجته، إذا ترفّق لها وأتاها من وجهها. ٥٢٠ (٢) كتاب الطهارة - (٩) باب: ما يُسْتنجى به والنهي عن الاستنجاء باليمين [٢٠١] وعن أنس بن مالكِ، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ وَلِ يَتْبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ، فَآتِيْهِ بالماءِ، فَيَتَغَشَّلُ بِهِ. النهي عن اختناث الأسقية، وتزيد هذه مصالح أخر، يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في مواضعها. التبرز لقضاء الحاجة و (قول أنس: كان النبي ﴾ يتبرز لحاجته) يتبرز: يخرج إلى البراز من الأرضِ بحيث يَبْعُدُ عمّن كان معه، وقد كان يأتي ((المُغَمَّس)) (١) لحاجته، وهو من المدينة على نحو الميلين. و (قوله: ((فَآتيه بالماء)») دليلٌ على استعمال الخادم فيما يختفي به عن غيره، وعلى استعمال الماء في إزالة النّجو(٢) عن هذين المحلّين. وأن الماءَ ليس من قِبَل المطعوم فيحترم في هذا، خلافاً لمن شَذَّ من الفقهاء، ولم يَرَ الاستنجاءَ بالماء العَذْب، لأنّه زعم أنه طعام، وخلافاً لما قال سعيد بن المسيّب في الاستنجاء الماء أولى من بالماء: إنما ذلك وضوء النساء، ولا شكّ في أنَّ الماءَ أولى من الحجارة، ولأجل الحجارة في هذا أنزل الله تعالى في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ مُحِبُّونَ أَنْ يَنَظَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]. الاستنجاء قال أبو داود عن أبي هريرة: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآيةُ فيهم(٣). وقد شذَّ ابنُ حبيب من أصحابنا، فقال: لا يجوزُ استعمالُ الأحجار مع وُجُود الماء. وهذا ليس بشيءٍ، إذ قد صحَّ في البخاري(٤) من حديث أبي هريرة: أنَّ النبيَّ وَله استعملَ الحجارة مع وجود الماء في الإدارة مع أبي هريرة يتبعه بها. ولبعد قياس إزالة النَّجاسة - والمقصود به النَّظافة - على التيمّم وهو مَخض العبادة، والله أعلم. (١) ((المُغَمَّس)): مكان لقضاء حاجة الإنسان، وهو على ثلثي فرسخ من مكة. انظر: معجم البلدان (١٦٢/٥). (٢) ((النجو)): ما يخرج من البطن من ريح أو غائط. (٣) رواه أبو داود (٤٤)، والترمذي (٣٠٩٩). (٤) رواه البخاري (٣٨٦٠).