Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إِلَّا مِنْ حَدِيثٍ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةً، وَمُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبَانَ الرَّقَاشِيُّ يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ. ٣٢٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ أبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ الله قَدْ شِبْتَ، قَالَ: ((شَيَّبَتْنِي هُودُ، وَالوَاقِعَةُ، وَالمُرْسَلَاتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾)) [التكوير: ١]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، نَحْوَ هَذَا. قوله: (شيبتني هود) إلخ، إسناد التشييب إلى ((الواقعة)) و(المرسلات)) و((النبأ)) و((التكوير)) ظاهر لما فيها من ذكر أهوال القيامة وأحوالها، وأما نسبته إلى (هود)) فقيل: لما فيها من ذكر الأمم السالفة وما جرى عليهم من العقوبات، وقيل: بل [١] [١] قال الدمنتي: روى البيهقي وابن عساكر عن أبي القاسم القشيري قال: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، سمعت أبا علي الشبوي يقول: رأيت النبي وَ يّ نوماً، فقلت: روي عنك أنك قلت: ((شيتبني هود))، قال: ((نعم))، فقلت: ما الذي شيبك منها؟ هل قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ فقال: ((لا، ولكن قوله: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]»، ثم ذكر هذه السور ليس للحصر، بل المراد أمثالها، فلا يرد ما قال المناوي: زاد الطبراني في رواية: و﴿اَلْمَآَفَّةُ﴾، وزاد ابن مردويه في أخرى: و﴿هَلْ أَتَكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، وزاد ابن سعيد في أخرى: ﴿الْقَارِعَةُ ﴾، و ﴿سَأَلَ سآپٌ ﴾، وفي أخرى: و ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ﴾،انتهى. [٣٢٩٧] ك: ٣٣١٤، هب: ٧٥٨، تحفة: ٦١٧٥. ٤٦٢ الكَوَكَبُ الدُّرِّي وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ شَيْءٍ مِنْ هَذَا مُرْسَلاً(١). لما فيها من قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢]، فإن الأمر بالاستقامة، وإن كان وارداً في سورة الشورى أيضاً وهو قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتٌّ وَلَا نَّبِعْ أَهْوَاءَ هُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍ﴾ [الشورى: ١٥] إلا أن أمر الاستقامة في ((هود)) لما شمله (١) مَّيّ بأمته كان أشد. [١] وبذلك جزم المناوي في ((شرح الشمائل))، وقال القاري(٢) بعد ما روى عن ((شرح السنة)) قصة المنام المذكورة: هو لا ينافي أسباباً أخر مذكورة في سائر السور مع أن مرجع الكل إليها، ولذا قيل: الاستقامة خير من ألف كرامة، ولا يرد عليه أنه مذكور في ((الشورى)) أيضاً، مع أنه لا دلالة في الكلام على الحصر حتى يحتاج إلى الجواب بأنه أول ما سمع في (هود))، أو بأن الاستقامة في ((الشورى)) مختصة به، بخلاف ما في ((هود)) إلى آخر ما ذكره، ثم الحديث عدّه السيوطي في ((التدريب))(٣) من أمثلة المضطرب، وحكى عن الدار قطني أنه مضطرب، فإنه لم يرد إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه، فمنهم من رواه مرسلاً، ومنهم من رواه موصولاً، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، وغير ذلك، ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر، انتهى. قلت: وإلى شيء من الاختلاف في ذلك أشار المصنف أيضاً. (١) زاد في نسخة: ((وروى أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن أبي عكرمة عن النبي ◌ِالثّ. نحو حديث شيبان عن أبي إسحاق، لم يذكر فيه: عن ابن عباس. حدثنا بذلك هشام بن عروة الهروي، حدثنا أبو بكر بن عياش. (٢) ((جمع الوسائل)) (٩٣/١). (٣) ((تدريب الراوي)) (١/ ٣١٢). ٤٦٣ أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٥٧ - سُورَةُ الحَدِيدِ ٣٢٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، الْمَعْنَى وَاحِدُ، قَالُوا: نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَ(١) الحَسَنُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَبِيُّ الله ◌َ ◌ّهِ جَالِسٌ وَأَصْحَابُهُ إِذْ أَتَى عَلَيْهِمْ سَحَابُ، فَقَالَ نَبِيُّ الله ◌َ له: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟)) قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((هَذَا العَنَانُ هَذِهِ رَوَايَا الأَرْضِ، يَسُوقُهُ الله إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْكُرُونَهُ وَلَا يَدْعُونَهُ»، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَكُمْ؟)) قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّهَا (٢) الرَّقِيعُ، سَقْفُّ مَحْفُوظُ، وَمَوْجُ مَكْفُوفٌ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا؟» ٥٧ - سورة الحديد قوله: (فإنها الرقيع) أي: مرفوع بعضها[١] ببعض. ومعنى قوله: (موج مكفوف)[٢] على التشبيه، أي: مثل الموج في الصفاء والشفيف. [١] إشارة إلى وجه التسمية، وقال المجد(٣): كأمير: السماء، أو السماء الأولى، والرقع: السماء السابعة، وقال القاري(٤): الرقیع اسم لسماء الدنيا، وقيل: لکل سماء، انتهى. [٢] هو أوجه مما قال القاري: هي معلقة بلا عمد كالموج المكفوف. [٣٢٩٨] حم: ٢/ ٣٧٠، تحفة: ١٢٢١٥٣. (١) في نسخة: ((ثنا)). (٢) في نسخة: ((وإنها)). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٦٧). (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٩/ ٣٢٢٧). ٤٦٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِائَةِ سَنَةٍ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟)) قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ سَمَاءَيْنِ، مَا بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةٍ عَامٍ(١) حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَا (٢) بَيْنَ السَّمَاءِ وَالَأَرْضِ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟» قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ العَرْشَ، بَيْنَهُ(٣) وَبَيْنَ السَّمَاءِ بُعْدُ مَا (٤) بَيْنَ السَّمَاءَيْنِ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِي تَحْتَكُمْ؟)) قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:((فَإِنَّهَا الأَرْضُ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِي تَحْتَ ذَلِكَ؟» قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّ تَحْتَهَا أَرْضًا أُخْرَى، بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَّةٍ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضِينَ، بَيْنَ كُلِّ أَرْضَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِائَةِ سَنَةٍ)، ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّكُمْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلٍ إِلَى الأَرْضِ السُّفْلَى لَهَبَطَ عَلَى اللهِ، ثُمَّ قَرَّأَ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَّهِرُ وَالْبَالِثُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾) [الحديد: ٣]. هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَيُرْوَى عَنْ أَيُّوبَ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَعَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ، قَالُوا: لَمْ يَسْمَعِ الحَسَنُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (١) في نسخة: ((سنة)). (٢) في نسخة: ((کما». (٣) في نسخة: ((وبينه)). (٤) في نسخة: ((مثل)) بدل ((ما)). ٤٦٥ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن فَسَّرَ(١) بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالُوا: إِنَّمَا هَبَطَ عَلَى عِلْمِ الله وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَعِلْمُ الله وَقُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهُوَ عَلَى العَرْشِ كَمَا وَصَفَ فِي كِتَابِهِ. ٥٨ - سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ ٣٢٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الحُلْوانِيُّ، الْمَعْنَى وَاحِدُ، قَالَا: نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً قَدْ أُوتِيتُ مِنْ جِمَاعِ النِّسَاءِ مَا لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي، فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَانُ تَظَاهَرْتُ قوله: (وفسر بعض أهل العلم) إلخ، وإنما أراد بذلك التفسير [١] أن يكف أوهام العوام عن الوقوع فيما يستضرون به، وإلا فقد علموا أن لا فكاك، ثم بين الذات والصفات، فإنما الرب سبحانه وتعالى فوق كل شيء وتحت كل شيء. ٥٨ - سورة المجادلة [١] قال القاري(٢): وفي قول الترمذي إشعار إلى أنه لا بد لقوله: (لهبط على الله)) من هذا التأويل المذكور، ولقوله: ((على العرش استوى)) من تفويض علمه إليه تعالى والإمساك عن تأويله، كما سبق أن بعضاً من خلاف الظاهر يحتاج إلى التأويل، ومنها ما لا يجوز الخوض فيه، انتهى. وفي ((المجمع)): قول الترمذي إشارة إلى وجوب تأويل ((هبط على الله)، وتفويض «استوی علی العرش»، انتھی. [٣٢٩٩] تقدم تخريجه في ١١٩٨. (١) في نسخة: ((وفسر)). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٦٩/٩). ٤٦٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي مِنِ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ فَرَقًّا مِنْ أَنْ أُصِيبَ مِنْهَا فِي لَيْلِي، فَأَتَتَابَعَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُدْرِكَنِي النَّهَارُ وَأَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَنْزِعَ، فَبَيْنَمَا هِيَ تَخْدُمُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شَيْءُ فَوَثَبْتُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي، فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا مَعِي إِلَى رَسُولِ اللهِوَ لَ فَأَخْبِرُوهُ بِأَمْرِي، فَقَالُوا: لَا وَالله لَا نَفْعَلُ، نَتَخَوَّفُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنُ، أَوْ يَقُولَ فِينَا رَسُولُ اللهِوَ لَّهِ مَقَالَةً يَبْقَى عَلَيْنَا عَارُهَا، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَأَتَيْثُ رَسُولَ اللهِوَ لَ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: «أَنْتَ بِذَاكَ؟» قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ، قَالَ: (أَنْتَ بِذَاكَ؟)) قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ، قَالَ: ((أَنْتَ بِذَاكَ؟» قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ، وَهَا أَنَا ذَا فَأَمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللّه فَإِنِّي صَابِرُ لِذَلِكَ، قَالَ: ((أَعْتِقْ رَقَبَةً)، قَالَ: فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ عُنُقِي بِيَدِي، فَقُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ غَيْرَهَا، قَالَ: (فَصُمْ شَهْرَيْنِ))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله وَهَلْ أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إِلَّا فِي الصِّيَامِ؟ قَالَ: ((فَأَطْعِمْ سِتِينَ مِسْكِينًا)) قوله: (فاصنع ما بدا لك) يعني أنهم خافوا نزول القرآن في القوم أجمع، فقالوا له: إنك إن رحت وحدك، وقيل فيك شيء أو نزل فيك وحي لم يكن مثل أن ينزل فینا كلنا. قوله: (أنت بذاك؟) قصد بذلك تقريره على ما أخبر به تعجباً واستبعاداً عما ارتكبه، ومعناه أنت المتلبس بالمذكور من القضية وأنت الذي فعلت هذا وتلبست بذاك المذكور. قوله: (إلا في الصيام) فأنى لي الصبر عنها ستين يوماً بلياليها، ولم أجد قوة في الصبر عنها ثلاثين يوماً. ٤٦٧ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَتَكَ بِالحَقِّ لَقَدْ بِتْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ وَحْشَى مَا لَنَا عَشَاءُ، قَالَ: ((اذْهَبْ إِلَى صَاحِبٍ صَدَقَةِ بَنِي زُرَبْقٍ، فَقُلْ لَهُ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ، فَأَطْعِمْ عَنْكَ مِنْهَا وَسْقًّا سِتِّينَ مِسْكِينًا، ثُمَّ اسْتَعِنْ بِسَائِرِهٍ عَلَيْكَ وَعَلَى عِيَالِكَ)) قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي، فَقُلْتُ: وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الصِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْيِ، وَوَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ الله السَّعَةَ وَالبَرَكَةَ، أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ فَادْفَعُوهَا إِلَيَّ فَدَفَعُوهَا إِلَيَّ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ. قَالَ مُحَمَّدُّ: سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعْ عِنْدِي مِنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، قَالَ: وَيُقَالُ: سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ، وَيُقَالُ: سَلْمَانُ بْنُ صَخْرٍ. وَفِي البَابِ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ(١). ٣٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا يُونُسُ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، نَاأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى عَلَى نَبِيِّ اللهَ ه وَأَصْحَابِهِ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ القَوْمُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ لَه: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ هَذَا؟)) قَالُوا: قوله: (وسقاً) فيه دليل على ما[١] ذهب إليه الإمام من مقدار ما يجب على المظاهر، ولم يذكر مقدار الصدقات التي كانت في بني زريق، وإنما ذكر ما وجب عليه أداؤه منها، وهو ستون صاعاً وهو الوسق. [١] وهو ظاهر فإنه ◌َليل أمره بإطعام الوسق ستين مسكيناً، والوسق ستون صاعاً، وتقدمت المذاهب في الكفارة في هامش (باب الظهار)). [٣٣٠٠] ن في الكبرى: ٨٤٨٤، ع: ٤٠٠، ش: ٣٢١٢٦، تحفة: ١٠٢٤٩. (١) زاد بعده في نسخة: ((وَهِيَ امْرَأَةٌ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ». ٤٦٨ الكَوَكَبُ الدُّرِّي الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، سَلَّمَ يَا نَبِىَ الله، قَالَ: ((لَا وَلَكِنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا، رُدُّوهُ عَلَيَّ)»، فَرَدُّوهُ فَقَالَ(١): ((قُلْتَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ نَبِيُّ الله ◌َ لهَ عِنْدَ ذَلِكَ: (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ فَقُولُوا: عَلَيْكَ مَا قُلْتَ))، قَالَ: ﴿وَإِذَا جَآءُولَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحْيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٣٣٠١ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيجِ، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، نَا عُبَيْدُ الله الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ سَالِمِ ابْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ عَلْقَمَةَ الأَنْمَارِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا فَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَّكُمْ صَدَقَةٌ﴾ [المجادلة: ١٢]. قَالَ لِي النَّبِيُّ وَ لَّهِ: (مَا تَرَى؟ دِينَارً؟)) قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ، قَالَ: ((فَنِصْفُ دِينَارٍ؟))، قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ، قَالَ: ((فَكَمْ؟) قُلْتُ: شَعِيرَةُ، قَالَ: قوله: (لا ولكنه) إلخ، نفي لما فهموه[١] من كلامه، والمعنى ليس كما أريتم، أو لم يسلم كما زعمتم ولکنه، إلخ. قوله: (ردوه) أي: هذا الكتابي المسلم عليهم لاوياً لسانه. [١] فإنهم فهموا من كلامه أنه سلم كما قالوا بذلك، ومسلك الحنفية في باب السلام على أهل الذمة تقدم في بابه. [٣٣٠١] جه: ٣٦٩٧، حم: ١٤٠/٣، تحفة: ١٣٠٥. (١) في نسخة: (قال)). ٤٦٩ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن ((إِنَّكَ لَزَهِيدٌ))، قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿َأَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآيَةَ [المجادلة: ١٣]، قَالَ: فَبِي خَفَّفَ الله عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ (١) مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: شَعِيرَةٌ يَعْنِي وَزْنَ شَعِيرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ. ٥٩ - سُورَةُ الْحَشْرِ ٣٣٠٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهِيَ البُوَيْرَةُ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّنِ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ﴾ [الحشر:٥]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. قوله: (إنك لزهيد) أي: مقلل من الدنيا[١]. قوله: (فبي خفف الله) لما علم من كلامه أنها تشق عليهم وتثقل. ٥٩ - سورة الحشر قوله: (حرق رسول الله وَله) إلخ، وإسناد الفعلين إليه ◌َ﴾ مجاز باعتبار تقريره وآخر الأمر كما وردت الآية والرواية. [١] وقال الرازي في ((التفسير الكبير))(٢): إنك قليل المال، فقدرت حسب حالك، انتهى. وبسط في مصالح هذه الصدقة وحكمها. [٣٣٠٢] تقدم تخريجه في ١٥٥٢. (١) زاد في نسخة: ((إنما نعرفه)). (٢) ((تفسير الرازي)) (٢٩/ ٤٩٦). ٤٧٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٣٣٠٣ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، نَا عَفَّانُ، نَاحَفْصُ بْنُ غِيَّاتٍ، نَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ فِي قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنِلِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ [الحشر: ٥]، قَالَ: الِّينَةُ النَّخْلَةُ، ﴿وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ﴾. قَالَ: اسْتَنْزَلُوهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ، قَالَ: وَأَمِرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ، فَحَكَّ(١) فِي صُدُورِهِمْ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: قَدْ قَطَعْنَا بَعْضًا وَتَرَكْنَا بَعْضًا، فَلَنَسْأَلَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَّ هَلْ لَنَا فِيمَا قَطَعْنَا مِنْ أَجْرِ؟ وَهَلْ عَلَيْنَا فِيمَا تَرَكْنَا مِنْ وِزْرِ؟ فَأَنْزَلَ الله: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِّنِ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ الآيَةَ [الحشر: ٥]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ. قوله: (فحكّ في صدورهم) لما أن إجلاء اليهود لما كان تحقق عندهم حيث نزل القرآن به وأخبر النبي ◌َّة، فكانت النخلات وغيرها من أثاثهم ومالهم من القليل والكثير للمسلمين، فلما أفسدوها فكأنهم أضاعوا أموال إخوانهم المسلمين، وإن[١] [١] توضيح كلام الشيخ أنهم لما قطعوا بعضها وتركوا بعضها حكّ ذلك في صدورهم باعتبار أن القطع إن كان فيه مصلحة الإغاظة ففاتت في ترك بعضها، وإن كان البقاء فيه مصلحة منفعة المسلمين ففاتت في قطع بعضها، ثم الجمهور على جواز ذلك للحاجة والمصلحة إذا تعينت طريقاً في نكاية العدو، قال الحافظ(٢): وخالف في ذلك بعض أهل العلم فقالوا: لا يجوز قطع الشجر المثمر أصلاً، وحملوا ما ورد من ذلك إما على غير المثمر، وإما على أن الشجر الذي قطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور، انتهى. [٣٣٠٣] ن في الكبرى: ٨٥٥٩، ١١٥١٠، طس: ٥٨٧، تحفة: ٥٤٨٨. (١) في نسخة: ((فحاك)). (٢) ((فتح الباري)) (٩/٥). ٤٧١ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ حَقْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلاً، وَلَمْ يَذْكُرْ فِیهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ. حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ هَارُونَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَقْصِ بْنِ غِيَاتٍ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَا الله مُرْسَلاً، قَالَ أَبُو عِيْسَى: سَمِعَ مِنِّي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ هَذَا الحَدِيثَ. ٣٣٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا وَكِيعُ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ بَاتَ بِهِ ضَيْفُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ، فَقَالَ لإِمْرَأَتِهِ: نَوِّمِي الصِّبْيَةَ، وَأَظْفِئِي السِّرَاجَ، وَقَرِّبِي لِلضَّيْفِ مَا عِنْدَكِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٦٠ - سُورَةُ الْمُمْتَحِنَةِ ٣٣٠٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَاسُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الحَسَنِ كان قطعنا هذا جائزاً لما أنها لهم في الحال، وإن كانت للمسلمين باعتبار المآل، فالوزر في التي تركناها على أصولها ولم نقطعها ونحرقها. ٦٠ - سورة الممتحنة [٣٣٠٤] خ: ٣٧٩٨، م: ٢٠٥٤، تحفة: ١٣٤١٩. [٣٣٠٥] خ: ٣٠٠٧، م: ٢٤٩٤، د: ٢٦٥٠، حم: ٧٩/١، تحفة: ١٠٢٢٧. ٤٧٢ الكَوَكَبُ الدُّرِّي ابْنِ مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ أبِي رَافِعِ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ وَلَهُ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَقَالَ: ((انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاجٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابُ، فَخُذُوهُ مِنْهَا فَأْتُونِي بِهِ)، فَخَرَجْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظّعِينَةِ، فَقُلْنَا: أُخْرِجِي الكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ، قُلْنَا(١): لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيِنَّ الثّيَابَ، قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، قَالَ: فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ وَِّهِ فَإِذَا هُوَ مِنْ حَاطِبٍ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةً إِلَى أُنَاسِ(٢) مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِّ ◌َ ﴿ِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟)) قَالَ(٣): لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأْ مُلْصَقًّا فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِمَكَّةَ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ نَسَبٍ فِيهِمْ أنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا وَارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلَا رِضًا بِالكُفْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ قوله: (وما فعلت ذلك كفراً وارتداداً) وإنما كان على ثقة من أن الله ناصر عبده، فلا يضر المسلمين إخباري الكفار عن بعض أمرهم مع أن بعض هذه الأمور التي هي واقعة هاهنا[١] ليست بخافية عليهم، ويعلم منه أن ارتكاب السيئة التي هو على [١] فإن أخبار مسيره وَل لم تكن خافية، غاية ما فيه أن يخفى جهة المسير، وكتاب حاطب على ما حكاه الواقدي لم يكن فيه إلا إخبار المسير، فقد ذكر الحافظ (٤): روی الواقدي بسند = (١) في نسخة: ((فقلنا)). (٢) في نسخة: ((ناس)). (٣) في نسخة: «فقال)). (٤) ((فتح الباري)) (٥٢٠/٧). ٤٧٣ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن ((صَدَقَ))، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَظَّابِ: دَعْنِي يَا رَسُولَ الله أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا يقين[١] من وقوعها حرام ومحظور شرعاً، ولا يعذر في ذلك بأنها كانت تقع لا محالة. قوله: (أضرب عنق) إلخ، ولما أراد النبي ◌ّ أن يعفو عنه مع ما ثبت عليه من الجرم أراد عمر قتله واستأذن فيه، علم أن قتل التعزير في أمثال هذه (٢] الجنايات = مرسل: أن حاطباً كتب إلى سهيل بن عمرو وصفوان ابن أمية وعكرمة أن رسول الله مال﴾ أذن في الناس بالغزو ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد، وذكر بعض أهل المغازي أن لفظ الكتاب: أما بعد، يا معشر قريش! فإن رسول الله قال: جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم، كذا حكاه السھیلي، انتھی. [١] كما تيقن حاطب أن بعض أموره پ ﴾ معلومة لهم لا محالة، فلا يضره إخباره، ومع ذلك فقد عتب على ذلك. [٢] فقد حكى ابن عابدين(١) عن ((الصارم المسلول)) أن من أصول الحنفية أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل، والجماع في غير القبل إذا تكرر فللإمام أن يقتل فاعله، وكذلك أن يزيد على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك، ويحملون ما جاء عن النبي وأصحابه من القتل في أمثال هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك، ويسمونه القتل سياسة، وكان حاصله أن له أن يعزر بالقتل في الجرائم التي تعظمت بالتكرار، وشرع القتل في جنسها، انتهى. وعدّ ابن عابدين في أمثلته قتل اللوطي والساحر والزنديق وغيرها، قلت: وكذا العين المسلم ممن لا قتل فيه عند الحنفية والجمهور، فيحمل إن ثبت القتل في موضع على السياسة، ففي ((البذل))(٢) تحت حديث سلمة بن الأكوع في قتل عين من المشركين: قال النووي: فيه قتل الجاسوس الحربي وهو كذلك بإجماع المسلمين، وأما الجاسوس = (١) ((رد المحتار)) (٦٢/٤). (٢) ((بذل المجهود)) (٢٦٤/٩). ٤٧٤ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي الْمُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّوَلَّ: ((إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، فَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الله اطَلَعَ عَلَى ممکن، والنفاق المذکور في كلام عمر نفاق العمل[١]، ولذلك لم يرد عليه النبي صَلى الله ـة وسة قوله هذا، ولم ينهه عنه. قوله: (لعل الله) إلخ، إدخال(٢) لفظة الترجي عليه مع أن (٣) علم الله تعالى بحالهم وإطلاعه على أفعالهم باعتبار المجموع، يعني لعل الله غفر لهم ذنوبهم كائناً ما كانت، ثم إن المغفرة لما[٤] لم تكن نصًّا في أنهم يغفر لهم في أول الأمر أو بعد استيفاء أجزية المعاصي قليلها و کثیرها صار کله في حكم الرجاء غير مستيقن به. = المسلم فقال الشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وبعض المالكية وجماهير العلماء: يعزره الإمام بما يرى من ضرب وحبس ونحوهما، ولا يجوز قتله، وقال مالك: يجتهد فيه الإمام ولم يفسر الاجتهاد، وقال عياض: قال كبار أصحابه: يقتل، انتهى. [١] ولا مانع من أنه حمله على النفاق الحقيقي أيضاً، فإن النفاق كان إذ ذاك شائعاً، واستبعد عمر وقوع مثل هذا الجرم عن المسلم، ولعل الشيخ وجّه كلامه بالنفاق العملي لاستعظامه شأن عمر أن يحكم بالنفاق على بدري لفعل يمكن تأويله، وأيضاً فإن النبي ◌ِ لهردّ عليه إرادة القتل، ولم ینکر علیه أنه کیف حكم عليه بالنفاق. [٢] وقال العلماء: إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله للوقوع، وعند أحمد وأبي داود وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة بالجزم بلفظ: إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، هكذا في ((الفتح) (١). [٣] بحذف خبره، أي: متحقق وثابت، وقوله: ((باعتبار)) خبر لقوله: إدخال الترجي. [٤] وهو كذلك في حديث الباب، لكن قال الحافظ (٢): عند أحمد بإسناد على شرط مسلم من حديث جابر مرفوعاً: ((لن يدخل النار أحد شهد بدراً))، ثم قد استشكل قوله: ((اعملوا ما = (١) ((فتح الباري)) (٣٠٥/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٣٠٥/٧). ٤٧٥ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ))، قَالَ: وَفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوََّّةِ﴾ [الممتحنة: ١] السُّورَةَ. قَالَ عَمْرُو: قَدْ(١) رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي رَافِعٍ كَانَ(٢) كَاتِبًا لِعَلِيٍّ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَفِيهِ عَنْ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله. وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ هَذَا الحَدِيثَ نَحْوَ هَذَا، وَذَكَرُوا هَذَا الحَرْفَ وَقَالُوا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أُوْ لَتُلْقِيِنَّ الِّيَابَ. وَهَذَا حَدِيثُ قَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ. قوله: (قال عمرو: وقد رأيت ابن أبي رافع) يعني به [١] أنه كان تابعيًّا. = شئتم))، فإن ظاهره أنه للإباحة، وهو خلاف عقد الشرع، وأجيب بأنه إخبار عن الماضي، أي: كل عمل كان لكم فهو مغفور، ويؤيده أنه لو كان لما يستقبلونه من العمل لم يقع بلفظ الماضي، ولقال: فسأغفره لكم، وتعقب بأنه لو كان للماضي لما حسن الاستدلال به في قصة حاطب، لأنه مَثّ خاطب به عمر منكراً عليه، والقصة كانت بعد بدر بست سنين، فدل على أن المراد ما سيأتي، وأورده في لفظ الماضي مبالغة في تحقيقه، إلى آخر ما بسطه الحافظ، فالظاهر المغفرة في أول الأمر. [١] ثم ما في النسخة الأحمدية من قوله: ((كاتب العلي)) تحريف من الناسخ، والصواب ((كاتباً لعلي)) كما في المصرية وغيرها. (١) في نسخة: ((وقد)). (٢) فى نسخة: ((وكان)). ٤٧٦ الكوَكَبُ الدُّرِّي وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِيهِ: لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ. قوله: (أو لنجردنك) وتجريد المرأة جائز إذا كان غالب الظن أو اليقين حاكماً بأنها حاملة كتاب، ولا يكون إلى أخذها منها سبيل غير ذلك، وكذلك فيما يدانيها من [١] الضرورات والوقائع، ثم وقع في بعض الروايات أنها أخرجت الكتاب من عقاصها، وفي بعض أنها أخرجته من معقد إزارها[٢]، والجمع أنها كانت وضعته في إزارها، فلما شددوا عليها وأخذوا يتفحصون ثيابها بمسها وجسها حتى قالوا لها: لنجردنك، أخرجته وأدخلته في العقاص، ولما علمت واستيقنت أنهم ليسوا بتاركيها دون إيتاء الكتاب أخرجته من العقاص، فمن ذكر الأول اعتبر أول إخراجيها، ومن ذكر الثاني أخبر بالذي وقع الإيتاء متصلاً به. [١] ولذا بوّب عليه البخاري في (صحيحه)): ((باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن)) قال العيني(١): جواب إذا محذوف، تقديره يجوز للضرورة، وقوله: تجريدهن أي: إذا اضطر أيضاً إلى تجريدهن من الثياب؛ لأن المعصية تبيح حرمتها، ألا ترى أن عليًّا والزبير أرادا كشف المرأة في هذه القصة، وقد أجمعوا أن المؤمنات والكافرات في تحريم الزنا بهن سواء، وكذلك في تحريم النظر إليهن، ولكن الضرورات تبيح المحظورات، انتهى. [٢] كما في الباب المتقدم للبخاري بلفظ: ((فأخرجت من حجزتها»، قال الحافظ (٢): الحجزة بضم المهملة وسكون الجيم بعدها زاي: معقد الإزار والسراويل، ووقع في رواية القابسي: ((من حزتها)) بحذف الجيم، قيل: هي لغة عامية، ووقع في ((باب الجاسوس)) من البخاري: ((أنها أخرجته من عقاصها))، وجمع بينهما بأنها أخرجته من حجزتها، فأخفته في عقاصها، ثم اضطرت إلى إخراجه، أو بالعكس، أو بأن تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها، = (١) ((عمدة القاري)) (١١/١٥). (٢) ((فتح الباري)) (٢٨٤/١١). ٤٧٧ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٣٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَ يَمْتَحِنُ إِلَّ بِالْآيَةِ الَّتِي قَالَ الله: ﴿إِذَا جَآءَ لَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ١٢]. قَالَ مَعْمَرُ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ طَاؤُوسِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ وَ لَّهِ يَدَ امْرَأَةٍ إِلَّ امْرَأَةً يَمْلِكُهَا. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٣٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا أَبُو نُعَيْمِ، نَايَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الله الشَّيْبَانِيُّ و قَالَ: سَمِعْتُ شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ قَالَ: حَدَّثَتْنَا أُمُّ سَلَمَةَ الأَنْصَارِيَّةُ قَالَتْ: قَالَتِ قوله: (يمتحن) أي: يعتبر[١] ويعلم ويتعرف إيمانهن، فإنه أمر اعتقادي لا سبيل إلى العلم به إلا الاستعلام عما في قلبه، فإن أقرّ بهذه المذكورات فهو مؤمن حسب علمنا، وحسابه على الله. = فربطته في عقيصتها، وغرزته بحجزتها، وهذا الاحتمال أرجح، وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون معها كتابان إلى طائفتين، أو المراد بالحجزة العقدة مطلقاً، وتكون رواية العقيصة أوضح من رواية الحجزة، أو المراد بالحجزة الحبل، انتهى. [١] وعلى هذا فامتحانهن هو الإقرار بهذه المذكورات، ومعنى قوله: يعتبر أي: يكون إيمانهن معتبراً بهذا الإقرار، ولعل عائشة قالت بلفظ الحصر، لأن الروايات مختلفة في ذلك كما في كتب التفسير من ((الدر))(١) و((البحر المحيط)) وغيرهما، منها ما روي عن قتادة قال: كانت محنتهن أن يحلفن بالله ما خرجن لنشوز ولا خرجن إلا حبًّا للإسلام وحرصاً عليه، وروي عن ابن عباس أيضاً وعنهما أيضاً ومجاهد وغيرهم: كانت تستحلف أنها ما هاجرت لبغض في زوجها، ولا لجريرة جرتها، ولا لسبب من أغراض الدنيا سوى حبّ الله ورسوله والدار الآخرة. [٣٣٠٦] خ: ٢٧١٣، م: ١٨٦٦، د: ٢٩٤١، جه: ٢٨٧٥، حم: ١١٤/٦، تحفة: ١٦٦٤٠. [٣٣٠٧] جه: ١٥٧٩، حم: ٣٢٠/٦، تحفة: ١٥٨٠٤. (١) ((الدر المنثور)) (١٣٤/٨). ٤٧٨ الكوَكَبُ الدُّرِّي امْرَأَةُ مِنَ النِّسْوَةِ: مَا هَذَا الْمَعْرُوفُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَعْصِيَكَ فِيهِ؟ قَالَ: (لَا تَنُحْنَ))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ بَنِي فُلَانٍ قَدْ أَسْعَدُونِي عَلَى عَمِّ وَلَا بُدَّ قوله: (ما هذا المعروف) إلخ، و کان عامًّا یشمل كل خير من الأمور، ولکنهن لما رأين كل ما قبله من الأمور خاصًّا ظنن خصوصيتها، وأن المراد بذلك لعله شيء واحد خاص، فأمرهن النبي ◌َّه وفصله بأمر يناسبهن(١]، فإن النساء لا سيما في العرب وفي عهد قريب بالجاهلية كن أشدّ ابتلاء بالنوحة على الأموات، ثم إن استثناء[٢] النبي مَثّ نوحة مرة لأم سلمة الأنصارية كان لعلمه بالقرائن أو الوحي أنها ليست بنائحة، وإنما هي تستثني خوفاً على نفسها من أن تنكث عهد الله الذي عهدت، ولأن ضرر الرد في الحال كان أشد من ضرر النوحة في المآل، فإنه عليه الصلاة والسلام لما رآها راجعت مرتين خاف عليها أن تفسد دينها، فإن المواجهة والمقابلة بالنبي وَ ثله بما هو حرام كانت أشد، والنوحة كانت مظنونة بعد، والرد حاضر متيقن، ومن هاهنا تستنبط مسألة وهي أن الضرر القليل محتمل توقياً عن الضرر الكثير، وأن الضرر الموجود لا يحتمل توقياً عن الضرر المحتمل المترقب الموهوم، فإن النوحة كانت متوقفة على موت أحد منهم، ولعله لا يموت قبلها، أو تقع بينهم خصام وشقاق، أو توفق هي بعد ذلك لعدم النوح، والضرر في مراجعته بم لي كان موجوداً وقتئذ، ويبتني [١] يعني ذكر هذا الأمر لشدة احتياجهن إليه، وليس بحصر في ذلك، فلا يشكل بما ورد في تفسيره غير النياحة كالمنع عن خلوة الرجال وغيرها، كما أخرج الروايات في ذلك السيوطي في ((الدر)). [٢] وقد ورد الاستثناء لعدة نسوة، منها ما في الباب، ومنها أم عطية الأنصارية كما ذكرها البخاري في عدة روايات، ومنها خولة بنت حکیم کما ذكرها الحافظ برواية ابن مردويه عن ابن عباس، وبسط الحافظ في الأجوبة عن هذا الاستثناء، منها ما أفاده الشيخ، واختار هو أن النهي إذ ذاك كان بكراهة التنزيه، ثم وقع التحريم فورد حينئذ الوعيد الشديد، وقال: هذا أقرب الأجوبة. ٤٧٩ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن لِي مِنْ قَضَائِهِمْ (١)، فَأَبَى عَلَيَّ، فَعَاتَبْتُهُ مِرَارًا، فَأَذِنَ لِي فِي قَضَائِهِنَّ، فَلَمْ أَنْحُ بَعْدُ قَضَاءَهُنَّ(٢) وَلَا غَيْرَهُ حَتَّى السَّاعَةَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ النِّسْوَةِ امْرَأَةُ إِلَّ وَقَدْ نَاحَتْ غَيْرِي. هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ. على ذلك مسائل: منها أن المسلم إذا ادعى [١] على غلام لقيط أنه غلامه، وادعى ذمي أنه ابنه يثبت نسبه منه، ولا يلتفت إلى دعوى المسلم، لأن ضرر انتفاء النسب ضرر موجود مفتقر إليه في الحال، والإسلام يكلف به حين يبلغ، فإذا كان حرًّا فظاهره أنه يسلم، فإن المصنوعات دالة عليه، والعقل مرشد إليه. قوله: (فلم أنح بعد قضاءهن ولا غيره) هذان مفعولان للفعل المذكور، وهو متكلم من النحو هو القصد، لا من النوحة المسوق لها الحديث، وبعد مبني على الضم [١] ففي ((الهداية))(٣) و((فتح القدير)): إن التقطه رجل لم يكن لغيره أن يأخذه منه؛ لأنه ثبت حق الحفظ له لسبق یده، فإن ادعى مدع أنه ابنه فالقول قوله، ويثبت نسبه منه بمجرد دعواه ولو كان ذميًّا، ومعناه إذا لم يدع الملتقط نسبه، وهذا استحسان، والقياس أن لا يقبل قوله، لأنه يتضمن إبطال حق الملتقط، وجه الاستحسان أنه إقرار للصبي بما ينفعه؛ لأنه يتشرف بالنسب ويعير بعدمه، انتهى. وقال أيضاً: إذا كان الصبي في يد مسلم ونصراني، فقال النصراني: هو ابني، وقال المسلم: هو عبدي، فهو ابن النصراني وهو حر، لأن الإسلام مرجح فيستدعي تعارضاً ولا تعارض، لأن نظر الصبي في هذا أوفر؛ لأنه ينال شرف الحرية حالاً وشرف الإسلام مآلاً، إذ دلائل الوحدانية ظاهرة، وفي عكسه الحكم بالإسلام تبعاً، وحرمانه عن الحرية؛ لأنه ليس في وسعه اكتسابها، انتهى. (١) في نسخة: ((قضائهن)). (٢) في نسخة: «بَعْدُ فِي قَضَائِهِنَّ». (٣) ((الهداية)) (٤١٥/٢)، و((فتح القدير)) (٦/ ١١١). ٤٨٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وَفِيهِ عَنْ أَمِّ عَطِيَّةً. قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: أُمُّ سَلَمَةَ الأَنْصَارِيَّةُ هِيَ: أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ (١). لحذف ما أضيف إليه، وليس بمضاف إلى قضائهن، وما عطف عليه لفساد المعنى المراد، فإن المقصود أني لم أنح بعد العهد لا في قضائهن (١) ولا في غيره، وأما إذا قيل: لم أنح بعد قضائهن بإضافة بعد إلى القضاء فمع ما يلزم عليه من إهمال المعنى يردّه قولها بعد ذلك: ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري، فهذا يعين المراد أنها لم تنح، فالنسخة الصحيحة: فلم أنح، أي: أقصد قضاء هن ولا غيره، وبعد ظرف مبني على الضم مقطوع عن الإضافة، أو يقال: فلم أنح، أي: لم أبك في قضائهن ولا غيره، وأما إضافة بعد إلى القضاء فغير صحيحة أبداً، فافهم وكن من الشاكرين وتدبر ولا تكن من الغافلين. [١] ويؤيد ذلك ما في ((التيسير)) برواية الترمذي في هذا الحديث: ((فلم أنح بعد في قضائهن ولا في غيره حتى الساعة))، وهو كذلك في نسخة مصرية للترمذي، وفي الأخرى المصرية: ((ولم أنح بعد على إخائهن ولا غيره))، وفي ((الدر))(٢) برواية ابن سعد وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجه وابن جرير وغيرهم بلفظ: «فلم أنح بعد، ولم يبق منا امرأة إلا وقد ناحت غيري)»، ثم استثناؤها نفسها خاصة لعله باعتبار علمها، وإلا فقد أخرج البخاري (٣) برواية أم عطية في = (١) زاد في نسخة: ٣٣٠٨ - حَدَّثَنَا سَلَمَّةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الَّبِيعِ، عَنِ الأَغَرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَآءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ ﴾ [الممتحنة: ١٠]، قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا جَاءَتِ النَّبِيّ ◌َةٍ لِتُسْلِمَ حَلَّفَهَا بِالله مَا خَرَجْتُ مِنْ بُغْضِ زَوْجِي مَا خَرَجْتُ إِلَّا حُبَّالله وَلِرَسُولِهِ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. (٢) ((الدر المنثور)) (١٤١/٨). (٣) ((صحيح البخاري)) (١٣٠٦).