Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
(١) كتاب الإيمان - (٥٨) باب: هل رأى محمدٌ﴾َ ربَّ؟
مَنْكِبَي رَجُليْنِ، يطوفُ بالبيتِ. فقلتُ: مَنْ هَذا؟ قَالُوا: هذَا المسيحُ
الدَّجَّالُ)).
رواه أحمد (٣٧/٢ و١٣١)، والبخاري (٣٤٣٩) و (٧٤٠٧)،
ومسلم (١٦٩).
(٥٨) باب
هل رأی محمد ټ﴾ ربه؟
[١٣٨] عن مَسْرُوقٍ، قالَ: كنتُ مُتَكِئاً عندَ عائشةَ. فقالتْ: يا أبَا
(٥٨) ومن باب: هل رأى محمد وَ﴿ ربّه؟
(قول عائشة للَّذي سألها عن رؤية النّبي ◌َ ﴿ ربّه: لقد قفّ شعري لما قلت)
أي: قام من الفزع. قال أبو زيد: قفَّ الرجل من البرد قفةً، والقفوف: القشعريرة.
قال الخليلُ بن أحمد: القفقفة: الرّعدة. قال ابنُ الأعرابي: تقولُ العرب عند
إنكار الشيء: قفّ شعري، واقشعر جلدي، واشمازت نفسي.
واختلف قديماً وحديثاً في جواز رؤية الله تعالى، فَأَكْثَرُ المبتدعة على إنكار رؤية الله تعالى.
جوازها في الدُّنيا والآخرة، وأهل السّلف والسّنة على جوازها فيهما ووقوعها في
الآخرة، ثم هل رأى نبيُّنَا وَل ﴿ ربّه أم لا؟ اختَلَفَ في ذلك السّلف والخلف، فأنكرته هل رأى نّينا
عائشة، وأبو هريرة، [وجماعةٌ من السّلف، وهو المشهور عن ابن مسعود، وإليه # ربّ؟
ذهب](١) جماعةٌ من المتكلِّمين والمحدّثين، وذهبت طائفةٌ أخرى من السّلف إلى
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (م).

٤٠٢
(١) كتاب الإيمان - (٥٨) باب: هل رأى محمدٌ﴾هربََّ؟
وقوعه، وأنه رأى ربّه بعينيه، وإليه ذَهَب ابن عباس، وقال: اختصّ موسى
بالكلام، وإبراهيم بالخلّة، ومحمد له بالرّؤية، وأبو ذرّ وكعب(١) والحسن
وأحمد بن حنبل، وحُكي عن ابن مسعود وأبي هريرة في قولٍ لهما آخر، ومثل
ذلك حُكي عن أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه، وذهبت طائفةٌ من
المشايخ إلى الوقف (٢)، وقالوا: ليس عليه قاطع نفياً ولا إثباتاً، ولكنّه جائز عقلاً،
وهذا هو الصَّحيح، إذ رؤيةُ الله تعالى جائزةٌ كما دلّت عليها الأدلّة العقلية والنقلية،
فأمّا العقلية، فَتُعْرَف في علم الكلام، وأما النقلية فمنها: سؤال موسى رؤية ربّه.
ووجه التمسّك بذلك: علم موسى بجواز ذلك، ولو علم استحالةَ ذلك لما سأله،
ومحالٌ أن يجهلَ موسى جوازَ ذلك، إذ يلزمُ منه أن يكونَ مع علوّ منصبه في النبوة
وانتهائه إلى أن يصطفيه اللهُ على الناس، وأن يُسْمِعَه كلامَه بلا واسطة؛ جاهلاً بما
یجب لله تعالی ویستحیل علیه ويجوز، ومجوِّز هذا كافر.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَذٍ نَاضِرَةً * إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ -٢٣]،
ووجه التمسُّك بها امتنانه تعالى على عباده بالنَّظر إلى وجهه تعالى في الدَّار
الآخرة، وإذا جاز أن يروه فيها جاز أن يروه في الدُّنيا؛ لتساوي الوقتين بالنّظر إلى
الأحكام العقلية.
ومنها: ما تواترت جُمْلَتُه في صحيح الأحاديث من أخباره بَّهِ؛ لوقوع ذلك
كرامةً للمؤمنين في الدَّار الآخرة، فهذه الأدلَّة تدلُّ على جواز رؤية الله تعالى في
الدّار الآخرة والدُّنيا. ثم هل وقعتْ رؤيةُ الله تعالى لمحمد وَ لفي ليلة الإسراء أو لم
تقع؟ ليس في ذلك دليلٌ قاطع. وغاية المستدلّ على نفي ذلك أو إثباته التمسّك
(١) من (م).
(٢) في (ع): الوقوف.

٤٠٣
(١) كتاب الإيمان - (٥٨) باب: هل رأى محمدٌ ﴿ُ ربََّ؟
عائشةً! ثلاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بواحدةٍ مِنْهُنَّ فقد أعظمَ على الله الفِرْيَةَ. قلتُ:
ما هُنَّ؟ قالتْ: مَنْ زَعَمَ أنَّ محمّداً رأَى رَبَّه فقدْ أعظمَ على اللهِ الفِرْيَةَ.
قالَ: وكنتُ مُتَّكِئَاً فجلستُ، فقلتُ: يا أمَّ المؤمنينَ! أَنْظِرِيني ولا تَعْجَلِيني.
ألمْ يقلِ اللهُ - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالْأُفُيِّ الْمُِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ
رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]. فقالتْ: أَنَا أولُ هذهِ الأُمَّةِ سألَ عن ذلكَ
رسولَ اللهِ وَّه فقالَ: ((إِنَّما هُوَ جبريلُ، لم أَّرَه على صُورِتِهِ التي خُلِقَ
عليها غَيْرَ هاتينِ المرَّتينِ. رأيتُهُ مُنْهَبِطاً مِن السَّماءِ، سَاداً عِظَمُ خَلْقِهِ ما
بظواهر متعارضة مُعرَّضة للتأويل، والمسألة ليست من باب العمليات فيُكتفى فيها
بالظّنون، وإنما هي من باب المعتقدات، ولا مدخل للظّنون فيها؛ إذ الظنّ من باب
الشك؛ لأنَّ حقيقتَه تغليبُ أحد المجوّزين، وذلك يناقضُ العلم والاعتقاد.
واختلفوا أيضاً: هل كلّم محمدٌ وَل﴿ ربَّه ليلةَ الإسراء بغير واسطة أم لا؟ [فذهب كيف كلَّمْ ﴾
ابنُ مسعود، وابنُ عباس، وجعفر بن محمد، وأبو الحسن الأشعري في طائفةٍ من ربَّه ليلة
المتكلّمين: إلى أنه كلّم الله بغير واسطة] (١)، وذهبت جماعةٌ إلى نفي ذلك،
الإسراء؟ .
والكلامُ على هذه المسألة كالكلام على مسألة الرّؤية سواء.
و (قول عائشة: ((فقد أعظم الفرية على الله تعالى))) الفرية: هي الافتراء،
وهو: اختلاقُ الکذب وما یقبحُ التحڈُّث به.
و (قوله تعالى: ﴿بَلْأُفُيِّ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]) الأفق: الجانب والنّاحية،
وجمعه: آفاق، ويُقال: أُفُق بضم الفاء وسكونها، والمبين: البيِّن الواضح،
والضَّمير في: ولقد رآه. عائد إلى رسول، وهو جبريل، وكذلك في قوله: ﴿ وَلَقَدْ
رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]. وقد روت ذلك عائشة مرفوعاً مفسّراً على ما يأتي،
(١) ساقط من (ل).

٤٠٤
(١) كتاب الإيمان - (٥٨) باب: هل رأى محمدٌ﴾ ربَّّ؟
بينَ السَّماءِ والأرضِ)). فقالتْ: أولمْ تسمع أنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - يقولُ: ﴿لَا
تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
أو لم تسمعْ أنَّ اللهَ يقولُ: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ
فلا يلتفت إلى ما يُقال في الآية غير هذا، وأما استدلالُ عائشة بقوله تعالى: ﴿لَّا
تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ففيه بُعْد؛ إذ قد يقال بموجبه؛ إذ يفرّق بين
الإدراك والإبصار، فيكون معنى لا تدركه: لا تحيطُ به، مع أنها تبصره. قاله
سعيد بن المسيّب، وقد بقي الإدراكُ مع وجود الرّؤية في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرََّ)
الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىَ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢ ] أي:
لا يدركونكم، وأيضاً: فإنَّ الإبصارَ عموم، وهو قابلٌ للَّخصیص فيخصّص
بالكافرين، كما قال تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
ويكرّم المؤمنون أو من شاء الله منهم بالرؤية كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةً » إِلَ
رِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وبالجملة: فالآية ليست نصّاً ولا من الظّواهر
الجليّة، فلا حجّة فيها.
و (اللطيف): الكثير اللّطف، وهو في حقّ الله تعالى: رفقه بعباده، وإيصاله
لهم ما يصلحهم بحيث لا يشعرون، كما قال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَآءُ﴾
[يوسف: ١٠٠]. وأصله: من اللّطف في العمل وهو الرِّفق فيه، وضدّه العنف،
والاسم منه: اللطف: بتحريك الطّاء يقال: جاءتنا لطفة من فلان، أي: هدية.
و (الخبير) العليم بخبرة الأمور، أي: ببواطنها وما يختبر منها، يقال: (صدق
الخبر الخبر) بضمّ الخاء، ومنه قول أبي الدَّرداء: ((وَجَدْتُ الناسَ اخْبُرْ تَقْلُهُ)»(١)،
وأمّا استدلالها بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا﴾
(١) هذا مثل يُضرب في ذم الناس وسوء معاشرتهم. وأخرج الكلام فيه على لفظ الأمر،
ومعناه: الخبر. يريد: أنك إذا خبرتهم قليتهم، أي: أبغضتهم. انظر: (مجمع الأمثال
٣٦٣/٢).
الفرق بين
الإدراك
والإبصار.

٤٠٥
(١) كتاب الإيمان - (٥٨) باب: هل رأى محمدٌ﴾ه ربَّهَ؟
حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ... ) إلى قوله: ﴿عَلِىُّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
قَالتْ: ومَنْ زعمَ أنَّ رسول الله وَ ﴿ كتمَ شَيئاً مِن كتابِ اللهِ فقدْ أعظمَ على
اللهِ الفِرْيَة، واللهُ يقولُ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ
فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. قالتْ: ومَنْ زَعَمَ أنَّهُ يُخبرُ بما يكونُ في
غَدٍ فقد أعظمَ على اللهِ الفِرْيَةَ، واللهُ يقولُ: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النحل: ٦٥].
[الشورى: ٢١] فلا حجّة فيه على نفي الرّؤية إذ يقال بموجبها: فإن مقتضاها نفي
كلام الله على غير هذه الأحوال الثلاثة، وإنّما يصلحُ أن يستدلّ بها على نفي تكليم
الله تعالى لمحمّد ◌َّ﴿ مشافهةً على ضعفٍ في ذلك لا يخفى على مُتأمِّل، بل قد
استدلَّ بعضُ المشايخ بهذه الآية: على أن محمداً رأى ربّه وكلّمه دون واسطة
فقال: هي ثلاثة أقسام: من وراء حجاب، كتكليم موسى، وبإرسال الملائكة، كلام الأنبياء لله
كحال جميع الأنبياء، ولم يبقَ من تقسيم المكالمة إلا كونها مع المشاهدة، وهذا على ثلاثة
أيضاً فيه نظر.
أقسام.
و (قوله تعالى: ﴿فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: ٥١]) أي: بأمره كما
قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وفي (يوحي) ضمير يعود
على الرسول، وفي (يشاء) ضمير يعود على الله تعالى. ومعناه: فيلقي الرسولُ إلى
الموحى إليه ما يشاؤه اللهُ تعالى، (والعلي): ذو العلو، وهو الرفعة المعنوية في
حقّه تعالى لا المكانية، (والحكيم) المحكم الأمور، أو الكثير الحكمة، ومعنى
مساق الآية: أنه تعالى منزه عن أن يتنزَّل كلامه أسماع كلّ السامعين، بل يُحكِم الله
كيفيَّةً إِيصاله إلى النّبيين والمرسلين.

٤٠٦
(١) كتاب الإيمان - (٥٨) باب: هل رأى محمدٌ﴾ ربَّ؟
وزادَ في روايةٍ، قالتْ: ولو كانَ محمّدٌ وَلِ كَاتِماً شَيئاً مِمَّا أنزلَ الله
عليه لكتّم هذه الآية: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ
زَوْجَكَ وَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾
[الأحزاب: ٣٧].
رواه البخاري (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧)، والترمذي (٣٠٧٠).
تفسیر خاطىء.
و (قولها: ((ولو كان محمد كاتماً شيئاً لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ
اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]) قد اجترأ بعضُ
المفسرين في تفسير هذه الآية، ونسب إلى رسول الله وَل﴿ ما لا يليقُ به ويستحيلُ
عليه؛ إذ قد عصمه اللهُ منه ونزّهه عن مثله، فقال: إن النبيّ ◌َ ﴿ هوي زينب امرأةً
زيد، وربما أطلق بعض المجَّان لفظ ((عشق))، ثم جاء زيد يريد تطليقها فقال له:
أمسك عليك زوجك واتق الله، وهو مع ذلك يحبّ أن يطلّقها ليتزوّجها. وهذا
القولُ إنما يصدرُ عن جاهلٍ بعصمته عليه الصلاة والسلام عن مثل هذا، أو
مستخفّ بحرمته، والذي عليه أهلُ التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين: أن
ذلك القول الشّنيع ليس بصحيح، ولا يليق بذوي المروءات، فأحرى بخير
البريات. وأن تلك الآية إنما تفسيرها ما حُكي عن علي بن حسين: أن الله تعالى
أَعْلَم نبيَّه بكونها زوجة له، فلما شكاها زيد له؛ وأراد أن يطلقها، قال له: أمسك
عليك زوجَك واتَّق الله، وأخفى في نفسه ما أعلمه اللهُ به مما هو مُبديه بطلاق زيدٍ
لها، وتزويج النّبِي وَ ﴾ لها، ونحوه عن الزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري،
وغيرهم، والذي خشيه النَّبِي وََّ إنما هو إرجافُ المنافقين، وأنه نهى عن تزويج
نساء الأبناء وتزوج بزوجة ابنه. ومساقُ الآية يدلُّ على صحّة هذا الوجه بقوله
تعالى: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَِّّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اَللَّهُ لَهُهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] ولو كان ما ذكر
أولئك لكان فيه أعظم الحرج. ولقوله: ﴿لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَجِ
أَدْعِيَآ ◌ِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وبالله التَّوفيق.
التفسير
الصحيح.

٤٠٧
(١) كتاب الإيمان - (٥٨) باب: هل رأى محمدٌ﴿ه ربَّ؟
[١٣٩] وعن عبد الله بن مسعودٍ، وأبي هريرةَ، في تفسير: ﴿وَلَقَدْ
رَمَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] أنه جبريل.
رواه مسلم (١٧٣) عن ابن مسعود، و (١٧٥) عن أبي هريرة.
[١٤٠] وعن ابن عبّاس: ﴿مَا كَذَبَ اَلْفُؤَادُ مَا رَأَ﴾ [النجم: ١١]،
﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]. قال: رآهُ بفؤادِهِ مرَّتينِ.
رواه مسلم (١٧٦)، والترمذي (٣٢٧٥) و (٣٢٧٦) و (٣٢٧٧).
[١٤١] وعن أبي ذَرٍّ، قال: سألتُ رسولَ اللهِوَ لَه هَلَّ رأيتَ رَبَّك؟
قال: ((نُورٌ أَّى أراه)). وفي رواية: ((رَأَيْتُ نُوراً)).
رواه مسلم (١٧٨)، والترمذي (٣٢٧٨).
و (قوله عليه الصلاة والسلام: ((نورٌ أنَّى أراه))) هكذا رويناه وقيّدناه برفع ((نور أنَّى أراه)).
(نور) وتنوينه، وفتح أنى التي بمعنى كيف الاستفهامية، ورواية مَن زعم أنه رواه
(نور إني)) ليست بصحيحة النّقل، ولا موافقة للعقل، ولعلّها تصحيف، وقد أزال
هذا الوهم الروايةُ الأخرى حيث قال: ((رأيت نوراً)). ورفع ((نور)) على فعل مضمر
تقديره: غلبني نور، أو حجبني نور. ((وأنى أراه)) استفهامٌ على جهة الاستبعاد لغلبة
النور على بصره، كما هي عادة الأنوار السّاطعة كنور الشّمس، فإنه يُعْشِي البصر،
ويحيره(١) إذا حَدَّق نحوه، ولا يعارض هذا ((رأيت نوراً) فإنه عند وقوع بصره على
النور رآه ثم غلب عليه بعد فضعف عنه بَصَرُه، ولا يصحّ أن يُعتقدَ أن الله نور، كما
اعتقده هشام الجواليقي وطائفة المجسّمة، ممن قال: هو نورٌ لا كالأنوار، لأن
النور لون قائم بالهواء، وذلك على الله تعالى محالٌ عقلاً ونَقْلاً.
(١) ((حار بصره): عَشِي ولم يستطع متابعة النظر.

٤٠٨
(١) كتاب الإيمان - (٥٨) باب: هل رأى محمدٌ ﴿ ربَّ؟
[١٤٢] وعن أبي موسى، قال: قامَ فينَا رسولُ الله ◌َّوه بخمس
فأمّا العقل: فلو كان عرضاً أو جسماً لجاز عليه ما يجوزُ عليهما، ويلزم
تغيره وحَدَثه. وأما النقل فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]
ولو كان جسماً أو عرضاً لكان كلّ شيء منهما مماثلاً له.
وقول هذا(١) القائل: جسم لا كالأجسام، أو نور لا كالأنوار متناقض، فإن
قوله: جسم، أو نور حاكم عليه بحقيقة ذلك، وقوله: لا كالأجسام: يعني لما أثبته
من الجسمية والنّورية، وذلك متناقض، فإن أراد أنه يُساوي الأجسام من حيث
الجسميّة ومفارق لها من حيث وصف آخر ينفردُ به، لزمت تلك المحالات من
حيث الجسمية، ولم يتخلص منها بذكر ذلك الوصف الخاص، إذ الأعمّ مِن
الأوصاف تلزمه أحكامٌ من حيث هو لا تلزم الأخصّ كالحيوانية والنّطقية، وتتميم
هذا في علم الكلام.
و (قول ابن عباس: ((أنه عليه الصلاة والسلام [رآه بفؤاده مرتين))) الفؤاد:
القلب، ولا يريد بالرؤية هنا: العلم، فإنه عليه الصلاة والسلام](٢) كان عالماً بالله
على الدّوام، وإنما أراد: أنّ الرؤية التي تُخلق في العين خلقت للنبي وَّر في
لا يشترط للرؤية القلب. وهذا على ما يقوله أئمتنا: إن الرؤية لا يُشترط لها محلّ مخصوص عقلاً،
محلٍ مخصوص بل يجوزُ أن يُخلق في أي محل كان، وإنما العادةُ جاريةٌ بخلقها في العين، وقول
عقلاً.
معنى: ((الله
نورا.
ابن عباس هذا خلافُ ما حكيناه عنه: من أنه رآه بعينه، ولا يبعد الجمعُ بينهما في
مذهبه فيقول: إنه رآه بقلبه وعينه، فأما اسمُ الله تعالى: النور، فمعناه: أنه هادٍ من
ظلمات الجهالات، كما أن النور المحسوس هادٍ في محسوس الظلمات. وقيل:
معناه: أنه مُنَوِّر السموات والأرض، وخالقُ الأنوار فيهما.
(١) من (ل).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م).
--

٤٠٩
(١) كتاب الإيمان - (٥٨) باب: هل رأى محمدٌ﴾ ربَّ؟
كَلِماتٍ. فقالٍ: ((إنَّ الله لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي له أنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ
و (قوله: ((إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام))) النوم عليه محال؛ لأنَّ النومَ النوم على الله
موت، كما قال ◌َ له حين سُئل عن نوم أهل الجنة فقال: ((النومُ أخو الموت))(١) محال.
والجنة لا موتَ فيها، وأيضاً: فإن النومَ راحةٌ من تعب التصرّف، وذلك من تعب
الأجسام.
و (قوله: ((يخفض القسط ويرفعه))) قال ابنُ قتيبة: القسط: الميزان، وسُمِّي
بذلك: لأن القسطَ هو العدل، وذلك إنما يحصل ويعرف بالميزان في حقوقنا،
وأراد به ها هنا: ما يُوزن به أعمالُ العباد المرتفعة إليه، وأرزاقهم الواصلة إليهم،
كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُفَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]. (والقسطاس) بضم
القاف وكسرها: هو أقوامُ الموازين، وقيل: أراد بالقسط هنا: الوزن الذي هو
قسط كلّ مخلوق، يخفضه فيقتّره، ويرفعه فيوسعه، وقيل: إن القسطَ هو العدلُ
نفسه، ويُراد به: الشّرائع والأحكام، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَِّّنَتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، أي: النّصفة
في الأحكام والعدل المأمور به في قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ﴾
[النحل: ٩٠] فتارة يرفعه، بمعنى: يُعليه ويُظهره بوجود الأنبياء وأصحابهم معنى رفع
وأتباعهم العاملين به، وتارة يخفضه، بمعنى: أنه يُذهبه ويُخفيه بدروس الشّرائع،
القسط
خفضه .
ورجوع أكثر النّاس عن المشي على منهاجها، ويحتملُ أن يكونَ رَفْعُها: قَبْضها،
كما قال عليه الصلاة والسلام في الأمانة: ((إنها تُرفع من القلوب))(٢)، وكما قال:
((أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة)(٣)، بل كما قال:
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤١٥/١٠) رواه الطبراني في الأوسط والبزار
(٣٥١٧) - ورجال البزار رجال الصحيح - من حديث جابر رضي الله عنه.
(٢) رواه البخاري (٦٤٩٧)، ومسلم (١٤٣)، والترمذي (٢١٨٠)، وابن ماجه (٤٠٥٣) من
حديث حذيفة رضي الله عنه.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٩٤٣١) موقوفاً من حديث ابن مسعود رضي الله =

٤١٠
(١) كتاب الإيمان - (٥٨) باب: هل رأى محمدٌ﴾ُ ربََّ؟
ويَرْفَعُهُ، يُرفَعُ إليهِ عَمَلُ اللَّيلِ قبلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ،
حِجابُه النُّورُ.
((عليكم بالعلم قبل أن يرفع))(١) وخفضها: إيجادها في الأرض ووضعها، والله
أعلم.
أعمال و (قوله: ((يُرفع إليه عملُ النهار قبل الليل))) يعني: أن الملائكةَ الموكلين بنا
رَفْعُ
إلى الله تعالى. تحصي علينا عملَ اليوم، فترفعه في آخره؛ لقرب الليل، وكذلك في الليل ترفعه
بقرب النهار، ولذلك جاء في الرواية الأخرى: ((يُرفع إليه عملُ الليل بالنهار وعمل
النهار بالليل)) فجعل الباء مكان ((قبل))، وهذا الحديث كقوله: ((يتعاقبون فيكم
ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)) (٢) والهاء في ((إليه)) عائدة إلى الله تعالى، لكن على
طريقةٍ حَذْف المضاف، والمرادُ به: المحلّ الذي تنتهي الملائكةُ إليه بأعمال
العباد، ولعله سِذْرة المنتهى، كما تقدّم في حديث الإسراء، وهذا كما تقولُ: رفع
المال إلى الملك، أي: إلى خزائنه. وعلى هذا يُحمل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ
اَلْكَلُ اَلَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
و (قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]) أي: مقاماتهم في
حضرته، وإنما احتجنا إلى إبداء هذا التّأويل لئلا يتخيّل الجاهل أنه مختَصِّ بجهة
فوق، فيلزمه التجسيم، ويكفيك ممّا يدلّ على نفي الجهة في حقّه تعالى: ﴿وَهُوَ
مَمَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وما في معناه.
و (قوله: ((حجابه النّور))) أو النار. الحجاب: هو المانع والسّاتر، ومنه
سُمِّي المانع من الأمير: حاجباً، وهو مُضاف إلى الله تعالى إضافةً ملك
حجابه تعالى
النور .
= عنه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٣٠/٧): رواه الطبراني، ورجاله رجال
الصحيح غير شداد بن معقل، وهو ثقة.
(١) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢٨/١)، وابن عدي في الكامل
(١٨١٣/٥) وفيه عثمان بن أبي العاتكة: ضعيف.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٠٨).
1

٤١١
(١) كتاب الإيمان - (٥٨) باب: هل رأى محمدٌ﴾ ربّ؟
وفي رواية: ((النَّار)» لو كشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ ما انتهى إليه بَصَرُهُ مِن
خَلْقِهِ».
رواه أحمد (٣٩٥/٤ و٤٠٥)، ومسلم (١٧٩)، وابن ماجه (١٩٦).
واختراع(١)، أو إضافة تشريف، والمحجوب به العباد، وهو النُّورُ الذي بهر بَصَر
النبي ◌َ﴿ حيث قال: ((نورٌ أنّى أراه)) وهو المعنيّ بقوله في سدرة المنتهى: ((فغشيها
ألوان لا أدري ما هي))، وأما البارىء تعالى فيستحيل عليه أن يحيط به حجاب؛ إذ
يلزم منه أن يكون مقدراً مَخْصُوراً، فيحتاجُ إلى مقدّر ومخصص، ويلزم منه
حدوثه، وفي التحقيق: أنَّ الحجابَ في حقوقنا: الموانع التي تقومُ بنا عند وجود
هذه الحوائل کالجسم الکثیف والشّدید النور.
و (قوله: ((لو كشفها))) الضمير عائد على النار، أو الأنوار. والحجاب:
بمعنی الحجب. والسُّحات: جمع سُبُحة، وأصلها: جمال الوجه وبهاؤه، ثم يعبّر
عنها عن العظمة والجلال، وفي العين والصّحاح: سُبحات وجه ربنا: جلاله.
والهاء في بصره عائدة على الله تعالى على أحسن الأقوال، وهو الذي عاد عليه
ضمير ((وجهه)) وكذلك ضمير ((خلقه))، ومعنى الكلام: أنَّ اللهَ تعالى لو كَشَفَ عن
خلقه ما منعهم به من رؤيته في الدّنيا لَمَا أطاقوا رؤيته، ولهلكوا من عند آخرهم،
كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّ رَبُُّ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَثًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ويفيدُ
أن تركيبَ هذا الخلق وضَعْفَهم في هذه الدار لا يحتملُ رؤية الله فيها، فإذا أنشأهم تركيب الخَلْق
الله للبقاء وقوّاهم حملوا ذلك، وقد أكثر الناسُ في تأويل هذا الحديث وأبعدوا، في الدنيا
لا سيّما مَن قال: إنَّ الهاء في وجهه تعودُ على المخلوق، فإنه يُحِيل مساق الكلام هم
لا یحتمل رؤية
ويخلّ بالمعنى، والأشبه ما ذكرناه، أو التوقّف كما قال السلف: ((اقرؤوها كما
جاءت)) يعنون المشكلات، وسيأتي لهذا مزيدُ بيان، إن شاء الله تعالى.
(١) في (ل) و (ط): احترام.

٤١٢
(١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة
(٥٩) باب
ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة
[١٤٣] عن أبي بكر بن عبدِ الله بن قَيْسٍ، عن أبيه، عن النبيِّي وَل
قال: ((جَنَتَانِ مِن فِضَّةٍ آنِيَتُهُما ومَا فِيهِما. وجِّتَّتَانِ مِنْ ذَهَبِ آنيتُهُما ومَا
فِيْهِما. ومَا بينَ القَوْمِ وبينَ أنْ يَنْظَرُوا إلى رَبِّهم إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِيَاءِ عَلى
وَجْهِهِ،
(٥٩) ومن باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدّار الآخرة
(قوله: ((ما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكِبرياء على وجهه)))
الرّداء هنا: استعارة كنّى بها عن كبريائه وعظمته، كما قال في الحديث الآخر:
((الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري))(١) وليست العظمة والكبرياء من جنس الثّياب
المحسوسة، وإنما هي توسّعات، ووجهُ المناسبة أنَّ الرداءَ والإزار لمّا كانا
مُلازمين للإنسان مخصُوصين به لا يشاركه فيهما غيره؛ عبّر عن عَظَمة الله وكبريائه
بهما؛ لأنهما ممّا لا يجوزُ مشاركة الله فيهما؛ أَلا ترى آخرَ الحديث: ((فمن نازعني
واحداً منهما قَصَمْتُه، ثم قَذَفْتُه في النار))، ومعنى حديث أبي موسى أن مقتضى
جبروت الله تعالى وكبريائه وعزّته واستغنائه ألّ يراه أحد، ولا يعبأ بأحدٍ ، ولا يلتفت
إليه، لكنّ لطفه وكرمه بعباده المؤمنين؛ ورحمته لهم، وعَوْدَه عليهم؛ يقتضي أنْ
يمنّ عليهم؛ بأن يريهم وَجْهَه إبلاغاً في الإنعام، وإكمالاً للامتنان، فإذا كَشَف
عنهم الموانع؛ وأراهم وَجْهَه الكريم، فقد فَعَل معهم خلافَ مقتضى الكبرياء،
فکأنه قد رفع عنهم حجاباً یمنعهم.
(١) سبق تخريجه ص (٢٨٦).
مقتضى جبروت
الله و کبریائه
وعزّته.

٤١٣
(١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة
فِي جَنَّةِ عَدْنٍ)).
رواه أحمد (٤١١)، والبخاري (٤٨٧٨) و (٧٤٤٤)، ومسلم
(١٨٠)، والترمذي (٢٥٣٠)، وابن ماجه (١٨٦).
[١٤٤] وعن صُهَيْبٍ، عن النبيِّنَّ قالَ: ((إذا دخلَ أهلُ الجَنَّةِ
الجَنَّةَ، قالَ: يقولُ الله - تَبَارَكَ وتَعَالى -: تُرِيدُونَ شَيْئاً أَزِيْدُكُم؟ فيقولُونَ:
ألمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ ألمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ وتُنَجِّنا من النَّارِ؟ قالَ: فَيَكْشِفُ
الحِجَابَ فَما أُعْطُوا شَيْئاً أحبَّ إليهم مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهم».
ووجه الله تعالى هل هو عبارةٌ عن وجوده المقدّس، أو عن صفةٍ شريفة المقصود بوجه
عظيمة معقولة؟ في ذلك لأئمتنا قولان، وكذلك القولُ في اليد والعين والجنب "
الله تعالى.
المضافة إلى الله تعالى.
و (قوله: ((في جنة عدن))) متعلّق بمحذوف في موضع الحال من القوم،
فكأنه قال: كائنين في جنّة عَدْن، ولا يكون من الله تعالى لاستحالة المكان والزّمان
عليه .
و (قول من يسأله الله من أهل الجنّة بقوله: ((هل تريدون شيئاً أزيدكم))؟ ألم
تبيض وجوهنا وتدخلنا الجنة وتنجّنا من النار؟))) لا يليقُ بمن مات على كمال
المعرفة والمحبة والشّوق، وإنما يليقُ ذلك بمن مات بين الخوف والرجاء، فلما
حَصَل على الأمن من المخوف، والظّفر بالمرجو الذي کان تشوّقه إلیه قَنع به، ولها
عن غيره، وأما من مات محبّاً لله مُشتاقاً لرؤيته، فلا يكون همّه إلا طَلَب النظر
لوجهه الكريم لا غير، ويدل على صحة ما قلتُه أن المرءَ يُحشر على ما يموتُ ينظر المؤمنون
عليه، كما عُلِم من الشريعة، بل أقولُ: إنَّ مَن مات مشتاقاً لرؤية الله تعالى لا يُتَبَّه في الآخرة إلى
بالسؤال، بل يعطيه أمنيته ذو الفضل والإفضال، ومذهبُ أهل السنة بأجمعهم: أن ◌ّه
· بأبصارهم.
الله تعالى ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بأبصارهم كما نطق بذلك الكتاب، وأجمع
-

٤١٤
(١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة
وزاد في رواية: ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
[يونس: ٢٦].
رواه أحمد (٣٣٢/٤ و٣٣٣)، ومسلم (١٨١)، والترمذي
(٢٥٥٥)، وابن ماجه (١٨٧).
[١٤٥] وعن أبي هُريرةَ: أنَّ ناساً قالُوا لرسولِ الله: يا رسولَ الله!
هَلْ نَرِى رَبَّنا يومَ القِيَامَةِ؟ فقالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((هَلْ تُضَارُّوْنَ في رؤيةِ القَمَرِ
ليلةَ البَدْرِ؟)) قالوا: لا، يا رسولَ الله! قالَ: ((هَلْ تُضَارُوْنَ في الشَّمْس ليسَ
عليه سَلَفُ الأمة (١)، ورواه بضعة عشر من الصحابة عن النبي ◌َّةِ، ومنع ذلك فرقٌ
من المبتدعة، منهم: المعتزلة، والخوارج، وبعض المرجئة، بناءً منهم على أن
الرؤية يلزمها شروط اعتقدوها عقلية، كاشتراط البنية المخصوصة، والمقابلة،
واتّصال الأشعة، وزوال الموانع من القرب المفرط، والبُعْد المفرط، والحُجُب
الحائلة، في خَبْطٍ لهم وتحكّم، وأهل الحق لا يشترطون شيئاً من ذلك عقلاً سوى
وجود المرئي، وأنَّ الرُّؤيةَ إدراكٌ يخلقه الله تعالى للرائي فيرى المرئيَّ، لكن يقترنُ
بالرؤية بحكم جريان العادة أحوالٌ يجوز في العقل شرعاً تبدّلها، والله أعلم،
وتفصيل ذلك وتحقيقه في علم الكلام.
و (قوله: ((هل تضارون))) يُروى بضمّ التاء وفتحها، وتشديد الراء
وبتخفيفها، وضمّ التاء، والتّشديد أكثر، وكلّها له معنى صحيح، ووجهُ الأكثر: أنه
مضارع مبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه. أصله: تضاررون، أسكنت الراء الأولى وأدغمت
في الثانية، وأصل ماضيه ضُورر، ويجوز أن يكون مبنياً للفاعل بمعنى تضاررون
بكسر الراء إلا أنها سكّنت الراء وأدغمت، وكلّه من الضر المشدّد، وأما التخفيف
فهو من ضاره يضيره ويضوره ضيراً مُخفّفة، فإذا بني لما لم يُسَمّ فاعلُه قلتَ فيه:
(١) في (ع): الأصحاب.
1

٤١٥
(١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة
دُونَها سَحَابٌ؟)) قَالُوا: لا. قالَ: ((فإنَّكم تَرَوْنَهُ كذلكَ. يجمعُ الله النَّاسَ
يُضَارَ، مخفّفة، وأما رواية فتح التاء فهي مبنية للفاعل بمعنى تتضارون، وحُذفت
إحدى التاءين استثقالاً لاجتماعهما، ومعنى هذا اللفظ: أن أهل الجنة إذا امتن اللهُ
عليهم برؤيته سبحانه تجلّى لهم ظاهراً بحيث لا يحجبُ بعضُهم بعضاً ولا يضرّه
ولا يُزاحمه ولا يُجادله، كما يُفعل عند رؤية الأمّة، بل كالحال عند رؤية الشمس
والقمر ليلة تمامه، وقد حُكي: ضاررته مضارة، إذا خالفته، وقد روي ((تضامّون))
بالميم. والقول فيه رواية ومعنى كالقول في تضارون غير أن ((تضامُّون)) بالتشديد،
من المضامّة، وهي الازدحام، أي: لا تزدحمون عند رؤيته تعالی کما تزدحمون
عند رؤية الأهلّة، وأما بالتخفيف فمن الضّيم، وهو الذّل، أي: لا يذلّ بعضُكم
بعضاً بالمزاحمة والمنافسة والمنازعة.
و (قوله: ((فإنكم ترونه كذلك))) هذا تشبية للرؤية ولحالة الرّائي لا المرئيّ،
ومعناه: أنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مُضارّة ولا مُزاحمة كما تستوون
في رؤية الشّمس والبدر عياناً، وقد تأوّلت المعتزلةُ الرؤيةَ في هذه الأحاديث المعتزلة ورؤية
بالعلم. فقالوا: إنَّ معنى رؤيته تعالى أنه يُعلم في الآخرة ضرورة. وهذا خطأً لفظاً الله في الآخرة.
ومعنى.
وأما اللفظ: فهو أنَّ الرؤيةَ بمعنى العلم تتعدّى إلى مفعولين، ولا يجوزُ
الاقتصارُ على أحدهما دون الآخر، وهي قد تعدّت هنا إلى مفعول واحد، فهي
للإبصار، ولا يصحّ أن يقال: إن الرؤية بمعنى: المعرفة؛ لأن العربَ لم تستعملْ
رأيت بمعنى: عرفت، لكن بمعنى: علمت، أو أبصرت. واستعملتْ علمت
بمعنى: عرفت لا رأيت بمعنى: عرفت.
وأما المعنی فمن وجهين:
أحدهما: أنه عليه الصلاة والسلام شبّه رؤيةَ الله تعالى بالشّمس؛ وذلك
التّشبيه لا يصحّ إلا بالمعاينة.

٤١٦
(١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة
يَومَ القِيَامةِ، فيقولُ: مَنْ كانَ يعبدُ شيئاً فَلْيَتَّبِعْهُ. فَيَتَبعُ مَنْ كان يعبدُ الشَّمْسَ
الشَّمْسَ، ويَتَّبِعُ مَنْ كانَ يعبدُ القَمَرَ القَمَرَ، ويَتَبعُ مَنْ كانَ يعبدُ الطَّوَاغيتَ
الطَّواغِيْتَ. وتَبْقَى هذهِ الأُمَّةُ فيها مُنَافِقُوها، فيَأْتِيْهُمُ الله - تبارك وتعالى -
في صورةٍ غيرِ صُورِتِهِ التي يَعْرِفونَ. فيقولُ: أَنَا رَبِّكُم. فيقولونَ: نعوذُ باللهِ
وثانيهما: أنّ الكفَّارَ يعلمونه تعالى في الآخرة بالضّرورة، فترتفعُ خصوصية
المؤمنين بالكرامة وبلذّة النّظر، وذلك التأويلُ منهم تحريفٌ حَمَلَهُم علیه ارتكابُ
الأصول الفاسدة.
معنى
والطّواغيت: جمع طاغوت. وهو الكاهن، والشّيطان، وكلّ رأس في
الطاغوت. الضّلال. والمرادُ به في الحديث: الأصنام، ويكون واحداً، كقوله تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، وقد يكون
جمعاً، كقوله تعالى: ﴿ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم﴾ [البقرة: ٢٥٧] وطاغوت
وإن جاء على وزن لاهوت فهو مقلوب؛ لأنه من: طغى، ولاهوت غير مقلوب
لأنه من لاه، بمنزلة الرغبوت والرهبوت والرحموت، قاله في الصّحاح.
المنافقون في
الآخرة.
و (قوله: ((وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها))) ظن المنافقون أنَّ تسترهم
بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم وينجيهم، كما نفعهم في الدنيا، جَهْلاً منهم بأنَّ الله
تعالى عالمٌ بهم، ومطلع على ضمائرهم، وهذا كما قد أقسمت طائفةٌ من المشركين
أنهم ما كانوا مشركين توهّماً منهم أن ذلك يُنجيهم. ويحتمل أن يكونَ حَشْرُهم مع
المسلمين لما كانوا يظهرونه من الإسلام، فحفظ عليهم ذلك حتى يميزَ اللهُ الخبيثَ
من الطّيب. ويحتملُ أنه لما قيل: ((تتبع كلّ أمة ما كانت تعبد)»، فاتبع الناس
معبوداتهم ولم يكونوا عبدوا شيئاً، فبقوا هنالك حتى مُيُِّوا ممن كان يعبدُ اللهَ.
و (قوله: ((فيأتيهم الله في صورةٍ غير صورته التي يعرفون))) هذا المقامُ مقام
هائل، يمتحنُ اللهُ تعالى فيه عبادَه ليميّز المحقّ من المبطل، وذلك أنّه لما بقي
المنافقون والمراؤون مُتلبّسين بالمؤمنين والمخلصين، زاعمين: أنهم منهم، وأنهم

٤١٧
(١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة
مِنْكَ. هَذا مَكَانُنا حتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنا، فإذا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فيَأْتِيْهِمُ اللهُ في
عملوا مثل أعمالهم، وعرفوا الله مثل معرفتهم امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة،
قالت للجميع: أنا ربكم فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك، والتعوّذ منه لما قد سبق
لهم من معرفتهم بالله تعالى، وأنه مُنزّه عن صفاتٍ هذه الصّورة، إذ سماتُها سمات
المُحدثات، ولذلك قال في حديث أبي سعيد: ((فيقولون نعوذُ بالله منك لا نشركُ
بالله شيئاً - مرتين أو ثلاثاً - حتى إنَّ بعضَهم ليكادُ أن ينقلبَ، وهذا البعضُ الذي همَّ
بالانقلاب لم يكنْ لهم رسوخُ العلماء، ولا ثبوتُ العارفين، ولعلَّ هذه الطائفة هي
التي اعتقدت الحقَّ، وجزمتْ عليه من غير بصيرة. ولذلك كان اعتقادُهم قابلاً
للانقلاب، ثم يُقال بعد هذا للمؤمنين: هل بينكم وبينه آيةٌ تعرفونه بها؟ فيقولون:
نعم. فيكشف عن ساق، أي: يوضّح الحق ويتجلّى لهم الأمر، فيرونه حقيقةً معنى كشف
مُعاينةً. وكَشْفُ السَّاق: مَثَلُ تستعمله العرب في الأمر إذا حقّ ووضح واستقر. الساق.
تقول العرب: كشفت الحرب عن ساقها؛ إذا زالت مَخَارقها(١) وحقّت حقائقها
وقال(٢):
وَكُنْتُ إِذَا جَارِيْ دَعَا لِمَضُوْفَةٍ أُشَمِّرُ حَتَّى يَنْصُفَ السَّاقَ مِنْزَرِي
وعند هذا يسجدُ الجميع، فمن كان مُخلصاً في الدّنيا صحّ له سجوده على
تمامه وكماله، ومن كان منافقاً أو مُرائياً عاد ظهره طبقةً واحدة، كلّما رام السّجود
خَرَّ على قفاه، وعند هذا الامتحان يقعُ امتياز المحقّ من المبطل، فعلى هذا تكونُ
الصّورة التي لا يعرفونها مَخْلُوقة. والفاء التي دخلت عليها بمعنى الباء، ويكون مجيء الله يوم
معنى الكلام: إن الله تعالى يجيئهم بصورة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنَظُرُونَ القيامة في ظلل
إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اَللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] أي: بظلل. ويكون معنى الإتيان
من الغمام.
(١) في (م): مخاوفها. وزالت مخارقها: أي: ذهبت دهشة الحرب والفزع منها.
(٢) في (ع): وأنشد. والقائل: هو أبو جندب الهذلي.

٤١٨
(١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة
صُورِتِه التي يَعْرفونَ، فيقولُ: أَنَا رَبُّكم. فيقولونَ: أنتَ رَبُّنا، فيَتَّبِعُونَه
هنا: يحضر لهم تلك الصورة، وأما الصورة الثانية التي يعرفون عندما يتجلّ لهم
الحق، فهي صفتُه تعالى التي لا يشاركُه فيها شيءٌ من الموجودات، ولا يشبهه
بشبهها شيءٌ من المصورات، وهذا الوصفُ هو الذي كانوا قد عرفوه في الدنيا،
وهو المعبّر عنه بـ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
ولذلك قالوا: إذا جاء ربُّنا عرفناه. وفي حديث آخرُ يقال: ((وكيف تعرفونه؟ قالوا:
إنه لا شبيه له ولا نظير)) ولا يستبعد إطلاقُ الصّورة بمعنى: الصِّفة، فمن المتداول
أن يقال: صورة هذا الأمر كذا، أي: صِفَتُه. والإتيانُ والمجيءُ المضافُ إلى الله
تعالى ثانياً هو عبارةٌ عن تجلّيه لهم، فكأنه كان بعيداً فَقَرُب، أو غائباً فَحَضَر، وكلُّ
ذلك خطاباتٌ مستعارةٌ جارية على المتعارف من توسّعات العرب، فإنهم يُسمُّون
الشَّيءَ باسم الشيء إذا جاوره أو قاربه، أو كان منه بسبب.
يرى المؤمنون
ربِّهم مرّة ثانية
يوم القيامة.
و (قوله في حديث أبي سعيد(١): ((ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في
الصّورة التي رأوه فيها أول مرة)) يعني: أنَّ المؤمنين إذا رفعوا رؤوسهم رأوا الحقَّ
مرة ثانية إذ كانوا قد رأوه حالة قولهم: ((أنت ربنا)) قبل السجود. والتحوّل
المنسوبُ إلى الله تعالى هنا عبارةٌ عن إزالة تلك الصّورة الأولى المتعوَّذ منها، وعن
إظهاره تعالى وجوده المقدَّس للمؤمنين. فيكون قوله: ((وقد تحول)) حالاً مُتَقدِّمة
قبل سجودهم، بمعنى: وقد كان تحول، أي: حوّل تلك الصورة وأزالها، وتجلّى
هو بنفسه، فيكون المرادُ بهذا الكلام: أن الحقَّ سُبحانه لما تجلَّى لعباده المؤمنين
أول مرّة رأوه فيها لم يزلْ كذلك، لكنهم انصرفوا عن رؤيته عند سجودهم، ثم لما
فرغوا منه عادوا إلى رؤيته مرّة ثانية .
و (قوله في حديث أبي هريرة الأول: ((فيتبعونه))) أي: يتبعون أمره، كما
(١) حديث أبي سعيد يأتي في باب: شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين رقم (٦٢).

٤١٩
(١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة
- ويُضْرَبُ الصِّرَاطُ بين ظَهْرَيْ جَهَنَّم، فأكونُ أنَا وأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيْزُ. ولا
يُقال: اتبعتُ فلاناً على رأيه واتّبعت أمره، أي: انقدتُ إليه، وامتثلتُه، فيكون من
باب الاستعارة، ويجوزُ أن يكونَ من باب حَذْف المضاف، أي: يتّبعون ملائكته
ورسلَه الذين يسوقونهم إلى الجنّة، فكأنهم يتقدَّمون بين أيديهم دلالةً وخدمةً
وتأنيساً، والله تعالى أعلم.
تنبيه: اعلمْ أنَّ الناسَ قد أكثروا في تأويلاتِ هذه الأحاديث، فمن مبعد
ومن محوّم، وما ذكرناه أحسَنُها وأقومها لمنهاج كلام العرب، ولأن يكون هو
المراد، ومع ذلك فلا نقطعُ بأنه هو المراد، والثَّحقيق أن يقال: الله ورسوله أعلم،
والتسليم الذي كان عليه السّلف أَسْلم، لكن مع القطع بأن هذه الظّواهرَ الواردةَ في ما عليه السلف
الكتاب والسنة الموهمة للتّجسيم والتّشبيه يستحيلُ حَمْلها على ظواهرها لما في رؤية الله
يعارضها من ظواهر أُخَر، كما قرّره أئمتنا في كُتبهم، ولما دلّ العقلُ الصَّريح عليه، أسلم.
وقد أشرنا إلی نُذٍ من ذلك.
و (قوله: ((ثم يضرب الصّراط بين ظهري جهنم))) الصِّراط في اللغة: هو ما هو الصراط؟.
الطَّريق، وفيه لغاتٌ: الصَّاد والسِّين والزَّاي، وهو هنا: الطريقُ من أرض المحشر
إلى الجنّة، وهو منصوبٌ على مَثْن جهنم، أدقُّ من الشّعر وأحدٌ من السيف، وهو
المسمَّى: بالجسر في الحديث الآخر(١). وجهنم: اسم من أسماء النار التي يُعَذَّب
بها في الآخرة، قال الجوهري: هو ملحق بالخماسي بتشديد الحرف الثّالث منه،
ولا ينصرف للتّعريف والتأنيث، وهو فارسيّ معرّب، ورَكِيَّة جِهِنَّم: أي: بعيدةُ
القَعْر.
و (قوله: ((فأكون أنا وأمتي أول من يُجيز))) بضمّ أوله رباعياً، من أجاز،
(١) رواه مسلم (٣١٥) عن ثوبان رضي الله عنه.

٤٢٠
(١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة
يَتَكَلَّم يَومئذٍ إلا الرُّسُلُ، ودَعوى الرُّسُلِ يَومئذٍ: اللَّهُمَّ! سَلِّمْ، سَلِّمْ. وفي
جَهَنَّمَ كَلَاَلِيْبُ مثلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ. هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟)) قَالُوا: نعم.
يا رسولَ الله! قالَ: ((فإنَّها مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدانِ، غيرَ أنَّه لا يعلمُ ما قَدْرُ
عِظَمِها إِلَّا اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بأعمالِهِم، فِمِنهمُ المُوبَقُ بعملِهِ، وَمِنْهُمْ
أي: يَمضي عليه ويقطعه، يقال: أجزتُ الوادي، وجزته، لغتان فصيحتان، وحکي
عن الأصمعي أنه قال: أجزته: قطعته، وجزته: مشيتُ فيه. ويُحتمل أن يقالَ: إنَّ
أجيزي صوفة. الهمزة في أجاز هنا للتعدية، من قولهم: ((أجيزي صُوْفَةُ)) أي: أجزنا، وذلك أن
صوفة كان رجلاً مُعَظَّماً في قريش يُقتدى به في مناسك الحجّ، فلا يجوزُ أحدٌ في
شيء من مواقفه حتى يجوز، فكان الناس يستعجلونه فيقولون: أجز صوفة، أي:
ابتدىء بالجواز حتى نجوزَ بعدك، فكان يمنعهم بوقوفه ويجيزهم بجوازه، ثم بقي
ذلك في ولده فقيل للقبيلة: ((أجيزي صوفة))، فكذلك الرسولُ مَّه وأمته على
الصّراط، فلا يجوز أحدٌ حتى يجوزَ هو وأمته، فكأنه يجيزُ الناس. ((ودعوى
الرسل)): دعاؤها. جاء بالمصدر مؤنثاً.
و (قوله: ((يومئذ))) إشارة إلى حين الجواز على الصّراط، وإلا ففي وقت آخر
تجادل كلُّ نفس عن نفسها. والسعدان: نَبْتُ كثيرُ الشّوك، شوكه كالخطاطيف
والمحاجن.
و (قوله: ((لا يعلم ما قدرُ عِظمها إلا الله))) قيّدناه عن بعض شيوخنا برفع
الراء: على أن تكون (ما) استفهاماً خبراً مقدماً. و (قدر) مبتدأ، أو بنصبها: على
أن تكون ((ما)) زائدة، و (قدرَ) مفعول يعلم.
و (قوله: ((فمنهم الموبق بعمله))) بالباء بواحدة من أسفل، كذا للعذري،
ومعناه: المُهْلَك بعمله السيِّىء. وللطبري: ((الموثق بعمله)) بالثاء المثلثة، من
الوثاق، وللسمرقندي: ((المؤمن بقي بعمله)) وكلّها صحيح، والأول أوضحُها.
1