Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١
(١) كتاب الإيمان - (٥٣) باب: كيف كان ابتداء الوحي
رواه أحمد (١٥٣/٦ و٢٣٢)، والبخاري (٣)، ومسلم (١٦٠)،
والترمذي (٣٦٣٦).
[١٢٧] وعن أنس بن مَالكِ، قالَ: إنَّ اللهَ تابعَ الوَحْيَ على
رسولِهِ وَ﴿ قبلَ وفاتِه حتَّى تُوفِّيَ، وأكثرُ ما كانَ الوَحْيُ يومَ تُوفِّيَ
رسولُ الله ◌َلِـ
رواه أحمد (٢٣٦/٣)، والبخاري (٤٩٨٢)، ومسلم (٣٠١٦).
وهو الصّحيح، ومعناه: قوياً، مأخوذ من الأزر، وهو القوّة، قال تعالى: ﴿أَشْدُدْ جوث الرجلِ،
◌ِ﴿﴿ أَزْرِى﴾ [طه: ٣١]، وقوله [في الأم](١): ((فَجُثِثْتُ منه فَرَقاً» يُروى بالحاء غير وجثث وجُثَّ.
معجمة، وبالثاءين المثلثتين، بمعنى: أسرعتُ خوفاً منه، ويُروى بالجيم المعجمة
والثاءين. وجُئِثْتُ(٢) بالجيم وبالهمزة المكسورة مكان الثاء الأولى، قال الهروي:
جوٹ الرجل، وجنٹ، وجُثَّ، أي : أُفزع.
و (قوله في حديث أنس: ((إن الله تابع الوحي على رسوله))) يعني: وَالى،
أي: الشيءَ بعد الشيء، ((وأكثرُ ما كان)) مرفوع بالابتداء وما مع الفعل: بتأويل
المصدر، وكان: تامة، ويوم: خبر أكثر.
(١) ساقط من (م).
(٢) انظر صحيح مسلم (١٤٣/١).
٣٨٢
(١) كتاب الإيمان - (٥٤) باب: في شق صدر النبي 1988 في صغره
(٥٤) باب
في شق صدر النبي ◌َّ في صغره،
واستخراج حظ الشيطان من قلبه
[١٢٨] عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ اللهِوَهِ أتاه جبريلُ، وهو
يلعبُ مع الغِلمانِ، فَأَخذَه فصرَعَهُ، فَشَقَّ عن قلبهِ، فاستخرجَ القلبَ،
فاستخرجَ منه عَلَقَةً، فقالَ: هذا حَظُّ الشَّيطانِ منكَ، ثم غسلَه فِي طَسْتٍ من
ذهبٍ بماءِ زمزمَ، ثمّ لأمَهُ، ثم أعادَه في مكانِهِ، وَجَاءَ الغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إلى
(٥٤) ومن باب: شقّ صَدْر النّبِي وَِّ في صغره
(قوله: ((فاستخرج منه علقة))) أي: قطعة(١) دم، والعلق: الدم، وهذه العلقة
المنتزعة عنه هي القابلة للوسواس (٢) والمحرّكة للشهوات، فأزيل ذلك عنه،
وبذلك أُعين على شيطانه حتى سلم منه. ((ولَأَمَهُ)) أي: ضمّه وجَمَعه، ((وظئره):
مرضعته، ((ومنتقع اللون)): متغيّره، يقال: انتقع لونه، وابتقع، وامتقع، أي: تغيّر
عن حاله. و((المخيط)): ما يُخاط به، وهو الخيط والإبرة. وفي ((الطست)) لغات:
طَسْتٌ، بفتح الطاء، وكسرها، وطٌّ، وطسَّةٌ، والجمع: طِساس، وطُسُوس،
وطِسات. وهذا الحديثُ محمولٌ على ظاهره وحقيقتِهِ، إذ لا إحالة في مَتْنه عقلاً،
ولا يستبعدُ، من حيث أن شقَّ الصدر وإخراج القلب موجبٌ للموت، فإن ذلك أمر
جلُّ أحوالهِ﴿ عادي، وكانت جلُّ أحواله ◌َّله خارقةً للعادة، إمّا معجزة وإمّا كرامة، وهذا الشقُّ
هو خلافُ الشق المذكور في حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة، بدليل اختلاف
الزمانين والمكانين والحالين، أمَّا الزمانان: فالأول: في صغره، والثاني في كبره.
خارقة للعادة.
(١) في (م) : مضغة.
(٢) في (م): للوساوس.
٣٨٣
(١) كتاب الإيمان - (٥٤) باب: في شق صدر النبي 3 18 في صغره
أُمِّهِ - يعني: ظِثْرَهُ - فقالوا: إنَّ محمَّداً قدْ قُتِلَ، فاستقبلُوه وهو مُنْتَقَعُ
اللَّونِ. قال أنسٌ: قدْ كنتُ أَرى أثرَ المِخْيَطِ في صَدْرِهِ.
رواه أحمد (٢٨٨/٣)، ومسلم (١٦٢)، والنسائي (٢٢٤/١ -
٢٢٥).
وأما المكانان: فالأول: كان ببعض جهات مكة عند مرضعته. والثاني: عند شُقَّ صدره ﴾
البيت، وأما الحالان: فالأول: نُزِع من قلبه ما كان يضرّه وغُسِل، وهو إشارةٌ إلى مرَّتين.
عصمته. والثاني: غُسِل ومُلِىء حكمةً وإيماناً، وهو إشارةٌ إلى التهيؤ إلى مشاهدته
ما شاء الله أن يشهدَه، ولا يُلتفت إلى قَوْل مَن قال: إن ذلك كان مرةً واحدةً في
صغره، وأخذ يُغَلِّطُ بعضَ الرواة الذين رووا أحد الخبرين. فإن الغلطَ به أليق،
والوهم منه أقرب، فإنَّ رواة الحديثين أئمةٌ مشاهيرُ حُفَّاظ، ولا إحالةَ في شيءٍ ممّا
ذكروه، ولا معارضةَ بينهما ولا تناقُض، فصحّ ما قلناه، وبهذا قال جماعةٌ من
العلماء؛ منهم القاضي المهلب بن أبي صُفْرة في ((شرح مختصر صحيح البخاري)).
والله تعالى أعلم.
((والحكمة)) أصلها ما يمنع الجهل والسَّفَه، ومنه حَكَمَةُ البعير، وكونها تملأ
الطست استعارة تفهم أن المجعولَ في قلبه منها كثيرٌ شريف، وإلا فليست العلوم
أجساماً حتى تملأ الطّست. وقيل: إن القلبَ لما امتلأ حكمةً بعد غَسْله بملء
الطست من ماء زمزم قدّرت الحكمة بما كانتْ عنده، والله أعلم.
٣٨٤
(١) كتاب الإيمان - (٥٥) باب: في شق صدر النبي # ثانية
(٥٥) باب
في شق صدر النبي وَّالقر ثانية، وتطهير قلبه،
وحشوه حكمة وإيماناً عند الإسراء
[١٢٩] عن أبي ذَرُّ، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((فُرِجَ سقفُ بيتي وأنا
بمَّةَ، فنزلَ جبريلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي ثم غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثم جاءَ بطسْتٍ
مِن ذَهَبٍ ممتلىءٍ حِكْمةً وإيماناً، قال: فَأَفْرَغَها في صَدْرِي، ثمَّ أطبقَه، ثم
أخذَ بيدِي فعرَجَ بي إلى السَّماءِ ... ))، وذكرَ الحديثَ.
رواه أحمد (١٢٢/٥)، والبخاري (١٦٣٦)، ومسلم (١٦٣).
(٥٥) ومن باب: الإسراء
الإسراء: سَيْرُ الليل، يُقال: سريتُ مَسْرى وسُرىّ، وأسريت إسراء، بمعنى
واحد، وبالألف لغة أهل الحجاز، وقد جاء في القرآن. وقال حسّان:
حَيِّ النَّضِيرةَ ربَّةَ الخِدْرِ أَسْرَتْ إلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي(١)
وقيل: أسرى: سار من أوّل اللّيل، وسرى: سار مِن آخره، والقول الأول
أعرف. ويقال: سرينا سَرْية واحدة، والاسم: السُّرية، بالضم، والسُّرى، ويقال:
أسراه، وأسرى به، مثل: أخذ الخِطام وأخذ بالخِطام. واختلف في كيفية هذا
الإسراء، وفي زمانه، فقيل: كان كلّه مَناماً، وقيل: كان كلّه يقظة. وقيل: كان إلى
المسجد الأقصى يقظة، وإلى ما بعد ذلك مَناماً، وكلّ تلك الأقسام جائز، ولكن
الذي عليه معظمُ السّلف والخلف، أنه أُسري بجسده وحقيقته في اليقظة، إلى آخر
ما انطوى عليه الإسراء، وعليه يدلُّ ظاهرُ الكتاب(٢)، وصحيحُ الأخبار، ومبادرةُ
کیف کان
الإسراء؟.
(١) في (ع) و(أ):
حيّي النظير وربة الخدر
أسرت إلي ولم تكن تسري
والمثبتمن دیوان حسّان بن ثابت.
(٢) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً ... ﴾ [الإسراء: ١].
٣٨٥
(١) كتاب الإيمان - (٥٥) باب: في شق صدر النبي ◌َّ- ثانية
[١٣٠] وعن مالكِ بن صَعْصَعَة، قالَ: قالَ نبيُّ الله وَله: ((بينَا أَنَا
عندَ البيتِ بينَ النَّائم واليَقْظَانِ، إذْ سمعتُ قائلاً يقولُ: أحدُ الثلاثةِ بينَ
الرَّجُلَيْنِ. فَأُتِيْتُ فَانْطَلِقِ بِي، فَأَتَيْتُ بطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ، فيها مِن ماءِ زمزمَ.
قريش لإنكار ذلك وتكذيبه، ولو كان مناماً لما أنكروه، ولما افتُتِن به مَن افتُتِن. إذ
كثيراً ما يُرى في المنام أمورٌ عجيبة وأحوالٌ هائلة، فلا يُستبعد ذلك في النّوم، وإنما
يُستبعدُ في اليقظة، ولا يعارض ما ذكرناه إلا ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْرُِّيَا الَّتِىّ
أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وألفاظ وقعتْ في بعض طُرق أحاديث
الإسراء؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: ((بينا أنا نائم))، وقوله: ((فاستيقظت))، ونحو
ذلك مما وقع في كتاب مسلم وغيره، وقد انفصلَ عن الآية بوجهين :
أحدهما: أن هذه قضية أخرى غير الإسراء، على ما ذكره عكرمة، قال: هي
رؤيا دخول المسجد الحرام. والفتنة: الصدّ بالحديبية.
الثاني: أنّ الرؤيا بمعنى: الرؤية والمعاينة. قاله ابنُ عباس في جماعة،
والفتنة: ارتدادُ مَن أنكر ذلك.
وأما قوله: ((بينا أنا نائم)) يعني: في أول القصة، وذلك: أنه كان قد ابتدأ
نومه، فأتاه الملكُ فأيقظه، وفي بعض ألفاظه: ((بينا أنا بين النّائم واليقظان أتاني
الملكُ)) وذكر الحديث. وقوله: ((فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام)» يحتمل أن
يكونَ استيقاظُه من نومِ نامه بعد الإسراء، لأنّ إسراءه لم يكن طول ليلتهِ وإنما كان
في بعضها، ويحتمل أن يكونَ بمعنى: أفقت، وذلك مما كان غَمَر باطنه من
عجائب ما رأى وطالع من ملكوت السَّموات، وخامر(١) باطنه من مشاهدة الملأ
(١) ((خامر)): خالط وقارب.
٣٨٦
(١) كتاب الإيمان - (٥٥) باب: في شق صدر النبي 18 ثانية
فشُرِحَ صدري إلى كذا وكذا. (قال قَتَادةُ: فقلتُ للذي معي: ما يَعني؟
قالَ: إلى أسفلِ بطنِهِ). فاسْتُخْرِجَ قلبي، فغُسِلَ بماءٍ زمزمَ، ثمَّ أُعيدَ
مكانَهُ، ثم حُشِيَ إيماناً وحِكْمَةً. ثم أَتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ، يُقَالُ له:
البُراقُ ... )) وذكرَ الحدیثَ.
رواه أحمد (٢٠٦/٤)، والبخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤)،
والترمذي (٣٣٤٣)، والنسائي (٢١٧/١ -٢١٨).
الأعلى، وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ ﴾
[النجم: ١٨] فلم يستفقْ ويرجع إلى حال بشريته إلا وهو بالمسجد الحرام، والله
أعلم.
وأما متى كان الإسراء؟ فأقلّ ما قيل فيه: إنه كان بعد مبعثه عليه الصلاة
والسلام بخمسة عشر شهراً، قاله الزهري. وقال الحربي: كان ليلة سبع وعشرين
من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقال ابنُ إسحاق: أُسري به وقد فشا الإسلامُ
بمكة والقبائل، وقال الزهري: كان ذلك بعد مبعث النبي وَل # بخمس سنين، وهذا
أشبه، لأنه لا خلافَ أنَّ خديجةَ صلّت معه بعد فَرْض الصلاة، ولا خلافَ أنها
تُوفّيت قبل الهجرة بمدّة، قيل: بثلاث سنين، وقيل: بخمس، وقد أجمع العلماءُ
على أنّ فَرْضَ الصَّلاة كان ليلةَ الإسراء.
متی کان
الإسراء؟.
٣٨٧
(١) كتاب الإيمان - (٥٦) باب: ما خَصَّ اللهُ به محمداً نبينا من كرامة الإسراء
(٥٦) باب
ما خَصَّ الله به محمداً نبينا وَله من كرامة الإسراء
[١٣١] عن ثابت البُنَاني، عن أنس بن مالكِ، أنَّ رسولَ الله وَل
قالَ: ((أُتيتُ بالبراقِ - وهو دَابَّةٌ أَبْيَضُ طويلٌ، فوقَ الحِمَار، ودُون البَغْلِ،
يضعُ حافرَه عند مُنتَهَى طَرْفِهِ -، قال: فركبتُهُ حتَّى أتيتُ بيتَ المَقْدِس.
قالَ: فربطتُه بالحَلْقَةِ التي يَرْبِطُ بها الأنبياءُ. قالَ: ثم دخلتُ المسجدَ
فصَلَّيْتُ فيه ركعتين، ثم خرجتُ، فجاءَني جبريلُ - عليه السلام ؛ بإناءٍ مِن
[(٥٦) ومن باب: ما خص الله به محمداً نبيَّنَا وَ من كرامة
(١)
الإسراء](١)
و (قوله في صفة البراق: ((دابة أبيض طويل))) جاء بوصف المذكّر؛ لأنه
وَصْف للبراق، ولو أتى به على لفظ الدابة لقال: طويلة، والبراق: مشتق من
البرق، قاله ابنُ دريد، وقيل: هو من الشّاة البرقاء إذا كان في خلال صوفها الأبيض
طاقاتٌ سود، ومن هذا قوله عليه الصلاة والسلام: ((أبرقوا فإن دمَ عفراء عند الله
أزكى من دم سوداوين))(٢) أي: ضحّوا بالبرقاء، وهي العفراءُ هنا، فإن العفرة بياض
يخالطه يسيرُ صُفْرَة.
و (قوله: ((عند منتهى طرفه))) بسكون الراء، وهو العين، يعني: أنه سريعٌ
بعيدُ الخطو.
(١) لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٨/٤): رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن
سليمان بن مسمول، وهو ضعيف.
٣٨٨
(١) كتاب الإيمان - (٥٦) باب: ما خَصَّ اللهُ به محمداً نبينا لاء من كرامة الإسراء
خَمْرٍ وإِنَاءٍ مِن لَبَنِ، فاخترتُ اللَّبَنَ، فقالَ جبريلُ: اخْتَرْتَ الفِطْرَةَ. قال: ثم
عَرَجَ بنا إلى السَّماءِ، فاستفتحَ جبريلُ. فقيلَ: مَنْ أنتَ؟ قالَ: جبريلُ. قيلَ:
الفطرة لغة.
و (قوله: ((أصبت الفطرة))) أصل الفطرة: ابتداء الخلقة، ومنه: فطر ناب
البعير؛ إذا ابتدأ خروجه، ومنه: قول الأعرابي المتحاكم إلى ابن عباس في البئر:
أنا فطرتها، أي: ابتدأتُ حفرها، وقيل في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيَّهَا﴾ [الروم: ٣٠] أي: جبلة الله التي جَبَلهم عليها من التهيؤ لمعرفته والإقرار
[به](١). وقيل: هي ما أُخذ عليهم في ظَهْر آدم عليه السلام من الاعتراف بربوبيته.
وقيل: الفطرة: الإسلام؛ لأنّه الذي تقتضيه فطرةُ العقل ابتداءً، وقد حُمِل(٢) على
هذا قولُه عليه الصلاة والسلام: ((كل مولود يولد على الفطرة))(٣) ... الحديث؛ وقد
نصّ على هذا في حديث آخر، فقال: ((جَبَلَ اللهُ الخلقَ على معرفته فاجتالتهم
الشّياطينُ))(٤)، وكأنَّ معنى هذا الحديث: أنه لما مال إلى ما يتناول بالجبلة والطّبع
وما لا ينشأ عنه مفسدةٌ وهو اللبن؛ وعدل عمّا ليس كذلك مما يُتوقّع منه مفسدة،
أو من جنسه؛ وهي إذهابُ العقل الموصل للمصالح؛ صوّب الملكُ فِعْلَه، ودعا
له، كما قال في الرواية الأخرى: ((أصبتَ أصابَ اللهُ بك))(٥). ويحتمل أن يكونَ
ذلك من باب التّفاؤل والتّشبيه لمّا كان اللبنُ أوّل شيء يدخلُ جوفَ الصبي، ويشقّ
أمعاءه فَسُمِّي بذلك فطرة.
(١) من (ع).
(٢) في (ل): دلّ.
(٣) رواه أحمد (٢٣٣/٢، ٢٧٥، ٢٨٢، ٣٩٣)، والبخاري (١٣٨٥)، وأبو داود (٤٧١٤
و ٤٧١٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٤) رواه مسلم (٢٨٦٥) بلفظ: ((إني خلقتُ عبادي حُنفاء كُلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين
فاجتالتهم عن دينهم» من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه.
(٥) انظر: صحيح مسلم (١٥١/١).
:
٣٨٩
(١) كتاب الإيمان - (٥٦) باب: ما خَصَّ اللهُ به محمداً نبينا {﴿ من كرامة الإسراء
ومَنْ معكَ؟ قالَ: محمّد. قيلَ: وقدْ بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليهِ. قالَ:
فَفُتِحَ لنَا. فَإِذَا أنَا بَآدَمَ، فَرَخَّبَ بي ودَعا لي بخيرٍ. ثم عَرَجَ بنا إلى السَّماء
الثانيةِ، فاستفتحَ جبريلُ. فقيلَ: مَنْ أنتَ؟ قالَ: جبريلُ. قيلَ: ومَنْ معكَ؟
قال: محمّد. قيلَ: وقد بُعِثَ إليهِ؟ قالَ: قد بُعِثَ إليهِ. قال: فَفُتِحَ لنَا، فإذَا
أنا بابنيْ الخالةِ عيسى ابنِ مريمَ ويحيى بن زَكَرِيًّا - صلواتُ الله عليهما -.
فَرَخَّبا ودَعَوا لي بخيرٍ. ثم عَرَجَ بي إلى السَّماء الثالثةِ، فاستفتح جبريلُ،
فقيلَ: مَنْ أنتَ؟ قالَ: جبريلُ. قيلَ: ومَنْ معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد
بُعِثَ إليهِ؟ قالَ: قد بُعِثَ إليه. فَفُتِحَ لنَا، فإذَا أنَا بُيُوسُفَ، إذا هو قَدْ أُعْطِيَ
شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَخَّبَ ودَعا لي بخيرٍ. ثم عَرَجَ بنا إلى السَّماءِ الرَّابعةِ،
و (قوله: وقد بُعِث إليه؟) هو استفهامٌ من الملائكة عن بَعْث النَّبي ◌َّ
وإرساله إلى الخلق، وهذا يدلّ: على أنهم لم يكن عندهم عِلْم من وقت إرساله
لكونهم مستغرقين بالعبادة، لا يفترون عنها، وقيل: معناه استفهامهم عن إرسال
الله تعالى إليه بالعُروج إلى السماء. والبيت المعمور سُمِّي بذلك: لكثرة عمارته
بدخولِ الملائكة فيه وتعبّدهم عنده. والأسودة: جمع سواد، وهي الأشخاص،
وسواد الإنسان: شَخْصُه، يقال: لا يفارق سوادي سوادك، وهي هنا: أرواحُ بني
آدم، وقد فسّرها بنسم بَنِيه، والنَّسَم: جمع نَسَمة، كالشّجر: جمع شَجَرة، ولا
يناقض هذا أن يخبر الشارعُ أن أرواحَ المؤمنين في الجنة أو في الصّور الذي ينفخ
فيه، أو في القبور، وأرواح الكافرين في سجّين؛ لأن هذا في أحوال مختلفة
وأوقات متغايرة، والله أعلم. والسّدرة: واحدة السّدر، وهو شَجَرُ النّبق، وهو
من أعظم الشّجر جِزْماً، وهو أكثر شجر البادية عندهم، له شوك، ولأجل هذا
وصفه اللهُ بكونه مخضوداً، أي: منزوع الشوك، وقد فسّر المعنى الذي به سُمِّيت
سدرة المنتهى في حديث عبد الله الآتي(١).
(١) سيأتي في التلخيص برقم (١٣٣).
٣٩٠
(١) كتاب الإيمان - (٥٦) باب: ما خَصَّ اللهُ به محمداً نبينا* من كرامة الإسراء
فاستفتحَ جبريلُ، قيلَ: مَنْ هذا؟ قال: جبريلُ. قيل: ومَنْ معكَ؟ قال:
محمّد. قيلَ: وقد بُعِثَ إليه؟ قالَ: قَدْ بُعِثَ إليهِ. فَفُتِحَ لنا، فإذا أَنَا
بإدريسَ، فرخَّبَ ودعَا لي بخيرِ، قالَ الله - تعالى -: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾
[مريم: ٥٧]. ثمَّ عرَج بنا إلى السماء الخامسةِ، فاستفتَح جبريلُ، قيل: مَنْ
هذا؟ قالَ: جبريلُ. قيل: ومَنْ معكَ؟ قالَ: محمّد. قيل: وقد بُعِثَ إليه؟
قال: قد بُعِثَ إليه. فَفُتحَ لنَا، فإذا أنَا بهارون، قال: فرخَّبَ ودعًا لي
بخيرٍ. ثم عَرَجَ بنَا إلى السَّماءِ السَّادِسَةِ. فاستفتحَ جبريلُ، قيلَ: مَنْ هذا؟
قالَ: جبريلُ. قيلَ: ومَنْ معكَ؟ قال: محمّد. قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال:
قد بُعِثَ إليه. فَفُتِحَ لنا، فإذا أنا بموسى، فرخَّبَ ودَعا لي بخيرٍ. ثم ◌َرَج
إلى السَّماءِ السَّابعةِ، فاستفتحَ جبريلُ، فقيل: من هذا؟ قالَ: جبريلُ. قيل:
ومَنْ معكَ؟ قال: محمّد. قيلَ: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قَدْ بُعِثَ إليهِ. فَفْتِحَ
لنَا فإذَا أنا بإبراهيمَ مُسْنِداً ظهرَه إلى البيتِ المَعْمُورِ، وإذا هو يدخلُه كلَّ يوم
سبعون ألفَ مَلَكِ لا يَعودُون إليه. ثم ذهبَ بي إلى السِّدْرَةِ المنتهى، فإذا
وَرَقُهَا كَآذانِ الفِيَلَةِ، وإذا ثَمَرُّهَا كالقِلال. قالَ: فلمَّا غَشِيَها مِن أمرِ اللهِ ما
غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَما أحدٌ مِن خَلْقِ اللهِ يستطيعُ أنْ ينعتَها من حُسْنِها، فَأَوحَى
و (قوله: ((فلما غَشِيَها من أمر الله ما غَشِي))) يعني: من جلال الله وعظيم
شأنه وسلطانه. (تغيرت) أي: انتقلت عن حالها الأول إلى حال أحسن منها.
سدرة المنتھی.
و (قوله: ((في حديث مالك بن صعصعة: إن سدرة المنتهى يخرج من أصلها
أربعة أنهار: نهران باطنان في الجنّة، ونهران ظاهران، وهما النيل والفرات) يدلّ:
على أنّ السِّدرةَ ليست في الجنّة، بل خارجاً عنها، وعلى ذلك أيضاً يدلُّ قوله
تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَّةُ الْوَى﴾ [النجم: ١٥] ولكن قد جاء في حديث أبي هريرة(١):
(١) رواه أحمد (٢٨٩/٢ و٤٤٠)، ومسلم (٢٨٣٩).
٣٩١
(١) كتاب الإيمان - (٥٦) باب: ما خَصَّ اللهُ به محمداً نبينا ﴿ من كرامة الإسراء
اللهُ إليَّ ما أوحَى. ففرضَ عَلَيَّ خمسينَ صَلاةً في كلّ يوم وليلةٍ. فنزلتُ إلى
موسى، فقالَ: ما فرضَ ربُّك على أُمَّتِكَ؟ قلتُ: خمسينَ صلاةً. قال:
ارجع إلى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخِفِيفَ، فإِنَّ أُمَتَكَ لا يُطيقون ذلك، فإنّي قد
بَلَوْتُ بني إسرائيلَ وخَبَرْتُهُمْ. قالَ: فرجعتُ إلى ربِّي، فقلتُ: يا ربِّ!
خَفِّفْ على أُمَّتِي، فَحَطَّ عني خَمْساً، فرجعتُ إلى مُوسى فقلتُ: حَطَّ عِّي
خَمْساً. قال: إنَّ أُمَّتَكَ لا يُطيقون ذلك، فارجع إلى رَبِّكَ فاسألُهُ التخفيفَ.
قال: فلم أزلْ أرجعُ بينَ رَبِّي وبينَ مُوسى، حتى قال: يا محمّد! إنهنَّ
خمسُ صَلَواتٍ كَلَّ يَوْمِ ولَيْلَةٍ، لكلِّ صَلاةٍ عشرٌ، فذلكَ خمسونَ صلاةً.
ومَنْ هَمَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبَتْ له حسنةً، فإنْ عَمِلَها كُتبتْ له عَشْراً،
ومَنْ هَمَّ بسيِّئَةٍ فلم يَعْمَلْها لم تُكْتَبْ شَيْئاً، فإنْ عَمِلَها كُتبتْ سيئةً واحدةً.
قال: فنزلتُ حتى انتهيتُ إلى مُوسى، فأخبرته، فقالَ: ارجعْ إلى رَبِّكَ
فاسألْهُ التخفيفَ. فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: قد رجعتُ إلى ربِّ حتَّى اسْتَحْيَيْتُ
منه».
رواه مسلم (١٦٢).
[١٢٩/م] ومن حديث أبي ذر، قال: ((فلمَّا عَلَوْنا السَّماءَ الدُّنيَا فإذَا
رجلٌ عن يمينِهِ أَسْوِدَةٌ، وعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، قالَ: فإذا نظرَ قِبَلَ يمينِهِ
ضَحِكَ، وإِذَا نظرَ قِبَلَ شماله بَكَى. فقالَ: مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالِحِ والابِنِ
ما يدلّ على أن النّيلَ والفرات ظاهران خارجان من الجنة، ويمكن أن يُجمَع
بينهما؛ أن النيل والفرات لما كانا مشاركين لنهري الجنّة في أصل السّدرة أُطلق
عليهما أنهما من الجنة. وسيحان وجيحان، يمكن أن يكونا تفرّعا من النّيل
والفرات لقرب انفجارهما من الأصل. وقيل: إنّ ذلك إنما أُطلق تشبيهاً لهذه
الأنهار بأنهار الجنّة، لما فيها مِن شدّة عذوبتها وحُسْنها وبركتها. والله تعالى أعلم.
٣٩٢
(١) كتاب الإيمان - (٥٦) باب: ما خَصَّ اللهُ به محمداً نبينا وَل من كرامة الإسراء
الصَّالِح)) وهكذا قالَ إبراهيمُ، وسائرُ الأنبياءِ يقولون: ((مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالح
والأخِ الصَّالِحِ. قالَ: قلتُ: يا جبريلُ! مَنْ هذا؟ قال: هذا آدمُ، وهذه
الْأَسْوِدَةُ عن يَمينِهِ وعن شمالِهِ نَسَمُ بنيهِ، فأهلُ اليمينِ أهلُ الجَنَّةِ، والأَسْوِدَةُ
التي عن شمالهِ أهلُ النَّارِ. فإذا نظرَ قِبَلَ يمينِهِ ضَحِكَ، وإذا نَظَرَ قِبَل شمالِهِ
بَكَى ... )) الحديث.
سبق تخريجه برقم (١٢٩).
[١٣٢] ومن حديث ابن عباس وأبي حَبَّةَ الأَنْصَاريّ، قالا: قالَ
رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((ثُمَّ عُرِجَ بي حتَّى ظَهَرْتُ لمستوىّ أسمعُ فيه صَرِيفَ
الأقلام)).
رواه أحمد (١٤٤/٥)، والبخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣).
و (قوله: ((حتى ظهرت لمستوى أسمعُ فيه صريفَ الأقلام))) ظهرتُ:
علوتُ، والمستوى: موضعٌ مُشْرِف ◌ُستوى علیه، وقد یکون المستوی یُراد به هنا
حيث يظهر عدل الله وحكمه لعباده هُناك. والسواء والاستواء: العدل، وصَريف
الأقلام: تصويتها فيما يُكتب بها فيه، ومن ذلك صَريف الفحل بأنيابه، وهو صوتُ
حكّ بعضها ببعض، وهذا المكتوبُ فيه؛ هو اللوحُ المحفوظ، والله أعلم.
ولعلَّ الأقلامَ المصوّتة هنا هي المعبّر عنها بالقلم المُقْسَم به في قوله تعالى:
﴿تْ وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]. ويكون القلم هنا للجنس، وكيفيةُ الأقلام واللوح
موسى
ومراجعته (ێڼ
ربََّ فى الحطّ لا يعلمها إلا الله تعالى، أو مَن أعلمه بذلك، وأما تخصيصُ موسى بأمره للنبي وَّل
من الصلوات. بمراجعة الله تعالى في الحَط من الصّلوات فلعله إنما كان لأن أمة موسى(١) كانت
(١) في (ع): محمد، وهو خطأ.
٣٩٣
(١) كتاب الإيمان - (٥٦) باب: ما خَصَّ اللهُ به محمداً نبينا له من كرامة الإسراء
[١٣١/م] ومن حديث أنس، فقالَ: ((هي خمسٌ وهي خمسونَ.
لا يُبَدَّلُ القولُ لَدَيَّ)) وفيه: ((ثم أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فإذا فيها جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ وإذا
تُرَابُها المِسْكُ)).
سبق تخريجه برقم (١٣١).
قد كُلّفت من الصلوات ما لم يكلّف غيرُها من الأمم، فثقلتْ عليهم فخاف موسى
عليه السلام على أمة محمد ﴿ مثل ذلك، وعلى هذا يدلّ قوله: ((فإني قد بلوتُ
بني إسرائيل قبلك))، والله أعلم. وقيل: لأن موسى كان في السّماء السّابعة، فكان
أول مَن لقي من الأنبياء، وليس بصحيح، فإن هذا الحديثَ نصّ في أنّ موسى
عليه السلام كان في السّادسة وإبراهيم في السابعة، فكان يكون إبراهيم أولى
بذلك، والأشبه الأول، والله أعلم.
وهذا الحديثُ نصّ في وقوع النّسخ قبل التمكّن من الامتثال، وهو ردّ على وقوع النسخ
قبل التمكن من
الامتثال.
مَن خالف في ذلك، وهم المعتزلة.
و (قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ [قَ: ٢٩]) دليلٌ على استقرار هذا العدد فلا استقرار عدد
يُزادُ فيه ولا ينقص منه، وهو ردّ على أبي حنيفة في حُكمه بوجوب صلاة سادسة
وهي الوتر، سيّما وقد جعلت هذه الخمس بمنزلة الخمسين، فلو استقرّت في عِلْم
الله ستاً لَبُدِىء فرضُها ستين ثم نقص على ست، إذ كلّ صلاة بعشر.
الصلوات على
خمس.
و (قوله: ((ثم أُدخلت الجنة فإذا فيها جَنَابِذ اللؤلؤ))) قال ابنُ الأعرابي:
الجُنْبُذَة: القبة، وجمعها: جَنَابِذ. وقال ثابت عن يعقوب: هو ما ارتفعَ من البناء.
ووقع في كتاب البخاري في كتاب الصّلاة(١): ((حبائل اللؤلؤ)) وهو تصحيف،
والصحيح الأول على ما قاله جماعةٌ من العلماء.
(١) انظر: فتح الباري (٤٥٩/١).
٣٩٤
(١) كتاب الإيمان - (٥٦) باب: ما خَصَّ اللهُ به محمداً نبينا ل من كرامة الإسراء
[١٣٠/م] ومن حديثٍ مالكِ بن صَعْصَعَة، قالَ: ((فلمَّا جَاوَزْتُهُ
- يعني: موسى - بكى، فنودي: ما يُبْكِيْكَ؟ قالَ: رَبِّ! هَذا غُلامٌ بَعَثْتَهُ
بَعْدِي، يدخلُ مِن أُمَّتِهِ الجَنَّةَ أكثرُ مِمَّا يدخلُ مِن أُمَّتِي)). وفيه: وحدَّث
رسولُ الله ◌ٍَّ: ((أنَّه رأى أربعةَ أَنْهَارِ يخرجُ مِنْ أَصْلِهِا نَهْرانِ ظَاهِرانِ
ونَهْرَانِ بَاطِنَانِ. فقلتُ: يا جبريلُ! ما هذهِ الأنهارُ؟ فقالَ: أمَّا النَّهْرانِ
البَاطِنَانِ فَتَهْرَانِ فِي الجَنَّةِ، وأَمَّ الظَّاهِرَانِ فالنِّيْلُ والفُرَاتُ».
سبق تخريجه برقم (١٣٠).
وأبو حبّة الأنصاري صحّح اسمه بالباء بواحدة من أسفل، وقد رواه الفارسي
عن المروزي باثنتين، وليس بشيء، واسمه: مالك بن عمرو البدري، وقال
الغساني: اسمه: عامر. وقيل: زيد، وهو يَشْتَبِهُ بحية بالياء، وهو حيي بن حية
الثقفي.
وبكاءُ موسى عليه السلام إشفاقٌ وحزن على أمته لما تقدّم من ضلالهم،
ولأجل ما فاته من كثرة ثواب من عساه أن يؤمنَ من أمته به لو آمن.
أین سدرة
المنتھی؟.
وفي حديث أنس ما يقتضي أن السّدرة في السّماء السّابعة أو فوقها؛ لقوله:
(ثم ذهب بي إلى السّدرة)) بعد أن استفتح السّماء السّابعة ففتح له فدخل، وفي
حديث عبد الله أنها في السَّماء السّادسة، وهذا تعارضٌ لا شكَّ فیه، وما في حديث
أنس أصحّ، وهو قولُ الأكثر، والذي يقتضيه وَصْفُها: بأنها التي ينتهي إليها علمُ
كلّ مَلَك مُقرَّب وكلّ نبيّ مرسل، على ما قاله كعب، وقال: وما خلفها غيبٌ
لا يعلمه إلا الله. وكذلك قال الخليلُ بن أحمد، وقيل: إليها تنتهي أرواحُ
الشهداء، وقال ابنُ عباس: هي عن يمين العرش، وأيضاً فإنَّ حديثَ أنس مرفوع،
وحديث عبد الله موقوفٌ عليه من قوله، والمسند المرفوع أولى.
٣٩٥
(١) كتاب الإيمان - (٥٦) باب: ما خَصَّ اللهُ به محمداً نبينا﴿ من كرامة الإسراء
[١٣٣] وعن عبدالله، قالَ: لمَّا أُسْرِيَ برسولِ اللهِ وَّه انتُهِيَ بِهِ إلى
سِدْرَةِ المُنْتَهى، وهي فِي السَّماءِ السَّادِسَةِ، إليها يَنْتَهِي ما يُعْرَجُ به مِن
الأرضِ، فَيُقْبَضُ مِنها، وإليها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فَوْقِها، فَيُقْبَضُ مِنْها.
قال: ﴿ إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، قال: فَرَاشٌ مِن ذَهَبٍ.
قالَ: فَأُعْطِيَ رسولُ اللهِ وَّهِ ثَلاثاً: أُعْطِيَ الصَّلواتِ الخمسَ، وأُعْطِي
خَواتِيْمَ سورةِ البَقَرةِ، وغُفِرَ - لِمَنْ لَمْ يُشْركْ باللهِ مِن أُمَّتِهِ شَيئاً - المُفْحِمَاتُ.
رواه أحمد (٣٨٧/١)، ومسلم (١٧٣)، والترمذي (٣٢٧٢)،
والنسائي (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤).
#
و (قوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]) يغطي، ويعلو، والفَراش:
كلّ ما يطيرُ من الحشرات والدِّيدان، وفي حديث ابن جريج: ((وأرْخيت عليها ستورٌ
من لؤلؤ ویاقوت وزبرجد».
و (قوله: ((وغفر لمن لم يشرك بالله شيئاً المقحمات))) أي: الذنوب العظام الذنوب
التي تقحمهم في النار، أي: تدخلهم فيها بمشقّة وكُرْهٍ وشدّة، يقال: اقتحم، المفحمات.
يقتحم، أي: دخل في أمرٍ شاق، وأقحمتُه أنا: أدخلتُه فيه.
و (قوله: ((وأعطي خواتيم سورة البقرة))) إنما خُصَّت بذلك لما تضمّنته من
التخفيف عنهم، والثناء على رسول الله وَله والمؤمنين، وإجابة دعواتهم ونصرتهم،
وقد تقدّم القولُ فيهما.
٣٩٦
(١) كتاب الإيمان - (٥٧) باب: رؤية النبي ◌َّر للأنبياء
(٥٧) باب
رؤية النبي صل للأنبياء ووصفه لهم وصلاتهم وذكر الدجال
[١٣٤] عن ابن عباس، قال: سِرْنَا مع رسولِ الله وَلَهُ بينَ مَكَّة
والمدينةِ، فمررنا بوادٍ، فقال: ((أيُّ وَادٍ هذا؟)) فقَالُوا: وَادِي الأَزْرَق.
فقالَ: ((كَأَنِّي أنظرُ إلى مُوسى (فذكرَ من لونِهِ وشعرهِ شَيئاً لم يحفظُه دَاودُ)
وَاضِعاً إِصْبَعَيْهِ في أُذنيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إلى الله بِالتَّلْبِيَّةِ، مارّاً بهذا الوَادِي)) قالَ:
ثم سِرْنَا حثَّى أتينَا على ثَنِيَّةِ، فقالَ: ((أَيُّ ثَنِيَّةِ هذِه؟)) قَالُوا: هَرْشَى أو لَفْتُ.
فقالَ: ((كأَنِّي أنظرُ إلى يُونسَ على نَاقةٍ حَمْراءَ، عليهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ
ناقتِه ليفٌ خُلْبَةٌ. مَارّاً بهذا الوادي مُلَيِّياً)).
رواه أحمد (٢١٥/١ و٢٣٢)، ومسلم (١٦٦)، وابن ماجه
(٢٨٩١).
(٥٧) ومن باب: رؤيته عليه الصلاة والسلام للأنبياء
(قوله عليه الصلاة والسلام: ((كأني أنظر إلى موسى))) يحتملُ أن يكونَ هذا
النّظر في اليقظة على ظاهره وحقيقته ليلة الإسراء، وهو ظاهرُ حديث جابر
وأبي هريرة الآتي، ويحتملُ أن يكونَ ذلك كلّه مناماً، ورؤيا الأنبياء وحي، وهو
نصّ حديث ابن عمر. و (الجزار): رفع الصوت، وهو مهموز، ومنه قوله تعالى:
﴿فَإِلَيْهِ تَجَْرُونَ﴾ [النحل: ٢٣]. و ((هَرْشی)) بفتح الهاء وسكون الراء: جبل من بلاد
تهامة، على طريق الشّام والمدينة، قريبٌ من الجحفة. ((ولفت)) روي عن أبي بحر
أنه قاله بفتح اللام وسكون الفاء، وقاله ابنُ سراج: بكسر اللام وسكون الفاء، وأنشد
بعضهم :
مَرَزْتُ بِلِفْتٍ والثُّريّا كأنَّها قَلائِدُ دُرِّ حُلَّ عَنْهَا نِظَامُها
٣٩٧
(١) كتاب الإيمان - (٥٧) باب: رؤية النبي ◌َير للأنبياء
[١٣٥] وعن جَابرٍ، أنَّ رسولَ الله ◌َّ قالَ: ((عرِضَ عليَّ الأنبياءُ.
فإذَا مُوسى ضَرْبٌ مِن الرِّجالِ، كأنَّه مِن رِجالِ شَنُوءَةَ. ورأيتُ عيسى ابنَ
مريمَ، فإذَا أقربُ مَنْ رأيتُ به شَبَهاً عُرْوَةُ بن مَسعودٍ. ورأيتُ إبراهيمَ، فإذا
أقربُ مَنْ رأيتُ به شَبَهاَ صَاحِبُكُم (يعني نفسَه). ورأيتُ جبريلَ فإذا أقربُ.
مَنْ رأيتُ به شَبَهاَ دِحْيَةُ بنُ خَلِيْفة)».
رواه مسلم (١٦٧)، والترمذي (٣٦٥١).
بالكسر. وقاله القاضي الشَّهيد: بفتح اللام والفاء. و (الخُلبة) وهو بضم
الخاء: الليف، وفيها لغتان: ضمّ اللام وسكونها. و (الضّرب من الرجال) الذي له
جسمٌ بين جسمين، ليس بالضخم ولا الضّئيل. قال طَرَفة:
أنا الرَّجُلُ الضَّربُ الَّذي تَعْرِفُونَهَ(١)
و (أزدشنوءة): حيّ من اليمن، شُبِّه بهم موسى في كيفية خلقتهم، وسُمّوا:
شنوءة، لشنوءتهم، وهي تباعدُهم من الأنجاس. يُقال: رجل فيه شنوءة، أي:
تقزّز في المباعدة عن الأقذار، حكاه الجوهري. وقال القتبي: سُمُّوا بذلك؛ لأنهم
تشانؤوا، أي: تباغضوا.
تنبيه: إن تنزلنا على أن رؤيته * للأنبياء حقيقة في اليقظة فصلاته رؤيته ولو
وصلاتهم وطوافهم (٢) بالبيت كذلك، فلا يُستبعد من حيث أنهم قد ماتوا، أو من الإسراء.
حيث إن ما بعد الموت ليس بمحل تكليف، لأنّا نُجيب عن الأول: بأنهم أحياء
كالشّهداء، بل هم أولى، وعن الثاني: أنهم يحبّب إليهم ذلك، ويُلهمونه،
فيتعبّدون بما يجدون مِن دواعي أنفسهم، لا بما يلزمون، كما يحمده ويسبحه أهلُ
للأنبياء في
(١) وعجزه: خشاش كرأس الحية المتوقّدِ.
(٢) ساقط من (ع) و(م).
٣٩٨
(١) كتاب الإيمان - (٥٧) باب: رؤية النبي # للأنبياء
[١٣٦] وعن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ الله ◌ِوَلِ: ((لقدْ رَأَيْتُنِي في
الحِجْرِ، وقريشٌ تَسْأَلِنِي عَنْ مَسْرَايَ، فسَأَلْنِي عن أشياءَ من بيتِ المقدس
لم أُثْبِتَهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً ما كُرِبْتُ مثلَه قطّ. قالَ: فرفعَه اللهُ لي أنظرُ إليه،
ما يَسألُوني عن شيءٍ إلا أَنْبأتُهُم به. وقد رَأيتُني في جماعةٍ من الأنبياءِ، فإذَا
مُوسى قائمٌ يُصَلِّي، فإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كأنَّه مِن رِجَال شَئُوءَةَ. وإذا
عيسى قائمٌ يُصَلِّي، أقربُ النَّاس شبهاً به عُرْوَةُ بنُ مَسعودِ الثَّقفيُّ. وإذَا
إبراهيمُ قائمٌ يُصَلِّي، أشبهُ النَّاسِ بِهِ صَاحبُكم (يعني نفسَه). فحَانَتِ الصَّلاة
فَأَمَمْتُهُمْ، فلمَّا فَرَغْتُ مِن الصَّلاةِ، قالَ قائلٌ: يا محمّدُ! هَذا مَالِكٌ صَاحِبُ
النَّارِ فسَلِّمْ عليه، فَالْتَفَتُّ إليه، فبَدأَنِي بالسَّلام)).
رواه مسلم (١٦٨)، والبخاري (٣٣٩٤)، والترمذي (٣٨٢٩)
بنحوه.
الجنة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((يُلهمون التسبيحَ كما يُلهمون
النَّفَسَ))(١).
والمسيح ابن مريم لا خلافَ أنه بفتح الميم وكسر السين مُخفّفة، وأمّا
المسيح الدّجال فتقييدُه عند أكثر العلماء مثل الأول، وقيّده أبو إسحاق بن جعفر
بكسر الميم وتشديد السين، وقاله كذلك غيرُ واحد، وبعضهم يقوله كذلك بالخاء
المنقوطة(٢)، وبعضهم يقول: مسيح بفتح الميم وبالحاء والتخفيف. واختلف في
مِمَّ أُخِذ اسم المسيح ابن مريم ممّاذا أُخِذ؟ فقيل: لأنه مسحَ الأرض؛ أي: ذهب فيها، فلم يسكن
بكِنّ (٣)، وقيل: لأنه ممسوح بدهن البركة. وقيل: لأنه كان ممسوح الأخمصين.
المسيح ابن
مریم؟
(١) رواه أحمد (٣٤٩/٣ و٣٥٤ و٣٨٤)، ومسلم (٢٨٣٥).
(٢) في (ل): المعجمة.
(٣) (الكِنّ)): كلّ ما يردّ البَرْد والحرّ من الأبنية والمغاور ونحوها.
٣٩٩
(١) كتاب الإيمان - (٥٧) باب: رؤية النبي 8# للأنبياء
[١٣٧] وعن عبد الله بن عمرَ، قالَ: ذكرَ رسولُ الله ◌ِوَّه يَوْماً - بينَ
ظَهْرانيّ النَّاس - المسيحَ الدَّجَّالَ. فقالَ: ((إنَّ اللهَ ليس بأَعْوَرَ، أَلَا إنَّ
المسيحَ الدَّجال أعورُ العينِ اليُمنى، كأنَّ عينَه عِنْبَةٌ طَافِيَةٌ. قالَ: وقالَ
وقيل: لأنه كان لا يمسحُ ذا عاهة إلا برأ. وقيل: لأن الجمالَ مسحه؛ أي: أصابه،
وظهر عليه. وقال ابن الأعرابي: المسيح: الصدّيق؛ وبه سُمِّي عيسى. وقيل: هو
اسمٌ سمَّاه الله تعالى به، أي: أنه غير مشتق. وأما الذَّجال فسُمِّي مسيحاً؛ لأنه لِمَ سُمِّي
ممسوح العين اليمنى، وقيل: لأنه مسح الأرض؛ أي: قطعها بالذهاب. ومن قاله الدجال مسيحاً؟
بالخاء فمن المَسْخ.
و (قوله: ((بين ظهراني الناس))) أي: في النّاس ومعهم، يقال: ظهراني - بنون
وبغیر نون - وظهور، كلها بمعنى واحد.
و (قوله في هذا الحديث: ((أعور العين اليمنى))) هذا هو الصّحيح
والمشهور. وقد وقع في روايةٍ: ((اليسرى)) وكأنه وهم، ويمكن أن يُحمل هذا على
ما يتخيّله بعضُ العامة: من أن العوراء هي الصحيحة؛ إذ قد بقيت منفردة عديمة
قرينتها(١)؛ وليس بشيء، بل العوراء: التي أصابها العور، أي: العيب.
و (قوله: ((طافية))) بغير همز وعليه أكثر الروايات، وهكذا قال الأخفش،
ومعناه: أنها ممتلئة، قد طفت(٢) وبرزت، وقد رُوي بالهمز، أي: قد ذهب
ضوءها وتقبّضت، ويُؤْيِّدُ هذه الروايةَ قولُه في أخرى: ((أنه ممسوح العين))، وأنها
ليست جحراً ولا ناتئة وأنها مطموسة، وهذه صفة حبّة العنب إذا طفئت وزال
ماؤها، وبهذا فسّره عیسی بن دينار.
(١) في (م): قرینها.
(٢) في (م) طفئت، والمثبت من (ع) و (ل).
٤٠٠
(١) كتاب الإيمان - (٥٧) باب: رؤية النبي ر للأنبياء
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَرانِي اللَّيلةَ في المنامِ عندَ الكعبةِ، فإذا رجلٌ آدَم، كأحسنٍ
ما تَرى من أُدْم الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بين مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعْرِ، يَقْطُرُ رأسُه
ماءً، وَاضِعاً يَدَيْهِ على مَنْكِبِي رَجُلَيْنِ، وهُو بينَهما يَطُوفُ بالبيتِ. فقلتُ:
مَنْ هذا؟ فَقالُوا: المسيحُ ابنُ مريمَ. ورأيتُ وَرَاءَهُ رَجُلاً جَعْداً قَطَطاً، أَعْوَرَ
العَينِ اليُمنى، كأَشْبَهِ مَنْ رأيتُ مِن النَّاس بابنِ قَطَنٍ، وَاضِعاً يَدَيْهِ على
وصف عيسى
عليه السلام.
وقوله في وصف عيسى: ((آدم)) من الأدمة، وهو لونٌ فوق السّمرة ودون
السُّحْمة(١) - بالسين المهملة - وكأن الأدمةَ يسيرُ سوادٍ يضربُ إلى الحمرة، وهو
غالبُ ألوان العرب، ولهذا جاء في أخرى في وصف عيسى: ((إنه أحمر)) مكان
(آدم)) وعلى هذا يجتمعُ ما في الرُّوايتين، وقد روى البخاريُّ من رواية أبي هريرة
في صفة عيسى: ((أنه أحمر كأنما خرج من ديماس))(٢) وقد أنكر ابنُ عمر هذا
وحلف أن النبي ◌َّقو لم يقله.
صف الدجال.
و (اللّمة) بكسر اللام: الشعر الواصل إلى المنكب، كأنه ألمّ به، أي: نزل.
و (الجمة): الشعر الواصل إلى شحمة الأذن، وهو أيضاً: الوفرة. و(الرَّجِل): فوق
السبط ودون الجعد، وهو الذي فيه يسيرُ تكسُّر، و (الجعد): الكثير التكسر
والتَّقَبُّض. و (القطط) بفتح الطاء وكسرها: هو الشديد الجعودة، الذي لا يطول إلا
إذا جبذ، كشعور غالب السودان، وهو من وصف الدّجال.
و (قوله: ((يقطر رأسُه ماء))) يعني: أنه قريبُ عهدٍ بغسل، وكأنه اغتسل
للطّواف، وفي الرواية الأخرى: ((ينطف))، ومعناه: يقطر، وفي رواية: ((قد رجلها))
أي: مشطها، وشعر مرجّل: أي: ممشوط مسرّح، والشعر الرّجلُ منه.
(١) ((السُّخْمة)): السَّواد.
(٢) رواه أحمد (٢٨٢/٢)، والبخاري (٣٣٩٤)، ومسلم (١٦٨)، والترمذي (٣٨٢٩)،
و (( الديماس)): الحمّام.