Indexed OCR Text
Pages 81-100
ـى المقه نوبلفى ◌ِمَا أَشْكَلَ مِنْتَّ خِصِ كَّبِ مُسْلِمِ تَألِيف الإمام الحافظ أبي العَّاسأحمد بن محمدبن إبراهيم القرطبي ٥٧٨ - ٦٥٦ هجرية حَقَّقَهُ وَعَلََّ عَلَيْهِ وَقَّمَلَهُ محي الدّين ديبتو أحمد محمّد السيّد يوسف علي بديوي محمود إبراهيم زال الْجُالأَوَّلُ ٨٣ مقدمة كتاب المفهم اَللَّهِ الرََّنِ الرَّـ نسـ .31 [مقدمة كتاب المفهم] صلی الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. قال الشيخ الفقيه الإمام الحافظ أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم حمدٌ وثناء. الأنصاري القرطبي - رحمه الله -: الحمدُ لله كما وَجَب لكبريائه وجلاله، والشّكر له على ما غَمَرنا به من نِعَمه وآلائه، أحمده حَمْدَ مَن غاص في بحار معرفة أسمائه وجَماله، وأشكره شُكْر مَن علم أنّ شُكْرَهُ مِن جُملة آلائه وأفضاله. بالشهادتین والصلاة وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا نظير له في ذاته، ولا شريكَ له في النطق أفعاله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رسولٌ خُصَّ مِن الإرسال الإلهي : بعمومه وختامه وكَماله، ومِن الحقّ المبين بصفوه ومَحْضه وزُلاله، وخُصَّ على مَن أطاعه واتَّبعه في أقواله وأفعاله بمحبة الله وهدايته الشّاملة له في جميع النبي قل﴾. أحواله، والفوز بالنعيم الأكبر؛ يوم يجدُ كلُّ عامل مَغَبَّة أعماله، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأكرمين، أهله وآله، ورضي الله عن صحابته المصطفین لإظهار الدین وإكماله. وبعد: فلما حصل من تلخيص كتاب مسلم وترتيبه وتبويبه المأمول، وسهل منهج إلى حفظه وتحصيله الوصول، رأينا أن نكملَ فائدته للطالبين، ونُسهِّل المؤلف. ٨٤ مقدمة كتاب المفهم السبيلَ إليه على الباحثين؛ بشرح غريبه والتّنبيه على نُكَتٍ من إعرابه، وعلى وجوه الاستدلال بأحاديثه، وإيضاح مشكلاته حسب تبويبه وعلى مساق ترتيبه، فنجمع فيه ما سمعناه من مشايخنا، أو وقفنا عليه في كتب أئمتنا، أو تفضّل الكريم الوهّاب بفهمه علينا على طريق الاختصار، ما لم يَدْعُ الكشفُ إلى التطويل والإكثار، حرصاً على التقريب والتسهيل، وعوناً على التفهُّم والتّحصيل، وسمّيته بـ : ((المُفْهِم لما أشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم) وقد اجتهدت في تصحيح ما نقلت ورأيت حسب وسعي فيما علمت، غير مدّع عصمة، ولا متبرىء من زلّة، والعصمة من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ووجه الله الکریم لا غيره قصدت، وثوابه أردت، وهو المسؤول في المعونة عليه، والانتفاع به، إنه طيّب الأسماء، سميع الدعاء . فلنشرع فيما ذكرناه مستعينين بالله تعالى. ٨٥ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم (١) [مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم] قال الشيخ الفقيه الإمام العالم المحدِّث أبو العباس ابن الشيخ الفقيه أبي حفص عمر الأنصاري القرطبي رحمه الله : الحَمدُ للهِ بِمَجَامع محامده (١) باب ما تضمنته خطبة الكتاب وصدره من المعاني والغريب (قوله: الحمد لله) الحمد لغةً: هو الثناءُ على مُثنَى عليه بما فيه من أوصاف معنى الحمد. الجلال والكمال، والشكر والثناء بما أولى من الإنعام والإفضال، وقد يوضع الحمد موضع الشكر ولا ينعكس، والشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، قال الشاعر : أفادتُكمُ النّعماءُ مِنِّي ثلاثةً يَدِي ولسانِي والضّميرَ المحجّبا قال ابن الأنباري: الحمد مقلوب المدح، والألف واللام في الحمد إذا نُسبتا إلى الله تعالى للجنس، أي: الحمد كلّه له، وهذا أولى مِن قول مَن قال: إنهما للعهد؛ بدليل خصوصية نسبته إلى هذا الاسم الذي هو أعم الأسماء دلالة وأشهرها استعمالاً، أَلا ترى أنهم لم يقولوا: الحمد للملك ولا للحق، ولأنه لم يجر ذكر معهود قبله فیحمل علیه. ٨٦ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب التي لا يُبْلَغُ مُنتهاها، والمحامد: جمع مَحمِدة بكسر الميم، كما قال الأحنفُ بن قيس: ألا أدلكم على المحمدة بلا مرية؟: الخلق السّجيح(١) والكفّ عن القبيح. وكان قياس ميم المحمدة التي هي عين الفعل أن تكون مفتوحة؛ لأن قياس الأفعال الثلاثية التي يكون الماضي منها على فَعِلَ مكسور العين، أن يكون الفعل منها مفتوح العين في المصدر والزمان والمكان، كالمشرب والمعلم والمجهل، لكن شذّت عنهم كلمات، قال أبو عمر الزاهد: لم يأتِ على مثال فعِلت مَفْعِلة إلا قولهم حَمِدت محمِدة، وحميت محمية، - أي: عصمت - وحسبت محسبة، ووددت مودِدة، وأنشد الراجز: ماليَ في صُدورِهم مِن مودِدة وزاد غيره: كبرت مكبرة ومكبراً. كما قال أعشى همدان: طلبت الصّبا لما علاني المِكْبَرُ وحكى ابن البياتي في كتابه الكبير: في ميم المحمدة الفتح. ونقل عن ابن دريد: مَحمِدة ومَحمَدة بالكسر والفتح، وقاله أيضاً ابن سِيدَه. وقال بعضُهم: إنَّ المحامدَ جمع حُمُد، على غير قياس، كالمفاقر جمع فُقُر. والأول أولى؛ لأن ما ليس بقياس لا يقاس عليه، إذ الجمع بينهما متناقض. وقد جُمعَ الحمد جمع القلة في قول الشاعر: وأبلجَ محمودِ الثّنايا خصصتُه بأفضلِ أَقوالي وأفضلِ أحمُدٍ و (قوله: التي لا يبلغ منتهاها) أي: لعجز البشر عن الإحصاء لقصور علمهم القصور عن الإحاطة بصفات الله وأسمائه. (١) ((الخُلُقَ السَّجيح): الليِّن السهل. ٨٧ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب والشُّكر له على آلائه وإن لم يكن أحدٌ أحصاها. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادَة مُحَقِّقٍ أصولَها عن الإحاطة بصفات الحقّ تعالى وأسمائه، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((لا أُحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك))(١). و (الآلاء): النعم، واحده إلىّ، كمِعِىّ وأمعاء، وقيل: ألىّ: كقفا وأقفاء، معنى الآلاء. قال الشاعر : أبيضُ لا يرهبُ الهُزالَ ولا يقطعُ رِحْماً ولا يحوزُ إلىّ يروى بالوجهين، وقيل: إِلَيّ كحِسْيٌّ وأَحساء. و (قوله: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) أي: أنطق بما أعلمه معنى وأتحققه. وأصل الشهادة الإخبار عما شاهد المخبر بحسّه. ثم قد يقال على ما الشهادتين. يحققه الإنسان ويتقنه وإن لم يكن شاهداً للحس؛ لأن المحقَّق علماً كالمدرك حسّاً ومشاهدة. .4.2 و (قوله: شهادة محقق أصولها محيط بمعناها) أصول الشهادة: أدلتها العقلية والسمعية، والإحاطة تعني ها هنا: العلم بمعناها في اللغة وفي عرف الاستعمال. و (محمد) مُفْعَّل من الحمد، وهو الذي کثرت خصاله المحمودة، قال الشاعر : إلى الماجدِ القرْمِ الجوادِ المحمَّدِ (٢) الأنبياء ولا في الرسل مَن له من الخصال المحمودة ما اختصاص ولما لم يكن في النبي ◌َخر باسم (١) رواه مسلم (٤٨٦)، والنسائي (٢٢٥/٢)، والموطأ (٢١٤/١)، وأبو داود (٨٧٩)، والترمذي (٣٤٩١)، محمد. وابن ماجه (٣٨٤١). (٢) هذا عجز بيت للأعشى، وصدره: إليكَ - أبيتَ اللَّعْنَ - كان كَلاَلُها ٨٨ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب محيطٍ بمعناها، وأشهد أن محمداً رسولٌ حَلَّ مِنْ رُبا النبوة أعلاها فعلاها، وحمل مِن أعباء الرِّسالة إذَّها، فاضطلع بها وأدَّاها، فجلا الله به عن البصائر لنبينا ◌َ﴿ خصّه الله من بينهم بهذا الاسم، كيف لا، وهو الذي يحمده أهلُ المحشر كلهم، وبيده لواء الحمد تحته آدم فمن دونه، على ما يأتي. و (الرُّبا) جمع رَبْوَة، وهو ما ارتفع من الأرض وطاف، وفيها لغات: فتح الراء، وضمها، وکسرها. وقد قُرِىء بها. وقيل: رَباوة، بفتح الراء وزيادة الألف. قال الشاعر: منْ مَنْزِلي في عَرْصَةٍ برباوةٍ بَيْنَ النَّخيلِ إِلى بَقِيعِ الغَزْقَدِ معنى النبوة. و (النّبوة) مأخوذة من النبأ، وهو الخبر، فأصلها إذاً الهمز، ثم سهلت كما سهلوا خابية، وهي من خبأت. وقيل: هي مأخوذة من الثُبُوة. وهو المرتفع عن الأرض. و (الأعباء) جمع عبء. وهو الثقل، وأصله: ما يحمله الإنسان مما يشقُّ ويثقل من عزم أو مشقة. و (إذها) أثقلها وأشقها، في ((الصحاح)): آدَني الحمل يُؤُودُني: أثقلني. ومَؤُدد: مثل مَقُول. يقال: ما آدني، فهو لي آئد، قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَقُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]. أي: لا يثقله ولا يشقّ عليه. و (قوله: فاضطلع بها) أي: قام بها وقوي عليها، وهو بالضاد المعجمة أخت الصاد. من قولهم: ضَلُعَ الرجل: بضم اللام، ضَلاعةً فهو ضَليع. أي: قويٌّ وصُلْبٌ. فأما ضَلَع بفتح اللام. فمعناه: اعوج. ومصدره: الضلَع بفتحها، واسم الفاعل من هذا أو من الذي قبله: ضالع. و (جلا) معناه: كشف. ومنه: جلوت السيف والعروسَ جلاءً. و (البصائر) جمع بصيرة. وهي عبارة عن سرعة إدراك المعاني وجَودة فهمها . ٨٩ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب رَيْنَها، وعن الأبصار عَشاها. صلى الله عليه من الصلوات أفضلها وأزكاها، وأبلغه عنّا من التحياتِ أكملها وأولاها، ورضي اللهُ عن عِثْرته وأزواجه وصحابته ما سفرت شمسٌ عن ضحاها. وبعد: و(رَيْنُ) القلب: ما يغلب عليه مما يفسده ويقسّيه، وهو المعبَّر عنه بالطبع والختم في قول أهل السنة. و (العَشا) بفتح العين والقصْرِ: ضعف في البصر. وبكسرها والمد: الوقت المعروف. ويفتحها والمد: ما يؤكل في هذا الوقت مقابل الغداء. و (أزكاها) أكثرها وأنماها. من قولهم: زكا الزرع يزكو. و (التحيات) جمع تحية. وهي هنا: السلام. وأصل التحية: المُلْك. ومنه: قولهم: حيَّاك الله. أي: ملَّكك الله. قاله القتبي. و (العِترة): الذرِّية والعشيرة القربی والبعدی، وليس مخصوصاً بالذرية. كما قد ذهب إليه بعضهم، حتى قال: إن عترة رسول الله وَ ج هي ولد فاطمة خاصة. ويدلّ على صحّة القول الأول: قول أبي بكر رضي الله عنه فيما رواه ابن قتيبة: نحن عِترة رسول الله وَلير التي خرج منها، وبيضته التي تفقأت عنه، وإنما جيّت عنّا كما جُيِّبَت الرحا عن قطبها(١). و (سَفَرَت) كشفت. يقال: سفرت الشيء سفراً: كشفته، ومنه: سفرت المرأة عن وجهها سفوراً؛ إذا أزالت خمارها. وأما أسفر الصبح: فأضاء. وأسفر القوم: ساروا في إسفار من الصبح. و (الضُّحى): صدر النهار، بالضم والقصر. وهي حين شروق الشمس. وهي مؤنثة. فأما الضحاء بالمد: فارتفاع النهار الأعلى. وهو مذكر. قاله أبو عبيد. و (النتائج) جمع نتيجة، وكثّى بها هنا عن البراهين العقلية. فإنها قضت بما ذكرناه جوازاً وإمكاناً، و (أدلة الشرع) هي أخباره الصادقة، فإنها قضت بذلك وقوعاً وعياناً. (١) انظر النهاية لابن الأثير (١٧٧/٣). ((جيبت)): أبعدت. ((قطبها)): القطب: حديدة في الطبق الأسفل من الرحا، يدور عليها الطبق الأعلى. ٩٠ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب فلما قضت نتائج العقول وأدلة الشرع المنقول؛ أن سعادة الدارين منوطة بمتابعة هذا الرسول، وأن المحبة الحقيقية باقتفاء سبيله واجبة الحصول ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَأَتَِّعُونِ﴾ [آل عمران: ٣١] انتهضت هممُ أعلام العلماء والسادة الفضلاء إلى البحث عن آثاره - أقواله، وأفعاله، وإقراره - فحصَّلوا ذلك ضبطاً وحفظاً، وبلّغوه إلى غيرهم مشافهة ونقلاً، ومیَّزوا صحيحه مِنْ سَقیمه، سعادة الدارين. الهداية الحقيقية. و (سعادة الدارين) هي نيل مراتبهما ومصالحهما ونفي مفاسدهما، و (منوطة): معلّقة، يقال: ناط الشيء ينوطه؛ إذا علَّقه، والإشارة به إلى نحو قوله تعالى: ﴿قُلٌ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللّهَ فَتَِّعُونِي يُحْيِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. والهداية الحقيقية هي فعل الطاعات الشرعية، والحصول على ما وعد عليها من الدرجات الأخروية، والإشارة إلى نحو قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤]. وتجوز بالحقيقة عن الهداية التي هي مجرد الإرشاد والدلالة التي هي نحو قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُوُدُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]. و (الاقتفاء): التتبع، من قولهم: اقتفيتُ أثره وقفوته، وأصله من القفا والقافية. و (قوله: واجبة الحصول) أي: بحسب الوعد الصدق، والأشراط الحق، نحو ما تقدم، ولا يجب على الله تعالى شيء لا بالعقل ولا بالشرع، فإن ذلك كله محال على ما يعرف في علم الكلام. و (الأعلام): المشاهير، جمع عَلَم، و (السادة): جمع سيد، وهو الذي آثار النبي﴾. يسود غيره؛ أي: يتقدم عليه بما فيه من خصال الكمال والشرف. وآثار النبي وَلفيه: هي ما يؤثر عنه وينقل؛ أي: يتحدث بما فيه من حسن خصال الكمال، من قولهم: أثرت الحديث أثرةً. أقسام الحديث. و (قوله: وميزوا صحيحه من سقيمه)، اختلفت عبارات المحدثين في أقسام الحديث فقال أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري، وهو المعروف بابن ٩١ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب البَيِّع في كتاب ((المدخل)) له: الصحيح من الحديث على عشرة أقسام: خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها، فالأول من المتفق عليه: اختيار البخاري ومسلم وهو ألَّ يذكرا من الحديث إلا ما رواه صحابي مشهور عن رسول الله * له راويان فأكثر؛ ثم يرويه عنه تابعي مشهور الرواية عن الصحابة له هو أيضاً راويان فأكثر، وكذلك مَنْ بعدهم حتى ينتهي الحديث إليهما. قال: والأحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف. الثاني: مثل الأول، لكن ليس لراويه من الصحابة إلا راوٍ واحد. الثالث: مثله إلا أن راویه لیس له من التابعین إلا راوٍ واحد. الرابع: الأحاديث الأفراد الغرائب التي رواها الثقات العدول. الخامس: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتر الروايةُ عن آبائهم وأجدادهم إلا عنهم، كصحيفة عمرو بن شعيب وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وأبان بن معاوية بن قرة عن أبيه عن جده، وأجدادهم صحابة، وأحفادهم ثقات. قال: فهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة، محتج بها، وإن لم يخرج في الصحيحين منها شيء، قلت: يعني غير القسم الأول. قال الحاكم: والخمسة المختلف فيها: المراسيل، وأحاديث المدلّسين إذا لم يذكروا سماعاتهم، وما أسنده ثقة وأرسله جماعة من الثقات غيره، ورواية الثقات عن الحفاظ العارفين، ورواية المبتدعة إذا كانوا صادقين. قلت: هذا تلخيص ما ذكره، وعليه فيه مؤاخذات سيأتي بعضها. وأشبه من تقسيمه ما قاله الخطابي أبو سليمان قال: الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وسقيم. فالصحيح: ما اتصل سنده؛ وعُدّلَتْ نَقَلَتُه. والحسن: ما عرف مَخْرَجُه؛ ٩٢ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب واشتهر رجاله؛ وعليه مدارُ أكثر الحديث؛ وهو الذي نقله العلماء ويستعمله عامة الفقهاء. والسقيم على طبقات: شرها الموضوع والمقلوب ثم المجهول. وقال أبو عيسى الترمذي: كل حديث حَسُنَ إسناده؛ ولا يكون في إسناده من يُنَّهم بالكذب؛ ولا يكون الحديثُ شاذاً، وروي عن غير وجه ونحو ذلك؛ فهو عندنا حسن. وقال أبو علي الغسّاني: الناقلون سبع طبقات: الأولى: أئمة الحديث وحُفَّاظه، وهم الحجّة على من خالفهم، ويُقبل انفرادهم. الثانية: دونهم في الحفظ والضَّبط، ولكنهم لحقهم في بعض روايتهم وهمٌّ وغلط، والغالب على حديثهم الصحة، ويصحّح ما وهموا فيه من رواية الطبقة الأولی؛ وهم لاحقون بهم. الثالثة: جنحت إلى مذاهب من الأهواء غير غالية ولا داعية، وصحّ حديثها؛ وثبت صدقها، وقلَّ وهمها، فهذه الطبقة احتمل أهل الحديث الرِّواية عنهم. قال: وعلى هذه الطبقات الثلاث يدور الحديث، وإليها أشار مسلم في صَدْر كتابه لما قسم الحديث على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات، فلم يُقَدَّر له إلا الفراغ من الطبقة الأولى، واخْترَمَتْهُ المنية. وثلاث طبقات أسقطهم أهلُ المعرفة: الأولى: من وُسِم بالكذب وَوَضْع الحديث. الثانية: مَن غَلَب عليهم الوهم والغلط حتى تستغرق روايتهم. الثالثة: من غلا في البدعة، ودعا إليها، وحرَّف الرواية ليحتجّوا بها. والسابعة: قوم مجهولون انفردوا بروايات لم يُتابعوا عليها، فقبلهم قوم، ووقفهم آخرون. قلت: وهذا التقسيم أشبه مما قبله. ٩٣ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب ومعوّجه من مستقيمه، إلى أن انتهى ذلك إلى إمامَيْ علماء الصحيح المبرِّزين في علم التعديل والتجريح: أبي عبدالله محمد بن وعليه: فالصحيح حديث الطبقة الأولى، والحسن حديث الطبقة الثانية، وهو حجة لسلامته عن القوادح المعتبرة. وأما حديث الطبقة الثالثة: فاختلف في حديثها على ما يأتي، وأما الطبقات الثلاث بعدها فهم متروكون، ولا يُخْتَجُّ بشيء من حديثهم، ولا يختلف في ذلك. ويلحق بهم السابعة في الترك، ولا يُبالى بقول من قَبِلَهم؛ إذ لا طرائق إلى ظن صدقهم، إذ لا تُعرف روايتهم ولا أحوالهم، ومع ذلك فقد أتوا بالغرائب والمناكير، فإحدى العلّتين كافية في الردّ، فكيف إذا اجتمعتا؟ !. و (قوله: ومعوجه من مستقيمه) أشار بالمعوج إلى ما كان منها منكر المتن؛ ولم يشبه كلام النبي ◌َ﴿. كما قال أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب: (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية): إن من الأحاديث الموضوعات أحاديث طوالاً، لا يخفى وضعها وبرودة لفظها؛ فهي تنطق بأنها موضوعة، وأن حاشية رسول الله وَالته ترق عنها. وقال الشيخ: وإلى هذا النحو أشار النبي ◌َّه بقوله: ((إذا حُدِّثْتُم عني بحديثٍ تعرفونه ولا تنكرونه فصدِّقوا به، وما تنكرونه فكذِّبوا به؛ فأنا أقولُ ما بعرف ولا ینکر، ولا أقول ما ینکر ولا یعرف»(١) خرجه الدارقطني من حديث ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبيه عن أبي هريرة. و (المبرِّز) هو المُطِلُّ على الشيء الخارج عنه، وهو اسم فاعل من برَّز (١) رواه الدارقطني في السنن (٢٠٨/٤)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٣٢/١) في ترجمة: أشعث بن بَرَاز الهُجَيْمي، وقال: ليس لهذا اللفظ عن النبي وَّ إسناد يصح. وأشعث هذا: منكر الحديث. انظر: ميزان الاعتدال (١/ ٢٦٢). ٩٤ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب إسماعيل الجُعْفيِّ البخاريِّ، - مشدد الراء - وأصله من برز حقيقة بمعنى: خرج إلى البَراز بفتح الباء، وهو الفضاء المتسع من الأرض، وضُوعف تكبيراً. (البخاري): هو أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبه، وبَرْدِزْبه مجوسي مات عليها، والمغيرة بن بَرْدِزْبه أسلم على يدي يمان البخاري الجعفي والي بُخارى، ولذلك نُسب أبو عبدالله البخاري؛ فقيل فيه: جُعْفي، فهو الجعفي ولاءً، والبخاري بلداً، وهو العَلَم المشهور، والحامل لواء علم الحديث المنشور، صاحب التاريخ الصحيح، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحد حفّاظ الإسلام، ومَن حفظ اللهُ به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام، رحل في طلب الحديث إلى القرى والأمصار، وبالغ في الجمع منه والإكثار، لقي مَن كان في عصره من العلماء والمحدِّثين، وأدرك جماعةً أدركوا التابعين، كمكي بن إبراهيم البلخي، وأبي عاصم النّبيل، ومحمد بن عبدالله الأنصاري، وعصام بن خالد الحمصي، وهم أدركوا متأخري التابعين. ارتحل إلى عراق العرب والعجم، وإلى مصر والحجاز واليمن، وسمع بها مِن خلق كثير ربما يزيدون على الألف باليسير، قال جعفر بن محمد بن القطان: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألف شيخ أو أكثر، ما عندي حديثٌ إلا أذكر إسناده. روى عنه جمع كبير من الأئمة الحفاظ، كأبي حاتم الرازي، ومسلم بن الحجّاج القشيري، وأبي عيسى الترمذي، ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وأبي حامد بن الشّرْقِي، وإبراهيم بن إسحاق الحزبي، في آخرين يطول ذكرهم، وروى عنه الجامع الصحيح أبو حيان مهيب بن سليم الدّقاق، وإبراهيم بن معقل النسفي، ومحمد بن يوسف بن مطر الفرَبْرِي، وهو آخرهم. وقال محمد بن يوسف الفربري: سمع کتاب البخاري تسعون ألف رجل، فما بقي أحدٌ يرويه غيري. ومولد البخاري يوم الجمعة بعد صلاتها لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال ترجمة البخاري. ٩٥ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب سنة أربع وتسعين ومئة. وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء من ليلة الفطر من شوال سنة ست وخمسين ومئتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يوماً. شهد له أئمةُ عصره بالإمامة في حفظ الحديث ونقله، وشهدت له تراجمُ كتابه بفهمه وفقهه، قال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخاري، وقال له مسلم بن الحجاج - وقد سأله عن علل الأحاديث فأجابه - فقال له: ما يَبْغُضُك إلّ حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك. وقال أبو بكر الجوزقي: سمعت أبا حامد بن الشرقي أو غيره يقول: رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي البخاري كالصبي بين يدي مُعلُّمه. وقال حامد بن أحمد: ذكر لعلي بن المديني قول محمد بن إسماعيل البخاري: ما تصاغرتْ نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني، فقال: ذروا قوله هو، ما رأی مثل نفسه. وذكر أبو أحمد بن عدي: أن البخاري لما قدم بغداد امتحنه المحدِّثون بأن قلبوا أسانيد مئة حديث، فخالفوا بينها وبين متونها، ثم دفعوها لعشرة أنفس، لكل واحد عشرة أحاديث، فلما استقرّ به المجلسُ قام إليه واحد من العشرة فذكر له حديثاً من عشرته المقلوبة فسأله عنه، فقال له البخاري: لا أعرف هذا. ثم سأله عن بقية العشرة واحداً واحداً وهو في كل ذلك يقول: لا أعرف. ثم قام بعده ثانٍ ففعل له مثل ذلك، ثم قام ثالث كذلك، حتى كمّل العشرةُ المئةَ الحديث. فلما فرغوا دعا بالأول فرة ما ذكر له من الأحاديث إلى أسانيدها، ثم فعل ببقية العشرة كذلك، إلى أن ردّ كلَّ متن إلى سنده، وكل سند إلى متنه، فَبُهت الحاضرون، وأُعْجِب بذلك السامعون، وسلَّموا لحفْظِهِ، واعترفوا بفضله. وقال الدارقطني: لولا البخاريُّ ما ذهب مسلم ولا جاء. وقال أحمد بن محمد الكراسي: رحم الله الإمام أبا عبدالله البخاري؛ فإنه الذي ألف الأصول وبيّن للناس، وكل من عمل بعده فإنما أخذه من كتابه، كمسلم بن الحجاج فرق كتابه في ٩٦ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب كتبه، وتجلد فيه حقّ الجلادة، حيث لم ينسبه إلى قائله، ومنهم من أخذ كتابه فنقله بعينه كأبي زُرعة وأبي حاتم فقال محمد بن الأزهر السّجزي: كنت بالبصرة في مجلس سليمان بن حرب، والبخاري جالس لا يكتب، فقال بعضهم: ما له لا یکتب؟ فقال: يرجع إلى بخاری فیکتب من حفظه. وقال محمد بن حمدويه: سمعت البخاري يقول: أحفظ مئة ألف حديث صحيح، وأعرف مئتي ألف حديث غير صحيح. وأخباره كثيرة، ومناقبه شهيرة، وإمامته وعدالته وأمانته متواترة، كل ذلك من حاله معروف، ومن فضله موصوف. والعجب مما ذكره أبو محمد بن أبي حاتم في ترجمة البخاري فقال: إنّ أبي وأبا زُرعة تركاه، يعني: البخاري؛ لأنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق. ولم ينقل شيئاً من فضائله، وكأنه أعرض عنه، وصغّر أمره. قلتُ: وهذا ترك يجب تركه، وتصغير يتعيّن ضدّه؛ كيف يُنْزل مثل هذا الإمام لحق أظهره في الأنام، وتُطاع فيه أهواء الطَّعام(١). وقد ذكر ابنُ عدي هذه القصة فقال: عُقِد له المجلس بنيسابور فَدُسَّ عليه سائلٌ فقال: يا أبا عبد الله! ما تقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟ فأعرض عنه، فألحّ عليه فقال: القرآن قد تمّ غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والسؤال عنه بدعة. وهذا الذي قاله - رضي الله عنه - هو غاية التحقيق والتحرّز؛ ولكن نسأل الله العافية من إصابة عين الحساد ومناكدة الأضداد ولا شك، إلا أن الرجل عُلِم فَضْلُه، وكثر الناس عليه فَحُسِدَ. قال علي بن صالح بن محمد البغدادي مستملي البخاري: كان يجتمع في مجلس البخاري أكثر من عشرين ألفاً، قال المصعب: محمد بن إسماعيل أفقه عندنا من أحمد بن حنبل، ولو أدركت مالكاً ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن (١) ((الطَّغام)): أزْذال الناس وأوغادهم. ٩٧ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب وأبي الحسين مسلم بن الحجَّاج القُشَيْرِي النَّيْسَابوريٍّ، فجمعا كتابيهما على شرط الصحة،. إسماعيل لقلت: كلاهما في الفقه والحديث واحد. وقال يعقوب بن إبراهيم الدّورقي: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. وأما (مسلم) فيكنى: أبا الحسين بن الحجاج، قُشيريُّ النسب، نيسابوريُّ ترجمة مسلم. الدارِ، وقد ذكر في صدر الكتاب الملخص الذي هذا شرحه من أقوال العلماء في مسلم من الثناء عليه وعلى كتابه جملة صالحة؛ بحيث إذا قُوبلت بما قيل في البخاري وفي كتابه كانت مكافئةً لها أو راجحةً عليها، والحاصلُ من معرفة أحوالهما: أنهما فرسا رهان، وأنهما ليس لأحد في حلبتهما بمسابقتهما ولا مساوَقَتِهِمَا يدان. سمع مسلم بخراسان، وارتحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر كارتحال البخاري. وسمع من يحيى بن يحيى التّميمي، وقتيبة بن سعيد البلخي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والقعنبي، ومسلم بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، وخلقاً كثيراً يطول ذکرهم. روى عنه إبراهيم بن سفيان الزاهد المروزي، وأبو محمد أحمد بن علي بن الحسن القلانسي، ولا يروى كتابه إلا من طريقهما، وروى عنه أيضاً مكِّيُّ بن عبدان، ویحیی بن محمد بن صاعد، ومحمد بن مخلد، وآخرون. توفي عشية يوم الأحد، ودفن يوم الإثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومئتين، وقد وافى سنّ الكهولة، مات وهو ابن خمس وخمسين سنة. منهج البخاري و (قوله: فجمعا كتابيهما على شرط الصحة) هذا هو الصحيح الحاصل من ومسلم في أشراط البخاري ومسلم في كتابيهما. قال إبراهيم بن معقل: سمعت البخاري كتابيهما. ٩٨ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب يقول: ما أدخلت في كتاب الجامع الصحيح إلا ما صح، وقد تركت من الصحيح خوفاً من التّطويل. وقال أبو الفرج الجوزي: ونقل عن محمد بن إسماعيل أنه قال: صنّفتُ كتابَ الصحيح في ست عشرة سنة من ستمئة ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين الله تعالى. وقال لي الفربري: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعتُ في كتاب الصحيح حديثاً إلا اغتسلتُ قبل ذلك، وصلَّْتُ ركعتين. وقال عبد القدوس بن هشام: سمعت عشرة من المشايخ يقولون: دوّن محمد بن إسماعيل تراجم جامِعِهِ بين قبر النبي ◌َّه وبين منبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين. وقال الحسين بن محمد المَاسَرْجِسِي: سمعت أبي يقول: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمئة ألف حديث مسموعة. وقال إبراهيم بن سفيان: قال لي مسلم: ليس كل صحيح وضعت هنا، وإنما وضعت ما أجمعوا عليه. فهذه نصوصهما على أن شرطهما إنما هو الصحيح فقط، وأما ما ادعاه الحاكم عليهما من الشرط الذي قدمنا حكايته عنهما فشيء لم يصح نقله عنهما، ولا سَلَّم له النُّقَّادُ ذلك، بل قد قال أبو علي الجياني لما حكى عنه ما ادعاه من الشرط: ليس مراده به أن یکون کل خبر رویاه يجتمع فيه راویان عن صحابييه وتابعييه ومن بعده؛ فإن ذلك يعزّ وجوده، وإنما المراد أن هذا الصحابي وهذا التابعي قد روى عنه رجلان خرج بهما عن حدّ الجهالة. قلت: فقد بَطَل ظاهرُ ما قاله الحاكم بما قاله أبو علي؛ فإن حاصل ما قاله أبو علي: أنهما لم يُخرّجا عن مجهول من الرواة، على أن أبا أحمد بن عدي ذكر شيوخ البخاري، وذكر منهم أقواماً لم يرو عنهم إلا راوٍ واحد، وسماهم عيناً عيناً، وقال: لم يرو عنهم إلا راوٍ واحد، وليسوا بمعروفين، فلولا التطويلُ لنقلنا (١) عنه ما قاله، وعلى هذا فشرطهما أن يخرجا في كتابيهما ما صح عندهما وفي ظنونهما، ولا يلزم من (١) في (م) لقلنا. ٩٩ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب وبذلا جُهدهما في تبرئتهما مِنْ كلِّ عِلَّة، فتمَّ لهما المراد، وانعقد الإجماع على تلقيبهما باسم الصحيحين أو كاد. فجازاهما الله عن الإسلام أَفْضَلَ الجزاء، ووفّاهما من أجر مَنِ انتفع بكتابيهما أفضل الإجزاء. ذلك نفي المطاعن عن كل من تضمّنه كتاباهما؛ فقد يظهر لغيرهما من النقاد ما خفي عنهما، لكن هذا المعنى المشار إليه قليل نادر لا اعتبار به لندوره. و (قوله: وبذلا جهدهما في تبرئتهما من كل علة) الجُهد - بضم الجيم -: الطاقة والوسع، وبفتحها: المشقة، ويعني بذلك أنهما قد اجتهدا في تصحيح أحاديث كتابيهما غاية الاجتهاد، غير أن الإحاطة والكمال لم يَكْمُلا إلا لذي العظمة والجلال؛ فقد خرّج النقاد كأبي الحسن الدارقطني، وأبي علي الجيَّاني عليهما في كتابيهما أحاديث ضعيفة، وأسانيد عليلة، لكنها نادرة قليلة، وليس فيها حديث متفق على تركه، ولا إسناد مجمع على ضعفه؛ لكنها مما اختلف فيه؛ ولم يُخ لواحد منهما في شيء منها قدح فيخفيه، بل ذلك على حسب ما غلب على ظنه، وحصل في علمه، وأكثر ذلك مما أردفاه على إسناد صحيح قبله زيادة في الاستظهار، وتنبيهاً على الإشهار، والله أعلم. وسيأتي التنبيه على بعض تلك الأحاديث إن شاء الله تعالى. (فقوله: فتم لهما المراد وانعقد الإجماع على تلقيبهما باسم الصحيحين أو لقب كاد) هذه ((أو كاد)): معطوفة على ((تم لهما المراد))، وتحرزنا بها عن الأحاديث الصحيحين. المعللة المنتقدة عليهما كما ذكرناه آنفاً، وأما انعقاد الإجماع على تسميتهما بالصحيحين، فلا شك فيه، بل قد صار ذكر الصحيح عَلَماً لهما، وإن كان غيرهما بعدهما قد جمع الصحيح(١) واشترط الصحة؛ كأبي بكر الإسماعيلي الجرجاني، (١) في (ع) الصحيحين. - ١٠٠ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب غير أنه قد ظهر لكثير من أئمة النقل وجهابذة النقد: أن لمسلم ولكتابه من المزيَّة ما يوجب لهما أولَوِيَّةً. فقد حكى القاضي أبو الفضل عياض الإجماع على إمامته وتقديمه وصحة حديثه وتميُّزِه وثقتِه وقبولٍ کتابه . وكان أبو زرعة وأبو حاتم يُقدِّمانه في الحديث على مشايخ عصرهما . وقال أبو علي الحسن بن علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء أصحّ من كتاب مسلم. وقال أبو مروان الطيبي: كان من شيوخي من يفضّل كتابَ مسلم على کتاب البخاري. ٢ وقال مسلم بن قاسم في ((تاريخه)): مسلم جليلُ القدر، ثقة، من أئمة المحدِّثين. وذكر كتابه الصحيح فقال: لم يضع أحد مثله. وأبي الشيخ ابن حيان الأصبهاني، وأبي بكر البرقاني، والحاكم أبي عبدالله، وإبراهيم بن حمزة، وأبي ذر الهرويِّ، وغيرهم، لَكِنِ الإمامان أحرزا قصب السباق، ولقب كتاباهما بالصحيحين بالاتفاق. قال أبو عبدالله الحاكم: أهل الحجاز والعراق والشام يشهدون لأهل خراسان بالتقدم في معرفة الحديث لسبق الإمامين البخاري ومسلم إليه وتفردهما بهذا النوع. (والجهابذة) جمع جِهْيِذ، وهو الحاذق بالعمل الماهر فيه، وقول مسلم: (ليس كل الصَّحيح وضعتُ هنا، وإنما وضعت ما أجمعوا عليه)) يعني به والله أعلم: من لقيه من أهل النقد والعلم بالحديث، والله أعلم. الطبي