Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ (١) كتاب الإيمان - (٦) باب: أول ما يجب على المكلفين (٦) باب أول ما يجب على المكلفين [١٦] عن ابن عباس؛ أن رسول الله والقر لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: ((إنَّكَ سَتقدَمُ على قومِ أهلِ كتابٍ، فليكنْ أوَّلَ ما تدعُوهم إليه عبادةُ الله - عز وجل-، فإذا عرفَوا اللهَ فأخبرهم (٦) ومن باب: أوّل ما يجبُ على المكلَّفين (قوله: إنك ستقدم على قوم أهل كتاب) يعني به: اليهود والنَّصارى؛ لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب، أو أغلب، وإنما نبّهه على هذا ليتهيّأ لمناظرتهم، ويعدّ الأدلةَ لإفحامهم؛ لأنهم أهلُ علم سابق بخلاف المشركين وعَبَدَة الأوثان. و (قوله: («فليكن أولَ ما تدعوهم إليه عبادةُ الله))) قد تقدَّم أنَّ أصلَ العبادة أصل العبادة. التذلُّلُ والخضوعُ، وسُمِّيت وظائفُ الشَّرع على المكلَّفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها، ويفعلونها خاضعين متذللين الله تعالى، والمرادُ بالعبادة - هنا - هو النطقُ بشهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمداً رسول الله، كما جاء في الرواية الأخرى مفسّراً: ((فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلّا الله، وأني رسولُ الله)). و (قوله: فإذا عرفوا الله فأخبرهم) أي: إن أطاعوا بالنطق بذلك، أي: بكلمتي التوحيد، كما قال في الرواية الأخرى: ((فإن هم أطاعوا بذلك فأعلمهم)) فسمَّى الطَّواعيةَ بذلك؛ والنُّطْقَ به: معرفةً؛ لأنه لا يكون غالباً إلَّا عن المعرفة، وهذا الذي أمَرَ النَّبِيُّ وَّر به معاذاً هو الدعوةُ قبلَ القتال؛ التي كان النبيُّ ◌َّهِ يُّوصي بها أمراءه، وقد اخْتُلِفَ في حُكْمها على ما يأتي في الجهاد، وعلى هذا فلا يكون في حديث معاذ حُجَّةٌ لمن تمسَّك به من المتكلِّمين، على أن أولَ واجبٍ على كُلِّ مُكَلَّف معرفةُ الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حُجَّةٌ لمن يقول: إن أولَ ١٨٢ (١) كتاب الإيمان - (٦) باب: أول ما يجب على المكلفين أنَّ اللهَ فرضَ عليهم خمسَ صَلواتٍ في يومِهِم وليلتِهم، فإذا فَعلوا الواجباتِ التلفُّظُ بكلمتي الشهادة مُصدِّقاً بها، وقد اختلفَ المتكلِّمون في أول الواجبات على أقوالٍ كثيرةٍ؛ منها ما يشنع ذكره، ومنها ما ظهر ضَعْفُه، والذي عليه أئمة الفتوى، وبهم يُقتدى، كمالكِ، والشّافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، أول الواجبات. وغيرهم من أئمة السَّلف: أنَّ أولَ الواجبات على المكلَّف: الإيمانُ التَّصديقي الجزمي؛ الذي لا ريب معه بالله تعالى، ورسله، وكتبه، وما جاءت به الرسلُ على ما تقرَّر في حديث جبريل، كيفما حَصَل ذلك الإيمان وبأيّ (١) طريق إليه توصل، وأما النطقُ باللسان فمظهرٌ لما استقر في القلب من الإيمان، وسببٌ ظاهرٌ تترتَّبُ عليه أحكامُ الإسلام. وتفصيل ما أجملناه يستدعي تفصيلاً وتطويلاً يخرج عن المقصود، ولعلنا بعون الله تعالى نكتب في هذه المسألة جزءاً؛ فإنها حَرِيّة بذلك. وقد احتجَّ بهذا الحديث مَن قال: بأن الكفّار ليسوا مُخَاطَبين بفروع الشريعة، وهو أحدُ القولين لأصحابنا وغيرهم؛ من حيث إنه عليه الصلاة والسلام إنما خاطبهم بالتوحيد أولاً؛ فلما التزموا ذلك خاطبهم بالفُروع التي هي﴾ الصَّلاة، والزَّكاة. وهذا لا حُجَّةَ فیه لوجهین: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ أحدهما: أنه لم ينصّ النبيُّ ◌َ﴿ على أنه إنما قدّم الخطاب بالتوحيد لما ذكروه، بل يُحتمل ذلك، ويُحتمل أن يقال: إنه إنما قدّمه لكون الإيمان شرطاً مُصَحِّحاً للأعمال الفروعية، لا للخطاب بالفروع، إذ لا يصحُّ فِعْلُها شَرْعاً إلا بتقدُّم وجوده، ويصحّ الخطابُ بالإيمان وبالفروع معاً في وقت واحد، وإن كانت في الوجود متعاقبةً كما بيّنّاه في «الأصول))، وهذا الاحتمالُ أظهرُ مما تمسّكُوا به، ولو لم يكن أظهر فهو مُساوِ لُهُ، فيكون ذلك البخُطابُ مجملاً بالنسبة إلى هذا الحكم. وثانيها: أنّ النبيِ وَ﴿ إنما رتَّب هذه القواعدَ ليبيِّن الأوكدَ فالأوكد، والأهمَّ فالأهمّ، كما بيّنّاه في حديثٍ ابن عمر الذي قبلَ هذا، والله تعالى أعلم. (١) في (ع): ومن أي. ١٨٣ (١) كتاب الإيمان - (٦) باب: أول ما يجب على المكلفين فأخبرهم أنَّ اللهَ قد فرضَ عليهم زكاةً تُؤخذُ من أغنيائِهِم وتُرَدُّ على فقرائِهم، فإذا أَطاعُوا بها فخذ منهم وتَوَقَّ كَرَائِمَ أموالِهم». واقتصارُ النَّبي ◌َّه على ذكر القواعد الثلاث؛ لأنها كانت هي المتعيّنة عليهم في ذلك الوقت المتأكّد فيه، ولا يظنّ أنَّ الصومَ والحجَّ لم يكونا فرضاً إذ ذاك؛ لأن إرسالَ معاذٍ إلى اليمن كان في سَنَة تسع، وقد كان فرض الحجّ، وأما الصومُ فَفُرِضَ في السّنة الثّانية من الهجرة، ومات النبيُّ وَ﴿ ومعاذٌ باليمن على الصَّحيح. وقولُ من قال: إن الرواةَ سكتوا عن ذِكْر الصَّوم والحج؛ قولٌ فاسدٌ؛ لأن الحديثَ قد اشتهر، واعتنى الناس بنقله سلفاً وخَلَفاً، فلو ذَكَر رسولُ اللهِ وَلِّ له شيئاً من ذلك لنقل. و (قوله: ((إن الله فرضَ عليهم زكاةً تُؤْخَذُ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم))) من يلي أَمْر دليلٌ لمالك: على أنَّ الزكاةَ لا تجبُ قسمتُها على الأصناف المذكورين في الآية؛ الزكاة؟ [وأنه يجوزُ للإمام أن يصرفها إلى صنفٍ(١) واحدٍ من الأصناف المذكورين في الآية](٢)؛ إذا رآه نظراً ومصلحةً دينية، وسيأتي هذا كاملاً(٣) في كتاب الزكاة إن شاء الله تعالى. وفيه دليلٌ لمن يقول: يَدْفَعُها مَن وجبتْ عليه للإمام العَدْل الذي يضعُها مواضعَها، ولا يجوزُ لمن وجبتْ عليه أن يليَ تفرقتها بنفسه إذا أقام الإمامُ مَن تُدفع إليه، ومن ذلك تفصيلٌ يُعرف في الفروع. و (قوله: ((وإياك وكرائمَ أموالهم))) أي: خيارها، ونفائسها. حذّره من ذلك الرفق بأرباب نظراً لأرباب الأموال وَرِفْقاً بهم، وكذلك أيضاً: لا يأُخُذ من شِرارِ المالِ، ولا الأموال. معيبه نظراً للفقراء، فلو طابت نفسُ ربِّ المال بشيء من كرائم أمواله؛ جاز (١) في (ط): جنس. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٣) زيادة من (ع). ١٨٤ (١) كتاب الإيمان - (٦) باب: أول ما يجب على المكلفين وفي رواية عن ابن عباس عن معاذ، قال: بعثني رسولُ الله وَّ فقال: (إنَّكَ تأتي قوماً من أهلِ الكتابِ فَادْعُهم إلى شهادةٍ أن لا إلّهَ إِلَّ الله وأنِّي رسولُ الله. فإنْ هم أطَاعُوا لذلكَ فأَعْلِمْهم أنَّ الله افترضَ ... )) وذكر الحديث نحوه، وزاد: ((واتَّقِ دعوةَ المظلوم فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب)). رواه أحمد (٢٣٣/١)، والبخاري (١٤٥٨) و (٤٣٤٧) و (٧٣٧١)، ومسلم (١٩)، وأبو داود (١٥٨٤)، والترمذي (٦٢٥)، والنسائي (٥/ ٥٢ و ٥٥)، وابن ماجه (١٧٨٣). للمصدّق أخذها منه، ولو أنّ المصدّقَ رأى أن يأخذَ معيبةً على وجه النظر والمصلحة للفقراء جاز. تحريم الظلم. و (قوله: ((واتق دعوةَ المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب))) الرواية الصَّحيحة في ((فإنه)) بضمير المذكّر، على أن يكونَ ضميرَ الأمر والشأن، ويحتمل أن يعودَ على مذكّر الدعوة، فإن الدعوة دعاء، ووقع في بعض النسخ: فإنها؛ بهاء التأنيث، وهو عائدٌ على لفظ الدّعوة، ويستفاد منه: تحريم الظلم، وتخويف الظالم، وإباحة الدعاء للمظلوم عليه، والوعد الصّدق بأنّ الله تعالى يستجيبُ للمظلوم فيه، غير أنه قد تعجّل الإجابة فيه، وقد يؤخّرها إملاءً للظالم كما قال عليه الصلاة والسلام: ((إن اللهَ يملي للظّالم، حتى إذا أخذه لم يفلتْه))(١)، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢]. وكما قد روي عن النبي ◌َ﴿ أنه قال: ((إنَّ الله تعالى يرفعُ دعوةَ المظلوم على الغَمَام، ويقول لها: لأنصرنّك ولو بعد حین»(٢). (١) رواه مسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١١٠)، وابن ماجه (٤٠١٨) من حديث أبي موسى رضي الله عنه. (٢) رواه أحمد (٣٠٥/٢ و٤٤٥)، والترمذي (٢٥٢٦)، وابن ماجه (١٧٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ١٨٥ (١) كتاب الإيمان - (٧) باب: يقاتل الناس إلى أن يُوحُّدوا (٧) باب يُقاتَلُ النَّاسُ إلى أن يُوحِّدُوا الله ويلتزموا شرائع دينه [١٧] عن أبي هريرة، قال: لمَّا تُوفيَ رسولُ اللهِلَّه واستُخلفَ أبو بكر - رضي الله عنه - بعدَه، وكفرَ مَنْ كفرَ مِن العربِ، (٧) ومن باب: يُقاتَل الناس إلى أن يُوحِّدوا الله ويلتزموا شرائعَ دينه (قوله: وكفر من كفر من العرب) قال ابن إسحاق: لما قُبِضَ رسولُ الله ◌َّه ردة العرب بعد ارتدَّتِ العربُ إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جؤاثا. وفاة رسول الله. قال القاضي أبو الفضل عياض: كان أهلُ الردّة ثلاثةَ أصناف: فصنف كَفَر بعد إسلامه، وعادَ لجاهليته، واتّبع مسيلمة والعنسي، وصدّق بهما. وصنف أقرّ بالإسلام إلا الزّكاة فجحدها، وتأوّل بعضُهم: أن ذلك كان خاصّاً للنبي وَله؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌّ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] . وصنف اعترفَ بوجوبها، ولكن امتنعَ مِن دفعها إلى أبي بكر، فقال: إنما كان قَبْضُها للنبيَِّ خاصّة لا لغيره، وفرّقوا صدقاتهم بأيديهم، فرأى أبو بكر والصحابة قتالَ جميعهم، الصنفان الأولان لكفرهم والثالث لا متناعهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا الصِّنفُ الثالثُ هم الذين أشكلَ أمرُهم قتال أهل الردة. على عمر، فَبَاحَثَ أبا بكر في ذلك، حتى ظَهَر له الحُّ الذي كان ظاهراً لأبي بكر، فوافقه على ذلك، ولذلك قال: فواللهِ ما هو إلا أن رأيتُ اللهَ قد شرحَ صَدْرَ أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحقّ، أي: ظَهَرَ له من الدليل، وحصل له من ثلج الصَّذْر وانشراحه لذلك، مثل الذي حَصَل لأبي بكر؛ لأنه قّده واتّبعه بعد ظهور الدلیل؛ لأنَّ التقليدَ لا ينشرح به الصَّدر، ولا يُعرف به الحقُّ، ولأنه لا يجوزُ لمجتهدٍ أن لعل العبارة: لا أنه ١٨٦ (١) كتاب الإيمان - (٧) باب: يقاتل الناس إلى أن يُوحَّدوا يقلِّدَ مجتهداً عند تمكّنه من الاجتهاد، كما بيّنّاه في ((أصول الفقه))، ثم إنَّ أبا بكر قاتلَ جميعَ المرتدين الثلاثة الأصناف(١)، وسبّى ذراريهم. قال القاضي: وحَكَم فيهم بحُكْم النَّقِضِين للعهد، فلما توفّي أبو بكر وَوُلِّي عمر ردَّ عليهم سَبْتُهُم، وحكم عليهم (٢) بحكم المرتدِّين، وكان أبو بكر يرى سَبْيَ أولاد المرتدين، وبذلك قال أصْبَغ بن الفرج(٣) من أصحابنا، وكان عمرُ يرى أنهم لا يُسْبَوْن، ولذلك رقّ سَبْيَهم، وبهذا قال جمهورُ العلماء، وأئمةُ الفتوى. طاعة الإمام العدل. ويستفاد من فِعْل عمر وحُكْمه أنَّ الإمامَ المجتهدَ العَدْلَ إذا أَمَرَ بِأَمْر؛ أو حَكَم بِحُكْم، وجبتْ موافقتُه على الجميع؛ وإن كان فيهم مَن يرى خلافَ رأيه، بل يجبُ عليه تركُ العمل والفتيا بما عنده، وإن اعتقد صحّته، فإن عاد الأمرُ إليه عملَ على رأيه الذي كان يعتقدُه صواباً . سپي أولاد المرتدين. ويحصلُ من قضية أبي بكر وعمر: أن سبيَ أولادِ المرتدِّين لم يكن مُجْمَعاً عليه، وأنَّ عمرَ إنما وافقَ أبا بكر ظاهراً وباطناً على قتال الجميع لا غير، وأما سبي الذّراري فلم يوافقه عليه عمر باطناً، لكنه تَرَكَ العملَ بما ظهر له، والفتيا به، لما يجبُ عليه من طاعةِ الإمام وموافقته، فلما وُلِّيَ عملَ بما كان عنده، هذا هو الظاهرُ مِن حالِ عمر، ولا يجوزُ أن يقال: إنه كان قد ظهر له من جواز السبي ما ظهر لأبي بكر ثم تغيّر اجتهاده، لأنَّ ذلك يلزمُ منه خرق إجماع الصحابة السابق، فإنهم كانوا قد أجمعوا مع أبي بكر على السَّبي، وعملوا بذلك من غير مخالفةٍ ظهرتْ من أحدٍ منهم، ولا إنكار ظاهر، غير أنهم منقسمون في ذلك إلى (١) قوله: الثلاثة الأصناف ساقط من (ع)، ومستدرك من (م) و(ط) و (ل). (٢) في (ع): فيهم. (٣) هو فقيه مالكي مصري ثقة، له تصانيف. توفي سنة (٢٢٥ هـ). ١٨٧ (١) كتاب الإيمان - (٧) باب: يقاتل الناس إلى أن يُوحّدوا قال عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - لأبي بكر - رضي الله عنه -: كيفَ تُقاتلُ النَّاسَ وقد قالَ رسول الله وَِّ: ((أُمرتُ أنْ أقاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا: لا إلَهَ إِلَّ الله، فمن قالَ: لا إِلّه ◌ِإِلَّا ) الله من ظهر له جواز ذلك فسكت لذلك. ومنهم من ظهر له خلافُ ذلك فسكت بحكم ترجيح قول الإمام العَذْل المجتهد على رأيه، ولوجوب اتّباع الإمام على ما يراه، والعمل به، فإذا فُقِد ذلك الإمام تعيّن على ذلك المجتهد أن يعمل على ما كان قد ظهر له، لكن بعد تجديد النظر، لا أنه يعتمدُ على ذلك الرأي الأول من غير إعادةِ البحث ثانيةً؛ لإمكان التغيير على ما بيّنته في ((علم الأصول)). وقد حكى بعضُ الناس: أن الإجماعَ انعقد بعد أبي بكر على أنّ المرتدّ هل يُسمى لا يُسْبَى، وليس ذلك بصحيح؛ لوجود الخلاف في ذلك، كما قد حكيناه عن أصبغ، المرتد؟ ولأنه يؤدِّي إلى تناقض الإجماعين، وهو محال كما يُعرف في ((الأصول)). ولما اعتقد بعضُ الأصوليين في هذه المسألة إجماعين متناقضين رأى أنَّ المخلص من ذلك اشتراطُ انقراض العصر في صحّة الإجماع، فلم ينعقد عند هذا القائل فيها إجماع أولاً ولا آخراً؛ لأنَّ عصر الصحابة لم يكن انقرض في زمان عمر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: واشتراطُ انقراض العصر في دلالة الإجماع انقراض العصر باطلٌ؛ لأنه زيادة شرط في دلالات الإجماع الصحيحة، من غير أن يشهدَ لتلك في دلالة الزيادة عقلٌ ولا نقلٌ، والصحيح من هذه المسألة: أنه لا إجماعَ فيها أولاً ولا الإجماع. آخراً؛ لإضمار الخلاف فيها في عصر أبي بكر والتصريح به بعده، والله تعالى أعلم. و (قول عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناسَ وقد قال رسول الله وَلفيه: ((أمرت التلازم بين أن أقاتل الناسَ حتى يقولوا لا إلَه إِلََّا الله)))؟ ظاهره: أنَّ مَن نطقَ بكلمة التوحيد كلمتي التوحيد والرسالة. فقط حُكِم له بحُكْم الإسلام، وهذا الظاهرُ متروكٌ قطعاً؛ إذ لا بُدَّ مع ذلك من ١٨٨ (١) كتاب الإيمان - (٧) باب: يقاتل الناس إلى أن يُوحَّدوا فقد عصمَ مني مالَه ونفسَه، إلا بحقِّهِ، النُّطْق بالشهادة بالرسالة، أو بما يدلُّ عليها، لكنه سكتَ عن كلمة الرسالة لدلالة كلمة التوحيد عليها، لأنهما متلازمان، فهي مرادةٌ قطعاً. ثم النّطق بالشهادتين يدلُّ على الدخول في الدِّين، والتصديق بكل ما تضمّنه، وعلى هذا: فالنطقُ بالكلمة الأولى يفيدُ إرادةَ الثانية، كما يقال: قرأتُ: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ والمراد: جميع السورة، ويدلُّ على صحَّةٍ ما قُلْناه الروايات الأخر التي فيها: ((أُمرت أن أقاتلَ النَّاسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسولُ الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة))، وفي لفظ آخر: ((أُمرت أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إلهَ إِلَّ الله، ويُؤْمِنُوا بي، وبما جئتُ به))، غير أنَّ أبا بكر وعمر لم يحضر لهما في وقت هذه المناظرة غير ذلك اللفظ الذي ذكراه. إذ لو حضر لهما قولُه عليه الصلاة والسلام: ((أُمرت أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إلَه إِلَّ الله وأن محمداً رسولُ الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)) لارتفع البحث بينهما، لأن هذا اللفظ نصٌّ في المطلوب، وأوضح في الدلالة مما استدلّ به أبو بكر من قوله: لأقاتلنَّ مَن فرَّق بين الصَّلاة والزكاة، ويعني بهذا أبو بكر والله أعلم: أن الله تعالى قد سوَّى بين الصَّلاة والزكاة في الوجوب في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ﴾ [البقرة: ٤٣] وفي غيرها. فقد جمع الله تعالى بينهما في الأمر بهما، والصّلاةُ المأمور بها واجبةٌ قطعاً، فالزكاة مثلُها، فمن فرّق بينهما قُوتِل، ويمكنُ أن نشيرَ بذلك إلى قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ [التوبة: ٥]. ودليلُ خطابها أنَّ من لم يفعلْ جميعَ ذلك لم يُخَلَّ سبيلُه، فيُقَاتَلُ إلى أن يُقْتلَ أو يتوب، وبهذه الآية وبذلك الحديث استدلَّ الشَّافعي ومالك ومَن قال بقولهما على قَتْل تارك الصَّلاة وإن كان معتقداً لوجوبها، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. معنى العصمة. و (قوله: ((فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقّه))) عصم: منع، والعصمة: المنع والامتناع، والعِصام: الخيطُ الذي يُشَدُّ به فَمُ القِرْبة، سُمِّي بذلك لمنعه الماء ١٨٩ (١) كتاب الإيمان - (٧) باب: يقاتل الناس إلى أن يُوحّدوا وحسابُه على اللّهِ)) فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: والله! لأقاتلنَّ مَنْ فرَّقَ بين الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المال، واللهِ! لو مَنعُوني عِقالاً كانوا يُؤْدُّونَهُ إلى رسولِ اللهِّهِ لَقاتلتُهم على منعِه. فقالَ عمرُ بن الخطّاب: فوالله ما هو إلا أن رأيتُ اللهَ - عزَّ وجلَّ - قد شرَح صدر أبي بكر للقتالِ فعرفتُ أنَّه الحَقُّ. من السَّيلان، والحقّ المستثنى: هو ما بيّنه وَله في الحديث الآخر بقوله: ((زِنى بعد إحصان، أو كُفْر بعد إيمان، أو قتل النّفس التي حَرَّم الله))(١) وسيأتي ذكره في الحدود. و (قوله: وحسابهم على الله) أي: حسابُ سرائرهم على الله؛ لأنه تعالى هو حساب السرائر المطَّلعُ عليها، فمن أخلصَ في إيمانه وأعماله جازاه اللهُ عليها جزاءً المخلِصين، على الله تعالى. ومَن لم يُخْلِصْ في ذلك كان من المنافقين، يُحْكَمُ له في الدُّنيا بأحكامِ المسلمين، وهو عند الله مِن أسوأ الكافرين. ويُستفاد منه أن أحكامَ الإسلام إنما تُدَارُ على الظّواهر الجليّة لا الأسرارِ الخفيّة. و (قوله: والله لو منعوني عِقالاً كانوا يُؤْدُّونه إلى رسول الله وَّهِ لقاتلتُهم على ما هو العقال؟ مَنْعِه) اخْتُلِف في هذا العِقال على أقوالٍ: أولها: أنه الفريضة من الإبل، رواه ابن وهب عن مالك، وقاله النَّضر بن شميل. وثانيها: أنه صدقةُ عام، قاله الكسائي، وأنشد: سعى عقالاً فلم يترك لنا سَبَداً (٢) فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟! (١) لم نجده في كتاب الحدود، وهو عند الدارمي (٢/ ١٧١). (٢) ((سعى): على الصدقة: عَمِل في أَخْذها مِن أربابها. ((السَّبَد)): البقية من النَّبْت، والقليل من الشّعْر. ١٩٠ (١) كتاب الإيمان - (٧) باب: يقاتل الناس إلى أن يُوحّدوا وعنه، عن رسول الله ◌َّه قال: ((أُمرتُ أنْ أُقاتلَ النَّاسَ حتى يشهدوا أنْ لا إلَه إِلَّا الله، ويُؤمنوا بي وبما جئتُ به. فإذا فعلُوا ذلك عَصَمُوا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحقِّها، وحسابُهم على اللهِ)). رواه أحمد (٣٧٧/٢ و٤٢٣ و٤٧٥ و٥٠٢ و٥٢٧ و٥٢٨)، والبخاري (٢٩٤٦)، ومسلم (٢١)، وأبو داود (١٥٥٦) و (٢٦٤٠)، والترمذي (٢٦١٠)، والنسائي (١٤/٥)، وابن ماجه (٣٩٢٧). وثالثهما: أنه كلّ شيء يُؤخذ في الزَّكاة؛ من أنعام، وثمار؛ لأنه يعقل عن مالكه، قاله أبو سعيد الضّرير. ورابعها: هو ما يأخذه المصدّق من الصدقة بعينها، فإن أخذ عوضها. قيل: أخذ نقداً، ومنه قول الشاعر: ولم يأخذ عقالاً ولا نقداً وخامسها: أنه اسم لما يُعْقَلُ به البعير، قاله أبو عبيد، وقال: قد بعث رسولُ اللهِوَ طه محمد بن مسلمة على الصَّدقة، فكان يأخذ مع كلّ قرينين عقالاً ورِوَاءٌ(١). قال المؤلف رحمه الله تعالى: والأشبه بمساق قول أبي بكر أن يُراد بالعقال ما يُعْقَلُ به البعير؛ لأنّه خرجَ مخرجَ التقلیلَ، والله أعلم. وقد روي في غیر كتاب مسلم(٢): لو منعوني عناقاً مكان عِقالاً، وهو الجذع من أولاد المعز، وقد روي: جذعاً مكان عَناقاً، وهو تفسير له، والجذع من أولاد الغنم: هو الذي جاوزَ ستةَ أشهر إلى آخر السَّنة، ثم هو ثنيّ، وبهذه الرواية تمسّك مَن أجاز أَخْذَ الجذع (١) ((الرواء)): الحبل الذي تربط به المزادتان، والمزادة: الرَّاوية التي يُنقل بها الماء. (٢) رواه أحمد (١٩/١، ٣٦، ٤٨، و٥٢٩/٢)، والبخاري (١٤٥٦)، وأبو داود (١٥٥٦)، والنسائي (٧٨/٧). ١٩١ (١) كتاب الإيمان - (٧) باب: يقاتل الناس إلى أن يُوحّدوا [١٨] وفي رواية ابن عمر: ((حتى يَشهدوا أنْ لا إِلّهَ اإِلَّ اللهُ وأنَّ محمّداً رسولُ الله، ويُقيموا الصَّلاةَ، ويُؤْتوا الزَّكَاةَ، فإذا فعلوا ذلكَ عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم، وحِسابُهم على اللهِ)). رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من المعز في الزكاة إذا كانت سِخالاً كلّها، وهو قول الشافعي، وأحد قولي مالك، وليس بالمشهورِ عنه ولا حُجَّة في ذلك، لأنه خرج مخرج التقليل، فإن عادةً العرب إذا أغيت(١) تقليلَ شيء ذكرت في كلامها ما لا يكون مقصوداً، كما قال رسولُ اللهِ وَل﴾: ((لا تحقرن جارةٌ لجارتها ولو فِرْسَن شاة))(٢). وفي أخرى: ((ولو ظلفاً مُحَرَّقً)(٣) وليسا مما ينتفع به، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((من بنى مسجداً لله ولو مثل مفحص قطاة)) (٤) وذلك القدر لا يكون مسجداً، ونحو من هذا في الإغياء قول امرىء القيس: من القَاصِراتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌ من الذَّرِّفَوْقَ الإِتْبِ مِنْها لأَّرا ونحوه كثير في كلامهم في التّقليل والتكثير والتعظيم والتحقير. وفي الحديث حُبَّةٌ على أنَّ الزكاةَ لا تسقط عن المرتدّ بردّته، بل يُؤخذ منه الزكاة لا تسقط ما وَجَبَ عليه منها، فإن تابَ وإلا قُتِل وكان ماله فيئاً. عن المرتد. (١) ((أغيت)): بلغت الغاية. (٢) رواه البخاري (٢٥٦٦ و٦٠١٧)، ومسلم (١٠٣٠). ((الفِرْسَن)): ظلف الشاة، أي: مؤخرة الرَّجل. (٣) رواه أبو داود (١٦٦٧)، والترمذي (١٦٦٥)، والنسائي (٨١/٥). ((المفحص)): عش القطاة الذي تبيت فيه. والقطاة: طائر. (٤) رواه البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٤٣٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. ١٩٢ (١) كتاب الإيمان - (٨) باب: في قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ (٨) باب في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [١٩] عن سعيد بن المُسَيِّب عن أبيه، قال: لما حضرتْ أبا طالبٍ الوفاةُ، جاءَه رسولُ اللهِ وَلِهِ، فوجدَ عندَه أبا جَهْلِ، وعبدَ الله بنَ أبي أُميّة بن (٨) ومن باب قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ من هو أبو طالب؟ (قوله: ((لما حضرت أبا طالب الوفاة))) أبو طالب هذا هو: ابن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وهو عمُّ النبيِ وَل﴿، ووالد عليّ بن أبي طالب، واسمه: عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته، والأول أصح، واسم عبد المطلب: شيبة، وكان يقال له: شيبة الحَمْد، واسم هاشم: عمرو، وهاشم لقبٌ له؛ لأنه أولُ من هَشَم الثَّرِيدَ لقومه، واسم عبد مناف: المغيرة، واسم قصي: زيد، وقيل له: مُجَمِّع؛ لأنه جَمَعَ إليه قومَه، وكان والد النبي ◌َّه وهو عبد الله قد توفي؛ ورسول الله ﴿ حَمْل في بطن أمه على الأصح، فولد رسول الله وَله، ونشأ في كفالة جدّه عبد المطلب إلى أن توفي، فكفله عتُّه أبو طالب، ولم يزلْ يحبُّه حبَّاً شديداً، ويحوطه، ويحفظه، إلى أن بَعَثَ اللهُ محمداً وَل بالنبوة، فنصره أبو طالب، وأعانه، وأجاره ممن يريدُ به سوءاً، وقام دونه وعادى في حقّه قريشاً وجميع العرب إلى أن ناصبوه القتال، وجاهروه بالعداوة والأذى، وطلبوا أن يُسلّمه مقاطعة الرسول لهم فلم يفعل. ثم إن قريشاً، وجميعَ أهل مكة، تعاقدوا فيما بينهم، وتحالفوا على وبني هاشم. هَجْره وجميع بني هاشم، ومقاطعتهم، وعلى أَلَّا يقاربوهم، ولا يُناكحوهم، ولا يُبايعوهم، ولا يَصِلُوهم بشيءٍ من وجوه الرِّفق كلّها، حتى يُسْلِموا إليهم رسول اللهِوَ﴾، وكتبوا بذلك صحيفةً، وعلّقوها في الكعبة، فانحاز أبو طالب وبنو هاشم في شِعْبِهم، وأقاموا على ذلك نحو ثلاث سنين في جهدٍ جَهيد، وحال شديد، إلى أن نَقَضَ اللهُ أمرَ الصَّحيفة، وأظهر أمر نبيه على ما هو مذكورٌ في كتب ١٩٣ (١) كتاب الإيمان - (٨) باب: في قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ المغيرة، فقال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((يا عمِّ! قلْ لا إلَهَ إِلَّا اللهُ، كلمةً أشهدُ لكَ بها عندَ الله)) فقال أبو جهل وعبدُ الله بنُ أبي أُميَّة: يا أبا طَالبٍ! أترغبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلب؟ فلم يزلْ رسولُ الله ◌ِوَّهِ يعرضُها عليه، ويُعيدُ له تلكَ المقالةَ، حتَّى قالَ أبو طالب آخرَ ما كلَّمهم: هو على مِلَّةِ عبدِ المُطَّلبِ. وأبى أن يقولَ: لا إلّهَ إِلَّا اللهُ. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أمَا واللهِ لأستغفرنَّ لكَ السِّيَر. وكان أبو طالب يعرفُ صدقَ رسول اللّه ◌ِوَ لَّ في كلِّ ما يقوله، ويقول موقف أبي لقريش: تعلمون والله أنّ محمداً لم يكذب قط، ويقول لابنه عليّ: اتَّبِعْهُ فإنه على طالب من الحق، غير أنه لم يدخل في الإسلام، ولم يتلفظ به، ولم يزل على ذلك إلى أن حضرته الوفاة، فدخل عليه رسولُ اللهِ وَ ل﴿ طامعاً في إسلامه، وحَريصاً عليه، باذلاً في ذلك جهده، مُسْتفرغاً ما عنده، لكن عاقت عن ذلك عوائقُ الأقدار؛ التي لا ينفع معها حرص ولا اقتدار. و (قوله: ((يا عمّ! قل لا إلَه إِلَّا الله كلمةً أشهد لك بها عند الله))) أحسن ما عرض الرسول تقيد به ((كلمةً)): النصب على أن تكون بدلاً من لا إلَه إِلَّ الله، ويجوزُ رفعها(١) الإسلام على على إضمار المبتدأ، و((أَشْهَد)) مجزوم على جواب الأمر، أي: إن تقل أشهد، أبي طالب. وكلُّ ذلك ترغيبٌ وتذكيرٌ لأبي طالب، وحرصٌ على نجاته، ويأبى اللهُ إِلَّا ما يريد. و (قوله: فلم يزل رسولُ اللهِ وَلفر يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة) هكذا هو في الأصول وعند أكثر الشّيوخ، ويعني بذلك: أنَّ النبيَّ ◌َّ أقبل على أبي طالبٍ يعرضُ عليه الشهادةَ، ويكرّرها عليه، ووقع في بعض النسخ ويعيدان له تلك المقالة، ووجههما أنَّ أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية أعادا على أبي طالب قولهما له: أترغب عن ملّة عبد المطلب، حتى أجابهما إلى ذلك. و (قوله: وأبى أن يقول: لا إلَه إِلَّ الله) أي: امتنع من قولها. (١) ساقط من (ع). ٠ ١٩٤ (١) كتاب الإيمان - (٨) باب: في قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ ما لم أَنْهَ عَنْكَ)) فأنزلَ اللهُ - عزَّ وجلَّ -: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْفِى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ [التوبة: ١١٣]، وأنزلَ الله في أبي طالب، فقالَ اَلْجَحِيمِ ﴾ لرسول الله وَله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]. رواه البخاري (٤٦٧٥)، ومسلم (٢٤)، والنسائي (٩٠/٤ - ٩١). [٢٠] وفي رواية من حديث أبي هريرة؛ قال أبو طالب: لولا أنْ تُعَيِّرَني قريشٌ، يقولون: إنما حمله على ذلك الجَزَعُ، لأقررتُ بها عَيْنَكَ. و (قوله: يقولون إنما حمله على ذلك الجزع)(١) بالجيم والزاي صحيح الرواية، لا يعرف في كتاب مسلم غيرها، وهو بمعنى الخوف من الموت. وفي كتاب أبي عبيد: الخرع - بالخاء المعجمة والراء المهملة -. وقال: يعني: الضعف والخور. وكذلك قال ثعلب، وفسّره به. قال شمر: يقال: جزع الرجل؛ إذا ضعف، وكل رِخْوٍ ضعيف. خريع وخَرع، والخَرَع: الفصيل الضعيف. قال: والخَرع: الدهش. وفي الصحاح: الخَرَع - بالتحريك -: الرخاوة في الشيء، وقد خَرِع الرجل - بالكسر - أي: ضَعُف، فهو خَرع. ويقال لمشفر البعير إذا تدلى خریع. لِمَ لَمْ ينطق أبو طالب بالشهادتين؟ و (قوله: لولا أن تعيِّرني قريش لأقررتُ بها عينك) أي: تسبني وتُقَبِّحُ عليَّ، يقال: عيّرته بكذا تعبيراً، والعامة تقول بالباء، والأوّل كلامُ العرب، كما قال النابغة : وعَيَّرَتْنِي بَنُوذُبْيَانَ خَشْيَتَهُ وَمَا عليَّ بِأَنْ أخْشَاكَ مِنْ عارٍ (١) في (ع): حمله ذلك على الجزع. ١٩٥ (١) كتاب الإيمان - (٨) باب: في قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ فأنزلَ الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْيَبْتَ ... ) الآية [القصص: ٥٦]. رواه مسلم (٢٥)، والترمذي (٣١٨٧). ومعنى أقررت عينك بها: أي: سررتك بقولها، وأبلغتك أمنيتك، قال ثعلب: يقال: أقرّ الله عينك، أي: بلغه أمنيته حتى ترضى نفسُه، وتقرّ عيناه، ومنه قولهم فيمن أدرك ثأره: وقعت بِقُرّك؛ أي: أدرك قلبك ما كان يتمنّى. وقال الأصمعي: معناهُ: برَّد الله دمعته؛ لأن دمعة الفرح باردة، قال غيره: ودمعة الحزن حارة، ولذلك يقال: أسخنَ اللهُ عينه، أي: أراه ما يسوءه فيبكي فتسخن عينه. و (قوله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾) أي: تحريم ما يجوز ولا ينبغي لهم ذلك ﴿من بعد ما تبيّن لهم أنهم أصحابُ الجحيم﴾ أي: الاستغفار الموت على الكفر. والجحيم: اسمٌ من أسماء النار المعدّة للكفار، وكلُّ نار في مَهْواة فهي جحيم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَبُواْ لَهُ بُكْيًَا فَأَلْقُوهُ فِ اَلَْحِيمِ ﴾ [الصافات: ٩٧]. والجاحم: المكان الشديد الحرّ، وأصحابُ الجحيم: مستحقّوها ومُلازِموها. ثم بيّن اللهُ عذرَ إبراهيم عن استغفاره في قوله: ﴿ وَأَغْفِرْ لِأَبِّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] بأن ذلك إنما كان منه لأجل وَعْد إبراهيم لأبيه حين قال له: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِيِّ إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]. وقيل: إن الموعدة هي من أبي إبراهيم له بأن يسلم، فلما لم يَقِ بها، وتبيّن له أنه لا يسلم إما بالوحي، وإما بموته على الكفر، تبرأ منه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بِيَّنَ لَهُ: أَنَّهُ, عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرََّ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، والقولان لأهل التفسير، قال القاضي أبو بكر بن العربي يروى عن عمرو بن دينار: أن النبيِ وَّ قال: ((استغفرَ إبراهيمُ لأبيه وهو مشرك، فلا أزالُ أستغفرُ لأبي طالبٍ حتى ينهاني الله))(١)، وقال أصحابه: استغفروا للمشركين. (١) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ١٠٢١). ١٩٦ (١) كتاب الإيمان - (٩) باب: من لقي الله تعالى عالماً به دخل الجنة (٩) باب من لقي الله تعالى عالماً به دخل الجنة [٢١] عن عثمان، قال: قالَ رسولُ الله ◌ِوَّهِ: (مَنْ ماتَ وهو يعلمُ أنَّه لا إِلّهَ إِلَّ اللهُ دخلَ الجنَّةَ». رواه أحمد (٦٥/١ و ٦٩)، ومسلم (٢٦). لآبائكم كما استغفرَ النبيُّ وَل﴿ لأبي طالب عمّه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الآية [التوبة: ١١٣]. والأوَّاه: الدَّعاء؛ المتضرع. قاله ابن مسعود، وابن عباس. والحليم: السيِّد. قاله ابنُ حبيب. وقيل: هو الصَّبور على البلوى، الصَّفوح عن الأذى. الله يهدي من يشاء. و (قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦]) أي: لا تقدر على توفيق مَن أراد اللهُ خذلانه، وكشف ذلك: بأنَّ الهدايةَ الحقيقيةَ هي خَلْق القدرة على الطاعة وقبولها، وليس ذلك إلا لله تعالى، والهداية التي تصح نسبتها لغير الله تعالى بوجهٍ ما؛ هي الإرشاد والدلالة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، أي: ترشد وتبین، كما قال: ﴿ إِنْ عَلَّكَ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، و﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نَزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وما ذكرناه هو مذهبُ أهلِ السُّنَّة والجماعة، وهو الذي تدلُّ عليه البراهين القاطعة. (٩) ومن باب: من لقي اللهَ عالماً به دَخَلَ الجنَّةَ (قوله: ((من مات وهو يعلم أنه لا إلّه إِلَّا الله دخل الجنة))) حقيقة العلم هي وضوحُ أمرٍ ما وانكشافه علی غايته؛ بحيث لا یبقی له بعد ذلك غاية في الوضوح، اعتقاد الحق والتصديق به. ١٩٧ (١) كتاب الإيمان - (٩) باب: من لقي الله تعالى عالماً به دخل الجنة [٢٢] وعن أبي هريرة، قال: كنا مع النبي ◌َّ فِي مَسِيرٍ. قال: فَنْفِدَتْ أَزْوَادُ القوم، حتى هَمَّ بِنَحْر بعضٍ حَمَائِلِهِم. قال: فقالَ عمر: يا رسولَ الله! لو جَمَعْتَ ما بقيَ مِنْ أزوادِ القوم، فدعوتَ اللهَ عليها. قالَ: ولا شك في أن من كانت معرفتُه بالله تعالى ورسوله كذلك، كان في أعلى درجات الجنة، وهذه الحالة هي حالة(١) النَّبيين والصِّدِّيقين، ولا يلزم فيمن لم يكن كذلك أَلَّا يدخل الجنة، فإنَّ من اعتقدَ الحقَّ، وصدَّق به تَصْديقاً جازماً لا شكَّ فيه ولا ريب، دخل الجنة، كما قدّمناه، وكما دلّ عليه قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: ((من لقي الله وهو يشهد أن لا إلّه إِلَّ الله وأني رسول الله غير شاكّ فيهما دخل الجنة)) وكما قال: ((من كان آخرُ قوله لا إلَه إِلَّ الله دخل الجنة))(٢) فحاصلُ هذين الحديثين: أنَّ من لقي الله تعالى وهو موصوف بالحالة الأولى والثانية دخل الجنة، غير أنَّ هناك فرقاً(٣) بين الدرجتين كما بين الحالتين؛ كما صرّحت به الآياتُ الواضحات؛ كقوله تعالى: ﴿يَرْفَعُ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ اٌلْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. و (قوله: كُنَّا مع النبي ◌َّه فِي مَسيرٍ فنفدت أزوادُ القوم) المسير: السير يريد به السفر، ونفدت: فرغت وفنيت، ومنه قوله تعالى: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ نَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِ﴾ [الكهف: ٩]. و((الحمائل)): جمع حَمولة بفتح الحاء ومنه قوله تعالى: ﴿حَمُوْلَةٌ وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، وهي الإبل التي تُحمل عليها الأثقالُ، وتُسمَّى: رواحل؛ لأنها يُرحل عليها، وتُسمَّى نواضح إذا اسْتُقِي عليها. والبعير: ناضح، والناقة: ناضحة، قاله أبو عبيد. (١) قوله: (هي حالة) ساقط من (ع). (٢) رواه أبو داود (٣١١٦) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه. (٣) في (م) و (ط) و (ل): غير أنَّ ما. ١٩٨ (١) كتاب الإيمان - (٩) باب: من لقي الله تعالى عالماً به دخل الجنة ففعلَ. قال: فجاء ذو البُرِّ بِيُرِّهِ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ. قال: وذو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ. قُلْتُ: ومَا كانُوا يَصنعُون بالنَّواةِ؟ قال: يَمُصُّونَهُ، ويشربونَ عليه الماءَ. قال: فدعَا عليها، حتى مَلَّ القَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ. قالَ: فقالَ عند ذلك: ((أشهدُ أنْ لا إِلّهَ إِلَّا اللهُ وَأَنّي رسولُ الله، لا يلقى اللهَ بهما عَبْدٌ غيرَ شَاكُّ فيهما، إِلَّا دَخَلَ الجنَّةَ». و (قوله: وذو النواة بنواه) كذا الرواية، ووجهه: وذو النوى بنواه، كما قال: وذو البُرِّ بيُرِّه، وذو التمر بتمره. من معجزاته #. و (قوله: حتى ملأ القوم أزودتهم) هكذا الرواية، وصوابه مزاودهم فإنها هي التي تملأ بالأزودة، وهي جمع زاد، فسمّى المزاود: أزودة باسمها، لأنها تجعل فيها على عادتهم في تسميتهم الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو كان منه بسبب، وقد عبر عنها في الرواية الأخرى بالأوعية. و (قوله: حتى همّ بنحر بعض حمائلهم) يعني: النبي $، كان هذا الهمُّ من النبيّ ◌َ﴾ [بحكم النظر المصلحي، لا بالوحي. ألا ترى كيف عرض عمر بن الخطاب عليه مصلحة أخرى، ظهر للنبي 8#](١) رجحانها، فوافقه عليها وعمل بها. ففيه دليلٌ على العمل بالصالح، وعلى سماع رأي أهل العقل والتجارب، البركة في الأكل وعلى أنَّ الأزواد والمياه إذا نفدت، أو قلَّت جمع الإمام ما بقي منها، وقوتهم به جماعة. شرعاً سواء، وهذا كنحو ما مدح به النبي ◌َّو الأشعريين فقال: ((الأشعريون إذا قلّ زادُهم جمعوه فاقتسموه بينهم بالسوية فهم مني وأنا منهم)»(٢). وسيأتي إن شاء الله تعالى. و (قوله: لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة) يعني: كلمتي التوحيد المتقدِّمتين، ويحجب: يمنع، ورويناه بفتح الباء ورفعها، فالنصب (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) انظره برقم (٢٤٠٨). ١٩٩ (١) كتاب الإيمان - (٩) باب: من لقي الله تعالى عالماً به دخل الجنة وفي رواية: فجاء عمر فقال: يا رسول الله! إن فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، ولكنْ ادْعُهُم بِفَضْلِ أَزْوَادِهم، ثم ادعُ اللهَ لهم عليها بالبَركةِ، وفيها: حتى اجتمعَ على النَّطَعِ من ذلك شيءٌ يَسِيرٌ. قال: فدعا رسولُ اللهِّهِ بالبركةِ، ثم قال لهم: ((خُذُوا في أوعِيتكم)). قال: فأخَذُوا في أوعيتِهم حتَّى ما تَركُوا في العَسْكَرِ وعاءً إلا مَلَؤُوه. قالَ: فَأَكُلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((أشهدُ أنْ لا إلَهَ اإِلَّا اللهُ وأَنِّي رسولُ الله، لا يَلْقَى اللهَ بهما عَبْدٌ غير شَادٌ، فَيُحْجَبَ عَنِ الجَنَّةِ)). رواه مسلم (٢٧). بإضمار أن بعد الفاء في جواب النفي، وهو الأظهرُ والأجود، وفي الرفع إشكال؛ لأنه يرتفعُ على أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، تقديره: فهو يحجب، وهو نقيضُ المقصود، فلا يستقيمُ المعنى حتى تُقَدَّر ((لا)) النافية، أي: فهو لا يحجب، ولا تحذف ((لا)) النافية في مثل هذا، والله أعلم. وظَاهِرُ هذا الحديث: أنَّ مَن لقي اللهَ وهو يشهدُ أن لا إلَه إِلَّ الله وحده (١) من لقي الله بكلمتي دخل الجنة، ولا يدخل النار، وهذا صحيح فيمن لقي الله تعالى بريئاً من الكبائر، التوحيد. فأما من لقي الله تعالى مرتكب كبيرة، ولم يتبْ منها، فهو في مشيئة الله تعالى، من لقي الله التي دلَّ عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ مرتكب كبيرة. [النساء: ٤٨]، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعي: أنَّ طائفةٌ كثيرةً مِن أهل التوحيد يدخلون النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة أو بالتفضّل المعبَّر عنه بالقبضة في الحديث الصحيح(٢)، أو بما شاء الله تعالى، فدلّ ذلك على أنَّ الحديثَ المتقدِّمَ ليس على ظاهره؛ فيتعيّن تأويلُه. ولأهل العلم فيه تأويلان: (١) من (ط). (٢) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ٢٠٠ (١) كتاب الإيمان - (٩) باب: من لقي الله تعالى عالماً به دخل الجنة [٢٣] وعن عُبادةَ بن الصَّامِتِ، قال: قالَ رسولُ الله وَله: ((مَنْ قال: أشهدُ أنْ لا إلَهَ إِلَّ اللهُ وحدَه وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ الله وابنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاها إلى مريمَ ورُوْحٌ منه، وأنَّ الجنَّةَ حَقٌّ، وأنَّ النَّارَ أحدهما: أنَّ هذا العمومَ يُرادُ به الخصوص ممن يعفو اللهُ تعالى عنه من أهل الكبائر، ممن يشاء اللهُ تعالى أن يغفرَ له ابتداء؛ من غير توبة كانت منهم ولا سبب يقتضي ذلك، غير محض كرم الله تعالى وفضله، كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وهذا على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة خِلافاً للمبتدعة المانعين تفضُّلَ الله تعالى بذلك، وهو مذهبٌ مردودٌ بالأدلة القطعية العقلية والنقلية، وبَسْط ذلك في علم الكلام. وثانيهما: أنهم لا يُحْجَبُون عن الجنة بعد الخروج من النار. وتكون فائدته الإخبار بخلود كلّ من دخل الجنة فيها، وأنه لا يُحجب عنها، ولا عن شيء من نعيمها، والله تعالى أعلم. عیسی عبدالله و کلمته. و (قوله: ((وأن عيسى عبد الله، وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم))) هذا الحديث مقصودُه: إفادةُ التَّنبيه على ما وَقَع للنَّصارى مِن الغَلَط في عيسى وأمه عليهما السلام، والتحذير عن ذلك، بأنَّ عيسى عبد الله لا إلهٌ، ولا ولدٌ، وأمّه أمة الله تعالى، ومملوكة له لا زوجة. تعالى الله عما يقول الجاهلون علواً كبيراً. ويُستفاد من هذا ما يلقّنه النصراني إذا أسلم. وقد اخْتُلِفَ في وصف عيسى بكونه كلمة، فقيل: لأنه تكوّن بكلمة ((كن)) من غير أب، وقيل: لأنَّ المَلَك جاء أَّه بكلمة البشارة به عن أمر الله تعالى. وهذان القولان أشبه ما قيل في ذلك. ومعنى ألقاها، أي: أعلمها بها، يقال: ألقيت عليك كلمة: أي: أعلمتُك بها، وسُمِّي [عيسى روحُ الله؛ لأنه حَدَث عن نفخة الملك، وإضافةُ الله تعالى إليه؛ لأن ذلك النفخَ كان عن أمره وقدره، وسُمَّ](١) النَّفْخُ روحاً لأنه ريح يخرج من (١) ساقط من (ع).