Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
(١) كتاب الإيمان - (١٤) باب: الاستقامة في الإسلام
(١٤) باب
الاستقامة في الإسلام، وأي خصاله خير
[٣٢] عن سفيانَ بنِ عبدِ الله الثقفيِّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ! قلْ
لي في الإسلام قَوْلاً، لا أسألُ عنه أحَداً بَعْدَكَ - وفي رواية: غَيْرَكَ - قال:
(قُلْ آمنتُ باللهِ ثُمَّ استقمْ)).
رواه أحمد (٤١٣/٣) و (٣٨٥/٤)، ومسلم (٣٨).
(١٤) ومن باب: الاستقامة في الإسلام، وأيّ خصاله خير
(قوله: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك) أي: عَلِّمني قولاً
جامعاً لمعاني الإسلام، واضحاً في نفسه؛ بحيث لا يحتاجُ إلى تفسير غيرك، أعملُ
عليه، وأكتفي به، وهذا نحو مما قاله له الآخر: علِّمني شيئاً أعيشُ به في الناس
ولا تكثر عليَّ فأنسى، فقال: ((لا تغضب))(١)، وهذا الجواب، وجوابه بقوله: ((قل
آمنت بالله ثم استقم)». دليلٌ على أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ أُوِيَ جوامع الكلم، واختُصر له القولُ أُوتي ﴾
اختصاراً، كما قال النبي صل﴿ مُخْبِراً بذلك عن نفسه(٢). فإنه عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم.
جمع لهذا السائل في هاتين الكلمتين معاني الإسلام والإيمان كلّها. فإنّه أَمَرَهُ أن
يُجَدِّد إيمانه مُتذكّراً بقلبه وذاكراً بلسانه. ويقتضي هذا استحضار تفصيل معاني
الإيمان الشَّرعي بقلبه التي تقدَّم ذكرها في حديث جبريل (٣)، وأمره بالاستقامة على
(١) رواه أحمد (٣٦٢/٢، ٤٦٦، و٣٤/٥، ٣٧٢، ٣٧٣)، والبخاري (٦١١٦)،
والترمذي (٢٠٢١)، والموطأ (٩٠٦/٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((أوتيتُ جوامع الكلم ... ))
رواه أحمد (٢٥٠/٢، ٣١٤، ٤٤٢، ٥٠١)، ومسلم (٥٢٣).
٣) تقدّم الحديث في تلخيص مسلم برقم (٧).
1

٢٢٢
(١) كتاب الإيمان - (١٤) باب: الاستقامة في الإسلام
[٣٣] وعن عبد الله بن عمرو؛ أنَّ رجلاً سألَ رسولَ الله وَلّى: أَيُّ
الإسلام خيرٌ؟ قالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعامَ، وتقرأُ السَّلامَ على من عَرَفْتَ ومَنْ لمْ
تَعْرِفْ)).
أعمال الطاعات، والانتهاء عن جميع المخالفات؛ إذ لا تتأتَّى الاستقامةُ مع شيءٍ
من الاعوجاج فإنها ضدّه. وكأنّ هذا القولَ مُنْتَزَعٌ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ
رَبَُّا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدمُواْ﴾ [فصلت: ٣٠] أي: آمنوا بالله ووحّدوه، ثم استقاموا على
ذلك وعلى طاعته إلى أن توفّوا عليها، كما قال عمرُ بنُ الخطاب: استقاموا واللهِ
على طاعته، ولم يروغوا روغان الثّعالب. وملخّصه: اعتدلوا على طاعة الله تعالى
عقداً وقولاً وفعلاً، وداموا على ذلك.
و (قوله: أيّ المسلمين خير) أي: أيّ خصالهم أفضل؟ بدليل جوابه بقوله:
أفضل الخصال
المتعدية النفع. ((تطعم الطعام، وتقرأ السّلام على مَن عرفتَ ومَن لم تعرفْ)). وكأنه عليه الصلاة
والسلام فهم عن هذا السائل: أنه يسألُ عن أفضل خِصال المسلمين المتعدّية النفع
إلى الغير، فأجابه بأعمّ ذلك وأنفعه في حقّه، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يجيبُ
كل سائل على حسب ما يفهم منه، وبما هو الأهم في حقه والأنفع له.
إفشاء السلام.
و (قوله عليه الصلاة والسلام: ((وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم
تعرفْ))) قال أبو حاتم: تقول: قرأ عليه السلام، وأقرأه الكتاب، ولا
تقول: أقرأه السلام. إلا في لغة سوء، إلا أن يكون مكتوباً فتقول أقرئه السلام،
أي: اجعله يقرؤه، وجمع له بين الإطعام والإفشاء لاجتماعهما في استلزام المحبة
الدينية، والألفة الإسلامية، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((ألا أدلكم على شيء
إذا فعلتموه تحابيتم؟ أفشوا السلام بينكم))(١). وفيه دليلٌ على أنَّ السلامَ لا يُقْصَر
(١) رواه أحمد (٣٩١/٢)، ومسلم (٥٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والترمذي
(٢٥١٢) من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه.

٢٢٣
(١) كتاب الإيمان - (١٤) باب: الاستقامة في الإسلام
وفي أخرى: أيُّ المسلمين خيرٌ؟ قال: ((مَن سَلِمَ المسلمونَ مِن
لسانه ويده».
رواه البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩)، وأبو داود (٥١٩٤)، والنسائي
(١٠٧/٨)، وابن ماجه (٣٢٥٣).
[٣٤] وعن جابر، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَهُ يقولُ:
على من يُعرف، بل على المسلمين كافة، لأنه كما قال عليه الصلاة والسلام:
((السلامُ شعارٌ لمّتنا وأمانٌ لذمّتنا))(١)، ورَدُّ السلام أوكدُ من ابتدائه، وسيأتي القولُ
فيه إن شاء الله تعالى.
و (قوله: أي المسلمين خير؟ فقال: ((مَن سَلِم المسلمون مِن لسانه ويده)))
هذا السؤال غير السؤال الأول وإن اتحد لفظهما بدليل افتراق الجواب، وكأنه
عليه الصلاة والسلام فَهِم عن هذا السائل إنّما سأل عن أحقّ المسلمين باسم
الخيرية وبالأفضلية. وفهم عن الأول أنه سأل عن أحق خصال الإسلام بالأفضلية؛
فأجاب كُلَّّ منهما بما يليق بسؤاله والله تعالى أعلم، وهذا أولى من أن تقول:
الخبران واحد، وإنما بعضُ الرواةِ تسامَحَ؛ لأنَّ هذا التقديرَ يرفعُ الثقةَ بأخبار الأئمة
الحفّاظ العُدول مع وجود مندوحة عن ذلك.
(١) رواه الطبراني في الصغير (٧٥/١)، بلفظ: ((السلام تحية ... ))، وفي الكبير (٧٥١٨)،
والخطيب في تاريخه (٣٩٦/٤)، والشهاب في مسنده (١٨٤). وفي إسناده: طلحة بن
زيد، وهو متهم، قال ابن عدي: روى بهذا الإسناد ستة أحاديث موضوعة، وأورده
صاحبُ ((الدر الملتقط)) برقم (١٧)، وابن الجوزي في الموضوعات (٧٩/٣) لأنَّ فيه
عصمة وهو كذاب.
!

٢٢٤
(١) كتاب الإيمان - (١٤) باب: الاستقامة في الإسلام
((المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِه)).
رواه مسلم (٤٠).
المسلم و(قوله: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) أي: مَن كانت هذه
الكامل. حاله كان أحقَّ بهذا الاسم وأمكنهم فيه، ويُبيّن ذلك: أنه لا ينتهي الإنسان إلى هذا
حتى يتمكَّن خوفُ عقاب الله تعالى من قلبه ورجاء ثوابه، فَيُكْسِبُه ذلك وَرَعاً يحملُه
على ضَبْط لسانه ويده، فلا يتكلّم إلا بما يعنيه، ولا يفعل إلا ما يسلمُ فيه، ومَن
كان كذلك فهو المسلمُ الكامل، والمتّقي الفاضل. ويقرب من هذا المعنى بل يزيدُ
عليه قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يؤمنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يحبُّ
لنفسه))(١) إذ معناه: أنه لا يتمُّ إيمانُ أحد الإيمان التام الكامل(٢) حتى يضمّ إلى
سلامة الناس منه إرادته الخير لهم، والنصح لجميعهم، فيما يحاوله معهم.
ويُستفاد من الحديث الأول: أن الأصل في الحقوق النفسية والمالية المنع، فلا
يحلّ شيء منها إِلَّا بوجهٍ شرعي، والله تعالى أعلم بغيبه وأحكم.
الأصل في
الحقوق النفسية
والمالية المنع.
(١) رواه أحمد (١٧٦/٣، ٢٧٢، ٢٧٨)، والبخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، والترمذي
(٢٥١٧)، والنسائي (١١٥/٨)، وابن ماجه (٦٦).
(٢) قوله: الإيمان التام الكامل، من (ط).

٢٢٥
(١) كتاب الإيمان - (١٥) باب: لا يصحّ الإيمان حتى تكون محبة رسول اللهول + راجحة
(١٥) باب
لا یصحُ الإیمان حتی تکون محبةُ رسول الله وپڼ راجحة علی کل محبوب
من الخلق
[٣٥] عن أنس، قال: قالَ رسولُ اللهِ نَّهِ: ((لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وفي
رواية: الرَّجُلُ - حتَّى أكونَ أحبَّ إليه من أهلِهِ ومالِهِ والنَّاس أجمعينَ)).
(١٥) ومن باب: لا يصحّ الإيمانُ حتى تكونَ محبةُ رسولِ الله وَله
راجحةً على كُلِّ محبوبٍ مِنَ الخَلْقِ
(قوله: ((لا يؤمن عبد حتى أكون أحبّ إليه من أهله وماله والناس أجمعين))) أصناف
هذا الحديثُ على إيجازه يتضمّن ذكرَ أصناف المحبة، فإنها ثلاثة: محبة إجلالِ المحبة.
وإعظام؛ كمحبة الوالد والعلماء والفضلاء، ومحبة رحمةٍ وإشفاق؛ كمحبة الولد،
ومحبة مشاكلةٍ واستحسان، كمحبة غير مَن ذكرنا. وإنَّ محبةَ رسول الله وَّهِ لا بُدَّ محبة رسول الله
أن تكونَ راجحةً على ذلك كله. وإنما كان ذلك لأنَّ الله تعالى قد كمّله على جميع راجحة.
جنسه، وفضّله على سائر نوعه، بما جَبّله عليه من المحاسن الظاهرة والباطنة،
وبما فضّله من الأخلاق الحسنة، والمناقب الجميلة. فهو أكملُ مَن وطىء الثرى،
وأفضلُ مَن رَكِب ومشى، وأكرمُ مَن وافى القيامة، وأعلاهم منزلةً في دار الكرامة .
قال القاضي أبو الفضل: فلا يصحُّ الإيمان إلا بتحقيق إنافة قَدْر النبيِ ◌ّر محبته ◌َّ:
ومنزلته على كلّ والد وولد، ومُحسن ومُفَضَّل، ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه
تعظيمه
فليس بمؤمن. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وظاهِرُ هذا القول: أنه صرف محبّة
وإجلاله.
النبي ◌َّ إلى اعتقاد تعظيمه وإجلاله. ولا شكّ في كُفْر مَن لا يعتقد عليه، غير أن
تنزيلَ هذا الحديث على ذلك المعنى غيرُ صحيح؛ لأنَّ اعتقادَ الأعظمية ليس
بالمحبة ولا الأحبية. ولا مستلزم لها؛ إذ قد يجدُ الإنسانُ من نفسه إعظامَ أمر أو

٢٢٦
(١) كتاب الإيمان - (١٥) باب: لا يصحّ الإيمان حتى تكون محبة رسول الله ( # راجحة
وفي لفظ آخر: ((لا يُؤْمِنُ أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه من ولدِه
ووالدِهِ والنَّاسِ أجمعينَ».
رواه أحمد (١٧٧/٣ و٢٠٧ و٢٧٥)، والبخاري (١٥)، ومسلم
(٤٤)، والنسائي (١١٤/٨ - ١١٥)، وابن ماجه (١٦٧).
شخص ولا يجدُ محبته، ولأنّ عمرَ لما سمع قولَ رسول اللهِ وَلجر: ((لا يؤمن أحدكم
حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين)). قال عمر:
يا رسولَ الله! أنتَ أحبّ إِلَيَّ من كل شيء إلا نفسي، فقال: ((ومن نفسك يا عمر))،
قال: ومن نفسي. فقال: ((الآن يا عمر))(١). وهذا كلّه تصريحٌ بأنَّ هذه المحبةَ
ليست باعتقاد تعظيم، بل ميلٌ إلى المعتقد وتعظيمه، وتعلّق القلب به. فتأمَّل هذا
الفرقَ فإنه صحيحٌ، ومع ذلك فقد خفي على كثيرٍ من الناس. وعلى هذا المعنى:
الحديث، والله أعلم أن من لم يجد من نفسه ذلك الميل وأرجحيته للنبي وَلّ لم
یکمل إیمانه .
حبّ الصحابة
لرسول
اە ﴾.
على أنّي أقول: إنَّ كُلَّ مَن صَدَّق بالنبِيَِّهِ، وآمن به إيماناً صَحِيحاً؛ لم
يَخْلُ عن وجدان شيء من تلك المحبة الرَّاجحة للتَّي ◌َّر؛ غير أنهم في ذلك
متفاوتون؛ فمنهم من أخذ تلك الأرجحية بالحظّ الأوفى، كما قد اتفق لعمر حتى
قال: ومن نفسي. ولهند امرأة أبي سفيان حين قالت للنبي وَله: لقد كان وجهُك
أبغضَ الوجوه كلّها إليّ، فقد أصبح وجهُك أحبَّ الوجوه كلِّها إليّ ... الحديث.
وكما قال عمرو بن العاص: لقد رأيتُني وما أحدٌ أحبّ إليّ من رسول الله وٍَّ ولا
أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيقُ أن أملاً عيني منه إجلالاً له، ولو سُئِلْتُ أن
أصفَه ما أطقتُ لأني لم أكن أملأ عيني منه(٢). ولا شكّ في أن حظّ أصحابه من
(١) رواه أحمد (٣٣٦/٤).
(٢) رواه مسلم (١٢١).

٢٢٧
(١) كتاب الإيمان - (١٥) باب: لا يصحّ الإيمان حتى تكون محبة رسول الله اليه راجحة
[٣٦] عن أنس، عن النبي ◌َّ: ((لا يُؤْمِنُ أحدُكم حتَّى يُحِبَّ لأخيهِ
ما يُحِبُّ لنفسِهِ)).
رواه أحمد (١٧٦/٣ و٢٧٢ و٢٧٨)، والبخاري (١٣)، ومسلم
(٤٥)، والنسائي (١١٥/٨)، والترمذي (٢٥١٧)، وابن ماجه (٦٦).
هذا المعنى أعظم؛ لأن معرفتهم لقدره أعظم؛ لأن المحبة ثمرة المعرفة، فتقوى
وتضعف بحسبها، ومن المؤمنين من يكونُ مستغرقاً بالشَّهوات، مَحْجُوباً بالغفلات
عن ذلك المعنى في أكثر أوقاته، فهذا بأخسّ الأحوال، لكنه إذا ذُكِّر بالنّبيّ وَه
وبشيء من فضائله اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته، بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية
قبره، ومواضع آثاره على أهله وماله وولده ونفسه والنّاس أجمعين، فيخطرُ له هذا
ويجده وجداناً لا شكَّ فيه، غير أنه سريعُ الزوال والذهاب لغلبة الشّهوات وتوالي
الغفلات. ويُخاف على مَن كان هذا حاله ذهاب أصل تلك المحبة حتى لا يوجد
منها حبّة. فنسأل اللهَ الكريمَ أن يمنَّ علينا بدوامها وكمالها ولا يحجبنا عنها.
و (قوله: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه)) أي: لا يكملُ
إيمانُه كما تقدّم؛ إذ من يغشّ المسلم ولا ينصحه مرتكبُ كبيرة، ولا يكون كافراً من كمال
بذلك، كما بيّنَّه غير مرّة، وعلى هذا فمعنى الحديث: أنَّ الموصوفَ بالإيمان
الكامل مَن كان في معاملته للنَّاس ناصحاً لهم، مُريداً لهم ما يريده لنفسه، وكارهاً
لهم ما يكرهه لنفسه، وتتضمن أن يفضلهم على نفسه، لأنَّ كلَّ أحد يحبُّ أنْ يكونَ
أفضل من غيره، فإذا أحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه فقد أحبَّ أن يكونَ غيرُه أفضلَ
منه، وإلى هذا المعنى أشار الفُضيل بن عياض لما قال لسفيان بن عيينة: إن كنتَ
تريدُ أن يكونَ الناسُ مثلك فما أديتَ لله الكريم النصيحة، فكيف وأنت توذُّ أنهم
دونك؟ !.
الإيمان أن تحب
لأخيك ما تحب
لنفسك.

٢٢٨
(١) كتاب الإيمان - (١٦) باب: حسن الجوار وإكرام الضيف من الإيمان
(١٦) باب
حسن الجوار وإكرام الضيف من الإيمان
[٣٧] عن أبي هريرة، قال رسولُ الله ◌ِوَّهِ: ((لا يدخلُ الجنَّةَ مَنْ
لا يأمنُ جَارُهُ بوائِقَهُ».
رواه أحمد (٣٧٣/٢)، ومسلم (٤٦).
(١٦) ومن باب: حُسْن الجوار وإكرام الضَّيف من الإيمان
(قوله: ((لا يدخل الجنة مَن لا يأمنُ جارُه بوائقَه))) الجار - هنا - يصلحُ
للمجاور لك في مسكنك، ويصلحُ للداخل في جوارك وحُرْمتك، إذ كلّ واحد
منهما يجب الوفاء بحقّه، وتحريم أذيته تحريماً أشدّ من تحريم أذى المسلمين
مطلقاً، فمن كان مع هذا التأكيد الشديد مضرّاً لجاره، كاشفاً لعوراته، حريصاً على
إنزال البوائق به، كان ذلك منه دليلاً إما على فساد اعتقادٍ ونفاقٍ فيكون كافراً، ولا
شكّ في أنه لا يدخلُ الجنة، وإما على استهانةٍ بما عظّم اللهُ تعالى مِن حُرمة الجار،
ومن تأكيد عهد الجوار، فيكون فاسقاً فِسْقاً عظيماً، ومرتكبَ كبيرةٍ يُخَافُ عليه من
الإصرار عليها أن يُخْتَمَ عليه بالكفر، فإن المعاصيَ بريدُ الكفر، فيكون من الصنف
الأول. وإن سَلِم من ذلك؛ ومات غير تائب؛ فأمره إلى الله تعالى، فإن عاقبه
بدخول النار لم يدخل الجنة حين يدخلها مَنْ لم يكن كذلك؛ أو لا يدخلُ الجنة
المعدَّة لمن قام بحقوق جاره. وعلى هذا القانون ينبغي أن يُحْمَلَ ما في هذا الباب
مما قال فيه النبيّ و98َّ: إن فاعله لا يدخل الجنّة مما ليس بشرك للأدلة المتقدِّمة،
ولما يأتي في أحاديث الشفاعة.
والبوائق: جمع بائقة، وهي الدَّاهيةُ التي تُوبِق صاحبها؛ أي: تهلكه، وقد
تقدَّم ◌ِذِكْرُها.
تحریم أذیة
الجار.

٢٢٩
(١) كتاب الإيمان - (١٦) باب: حسن الجوار وإكرام الضيف من الإيمان
[٣٨] وعنه، عن رسول الله ◌َّله: (مَنْ كان يُؤْمنُ بالله واليوم الآخرِ
فليقلْ خيراً أو ليَصْمُتْ، ومَن كانَ يُؤْمنُ باللهِ واليوم الآخرِ فليُكْرِمْ جَارَهُ،
ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليُكْرِمْ ضَيْفَهُ».
و (قوله: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))) من كمال
الحديث. يعني: مَن كان يؤمنُ بالله الإيمانَ الكاملَ المنجي من عذاب الله، الإيمان صون
الموصِل إلى رضوان الله، لأنّ مَن آمن بالله حقَّ إيمانه خافَ وعيده، ورجا ثوابه،
اللسان.
ومَن آمن باليوم الآخر استعذَّ له، واجتهد في فِعْل ما يدفع به أهواله ومكارهه؛
فيأتمر بما أُمِر به، وينتهي عمّا نُهِي عنه، ويتقرَّب إلى الله تعالى بفعل ما يقرّب إليه،
ويعلم أنَّ مِن أهمِّ ما عليه ضبطَ جوارحه التي هي رعاياه، وهو مسؤول عنها
جارحةً جارحةً، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
[الإسراء: ٣٦]، و: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عَنِيدٌ﴾ [قَ: ١٨]. وأن من أكثر
المعاصي عدداً وأيسرها فعلاً معاصي اللسان. وقد استقرأ المحاسبون لأنفسهم
آفات اللسان فوجدوها تُنَيَّ على العشرين، وقد أرشد النبيُّ ◌َ طِّ إلى هذا جملةً
فقال: ((وهل يكبّ الناسَ على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم)) (١)، وقال:
(كلُّ كلام ابن آدم عليه إلا ذكر الله تعالى، أو أمرٌ بمعروف، أو نهيٌ عن منكر))(٢)،
وقال: ((إن الرجلَ ليتكلّم بالكلمةِ من سخط الله، ما يلقي لها بالاً، يهوي بها في
النار سبعين خريفاً)(٣)، فمن علم ذلك وآمن به حقَّ إيمانه اتَّقى الله في لسانه،
فیتکلم إذا غنم، ویسکت إذا سلم.
من کمال
و (قوله: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه))) الضيف: هو الإيمان إكرام
الضيف.
(١) رواه أحمد (٢٣١/٥، ٢٣٧)، والترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣).
(٢) رواه الترمذي (٢٤١٤)، وابن ماجه (٣٩٧٤).
(٣) رواه الترمذي (٢٣١٥).

٢٣٠
(١) كتاب الإيمان - (١٦) باب: حسن الجوار وإكرام الضيف من الإيمان
وفي أخرى: ((مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليوم الآخرِ فلا يُؤْذِ جَارَه)).
رواه أحمد (٢٦٧/٢ و٢٦٩ و٤٣٣ و٤٦٣)، والبخاري (٦٠١٨)،
ومسلم (٤٧)، وأبو داود (٥١٥٤)، وابن ماجه (٣٩٧١).
القادمُ على القوم النازلُ بهم. ويقال: ضيف، على الواحد والجمع، ويُجْمَعُ أيضاً
على أضياف، وضيوف، وضِيفان، والمرأة ضيفٌ وضيفةٌ، وأضفتَ الرجل،
وضيَّقَتَه؛ إذا أنزلته بك ضَيْفاً، وضفت الرجل ضيافة، إذا نزلت عليه، وكذلك
تضيّقته. والضيافة من مكارم الأخلاق، ومن محاسن الدِّين، ومن خُلُق النَّبيين.
وليست بواجبة عند عامة أهل العلم خلا الليث، فإنه أوجبها ليلةً واحدةً محتجّاً
بقوله عليه الصلاة والسلام: ((ليلةُ الضيف واجبةٌ على كلِّ مسلم))(١)، وبقوله: ((إن
نزلتم بقوم فَأَمَرُوا لكم بحقّ الضيف فاقبلوه، وإن لم يفعلوا فَخُذُوا منهم حقَّ
الضيف الذي ينبغي له))(٢). وحجّة الجمهور؛ قوله عليه الصلاة والسلام: ((جائزته
يوم وليلة))(٣). والجائزة: العطية والصلة التي أصلها على الندب، وقلّما يُستعمل
مثلُ هذا اللفظ في الواجب. وتأويل الجمهور أحاديثَ الليث بأن ذلك كان في أول
الإسلام، إذ كانت المواساةُ واجبةً، أو كان هذا للمجاهدين في أول الإسلام لقّة
الأزواد، أو المرادُ به مَن لزمته الضيافة من أهل الذّمّة، ثم اختلفوا فيمن يُخاطب
بالضيافة، فذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم إلى أنَّ المخاطبَ بها أهلُ الحضر
والبادية. وقال مالك وسحنون: إنما ذلك على أهل البوادي؛ لتعذر ما يحتاجُ إليه
(١) رواه أبو داود (٣٧٥١) من حديث المقدام بن معديكرب رضي الله عنه.
(٢) رواه البخاري (٢٤٦١)، ومسلم (١٧٢٧)، وأبو داود (٣٧٥٢)، والترمذي (١٥٨٩)
من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(٣) رواه البخاري (٦٠١٩)، ومسلم (٤٨).

٢٣١
(١) كتاب الإيمان - (١٧) باب: تغيير المنكر من الإيمان
(١٧) باب
تغيير المنكر من الإيمان
[٣٩] وعن طارق بن شهاب، قال: أوَّلُ من بدأ بالخطبةِ يومَ العيدِ
قبلَ الصَّلاةِ مروانٌ.
المسافر في البادية، ولتيسّر ذلك على أهل البادية غالباً، وتعذّره على أهل الحضر،
ومشقته عليهم غالباً. وقد روي: ((الضيافة على أهل الوبر، وليست على أهل
المدر))(١).
(١٧) ومن باب: تغيير المنكر من الإيمان
(قوله: ((أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصّلاة مروان))) هذا أصحُّ أول من قدَّم
ما روي في أول من قدّم الخطبةَ على الصلاة، وقد روي أول من فعل ذلك عمر، الخطبة على
الصلاة في
وقيل: عثمان. وقيل: ابن الزبير. وقيل: معاوية رضي الله عنهم.
العید.
قال المؤلف رحمه الله تعالی: وبعيدٌ أن يصحّ شيء من ذلك عن مثل هؤلاء؛
لأنهم شاهدوا رسولَ اللهِوَ﴿ه وصَلَّوا معه أعياداً كثيرة. والصحيحُ المنقولُ عنه
والمتواتر عند أهل المدينة: تقديمُ الصلاةِ على الخطبة. فكيف يعدلُ أحدٌ منهم
عمّا فعله النبيِ وَله، وداوم عليه إلى أن تُوفِّي؟ فإن صحّ عن واحد من(٢) هؤلاء أنه
قدّم ذلك؛ فلعلّه إنما فَعَله لما رأى مِن انصرافِ النّاس عن الخطبة، تاركين
(١) رواه القضاعي في مسند الشهاب (٢٠٢) من حديث ابن عمر، وابن عدي في الكامل
(١/٧)، قال القاري: لا أصل له. وقال القاضي في أول شرح مسلم: إنه موضوع عند
أهل المعرفة، وتبعه النووي. (كشف الخفاء ١٦٤٥).
(٢) في (ع): مثل.

٢٣٢
(١) كتاب الإيمان - (١٧) باب: تغيير المنكر من الإيمان
فقامَ إليه رجلٌ . فقالَ: الصَّلاةُ قبلَ الخُطبةِ . فقالَ: قد تُرِكَ ما هُنالكَ.
فقالَ أبو سعيد: أمَّا هذا فقد قضَى ما عليه.
لسماعها مُسْتَعْجِلين، أو ليدرك الصلاة من تأخّر، وبَعُدَ منزله، ومع هذين التأويلين
فلا ينبغي أن تتركَ سنة رسول الله ﴿ ﴿ لمثل ذلك، وأولئك الملأّ أعلم وأجلّ من أن
يصيروا إلى ذلك، والله أعلم.
وأما مروان وبنو أمية فإنما قدّموها لأنهم كانوا في خُطَبهم ينالون من علي
- كرّم الله وجهه - ويُسْمِعُون الناسَ ذلك، فكان الناسُ إذا صلّوا معهم انصرفوا عن
سماع خُطبهم لذلك، فلما رأى مروانُ ذلك أو من شاء الله من بني أمية قدّموا
الصواب:
الخطبة ليسمعوا الناس من ذلك ما يكرهون. والصواب: تقديمُ الصّلاة على الخطبة
تقديم الصلاة كما تقدّم. وقد حكى فيه بعض علمائنا الإجماعَ.
على الخطبة في
العید.
و (قوله: فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال أبو سعيد: أما هذا
فقد قضى ما عليه) مقتضى هذا السياق أنَّ المنكِر على مروان رجلٌ غير أبي سعيد،
وأن أبا سعيد مُصَوِّبٌ الإنكار، مستدلّ على صحته. وفي الرواية الأخرى: أنَّ
أبا سعيد هو المنكرُ على مروان والمستدلّ. ووجهُ التلفيق(١) بينهما أن يقال: إن كل
واحد من الرجل وأبي سعيدٍ أنكر على مروان، فرأى بعضُ الرواة إنكارَ الرجل،
ورأى بعضُهم إنكارَ أبي سعيد. وقيل: هما واقعتان في وقتين، وفيه بُعْدٌ.
وفيه من الفقه: أن سنن الإسلام لا يجوزُ تغيير شيء منها ولا من ترتيبها،
لا يجوز تغيير
شيء من سُنن وأنّ تغييرَ ذلك مُنْكَر يجب تغييرُه ولو على الملوك إذا قدر على ذلك، ولم يَدْعُ إلى
الإسلام.
منكر أكبر من ذلك، وعلى الجملة: فإذا تحقّق المنكر وجب تغييره على مَن رآه
وكان قادراً على تغييره، وذلك كالمحدثات والبدع، والمجمع على أنه منكر. فأما
(١) في (ع): الفرق.

٢٣٣
(١) كتاب الإيمان - (١٧) باب: تغيير المنكر من الإيمان
سمعتُ رسولَ اللهِ ◌ّهِ يقولُ: ((مَنْ رأى منكم مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيدِه، فإنْ لم
يَستطع فبلسانِهِ، فإنْ لم يستطع فبقلبهِ، وذلك أضعف الإيمان)).
رواه أحمد (١٠/٣ و٢٠ و٤٩ و٥٤ و ٩٢)، ومسلم (٤٩)،
وأبو داود (١١٤٠)، والترمذي (٢١٧٣)، والنسائي (١١١/٨)، وابن ماجه
(٤٠١٣).
إن لم يكن كذلك، وكان مما قد صار إليه الإمام، وله وَجْه ما من الشرع؛ فلا
يجوزُ لمن رأى خلافَ ذلك(١) أن ينكرَ على الإمام، وهذا لا يُختلف فيه، وإنما
اختلفَ العلماءُ فيمن قّده السلطان الحِسْبةَ في ذلك؛ هل يحمل الناس على رأيه
ومذهبه أم لا؟ على قولين.
و (قوله: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده))) هذا الأمرُ على الوجوب؛ لأنَّ وجوب تغيير
الأمرَ بالمعروف والنّهي عن المنكر من واجبات الإيمان ودعائم الإسلام، بالكتاب المنكر.
والسُّنَّة وإجماع الأمة، ولا يُعْتَدُّ بخلاف الرافضة في ذلك؛ لأنهم إما مُكَفَّرون
فليسوا من الأمة، وإما مُبتدعون فلا يُعْتَدُّ بخلافهم؛ لظهور فِسْقِهم على ما حقّقناه
في ((الأصول))، ووجوب ذلك بالشرع لا بالعقل خلافاً للمعتزلة القائلين بأنه واجبٌ
عقلاً، وقد بيّنا في ((الأصول)) أنه لا يجبُ شيءٌ بالعقل، وإنما العقلُ كاشفٌ عن
ماهيات الأمور، ومميّزٌ لها، لا موجبٌ شيئاً منها، ثم إذا قلنا: إن الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر واجب؛ فذلك على الكفاية، من قام به أجزأه عن غيره؛ لقوله
تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِلْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ شروط وجوب
[آل عمران: ١٠٤] ولوجوبه شرطان:
تغيير المنكر
بالید.
أحدهما: العلم بكون ذلك الفعل منكراً أو معروفاً.
والثاني: القدرة على التغيير.
(١) من (م) و (ط) و (ل).

٢٣٤
(١) كتاب الإيمان - (١٧) باب: تغيير المنكر من الإيمان
[٤٠] وعن عبد الله بن مسعود، أن رسولَ الله وَ ل﴿ قال: ((مَا مِن نبيِّ
بعثَه الله تعالى في أمَّةٍ قبلي، إلا كانَ له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وأصحابٌ،
معنى التغيير
بالقلب.
فإذا كان كذلك تعيّن التغييرُ باليد إن كان ذلك المنكر مما يحتاج في تغييره
إليها، مثل: كَسْر أواني الخمر، وآلات اللهو كالمزامير والأوتاد والكِبَر(١)، وكمنع
الظالم من الضرب والقتل وغير ذلك. فإن لم يقدر بنفسه استعان بغيره، فإن خاف
من ذلك ثورانَ فتنة، وإشهار سلاح، تعيّن رَفْع ذلك، فإن لم يقدر بنفسه على ذلك
غيَّر بالقول المرتجى نفعه من لِيْن أو إغلاظ حسب ما يكون أنفع، وقد يبلغُ بالرفق
والسياسة ما لا يبلغ بالسيف والرياسة، فإن خاف من القولِ القتلَ أو الأذى، غيَّر
بقلبه. ومعناه: أن يكره ذلك الفعلَ بقلبه، ويعزم على أن لو قدرَ على التغيير
لغيره. وهذا آخرُ خصلة من الخصال المتعيّنة على المؤمن في تغيير المنكر، وهي
المعبَّر عنها في الحديث بأنها أضعف الإيمان، أي: خصال الإيمان. ولم يبق
بعدها للمؤمن مرتبةٌ أخرى في تَغْيِير المنكر؛ ولذلك قال في الرواية الأخرى:
((ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل))(٢). أي: لم يبقَ وراء هذه المريبة رتبةٌ
أخرى. والإيمان في هذا الحديث بمعنى الإسلام على ما تقدّم.
وفيه دليلٌ على أنَّ من خاف على نفسه القتل أو الضرب سقط عنه التغيير،
وهو مذهبُ المحقّقين سلفاً وخلفاً، وذهبت طائفة من الغلاة: إلى أنه لا يسقط
• إن خاف ذلك، وسيأتي استيفاءُ هذا المعنى في الجهاد إن شاء الله تعالى.
و (قوله: ((ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون
ما من نيّ إلا .
وله حواريون. وأصحاب))) أي: ما من رسول من الرسل المتقدمة. ويعني بذلك: غالب الرسل،
(١) الكِبر: جمع كِبْر، وهو الطَّبْل. ويجب إتلاف الطبل وكَسْره في غير الحرب.
(٢) جزء من حديث رواه البخاري (٥٧٠٥)، ومسلم (٢٢٠)، والترمذي (٢٤٤٨) من
حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

٢٣٥
(١) كتاب الإيمان - (١٧) باب: تغيير المنكر من الإيمان
يأخذونَ بستَّتِهِ ويقتدونَ بأمرهِ، ثم إنها تَخْلُفُ من بعدِهم خُلُوفٌ، يقولونَ
مَا لا يَفعلونَ، ويفعلونَ مَا لا يُؤْمَرُونَ. فمَنْ جاهَدَهُم بیدِه فهو مؤمنٌ، ومن
جاهدَهم بلسانِهِ فهو مؤمنٌ، ومَنْ جاهَدهُم بقلبهِ فهو مؤمنٌ. وليسَ وراءَ
ذلك من الإيمان حَبَّةُ خَرْدَلٍ».
رواه أحمد (٤٥٨/١)، ومسلم (٥٠).
#
لا كُلَّهم، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر الذي أخبر فيه عن
مجيء الأنبياء في أممهم يوم القيامة؛ فإنه قال فيه: ((يأتي النبي ومعه الرجل
والرجلان، ويأتي النبي وليس معه أحد)). فهذا العموم وإن كان مؤكّداً من بعد
النفي فهو مخصّص بما ذكرناه. والحواريون: جمع حواري، وهم خلصان(١) من هم
الأنبياء، الذين أخلصوا في حب أنبيائهم، وخلصوا من كلّ عيب. وحُوَّارى الحواريون؟
الدقيق: الدقيق الذي نخل. قاله الأزهري، وقال ابنُ الأنباري: هم المختصّون
المفضّلون. وسُمِّي خبز الحُوَّارى؛ لأنه أشرف الخبز. وقيل: هم الناصرون
للأنبياء. كما قال عليه الصلاة والسلام: ((لكلِّ نبي من أمته حواريون، وحواري
الزبير))(٢). وقيل في حواري عيسى خمسة أقوال: قيل: هم البيض الثياب. وقيل:
المبيِّضون لها، وقيل: المجاهدون، وقيل: الصيادون، وقيل: المخلصون.
والأصحاب: جمع صَخْب، كفَرْخ وأفراخ. قاله الجوهري. وقال غيره: معنى
الأصحاب.
(١) جاء في لسان العرب مادة: خلص: واستخلص الرجل؛ إذا اختصه بدخلُلِه، وهو
خالصتي وخلصاني، وهو خلصاني. يستوي فيه الواحد والجماعة. وتقول: هؤلاء
خلصاني وخلصائي.
(٢) رواه أحمد (٣٦٥/٣)، وابن ماجه (١٢٢) من حديث جابر رضي الله عنه.

٢٣٦
(١) كتاب الإيمان - (١٨) باب: الإيمان يمان والحكمة يمانية
(١٨) باب
الإيمان يَمَانٍ والحكمة يمانية
[٤١] عن أبي مسعود، قال: أشارَ النبيُّ ◌َ ﴿ نحوَ اليمنِ، فقالَ: ((أَلَا
إنَّ الإيمانَ ها هُنا،
أصحاب عند سيبويه: جمع صاحب، كشاهد وأشهاد، وليس جمع صَخْب؛ لأن
فَعْلاً لا يجمع على أفعال، إلا في ألفاظ معدودة، وليس هذا منها. والصحبة:
الخلطة والملابسة على جهة المحبة، يقال: صحبه يصحبه صُحبة، بالضم،
وصَحابة بالفتح، وقد يُراد به الأصحاب، وجمع الصاحب: صحب، كراكب
وركب. وصُحبة بضم الصاد كفارِةٍ وفُرْهة، وصِحاب بالكسر كجائع وجِياع.
وصُحبان کشاب وشُبَّان.
و (قوله: ((ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف))) الرواية أنها بهاء التأنيث فقط،
وأعادها على الأمة، أو على الطائفة التي هي معنى حواريين وأصحاب، ويحتمل
معنى الخلوف. أن يكون ضمير القصة، والخُلوف بضم الخاء جمع خَلْف بفتح الخاء، وسكون
اللام، وهو القرن بعد القرن، واللاحق بعد السابق، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ
بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. ويقال فيه: خلَف بفتح اللام، ومنه قوله
عليه الصلاة والسلام: ((يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله))(١). وحكى الفراء
الوجهين في الذم. والفتح في المدح لا غير. وحكى أبو زيد: الفتح فيهما جميعاً.
المقصود بـ:
«الإيمان
یمان» .
(١٨) ومن باب: الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية
(قوله: ((أشار النبيّ ◌َ ﴿ نحو اليَمِن وقال: ((ألا إن الإيمان ها هنا))) قيل: إن
(١) رواه البيهقي كما في مشكاة المصابيح (٢٤٨).

٢٣٧
(١) كتاب الإيمان - (١٨) باب: الإيمان يمان والحكمة يمانية
وإنَّ القَسْوَةَ وغِلَظَ القُلوبِ في الفَدَّادِينَ، عندَ أُصولِ أذنابِ الإبلِ،
هذه الإشارة صدرت عنه عليه الصلاة والسلام وهو بتبوك وبينه وبين اليمن مكة
والمدينة، ويؤيّد هذا قوله في حديث جابر: ((الإيمانُ في أهلِ الحجاز)) فعلى هذا
يكون المرادُ بأهل اليمن أهل المدينة ومَن يليهم إلى أوائل اليمن، وقيل: كان
بالمدينة، ويؤيده: أن كونه بالمدينة كان غالب أحواله، وعلى هذا؛ فتكون الإشارةُ
إلى سُبّاق اليمن، أو إلى القبائل اليمنية الذين وفدوا على أبي بكر لفتح الشام
وأوائل العراق، وإليهم الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنّي لأجدُ نَفَس
الرحمن من قِبَل اليمن)) (١) أي: نصره في حياته، وتنفيسه عنه فيها وبعد مماته،
والله تعالى أعلم. وسمِّي اليمنُ يمناً لأنه عن يمين الكعبة، وسمِّي الشام شاماً لأنه
عن يسار الكعبة، مأخوذ من اليد الشؤمى، وهي: اليسرى.
و (قوله: ((إن القسوة وغلظ القلوب في الفدّادين عند أصول أذناب الإبل))
القسوة وغلظ القلوب اسمان لمسمّى واحد، وهو نحو قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُواْ بَنِّى
وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. والبثّ: هو الحزن.
قال المؤلف: ويُحتمل أن يقالَ: إنَّ القسوةَ يُرادُ بها: أنّ تلك القلوب المراد بالقسوة.
لا تلين لموعظةٍ؛ ولا تخشع لتذكار، وغلظها أَلَّا تفهم ولا تعقل، وهذا أولى من
الأول.
والفذّادُون مشدّد الدال: جمع فداد. قال أبو عبيد: هم المكثرون من الإبل، من هم
الفَدَّادون؟
وهم جفاةٌ أهلُ خُيلاء، واحدهم: فدّاد، وهو الذين يملك من المئتين إلى الألف.
وقال أبو العباس: هم الجمّالون والبقّارون والحمّارون والرعيان. وقال الأصمعي:
(١) قال العراقي: لم أجد له أصلاً. (كشف الخفاء ٨٠١).

٢٣٨
(١) كتاب الإيمان - (١٨) باب: الإيمان يمان والحكمة يمانية
حيثُ يطلعُ قرنَا الشَّيْطانِ، في ربيعةَ ومُضَرَ)).
رواه أحمد (٥٤١/٢)، والبخاري (٣٣٠٢)، ومسلم (٥١).
هم الذين تعلُو أصواتُهم في حروثهم وأموالهم ومواشيهم. قال: والفديد:
الصوت. وقد فَذَّ الرجلُ يَقِدُّ فديداً. وأنشد (١):
أعاذلَ ما يُذْرِيك أنْ رُبَّ هَجْمَةٍ لأَخفافِها فَوْق المتانِ فَدِيدُ(٢)
ورجل فدّاد: شديد الصوت. وأما الفدادون بتخفيف الدال: فهي البقر التي
تحرث، واحدها فدان بالتشديد، عن أبي عمرو الشيباني.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأما الحديثُ فليس فيه إلا رواية التشديد،
وهو الصحيح، على ما قاله الأصمعي وغيره.
و (قوله: «عند أصول أذناب الإبل)) المراد به والله أعلم: الملازمون للإبل،
السائقون لها، ويظهر لي: أنّ الفدادين هو العامل في غير مكانه. قال:
المصوّتون عند أذناب الإبل سَوْقاً لها، وحَذْواً بها.
و (قوله: ((حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومُضَرَ)) هذا تعيينٌ لمواضعهم
كما قال في الرواية الأخرى: ((رأسُ الكفر قبل المشرق)). واختلف في قرني
الشيطان. فقيل: هما ناحيتا رأسه العليا، وهذا أصلُ هذا اللفظ وظاهره، فإنّ قرنَ
الشيء أعلاه في اللغة، فيكون معناه على هذا: أنَّ الشيطانَ ينتصب قائماً مع طلوع
الشمس لمن يسجد للشمس؛ ليسجد له، ويُعبَد بعبادتها، ويفعل هذا في الوقت
(١) هو الشاعر المعلوط السَّعْدي.
(٢) ((المتان)): الفلاة. قال ابن دريد: ويروى البيت: فوق الفلاة فديد.
و ((فَّت الإبل)»: شَدَخت الأرض بخِفافها من شدّة وطئها.

٢٣٩
(١) كتاب الإيمان - (١٨) باب: الإيمان يمان والحكمة يمانية
[٤٢] وعن أبي هريرة، قالَ: سمعتُ النبيَّ ◌َّه يقول: ((جاءَ أهلُ
اليَمَنِ. هم أَرَقُّ أفئدةَ، وأضعفُ قُلوباً.
الذي يسجد لها الكفّار، كما قال ◌َله: ((إن الشمسَ تطلعُ ومعها قرنُ الشيطان، فإذا معنى («قرني
ارتفعتْ فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالتْ فارقها، ثم إذا قاربت الغروبَ الشيطان)).
قارنها، ثم إذا غربت فارقها))(١). وقيل: القرن: الجماعة من الناس والأمة، ومنه
قوله عليه الصلاة والسلام: ((خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين
يلونهم))(٢). وعلى هذا فيكون معنى قرني الشيطان في الحديث: أنهما أمتان
عظيمتان يعبدون غير الله، ولعلّهم في ذلك ربيعة ومضر، المذكوران في الحديث،
أو أُمَّتان من الفرس يعبدون الشمس ويسجدون لها من دون الله، كما جاء في
الحديث: ((وحينئذ يسجد لها الكفار))(٣). وقال الخطابي: قرن الشيطان ضُرِب به
المثل فيما لا يُحمد من الأمور. وقيل: المراد بهذا الحديث ما ظهر بالعراق من
الفتن العظيمة، والحروب الهائلة، كوقعة الجمل، وحروب صفين، وحروراء،
وفتن بني أمية، وخروج الخوارج، فإن ذلك كان أصله ومنبعه العراق، ومشرق
نجد، وتلك مساكن ربيعة ومضر إذ ذاك، والله أعلم.
و (قوله في أهل اليمن: ((هم أرقّ أفئدة وأضعفُ قلوباً)) يعني: من أهل صفات أهل
المشرق لا من أهل الحجاز؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد قال في الحديث الآخر: اليمن.
((والإيمان في أهل الحجاز)). واليمن من الحجاز، كما سيأتي بيانه إن شاء
الله تعالى. وقد وصف أهل اليمن في هذا الحديث بضدٌ ما وصف به أهل العراق؛
فإنه قابل وصفي القسوة والغلظ بوصفي الرقة والضعف، والرقة في مقابلة القسوة،
(١) رواه مالك في الموطأ (٢١٩/١)، والنسائي (٢٧٥/١).
(٢) رواه البخاري (٣٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٣)، والترمذي (٣٨٥٨).
(٣) سبق تخريجه قبل الحديث السابق، وأوله: ((إن الشمس تطلع .. )).
------

٢٤٠
(١) كتاب الإيمان - (١٨) باب: الإيمان يمان والحكمة يمانية
الإيمانُ يَمَانِ، والحكمةُ يَمَانِيَّةٌ، السَّكينةُ في أهلِ الغنم، والفخرُ والخُيَلاءُ
في الفَدَّادِيْنَ أهلِ الوَبَرِ قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ».
وفي رواية: ((رأسُ الكفرِ قِبَلَ المَشْرِقِ)).
رواه أحمد (٢/ ٤٨٠ و٤٨٨)، والبخاري (٣٤٩٩)، ومسلم (٥٢).
والضعف يقابل الغلظ، فمعنى أرق: أخشع، ومعنى أضعف: أسرع فهماً وانفعالاً
للخير.
والأفئدة: جمع فؤاد، وهو القلب، وقيل: الفؤاد داخل القلب، أي: اللطيفة
القابلة للمعاني من العلوم وغيرها.
الحكمة عند
العرب.
و (قوله: ((الإيمان يمان، والحكمة يمانية))) قد تقدم القول في الإيمان.
والحكمة عند العرب: ما منع من الجهل والجفاء. والحكيم: مَن مَنَعه عَقْلُه وحلمه
من الجهل، حكاه ابن عرفة. وهو مأخوذ من حَكَمةِ الدابة، وهي الحديدةُ التي في
اللجام؛ سُمِّيت بذلك لأنها تمنعها، وهذه الأحرف: ح ك م حيثما تصرفت، فيها
معنى المنع. قال الشاعر(١):
أَبَنِيْ حَنْفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ إِنِّي خَشِيْتُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبا
وقيل في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي اَلْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩]: أنها
الإصابةُ في القول والفهم. قال مالك: الحكمة: الفقه في الدِّين.
و (قوله: ((والسّكينة في أهل الغنم))) أي: السكون والوقار، والتواضع.
والفخر: التفاخر بالآباء الأشراف، وكثرة الأموال، والخول (٢)، والجاه، وغير
معنى السكينة.
(١) هو جرير.
(٢) «الخول)»: الخَّدَم.