Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ (١) كتاب الإيمان - (٢٣) باب: نسبة الاختراع لغير الله حقيقة كفر وقال بعضُهم: لقد صَدَقَ نَوْءُ كذا وكذا)) قال: فنزلتْ هذه الآية: ﴿ فَلَّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾ حتى بلغٍ: ﴿ وَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢]. رواه مسلم (٧٣). نسب المطر إلى الله تعالى، وعرف مِنَّتَه فيه، فقد شكر اللهَ تعالى، ومَن نَسَبه إلى غيره فقد جَحَد نِعْمَةَ الله تعالى في ذلك، وظَلَم بنسبتها لغير المنعم بها، فإن كان ذلك عن اعتقاد كان كافراً ظالماً حقيقة، وإن كان عن غير معتقد فقد تشبّه بأهل الكُفْر والظّلم الحقيقي، كما قُلْناه آنفاً، وقد قابل في هذا الحديث: بين الشكر والكفر، فدلّ ظاهره على أن المرادَ بالكفر ها هنا كفران النّعم، لا الكفر باللهِ تعالى، ويُحتمل أن يكونَ المرادُ به الكفر الحقيقي، ويؤيِّد ذلك استدلال النبيِ وَ ه بقوله تعالى: ﴿ وََّتْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أي: تجعلون شكر رزقكم التكذيب، على حذف المضاف، قاله المفسِّرون، وقرأ عليّ: ﴿وتجعلون شكركم﴾ فعبَّر عن الرزق بالشكر. والرِّزق: الشكر بلغة أزد شنوءة. يقال: ما أرزقه! أي: ما أشكره! وما رَزَق فلانٌ فلاناً، أي: ما شكره(١). و (قوله): ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]). أصله: للقسم قاله ابن عباس، وقرأ عيسى: (لأ قسم) بحذف الألف، كأنه قال: الأقسمن، فحذف نون التوكيد، وكذلك قرأ الحسنُ والفراء(٢) في رواية البَزِّي(٣): ﴿لأقسم (١) قوله: (وما رزق ... ما شكره) ساقط من (ع). (٢) في (ع) و (م) و(ط)، والمثبت من (ل) وتفسير القرطبي (٦٢/١٩). (٣) هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم، أبو الحسن الفارسي: مقرىء مكة. توفي سنة (٢٥٠ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٠). ٢٦٢ (١) كتاب الإيمان - (٢٣) باب: نسبة الاختراع لغير الله حقيقة كفر مواقع النجوم. بيوم القيامة﴾(١). ويلزم ذلك النون الشديدة أو الخفيفة، وحذفها شاذّ. ومواقع النجوم: مساقطها، وقيل: مطالعها، وقيل: انكدارها وانتشارها يوم القيامة. وقيل في تأويل الآية: إنها قسم بقلب محمد ﴿. والنجوم: هي القرآنُ؛ لأنه أنزل نجوماً، ورُوي ذلك عن ابن عباس، والقسم: الإيلاء والحلف، وهذا وأشباهه الله أن يُقْسِم بما قَسَم من الله تعالى على جهة التّشريف للمقسم به، والتأكيد للمقسم له. ولله تعالى شاء. أن يُقْسِمَ بما شاء مِن أسمائه وصِفاته ومخلوقاته، تشريفاً وتنويهاً، كما قال: ﴿والشمس وضحاها﴾. ﴿والليل إذا يغشى). ﴿والعاديات﴾. ﴿والمرسلات﴾. ﴿والنَّازعات﴾. ونحو هذا. وقد تكلّف بعضُ العلماء وقال: إن المقسمَ به في مثل هذه المواضع محذوفٌ للعلم به، فكأنه قال: وربّ الشمس، وربّ الليل، والذي حمله على ذلك أنه لما سمع الشرع قد نهانا أن نحلفَ بغير الله تعالى، ظنَّ أن اللهَ تعالى يمتنع من ذلك. وهذا ظنّ قاصر، وفَهْم غير حاضر، إذ لا يلزم شيء من لا يتوجه على ذلك لأن الله تعالى أن يحكمَ بما شاء، ويفعل من ذلك(٢) ما يشاء، إذ لا يتوجّه الله حكم، ولا عليه حُكْم، ولا يترتب عليه حق، وأيضاً فإنَّ الشرعَ إنما مَنَعنا من القسم بغير یترتب عليه حق. اللهِ تعالى، حمايةً عن التشبه بالجاهلية فيما كانوا يقسمون به من معبوداتهم، ومعظّماتهم الباطلة على ما يأتي الكلامُ عليه في الأيمان. وقوله: ﴿ إِنَُّ لَقُرْءَانٌّ كِيمٌ * فِ كِتَبٍ تَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] الكريم: الشريف الكثير المنافع السهلها، والمكنون: المصون المحفوظ، ويعني بالكتاب: اللوح المحفوظ، كقوله: ﴿بَلّ هُوَ قَُّانٌ تَجِدٌ * فِ لَوَج ◌َّحْفُوظِ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢] والمطهرون بحكم عرف الشرع: هم المتطهرون من الحدث، وعليه فتكون ((لا)) نهياً. ويمسّه مجزوم بالنهي، وضُمّت سينه لأجل الضمير. كما قالوا: شُرُّه ومُرُّه. ويجوز أن يكون خبراً (١) الآية ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ [القيامة: ١]. (٢) ساقط من (ع). أ ٢٦٣ (١) كتاب الإيمان - (٢٣) باب: نسبة الاختراع لغير الله حقيقة كفر عن المشروعية، أي: لا يجوز مسّه إلا لمن تطهّر من الحدث، ويكون هذا نحو قوله تعالى: ﴿وَاُلْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وهذا تقريرُ وجه مَن استدلّ بالآية على تحريم مسّ القرآن على غير طهارة، وهم الجمهور، القرآن لا يمته وأما مَن أجاز ذلك - وهم أهل الظّاهر - فحملوا الآيةَ على أنه خبرٌ عمّا في إلا المطهرون. الوجود، أي: لا يمسّه ولا يناله ولا يباشره إلا الملائكة، وهم المطهرون بالحقيقة، وتكون هذه الآيةُ مثل قوله: ﴿فِمُفٍ مُكرَّةٍ * نَرْهُومَةِمُطَهَّرم * پِأبِىسَفّز * كِرَمٍ بَ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]. وإلى هذا صار مالك في تفسير هذه الآية، مع أنَّ مَذْهَبَه أنه لا يجوز لمحدِث مسّ المصحف أخذاً بهذا الحكم من السنة الثابتة عنده، لا من الآية، والله تعالى أعلم. وقد قيل في الآية: لا يمسّه: لا يفهمه، ولا يجد حلاوته إلا المؤمنون المحقّقون، والأول الظاهر. و (قوله: ﴿أَفَهَذَا الَدِيثِ أَنْتُ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١]) يعني بالحديث: القرآن؛ لأنه أحاديث عن الأمم الماضية، والوقائع الآتية، والأحكام الجارية. و ((مدهنون)): مكذبون، وأصله من الدهن. يقال: أدهن وداهن، أي: ترك ما هو علیه وتلبس بغيره. 1 ٢٦٤ (١) كتاب الإيمان - (٢٤) باب: حبّ عليّ والأنصار آية الإيمان (٢٤) باب حبّ عَلِيٍّ والأنصار آية الإيمان وبغضهم آية النفاق [٥٩] عن أنس، عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((حُبُّ الأنصارِ آيَةُ الإيمانِ، وبغضُهم آيةُ النِّفَاقِ». رواه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤)، والنسائي (١١٦/٨). (٢٤) ومن باب: حبّ علي والأنصار من الإيمان (قوله: ((آية الإيمان حبّ الأنصار))) الحديث. الآية: العلامة والدّلالة، وقد حبّ الأنصار علامة الإيمان. تكون ظنّة، وقد تكون قَطْعيّة، وحبُّ الأنصار من حيث كانوا أنصار الدِّين ومُظْهِريه، وباذلين أموالهم وأنفسهم في إعزازه، وإعزاز نبيه، وإعلاء كَلِمته، دلالة قاطعة على صحَّة إيمان مَن كان كذلك، وصحّة محبّته للنّبيّ وَ﴾. وبُغْضُهم كذلك، القول في حب دلالةٌ قاطعةٌ على النّفاق، وكذلك القولُ في حُبِّ عليّ وبغضه، فمن أحبّه لسابقته عليّ وبغضه. في الإسلام وقِدَمهِ في الإيمان وغَنائه فيه، وذَوْده عنه وعن النَّبِيّ وَ ◌ّر، ولمكانته من النبي : ﴿ وقَرابته، ومُصاهرته، وعِلْمه، وفضائله. كان ذلك منه دليلاً قاطعاً على صِحَّة إيمانه، ويقينه، ومحبته للنّبي ◌َله. ومَن أبغضه لشيءٍ مِن ذلك كان على العکس. حب الصحابة محض الإيمان. قال المؤلف - رحمه الله -: وهذا المعنى جارٍ في أعيان الصَّحابة كالخلفاء والعَشَرة والمهاجرين، بل وفي كُلِّ الصَّحابة، إذ كلُّ واحد منهم له شاهد، وغَناء في الدين، وأثر حَسَن فيه، فَحُبُّهم لذلك المعنى مَحْضُ الإيمان، وبُغْضُهم له مَخْضُ النفاق، وقد دلّ على صِحَّة ما ذكرناه قوله عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه ٢٦٥ (١) كتاب الإيمان - (٢٤) باب: حبّ عليّ والأنصار آية الإيمان [٦٠] وعن البراء، عن النبيِّ لنَّه قال في الأنصار: ((لا يُحِبُّهُم إلَّ مؤمنٌ، ولا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا منافقٌ. البزار في أصحابه كلّهم: ((فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومَن أبغضهم فيبغضي أبغضهم))(١). لكنهم لما كانوا في سَوابقهم ومَراتبهم متفاوتین، فمنهم المتمكُّن الأمكن، والتَّالي والمقدّم؛ خصّ الأمكن منهم بالذُّكر في هذا الحديث، وإن كان كلٌّ منهم له في السّوابق أشرف حديث. وهذا كما قال العليُّ الأعلى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلََّ وَعَدَ اَللَّهُ الْمُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]. تنبيه: من أبغض بَعْضَ مَن ذكرنا مِن الصَّحابة مِن غير تلك الجهات التي من أبغض بعض ذكرناها، بل لأمر طارىء، وحدث واقع، من مخالفة غرض، أو ضرر حصل، أو الصحابة لأمرٍ نحو ذلك، لم يكن كافراً، ولا منافقاً بسبب ذلك؛ لأنهم - رضي الله عن جميعهم - طارىء. قد وقعت بينهم مخالفاتٌ عظيمةٌ وحروب(٢) هائلة، ومع ذلك فلم يكفّر بعضُهم بعضاً. ولا حكم عليه بالنفاق؛ لما جرى بينهم من ذلك. وإنما كان حالُهم في ذلك حالَ المجتهدين في الأحكام، فإما أن يكون كلّهم مصيباً فيما ظهر له، أو المصيب واحد، والمخطىء معذور، بل مخاطب بالعمل على ما يراه ويظنّه، مأجور، فمن وقع له بغضٌ في واحدٍ منهم لشيء من ذلك فهو عاصٍ يجبُ عليه التوبة من ذلك، ومجاهدة نفسه في زوال ما وقع له من ذلك؛ بأن يذكر فضائلهم وسوابقهم ومالهم على كلّ من بعدهم من الحقوق الدّينية والدّنيوية، إذ لم يصلْ أحدٌ ممن بعدهم بشيء من الدّنيا ولا الدِّين إلا بهم، وبسببهم وأدبهم وصلت (١) الذي وجدنا في كشف الأستار (٦٥) حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((من أحبَّني أحب الأنصار، ومن أبغضني فقد أبغض الأنصار، لا يحبهم منافق، ولا يبغضهم مؤمن. من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)). (٢) ساقط من (ع). ٢٦٦ (١) كتاب الإيمان - (٢٤) باب: حبّ علي والأنصار آية الإيمان مَنْ أحبَّهم أحبَّهُ اللهُ، ومَنْ أبغضَهم أبغضَه اللهُ). رواه البخاري (٣٧٨٣)، ومسلم (٧٥)، والترمذي (٣٨٩٦). [٦١] وعن زِرِّ، عن عَلِيٍّ، قالَ: والذي فلقَ الحَبَّةَ وبرأَ النَّسَمَةَ! لنا (١) كل (٢) النعم، واندفعت عنا الجهالات والنقم. ومن حصلت به مصالحُ الدنيا والآخرة فَبُغْضُه كفران للنعم، وصفقته خاسرة. من أحب الله . و (قوله: ((فمن أحبّهم أحبّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله))) هذا على مقابلة الصحابة أحب اللفظ باللفظ. ومعناه: أنَّ مَن أحبَّهم جازاه الله على ذلك جزاءَ المحبوب المحبّ من الإكرام والترفيع والتشفيع، وعكس ذلك في البغض. وظاهِرُ هذا الكلام أنه خبرٌ عن مآل كلِّ واحدٍ من الصِّنفين، ويصلح أن يُقَال: إنَّ ذلك الخبرَ خرج مخرجَ الدعاء لكلِّ واحد من الصِّنفين، فكأنه قال: اللهم افعل بهم ذلك. كما قال صلى الله على محمد وآله، والله أعلم. و (قول علي رضي الله عنه: والذي فلق الحبّة) أي: شقّها بما يخرجُ منها، كالنّخلة من النّواة، والسّنبلة من حبة الحنطة، والحَبّة بفتح الحاء: لما يُزرع ويُستنبت، وبكسرها، لبذور بقول الصحراء التي لا تُزرع. و (قوله: وبرأ النسمة) أي: خلقها، والنسمة: النفس، وقد يقال: على الإنسان نسمة، وقد يقال أيضاً على الرّبو، ومنه الحديث: ((تنكبوا الغبار فمنه تكون النسمة))(٣)، أي: الربو والبُهْر، وهو امتلاء الجوف من الهواء. (١) في (ل): إلينا. (٢) ساقط من (ع). (٣) ذكره الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (٦). ٢٦٧ (١) كتاب الإيمان - (٢٤) باب: حبّ عليّ والأنصار آية الإيمان إِنَّه لَعَهْدُ النبيِّ الأُميِّلَهَ إليَّ: ((أَلَّا يُحِبَّنِي إِلَّا مؤمنٌ، ولا يُبْغِضَنِي إلا منافقٌ)). رواه مسلم (٧٨)، والترمذي (٣٧٣٧)، والنسائي (١١٧/٨). و (قوله: إنه لعهد النبي الأمي ألَّا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق) العَهْد: الميثاق، والأمي: هو الذي لا يكتب، كما قال: ((إنا أمة أُمَّيّة لا نكتب الأمية في ولا نحسب))(١) وهو منسوب إلى الأم؛ لأنه باق على أصل ولادتها، إذ لم يتعلم حقّ ق من أعظم المعجزات. كتابةً ولا حساباً، وقيل: يُنسب إلى معظم أمة العرب، إذ الكتابة كانت فيهم نادرةً، وهذا الوصفُ من الأوصاف التي جعلها الله تعالى من أوصاف كمال النبيّ وَّر، ومدحه بها، وإنما كان وَصْفُ نقصٍ في غيره؛ لأن الكتابة والدراسة والدّربة على ذلك هي الطرقُ الموصلةُ إلى العلوم التي بها تشرف نفسُ الإنسان، ويعظم قدرُها عادة، فلما خصّ الله تعالى نبينا محمداً وَل﴿ بعلوم الأوّلين والآخرين من غير كتابةٍ ولا مدارسةٍ، كان ذلك خارقاً للعادة في حقّه، ومِن أوصافه الخاصّة به الدّالة على صِدْقه، التي نُعِت بها في الكتب القديمة، وعُرِف بها في الأمم السَّابقة، كما قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَِّعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْثُوبًا عِندَهُمْ ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فقد صارت الأميةُ في حقّه من أعظم معجزاته وأجلّ كراماته، وهي في حقّ غيره نقصٌ ظاهر وعجزٌ حاضر، فسبحان الذي صيَّر نقصنا في حقّه كمالاً، وزاده تشريفاً وجلالاً . و (قوله: ((ألا يحبني))) بفتح همزة ألا؛ لأنها همزةُ أن الناصبة للفعل المضارع، ويحتمل أن تكونَ المخفّفة من الثقيلة، وكذلك رُوي ((يحبني)) بضم الباء وفتحها، وكذلك ((يبغضني)) لأنه معطوف عليه، والضمير في ((أنه)) ضميرُ الأمر والشأن، والجملة بعده تفسيرٌ له. (١) رواه أحمد (٤٣/٢ و٥٢ و١٢٩)، والبخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠)، وأبو داود (٢٣١٩ و٢٣٢٠ و٢٣٢١)، والنسائي (١٣٩/٤ و١٤٠) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ٢٦٨ (١) كتاب الإيمان - (٢٥) باب: كفران العشير (٢٥) باب گُفْرَان العشیر، وكُفْرٌ دون ◌ُفْرٍ [٦٢] عن عبد الله بن عمر، عن النبي ◌َّهو أنه قال: ((يا معشرَ النِّسَاءِ! تَصَدَّقْنَ وأكثرنَ الاستغفارَ، فإنِّي رأيتكنَّ أكثرَ أهلِ النَّارِ)). فقالت امرأةٌ منهنَّ، جَزْلَةٌ: وما لنَا - يا رسولَ الله - أكثرَ أهلِ النَّارِ؟ قالَ: ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، (٢٥) ومن باب: كفران العشير، و کفر دون کفر الصدُّقة تخلص من النار. الاستغفار. (قوله: ((يا معشر النساء تصدَّقن وأكثرْن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار))) هذا نداءٌ لجميع (١) نساء العالم إلى يوم القيامة، وإرشادٌ لهنّ إلى ما سيخلصهنّ من النار، وهو الصَّدقةُ مطلقاً واجبها وتطوعها، والظاهرُ أنَّ المرادَ هنا القدر المشترك بين الواجب والتطوّع، لقوله في بعض طَرقه: ((ولو من حُلِيَكُنَّ))(٢)، والاستغفار: سؤال المغفرة، وقد يُعبَّر به عن التوبة كما قال تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]، أي: توبوا، وإنما عبَّر عن التَّوبة بالاستغفار؛ لأنه إنما يصدرُ عن النّدم وَجَلُ الإصرار، وذلك هو الثَّوبة، فأمَّا الاستغفارُ مع الإصرار فَحَالُ المنافقين والأشرار، وهو جدير بالرد وتكثير الأوزار، وقد قال بعضُ العارفين: الاستغفار باللسان توبةُ الكذابين. و (قوله: ((رأيتُكنَّ أكثر أهل النار))) أي: اطلع على نساء آدميات من نوع المخاطبات، لا أنفس المخاطبات، كما قال في الرواية الأخرى: «اطلعتُ على من عادة النساء اللعن. (١) ساقط من (ع). (٢) رواه الترمذي (٦٣٥ و٦٣٦) من حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما . ٢٦٩ (١) كتاب الإيمان - (٢٥) باب: كفران العشير وتَكْفُرْنَ العشيرَ. ما رأيتُ مِن ناقصاتِ عَقْلِ ودِينٍ أذهبَ لذي لُبِّ منكنَّ)). قالتْ: يا رسولَ الله! وما نقصانُ العقلِ والدِّينِ؟ قالَ: ((أمَّا نُقْصانُ العقلِ النار فرأيتُ أکثرَ أهلِھا النساء»(١) فلما سمع النساءُ ذلك علمن أن ذلك كان لسببٍ ذنبٍ سبق لهن، فبادرت هذه المرأةُ لجزالتها وشدّة حرصها على ما يخلّص من هذا الأمر العظيم، فسألت عن ذلك فقالت: وما لنا أكثر أهل النار؟ فأجابها اليه: (تُكثرن اللعنَ، وتَكْفُرْنَ العشير)) أي: يدور اللعنُ على ألسنتهن كثيراً لمن لا يجوز لعنه، وكان ذلك عادة جارية في نساء العرب، كما قد غلبت بعد ذلك على النساء والرجال، حتى إنهم إذا استحسنوا شيئاً ربّما لعنوه، فيقولون: ما أشعره لعنه الله! وقد حكى بعضُهم أنّ قصيدة ابن دريد كانت تُسمَّى عندهم: الملعونة؛ لأنهم كانوا إذا سمعوها قالوا: ما أشعره لعنه الله! وقد تقدَّم أنَّ أصلَ اللعن: الطرد والبعد. والعشير: هو المعاشر والمخالط مطلقاً، والمراد به هنا: الزوج، والكفر: كفران النساء يكفرن الحقوق، ويدلّ على صحّة الأمرين حديثُ الموطأ الذي قال فيه: ((لكفرهن)) قيل: العشير. أيكفرن بالله؟ فقال: ((يكفرن العشير، ويكفرن الإحسانَ، لو أحسنتَ إلى إحداهنّ الدهر، ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط))(٢). والجزالة: الشهامة والجدة مع العقل والرّفق، قال ابنُ دريد: الجزالة: الوقار والعقل، وأصل الجزالة: العِظَم من كلّ شيء، ومنه عطاء جَزْل. واللب: العقل. سُمِّي بذلك لأنه خلاصةُ الإنسان ولبّه ولبابه، ومنه سُمِّي قلبُ الحَبِّ: لُبّاً. والعقل الذي نقصَه نقص العقل عند النّساء هو: التثبتُ في الأمور، والتحقيقُ فيها، والبلوغُ فيها إلى غاية الكمال، وهُنَّ النساء. في ذلك غالباً بخلاف الرجال. وأصلُ العقل: العلم، وقد يقال على الهدوء، والوقار، والتثبت في الأمور، (١) رواه أحمد (٤٢٩/٤ و٤٤٣)، والبخاري (٣٢٤١)، والترمذي (٢٦٠٥) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه. (٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٨٧) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. ٢٧٠ (١) كتاب الإيمان - (٢٥) باب: كفران العشير فشهادةُ امرأتينِ تَعْدِلُ شهادةَ رجلٍ، فهَذا نُقصانُ العقلِ. وتمكثُ اللَّياليَ ومَا تُصَلِّي، وتُفْطِرُ في رمضانَ، فهذاَ نُقْصَانُ الدِّينِ)). رواه أحمد (٦٦/٢)، ومسلم (٧٩)، وابن ماجه (٤٠٠٣). ! ١ ٠ وللعلماء خلافٌ في حدّ العقل المشترط في التكليف، ليس هذا موضع ذكره. والدِّين هنا يُراد به: العبادات، وليس نقصان ذلك في حقّهن ذماً لهن، وإنما ذكر النبيُّ ر ذلك من أحوالهن على معنى التعجب من الرجال حيث يغلبهم مَن نَقْصَ عن درجتهم، ولم يبلغْ کمالهم، وذلك هو صريحُ قوله عليه الصلاة والسلام: ((ما رأيتُ من ناقصات عَقْل ودِيْن أذهب للبّ الرجل الحازم مِن إحداكن))(١) وذلك نحواً مما قاله الأعشى فيهنَّ: وَهُنَّ شَرِّ غَالِبٌ لِمَنْ غَلَبْ ونحو قولهم فيما جرى مجرى المثل: ((يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام)». وفيه الحائض لا ما يدل على أن الحائض لا تصلي ولا تصوم مدة حيضها، وهو مجمع عليه. تصلي ولا تصوم وسيأتي إن شاء الله تعالى. مدّة حيضها. (١) رواه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ٢٧١ (١) كتاب الإيمان - (٢٦) باب: ترك الصلاة جحداً أو تسفيهاً للأمر كُفْر (٢٦) باب ترك الصلاة جحداً أو تسفيهاً للأمر كفر [٦٣] عن جابر بن عبد الله، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِوَهِ يقولُ: (بينَ الرَّجُلِ وبينَ الشِّرْكِ والكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ). رواه أحمد (٢٨٩/٣)، ومسلم (٨٢)، وأبو داود (٤٦٧٨)، والترمذي (٢٦٢٢)، وابن ماجه (١٠٧٨). (٢٦) ومن باب: ترك الصلاة جحداً أو تسفيهاً للأمر كفر (قوله: ((بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة))) يعني: أنَّ مَن ترك الصلاةَ لم هل تارك الصلاة يَبْقَ بينه وبين الكفر حاجزٌ يحجزه عنه، ولا مانعٌ يمنعه منه، أي: قد صار كافراً، كافر؟ وهذا إنما يكونُ بالاتفاق فيمن كان جاحِداً لوجوبها، فأما لو كان مُعْتَرِفاً بوجوبها مُتهاوناً بفعلها وتاركاً لها؛ فالجمهور على أنه يُقتل إذا أخرجها عن آخر وقتها، ثم هل يُقْتَلِ كفراً أو حدّاً؟ فَمِمَّن ذهب إلى الأول: أحمد بن حنبل، وابن المبارك، وإسحاق، وابن حبيب من أصحابنا، ورُوي ذلك عن عليّ بن أبي طالب. وممّن ذهب إلى الثّاني: مالك، والشافعي، وكثيرٌ من أهل العلم قالوا: يُقتل حدّاً إذا عُرِضَتْ عليه فلم يَفْعَلْها، ثم هل يُستتاب أم لا؟ قولان لأصحابنا، وقال الكوفيون: لا يُقتل، ويُؤمر بفعلها، ويُعزَّر حتى يفعلها، والصَّحيحُ أنه ليس بكافر؛ لأنَّ الكفرَ الجحدُ كما تقدّم، وليس بجاحد، ولأنَّ رسولَ اللهِ له قد قال: ((خمسُ صلوات افترضهن اللهُ على العباد، فمن جاء بهن لم يُضَيِّحْ منهن شيئاً كان له عند الله عهدٌ أن يغفرَ له، ومن لم يأت بهن فليس له على الله عهد، إن شاء غفرَ له، وإن شاء عذّبه))(١) فهذا ينصّ على أنَّ تَرْك الصّلاة ليس بكفر، وأنه مِمَّا دون الشرك الذي قال (١) رواه أحمد (٣١٧/٥ و٣٢٢)، وأبو داود (٤٢٥)، والنسائي (٢٣٠/١)، ومالك في الموطأ (١٢٣/١). 1 ٢٧٢ (١) كتاب الإيمان - (٢٦) باب: ترك الصلاة جحداً أو تسفيهاً للأمر كُفْر [٦٤] وعن أبي هريرة، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إذا قرأَ ابنُ آدَمَ السَّجدةَ فسجدَ، اعتزلَ الشَّيْطَانُ يَيبكي ويقولُ: يا وَيْلَهُ - وفي رواية: الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءِ﴾ [النساء: ٤٨]. اختلاف العلماء واختلف العلماءُ في أخوات الصَّلاة من الفرائض: كالزّكاة، والصّيام، والحجّ، في تارك أخوات والوضوء، والغُسْل من الجنابة؛ هل يُقتل الآبي من فعلها؟ وإن اعترف بوجوبها، الصلاة من الفرائض. أم يُعاقب حتى يفعل؟ وهل هو كافر أم عاصٍ؟ مَذْهَبُ مالك: في أنّ من قال: لا أتوضأ؛ ولا أصوم؛ أنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل، وإن قال: لا أزكّي؛ أُخِذَتْ منه كرهاً، فإن امتنع قُوتل، فإن قال: لا أحجّ، لم يُجْبَرْ لكون فَرْضه على التراخي. قال المؤلف - رحمه الله -: هكذا أطلق أئمتنا، وينبغي أن يقال: إنه إذا انتهى الممتنع إلى حالةٍ يخاف معها الفوت كالهرم والمرض حُمِل على الفعل؛ لئلا يُخلَّى زمانه عن الحج مع استطاعته. وأما من يقول: إن الحج على الفور إذا حصلت الاستطاعة؛ فقياسُ مذهبه يقتضي أن يُحْمَلَ على الفعل في تلك الحال، لكن أصحابنا لم يقولوا به، ولا كفّروه بترك الحج، كما فعلوا في الصلاة؛ لأنَّ كونَ وجوبه على الفور ليس بمعلوم التّحديد والتّوقيف من الشرع، كما هو في الصّلاة، وإنما قِيل ذلك بالاجتهاد والظنّ، والله أعلم. وقال ابنُ حبيب: مَن قال عند الإمام: لا أصلي، وهي عَلَيَّ؛ قُتِل ولا يستتاب، وكذلك مَن قال: لا أتوضأ، ولا أغتسل من الجنابة، ولا أصوم. وقال أيضاً: من ترك الصلاةَ متعمداً أو مفرّطاً كافر؛ ومَن ترك أخواتها متعمداً من زكاة وحج وصوم كافر، وقاله الحكمُ بن عتيبة وجماعةٌ من السَّلَف. و (قوله: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان))) أصل السجود في اللغة: الخضوع والخشوع، قال زيد الخيل : السجود لغة. ٢٧٣ (١) كتاب الإيمان - (٢٦) باب: ترك الصلاة جحداً أو تسفيهاً للأمر كُفْر بِجَمْعٍ تُصلِّي البُلْقُ(١) في حُجُراتِه تَرى الأُكم فِيْهَا سُجَّدَاً لِلْحَوافرِ أي: خاضعة، ويقال أيضاً: على الميل: يقال: سجدت النخلة، أي: مالت، وسجدت الناقة: طأطأت رأسها، قال يعقوب: أسجد الرجل؛ إذا طأطأ رأسه، وسجد: إذا وضع جبهتَه في الأرض، وقال ابنُ دريد: أصلُ السجود إدامة النظر مع إطراق إلى الأرض. قال المؤلف - رحمه الله -: والحاصلُ أنَّ أصلَ السجود: الخضوع، وسُمِّيت هذه الأحوال سجوداً لأنها تلازم الخضوعَ غالباً، ثم قد صار(٢) في الشرع: عبارة السجود شرعاً. عن وضع الجبهة على الأرض على نحو مخصوص، والسجود المذكور في هذا الحديث هو سجودُ التلاوة، لقوله: ((إذا قرأ ابنُ آدَمَ السجدةَ فسجد)» وقد اختلف في حُكْمِه: فذهب الجمهورُ إلى أنه مندوبٌ وفضيلة، وصار أبو حنيفة إلى أنه حكم سجود واجبٌ، مُستدِلّاً بهذا الحديث، ووجهه: أنَّ إبليسَ عصى بترك ما أُمر به من التلاوة. السجود فَلُمّ ولُعِن، وابن آدم أطاع بفعله فمدح وأثیب بالجنة، فلو ترکه لعصی؛ إذ السجودُ نوعٌ واحد، فلزم من ذلك كونُ السجود واجباً، والجواب: أنَّ ذمَّ إبليس ولَعْنه لم يكن لأجل ترك السّجود فقط، بل لترك السجود عتوّاً على الله وكِبْراً، وتَسْفيهاً لأمره تعالى، وبذلك كَفَر، لا بترك العمل بمطلق السجود. ألا ترى قوله تعالى مخبراً عنه بذلك حين قال: ﴿أَبَ وَأَسْتَكْبِرٌ وَكَانَ مِنَ اَلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِمَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَمٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣]، وقال: ﴿أَنَّأْ خَيْرٌّ مِنْهُ خَلَقَنِ مِن ◌َارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. سلمنا أنه ذُمَّ على تَرْكِ السُّجود، لكن لا نُسَلِّم أن السجودَ نوعٌ واحد، فقد قال بعض المفسرين: إنَّ أنواع السجود. (١) في (ع): الخيل، والمثبت من (م) و (ل). والفرس الأبلق: ما كان فيه سواد وبياض. (٢) قوله: (قد صار) ساقط من (ع). ٢٧٤ (١) كتاب الإيمان - (٢٦) باب: ترك الصلاة جحداً أو تسفيهاً للأمر كُفْر يا وَيْلَتا - أُمِرَ ابنُ آدَمَ بالسُّجودِ فسجدَ فلَهُ الجنَّةُ، وأُمِرْتُ بالسُّجُودِ فأبيتُ فَلِيَ النَّارُ)». رواه أحمد (٤٤٠/٢ و ٤٤٣)، ومسلم (٨١)، وابن ماجه (١٠٥٢). الشُّجودَ الذي أَمَر اللهُ به الملائكةَ إنما كان طأطأة الرأس لآدم تحية له، وسجود الثّلاوة وَضْع الجبهة بالأرض، على كيفية مخصوصة، فافترقا، سلمنا أنه نوعٌ واحد لکنمنقسم بالإضافة ومُتغاير بها، فیصحّ أن يُؤمر بأحدها وینھی عن الآخر، کما يُؤمر بالسجود لله تعالى، ويُنهى عن السُّجود للصنم، فما أُمِر به الملائكة من السجود لآدم مُحَرَّم على ذريته(١)، کما قد حُرِّم ذلك علينا، وكيف يستدلّ بوجوب أحدهما على وجوب الآخر. وسيأتي القولُ في سجود القرآن في بابه إن شاء الله تعالى. بکاء إبليس وبكاء إبليس المذكور في الحديث ليس نَدَماً على معصية، ولا رُجوعاً عنها، وإنما لفرط حسده ذلك لفرط حَسَده وغَيْظه وألمه ممّا أصابه من دُخول أحد من ذرية آدم الجنة ونجاته، وغیظه. وذلك نحو ما يعتريه عند الأذان والإقامة ويوم عرفة، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. و (قوله: ((يا ويلتا))) الويل: الهلاك، وويل: كلمة تُقال لمن وقع في هلكة، والألف في ((يا ويلتا)) للنّدبة والتّفجّع. (١) سجود الملائكة لادم كان عبادة لله وطاعة لأمره، كما أمرنانحن بالسجود للكعبة، أي: لجهتها تعظيماً من الله لشأنها. ٢٧٥ (١) كتاب الإيمان - (٢٧) باب: الإيمان بالله أفضل الأعمال (٢٧) باب الإيمان بالله أفضل الأعمال [٦٥] عن أبي هريرة، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ وَّةٍ: أَيُّ الأَعمالِ أفضلُ؟ قالَ: ((الإيمانُ باللهِ ورَسُولِهِ)) قيلَ: ثُمَّ ماذَا؟ قالَ: ((الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ». (٢٧) ومن باب: الإيمان أفضل الأعمال (قوله عليه الصلاة والسلام وقد سُئل عن أفضل الأعمال: ((الإيمان بالله))) الإيمان من جملة الأعمال. يدلُّ على أن الإيمانَ من جُملة الأعمال وهي داخلٌ فيها، وهو إطلاقٌ صحيحٌ لغةً وشرعاً، فإنه عَمَلُ القلب وكسبه، وقد بيّا أن الإيمانَ هو التَّصديقُ بالقلب، وأنه منقسمٌ إلى ما يكون عنه برهان وعن غير برهان، ولا يُلتفت لخلاف مَن قال: إنَّ الإيمانَ لا يُسمَّى عملاً؛ لجهله بما ذكرناه، ولا يخفى أن الإيمانَ بالله تعالى أفضلُ الإيمان أفضل الأعمال كلها(١)؛ لأنه مُتُقدِّمٌ عليها، وشرطٌ في صحتها، ولأنه من الصِّفات الأعمال. المتعلّقة، وشرفها بحسب متعلّقاتها، ومتعلّق الإيمان هو اللهُ تعالى وكتبه ورسله. ولا أشرف من ذلك، فلا أشرفَ في الأعمال من الإيمان ولا أفضل منه. و (قوله: ((ثم الجهاد في سبيل الله))) ظاهِرُ هذا الحديث: أن الجهادَ أفضلُ الجهاد من من سائر الأعمال بعد الإيمان، وظاهِرُ حديث أبي ذرّ أنَّ الجهادَ مُساءٍ للإيمان في الأعمال. أفضل الفَضْلِ، وظاهِرُ حديث ابن مسعود(٢) يخالفهما لأنه أخّر الجهاد عن الصلاة وعن برّ الوالدين، وليس هذا بتناقض؛ لأنه إنما اختلفتْ أجوبتُه لاختلاف أحوال السّائلين؛ وذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يجيبُ كلَّ سائلٍ بالأفضل في حقّه، وبالمتأكد (١) ساقط من (ع). (٢) حديث ابن مسعود ورد برقم (٦٧). ٢٧٦ (١) كتاب الإيمان - (٢٧) باب: الإيمان بالله أفضل الأعمال قيلَ: ثمَّ ماذَا؟ قال: (حَجٌّ مَبْرُورٌ)). في حقه، فمن كان متأهّلاً للجهاد وراغباً فيه كان الجهادُ في حقّه أفضلَ من الصلاة وغيرها، وقد يكون هذا الصَّالحُ للجهاد له أبوان يحتاجان إلى قيامه عليهما، ولو ترکهما لضاعا؛ فیکون برُّ الوالدين في حقّه أفضلَ من الجهاد، کما قد استأذن رجل النبيَّ ◌َ ﴿ في الجهاد فقال: ((أحيٍّ والداك))؟ قال: نعم، فقال: ((ففيهما فجاهد))(١) وهكذا سائر الأعمال. وقد يكون الجهادُ في بعض الأوقات أفضلَ من سائر الأعمال، وذلك في وقت استيلاء العدو وغلبته على المسلمین، کحال هذا الزّمان، فلا يخفى على من له أدنى بصيرة أن الجهادَ اليوم أوكدُ الواجبات، وأفضلُ الأعمال، لما أصابَ المسلمين من قَهْر الأعداء، وكثرة الاستيلاء شرقاً وغرباً، جبر الله صَذعنا، وجدّد نَصْرَنا. الجهاد اليوم أو کد الواجبات. اختلاف الأفضلية. والحاصِلُ مِن هذا البحث أنَّ تلك الأفضلية تختلفُ بحسب الأشخاص والأحوال، ولا بُعْد في ذلك، فأما تفصيلُ هذه القواعد من حيث هي، فعلى ما تقدّم من حديث ابن عمر، الذي قال فيه: ((بني الإسلام على خمس)(٢)، والله أعلم. الحج المبرور. والحج المبرور: هو الذي لا يخالطه شيء من المأثم، قاله شَمِرُ(٣)، وقيل: هو المقبول، وذكر أن رسولَ اللهِ ﴾ قيل له: ما برّ الحج؟ فقال: ((إطعامُ الطعام، وطيب الكلام)» (٤). ويقال: بُرَّ حجّك، بضم الباء، مبنياً للمفعول، وبَرَّ الله حجّك بفتحها، للفاعل. (١) رواه أحمد (١٦٥/٢ و١٨٨ و١٩٣ و١٩٧ و٢٢١)، والبخاري (٣٠٠٤)، ومسلم (٢٥٤٩)، والنسائي (١٠/٦) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. (٢) سبق تخريجه برقم (١٣). (٣) هو شَمِر بن حَمْدَوَيْه الهروي: لغوي أديب. توفي سنة (٢٥٥ هـ). - (٤) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢٦٢/٥)، والحاكم (٤٨٣/١) من حديث جابر رضي الله عنه. - 1 ! ٢٧٧ (١) كتاب الإيمان - (٢٧) باب: الإيمان بالله أفضل الأعمال رواه أحمد (٣٣٠/٢ و٣٨٨ و٥٣١)، والبخاري (٥٠)، ومسلم (٨٣)، والترمذي (١٦٥٨)، والنسائي (١١٣/٥). [٦٦] وعن أبي ذرّ، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ! أَيُّ الأعمالِ أَفْضَلُ؟ قال: (الإيمانُ باللهِ، والجِهَادُ في سَبِيلِهِ)) قالَ: قلتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قال: ((أَنْفَسُها عِنْدَ أَهْلِها، وأكثرُها ثَمَناً)) قالَ: قلتُ: فإنْ لم أفعلْ؟ قال: (تُعِيْنُ صَانِعاً، أو تصنعُ لأخْرَقَ)) قالَ: قلتُ: يا رسولَ الله! أرأيتَ إنْ و (قوله: ((أي الرقاب أفضل)) أي: في العتق، وأنفسها: أغبطُها وأرفعها، والمال النفيس: هو المرغوبُ فيه، قاله الأصمعي، وأصله: من التنافس في الشيء الرفيع. و (قوله: ((فإن لم أفعل))) أي: لم أقدر عليه، ولا تيسّر لي، لأن المعلوم من أحوالهم أنهم لا يمتنعون مِن فعل مثل هذا إلا إذا تعذّر عليهم. و (قوله: ((تعين صانعاً)) الرواية المشهورة بالضّاد المعجمة وبالياء من تحتها، ورواه عبد الغافر الفارسي صانعاً - بالصاد المهملة والنون - وهو أحسنُ لمقابلته لأخرق، وهو: الذي لا يحسن العمل، يقال: رجل أخرق، وامرأة خرقاء، وهو ضدّ الحاذق بالعمل، ويقال: رجل صنع، وامرأة صَناعٌ، بألف بعد النون، قال أبو ذؤيب في المذكّر: وَعَلَيْهِما مَسْرودَتانِ قَضَاهُما دَاودُ أو صَنّعُ السَّوابغِ تُبَّعُ وقالآخر في المؤنث: صَناعْ بِأَشْفَاها حَصانٌ بِشَكْرِها جَوَادٌ بِقُوْتِ الْبَطْنِ والعِرْقُ رَاجِزُ والشكر بفتح الشين: الفرج، وبضمها: الثناء بالمعروف كما تقدّم. ٢٧٨ (١) كتاب الإيمان - (٢٨) باب: أي الأعمال أفضل بعد الإيمان؟ ضَعُفْتُ عن بعضِ العَمَلِ؟ قال: ((تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فإنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ على نَفْسِكَ)). رواه أحمد (١٥٠/٥ و ١٦٣ و١٧١)، والبخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤)، والنسائي (١٩/٦). (٢٨) باب أي الأعمال أفضل بعد الإيمان؟ [٦٧] وعن ابن مسعودٍ، قالَ: سألتُ رسولَ الله وَّه أَيُّ العَمَلِ أفضلُ؟ قالَ: ((الصَّلاةُ لوقتِها)) الکفُّ داخلٌ تحت کسب الإنسان. و (قوله: ((تكفّ شرّك عن الناس فإنها صدقةٌ منك على نفسك))) دليلٌ على أنَّ الكفَّ فعلٌ للإنسان داخِل تحت كسبه، ويُؤجر عليه، ويُعاقب على تركه. خلافاً لبعض الأصوليين القائل: إن التركَ نفيٌ محض لا يدخلُ تحت التكليف ولا الكسب، وهو قول باطل بما ذكرناه هنا، وبما بسطناه في ((الأصول))، غير أنَّ الثَّوابَ لا يحصلُ على الكف إلا مع النيات والمقصود، وأما مع الغفلة والذّهول فلا، والله تعالى أعلم. الثواب لا يحصل على الكف إلا مع النبات. [(٢٨) ومن باب: أي الأعمال أفضل بعد الإيمان؟](١) (قوله: ((الصّلاة لوقتها))) هذه اللام للتأقيت، كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤]، أي: عند الصلاة لوقتها. (١) سقط عنوان هذا الباب من المفهم، واستدرك من التلخيص. ٢٧٩ (١) كتاب الإيمان - (٢٨) باب: أي الأعمال أفضل بعد الإيمان؟ قالَ: قلتُ: ثم أَيُّ؟ قالَ: ((بِرُّ الوَالِدَيْنِ)) قالَ: قلتُ: ثمَّ أيّ؟ قال: ((الجِهَادُ في سبيلِ الله))، فما تركتُ أستزيدُه إلا إرعاءً عليهِ. وفي رواية: ((الصَّلاةُ عَلى مَوَاقِيْتِها)). رواه البخاري (٧٥٣٤)، ومسلم (٨٥)، والترمذي (١٨٩٩)، والنسائي (٩٣/١ و٩٤). ذلك، كما قال في الرواية الأخرى: ((الصلاة على مواقيتها)). وقد روى الدار قطني هذا الحديثَ من طريق صحيح وقال: ((الصّلاة لأول وقتها)) (١) وهو ظاهر في أن أوائلَ أوقات الصلوات أفضل، كما ذَهَبَ إليه الشَّافعي، وعند مالك تفصيلٌ يأتي في الأوقات، إن شاء الله تعالى. و (قوله: ((وبرّ الوالدين))) هو القيامُ بحقوقهما والتزام طاعتهما، والرّفق برّ الوالدين. بهما، والتّذلل لهما، ومراعاة الأدب معهما في حياتهما، والتّرحّم عليهما، والاستغفار لهما بعد موتهما، وإيصال ما أمكنه من الخير والأجر لهما. و (قوله: ((ما تركت أستزيده إلا إرعاءً عليه))) أي: إبقاءً لئلا أحرجه وأنتقص من حرمته، قال صاحبُ الأفعال(٢): الإرعاء: الإبقاء على الإنسان، ففيه من الفقه احترامُ العالم والفاضل، ورعاية الأدب معه وإن وَثِق بحلمه وصَفْحه، والله أعلم. (١) هو ابن شهاب الهُذَليّ. (٢) هو علي بن جعفر، المعروف بابن القطاع، عالم بالأدب واللغة. توفي سنة (٥١٥ هـ). ٢٨٠ (١) كتاب الإيمان - (٢٩) باب: أي الذنب أعظم وذكر الكبائر (٢٩) باب أَيّ الذنب أعظم؟ وذكر الكبائر [٦٨] عن عبد الله، قالَ: قالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! أَيُّ الذَّنْبِ أَكبرُ عندَ اللهِ؟ قال: ((أنْ تدعوَ للهِ نِدّاً، وهو خَلَقَكَ)) قالَ: ثمَّ أيّ؟ قال: ((أنْ تقتَل ولدكَ مخافةَ أنْ يَطْعَمَ معكَ)) قالَ: ثم أيّ؟ (٢٩) ومن باب: أيّ الذنب أعظم؟ وذكر الكبائر (قوله: ((أن تدعو اللهِ ندّاً وهو خلقك))) النّد: المثل، وجمعه: أنداد، وهو نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. ومعناه: أن اتّخاذ الإنسان إلهاً غير خالقه المنعِم عليه؛ مع علمه بأنَّ ذلك المُتَّخذ ليس هو الذي خَلَقه، ولا الذي أَنْعَم عليه، من أقبح القبائح، وأعظم الجهالات، وعلى هذا فذلك أكبرُ الكبائر وأعظم العظائم. و (قوله: ((أن تقتلَ ولدك مخافةَ أن يطعمَ معك))) هذا من أعظم الذّنوب؛ لأنه قَتْل نفس مُحرَّمة شرعاً، محبوبة طبعاً، مرحومة عادة، فإذا قتلها أبوها كان ذلك دليلاً على غَلَبة الجهل، والبخل، وغلظ الطّبع، والقسوة، وأنه قد انتهى من ذلك كلِّه إلى الغاية القصوى، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ إِمْلَقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] أي: فقر، وهذا خطابٌ لمن كان فَقْرُه حاصلاً في الحال، فيخفّف عنه بقتل ولده مؤنته من طعامه ولوازمه، وهذه الآيةُ بخلاف الآية الأخرى التي قال فيها: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَنٍ﴾ [الإسراء: ٣١] فإنه خطابٌ لمن كان واجداً لما ينفقُ عليه في الحال، غير أنه كان يقتلُه مخافةً الفقر في ثاني حال، وكان بعضُ جُفاة الأعراب وجهالهم ربما يفعلون ذلك، وقد قيل: إن الأولادَ في هاتين الآيتين هم البنات، كانوا يدفنونهنّ أحياء أنفةً وكبراً ومخافةَ العَيْلة والمعرّة، وهي الموءودة اتخاذ الندّ ش أکبر الكبائر. قَتْل الأولاد خوف الفقر.