Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ الْقُرْآن إِذَا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ حِرَاءَ، قَالَ: فَذَكَرُوا لَهُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، فَقَالَ: (أَتَانِي دَاعِي الجِنِّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ)) قَالَ: فَانْطَلَقَ فَأَرَّنَا آتَّارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الجَزِيرَةِ، فَقَالَ: ((كُلُّ عَظْمٍ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ ومعنى قوله: (إذا نحن به يجيء من قبل حراء) أي: رأيته يجيء من جانب حراء، ثم صاحبته وأتينا القوم فرأونا مقبلين من جهة حراء. وقوله: (وسألوه الزاد) أي: ما يتزودونه في عودهم من المدينة، وما يأكلونه حين باتوا بها ليلتهم، أو يكون أعم [١] من ذلك، والظاهر هو الأول، لأن المآكل لهم كثيرة، وإنما احتاجوا إلى السؤال حين مقامهم بها، فإنهم في أرض غربة وليس ثم شيء یأکلونه. قوله: (كل عظم لم يذكر اسم الله عليه) ووقع في رواية مسلم: ((كل عظم ذكر اسم الله عليه))، فقيل: الأول للكفار [٢] منهم والثاني لمسلميهم، وليس بسديد، فإن الكفرة منهم لم يحضروا ولم يسألوا حتى يبين لهم، مع أنهم ليسوا بمفتقرين إلى [١] يعني لا يكون السؤال مقتصراً على الزاد المخصوص، بل يكون السؤال لمطلق المأكل، أو مطلق الزاد لأسفارهم، والظاهر الأول للفظ الزاد وقرينة المقام، وإن كان العطاء غير مقتصر لموضع خاص کما سيأتي. [٢] هذا هو المشهور عند الشراح، فقد قال النووي تحت رواية مسلم في ((باب الجهر بالقراءة في الصبح)) بلفظ: وسألوه الزاد، فقال: ((لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما))، فقال النووي: قال بعض العلماء: هذا لمؤمنيهم، وأما غيرهم فجاء في حديث = ٤٢٢ الكَوَكَبُ الدُّرِّي تشريعه ولا منقادين له حتى يلتزموا ما ألزمه إياهم، بل الوجه في الجمع(١) بينهما - والله أعلم - أن المراد بالذكر حيث أثبت هو الذكر عند الذبح، وحيث نفى هو الذكر عند الأكل، يعني أنه مَّ بين لهم علامة يميزوا بها بين ما ذكر اسم الله عليها عند = آخر: أن طعامهم ما لم يذكر اسم الله عليه، وفي ((نفع القوت))(١): قال بعضهم: ما لمسلم في حق المؤمنين وما للترمذي في حق الكافرين، قال السهيلي: هو قول صحيح تعضده الأحاديث، انتهى. وفي المجمع(٢): لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه أي: عند الأكل لا عند الذبح، قيل: هو لمؤمنيهم وما لم يذكر عليه يكون لكفارهم، انتهى. [١] هذا أوجه مما جمع به الشراح، لأن في محملهم لا يكون حديث الباب موافقاً للسؤال، فإنهم سألوا الزاد لأنفسهم، وفي حديث الباب على قولهم: زاد لكفرتهم، وأيضاً لا يرتفع التعارض من بين الحديثين بعد هذا الجمع أيضاً، لأنه إذا أريد بالذكر في كلا الحديثين الذكر عند الأكل فيبقى التعارض بأن مؤدى حديث مسلم أن يكون العظم أوفر ما يكون عليه لحماً إذا ذكر عليه اسم الله، ومؤدى حديث الترمذي أن يكون العظم أوفر ما يكون عليه اللحم عند عدم الذكر، فتعارضا، بخلاف ما حمله الشيخ بأن المراد من الذكر في حديث مسلم هو الذكر عند الذبح، فيكون العظم أوفر ما يكون عليه إذا كان ذكيًّا، ولا يكون إذا كان ميتة، وأما عند الأكل فيكون أوفر إذا لم يذكر عليه اسم الله عند الأكل، بخلاف ما إذا أكل باسم الله، فإن الأكل نفد بركة العظم كلها، ويؤيد كلام الشيخ ما قال ابن عابدين: استفيد من حديث مسلم أنه لو كان عظم ميتة لا يكره الاستنجاء به، انتهى. فعلم أنه حمل التسمية في حديث مسلم على التسمية عند الذبح خلافاً لما تقدم عن ((المجمع)). (١) ((نفع قوت المغتذي)) (ص: ١٢٢). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢/ ٢٤٣). ٤٢٣ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن أَوْ رَوْثَةٍ عَلَفُ لِدَوَابِّكُمْ)) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ هِ: ((فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا زَادٌ إِخْوَانِكُم مِنَ الْجِنِّ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. الذبح وبين ما لم يذكر عليها اسم الله عنده، ثم أمرهم بأكل ما ذكر اسم الله عليها، ونهاهم عما لم يذكر، وبين لهم أيضاً علامة[١] يعرفون بها الفرق بين العظام التي ذكر اسم الله عليها عند أكل ما عليها من اللحم، وبين ما ليست كذلك، وقال: إن التي لم يذكر اسم الله عليها عند الأكل تكون أوفر لحماً؛ لأن آكلها لم يحرز بركتها، وإن كانت خالية عن اللحم فيما يبدو للناس، فكلوا منها ومما[٢] لم يذكر اسم الله عليه عند الأكل، فالأول هو محمل رواية مسلم، والثاني محمل رواية الترمذي. قوله: (فلا تستنجوا بهما) هذا لا ينافي ما قلنا من أن السؤال إنما كان للتزود وعدم(٣) الورود لعموم الحكم وبقائه دائماً وإن كان السؤال عن وقت معين، فافهم. [١] وأقصى ما يرد على ذلك أن العلامة وهي كون اللحم أوفر مشتركة في الذكية والمأكول بعدم التسمية، ويمكن التفصي عنه بأنه يحتمل أن يكونا أوفر اللحم كمية، ویکون فرق ما بينهما باعتبار الكيفية والصورة، نعم يبقى الإيراد بأن الذكية المأكول بالتسمية ينبغي أن يكون أوفر اللحم وغير الأوفر، وللتوجيه مساغ، فتأمل. ثم الحديث حجة لمن قال: إن الجن يأكلون ويشربون، وللمسألة خلاف شهير، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنهم لا يأكلون ولا يشربون، والثاني عكس ذلك، والثالث التفريق بأن بعضهم يأكلون ويشربون وبعضهم لا، ثم اختلف الذين قالوا بأكلهم فقيل: أكلهم وشربهم تشمم واسترواح، وقيل: بل مضغ وبلع. [٢] الأولى بحذف الواو من قوله: ومما لم یذکر. [٣] يعني عدم ورود الاعتراض لما أن فيما اخترناه سابقاً كان اقتصار السؤال على الزاد المخصوص لا اقتصار العطیة علی ذلك بل كانت أعم. ٤٢٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي ٤٧ - سُورَةٌ مُحَمَّدٍ وتـ ٣٢٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [محمد: ١٩]، فَقَالَ النَّبِيُّلَّهِ: ((إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنِّي لِأَسْتَغْفِرُ الله فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)(١). رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً. ٤٧ - سورة محمد قوله: (في اليوم سبعين) واستغفره[١] في اليوم مائة، إما يوماً كذا ويوماً كذا، أو هو تكثير. [١] إشارة إلى قوله: ويروى إلخ، وبيان لاختلاف اللفظين ليجمع بينهما، وبنحو ما أفاده الشيخ جمعهما عامة الشراح، قال القاري (٢): قوله: سبعين مرة يحتمل التحديد للرواية الآتية مائة مرة، ويحتمل أن يراد بهما جميعاً التكثير، قال ابن الملك: توبته بَّليس كل يوم سبعين مرة واستغفاره ليس لذنب لأنه معصوم، بل لاعتقاد قصوره في العبودية عما يليق بحضرة ذي = [٣٢٥٩] خ: ٦٣٠٧، جه: ٣٨١٥، ن في الکبری: ١٠١٩٦، حم: ٢٨٢/٢، تحفة: ١٥٢٧٨. (١) زاد في نسخة: (وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِّ وََّ: «أَنِّي لَأَسْتَغْفِرُ الله فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً))، وروي: «مِائَةَ مَرَّةٍ)). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦١٠/٤). ٤٢٥ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٣٢٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا شَيْخُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: ثَلَا رَسُولُ الله هَذِهِ الْآيَةَ يَوْمًا: ﴿وَإِن تَنَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ (١)﴾ ويتـ [محمد: ٣٨]، قَالُوا: وَمَنْ يُسْتَبْدَلُ بِنَا؟ قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِوَ لَهِ عَلَى مَنْكِبٍ سَلْمَانَ ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا وَقَوْمُهُ هَذَا وَقَوْمُهُ)). هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، وفِي إِسْنَادِهِ مَقَالُ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ أَيْضًا هَذَا الحَدِيثَ عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. ٣٢٦١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ، نَا عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيجٍ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ(٢). قَالَ نَاسَّ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ ﴾: يَا رَسُولَ الله، مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ الله = الجلال، وحث للأمة على التوبة والاستغفار، فإنه يمثل مع كونه معصوماً وخير المخلوقات إذا استغفر وتاب إلى ربه فكيف بالمذنبين، وقيل: استغفاره مَ ◌ّ من ذنوب الأمة، فهو کالشفاعة لهم، انتھی. [٣٢٦٠] ك ٣٧٠٩، حب: ٧١٢٣، تحفة: ١٤٠٣٥. [٣٢٦١] انظر ما قبله. (١) قال البيضاوي في ((تفسيره)) (١٢٥/٥): أي: في التولي والزهد في الإيمان، وهم الفرس؛ لأنه سئل عليه الصلاة والسلام عنه وكان سلمان إلى جنبه، فضرب فخذه وقال: «هذا وقومه))، أو الأنصار أو اليمن أو الملائكة. (٢) في نسخة: ((أنه قال)). ٤٢٦ الكوكبُ الدُّرِّي وشـ إِنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَنَا؟ قَالَ: وَكَانَ سَلْمَانُ بِجَنْبٍ رَسُولِ الله قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﴿ فَخِذَ سَلْمَانَ وَقَالَ: «هَذَا وَأَصْحَابُهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الإِيمَانُ مَنُوطًا بِالُّرَّيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ)). وَعَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيجِ هُوَ: وَالِدُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ. وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرِ الكَثِيرَ، وَثَنَا عَلِيُّ، بِهَذَا الحَدِيثِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيجٍ (١). ٤٨ - سُورَةُ الفَتْحِ ٣٢٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ ابْنُ عَتْمَةَ، نَا مَالِكُ ابْنُ أَنَسِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّوَ ◌ّهِ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَكَلَّمْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَيهِ فَسَكَتَ، ثُمَّ كَلَّمْتُهُ قوله: (عن عبد الله بن جعفر الكثير) أي: الروايات[١] الكثيرة. ٤٨ - سورة الفتح [١] یعني روی علي بن حجر عن عبد الله بن جعفر بدون واسطة أحد روايات كثيرة، لكنه روی هذا الحديث عنه بواسطة إسماعيل، ولا ضير في ذلك فإن عليًّا وإسماعيل كليهما من تلامذة عبد الله بن جعفر کما في کتب الرجال. [٣٢٦٢] خ: ٤١٧٧، ن في «الكبرى»: ١١٤٩٩، حم: ٣١/١، تحفة: ١٠٣٨٧. (١) زاد في نسخة: ((وحدثنا بشر بن معاذ، حدثنا عبد الله بن جعفر عن العلاء نحوه إلا أنه قال: معلقًا بالثریا)). ٤٢٧ أبَوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن فَسَكَتَ، فَحَرَّكْتُ رَاحِلَتِى فَتَنَخَّيْتُ، فَقُلْتُ: ثَكِلَتْكَ أَمُّكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللهِوَ لَهَثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَلُّ ذَلِكَ لَا يُكَلِّمُكَ، مَا أَخْلَقَكَ بِأَنْ يَنْزِلَ فِيكَ قُرْآنُ، قَالَ: فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي، قَالَ: فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ فَقَالَ: ((يَا ابْنَ الخَطَّابِ لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ سُورَةً مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتَحَامُّبِينًا﴾)) [الفتح: ١]. قوله: (فتنحيت) إلخ، لما سأله(١) ولم يكن له علم بنزول الوحي خاف أن يكون النبي مَّل وجد عليه، ولما كان سبب الموجدة هو الكلام لا بد من أن يكون حضوره زائداً فيها فتنحى لذلك. قوله: (فقال: يا ابن الخطاب) إلخ، دعاؤه هذا لم يكن لسؤاله إياه؛[٢] لأن النبي ◌َّ لم يكن له علم بنداء عمر وخطابه، وإنما كان دعاء عمر لإعلامه بنزول [١] بيان لعلة التنحي، وحاصله أن عمر لما تكرر منه السؤال، ولم يكن يعلم أنه مل* مشتغل في نزول الوحي، خاف عمر أن يكون النبي آل﴾ وجد عليه، ويكون شهوده بمحضر منه مَ ◌ّ سبباً لزيادة الموجدة فتنحى لذلك، قال الحافظ(١): يستفاد من الحديث أنه ليس لكل كلام جواب، بل السكوت قد يكون جواباً لبعض الكلام، وتكرير عمر السؤال إما لكونه خشي أن النبي ◌َّ- لم يسمعه، أو لأن الأمر الذي كان يسأل عنه كان مهمًّا عنده، ولعل النبي ◌َّ أجابه بعد ذلك، وإنما ترك إجابته أولاً لشغله بما كان فيه من نزول الوحي، انتهى. وحكى العيني (٢) عن القرطبي أن هذا السفر كان ليلاً منصر فه ◌َلّ من الحديبية لا أعلم بين أهل العلم في ذلك خلافاً، انتهى. [٢] كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في كلام الحافظ من أنه څ لعله أجاب بعد ذلك، وقد يكون السكوت جواباً. (١) ((فتح الباري)) (٨/ ٥٨٣). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (١٩ /١٧٥). ٤٢٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ صَحِيحُ(١). ٣٢٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ عَنْ أَنَسِ قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَى النَّبِيَِّ [الفتح: ٢] مَرْجِعَهُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: (لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَلَى الأَرْضِ))، ثُمَّ قَرَأَهَا النَّبِيُّ ◌َلَّهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: هَنِيئًا مَرِيثًا يَا رَسُولَ الله، لَقَدْ بَيَّنَ الله لَكَ مَاذَا يُفْعَلُ بِكَ؟ فَمَاذَا يُفْعَلُ بِنَا؟ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَاُلْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾، حَتَى بَلَغَ: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَفِيهِ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ. الآية، لأنه رضي الله عنه كان مغتمًا بصلح الحديبية كما هو مبسوط [١] في الروايات، فأراد النبي ◌َّ أن يسمعه الآيات لينجبر بذلك ما انكسر من باله، و[٢] فإن الله تبارك وتعالى سماه في الآيات فتحاً مبيناً. [١] حتى أتى النبي(وَ ل﴾لهفقال: ألست نبي الله حقًّا؟ قال: ((بلى))، قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: ((بلى))، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: ((إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري))، قال: أو لست كنت حدثتنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: ((بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟)) قال: لا، قال: ((فإنك آتيه ومطوف به))، ثم أتى أبا بكر فسأله بمثل ذلك وأجابه بما أجاب به النبي ◌َّ، قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً، وغير ذلك من الروايات(٢). [٢] بياض في الأصل بعد الواو قبل قوله: ((فإن الله)). [٣٢٦٣] خ: ٤١٧٢ و٤٨٣٤، م: ١٧٨٦، حم: ١٢٢/٣. (١) زاد في نسخة: ((ورواه بعضهم عن مالك مرسلاً)). (٢) انظر: ((صحيح البخاري)) (٢٧٣١). ٤٢٩ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٣٢٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ ثَمَانِينَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، فَأُخِذُوا أَخْذًا، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَ لَّهِ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآيَةَ. [الفتح: ٢٤]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٣٢٦٥ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ البَصْرِيُّ، نَاسُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثُوَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الظُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِّوَ لَّ: ﴿وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]، قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ الله)). هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الحَسَنِ بْنٍ قَزَعَةَ. وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. ٤٩ - سُورَةُ الْحُجُرَاتِ ٣٢٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ جَمِيلِ الجُمَحِيُّ قَالَ: ثَنَا (١) ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: ثَنِي عَبْدُ الله بْنُ ٤٩ - سورة الحجرات [٣٢٦٤] م: ١٨٠٨، د: ٢٦٨٨، ن: ١١٥١٠، حم: ١٢٢/٣، تحفة: ٣٠٩. [٣٢٦٥] ع: ١٤٢، طب: ٥٣٦، حم: ١٣٨/٥، تحفة: ٣١. [٣٢٦٦] خ: ٤٣٦٧، ن: ٥٣٨٦، حم: ٤ / ٤، تحفة: ٥٢٦٩. (١) في نسخة: ((ثني)). ٤٣٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي الزُّبَيْرِ: أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ قَالَ: فَقَالَ أَبُوبَكْرٍ: يَا رَسُولَ الله اسْتَعْمِلْهُ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَسْتَعْمِلْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَتَكَلَّمَا عِنْدَ النَّبِيِّ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّ خِلَافِي، فَقَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، قَالَ: فَنَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ قوله: (استعمله على قومه، فقال عمر: لا تستعمله) إلخ، وكان الأقرع هذا من المؤلفة قلوبهم [١] ذا شوكة في قومه، فأراد أبو بكر أن يكون باستعماله تأليف قلبه، وكونه ذا ثروة فيهم يعينه على أداء ما أمر به من العهدة، فيصلب بذلك في دينه، وأما عمر فأراد أن يستعمل رجل له في الإسلام قدم راسخة، وأطواده (٢) في التقى والإيمان شامخة. [١] فقد قال الحافظ(١): هو من المؤلفة قلوبهم، وقد حسن إسلامه، وقال الزبير: كان حكماً في الجاهليه، وقال ابن دريد: اسم الأقرع بن حابس فراس، وإنما قيل له الأقرع لقرع كان برأسه، وكان شريفاً في الجاهلية والإسلام، انتهى. ثم لا يذهب عليك أن سياق الترمذي مخالف لسياق البخاري، فقد أخرج في صحيحه برواية ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير أنه قدم ركب من بني تميم على النبي وقَّه فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس، الحديث. وقال الحافظ: رواية ابن جريج أثبت من مؤمل بن إسماعيل، انتهى. وقال العيني(٢): إنما أشار أبو بكر بتأمير القعقاع لأنه كان أرق من الأقرع، وأشار عمر بالأفرع لأنه كان أحرى من القعقاع، و کل أراد خيراً، انتهى. [٢] قال المجد (٣): الطود الجبل أو عظيمه جمعه أطواد، المشرف من الرمل، انتهى. (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) (٢٥٣/١). (٢) ((عمدة القاري)) (١٩/١٨). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٨٢). ٤٣١ أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ [الحجرات: ٢] قَالَ: وَكَانَ(١) عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا تَكَلَّمَ عِنْدَ النَّبِيِّ وَلَهْ لَمْ يُسْمِعْ كَلَامَهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ، قَالَ: وَمَا ذَكَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَدَّهُ، يَعْنِي أَبَا بَكٍْ. هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ حَسَنَّ. وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ مُرْسَلاً، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ الُّبَيْرِ. قوله: (لم يسمع) على وزن[١] المعروف والفاعل النبي ◌َّ. (جده) أي: ذكر (٢) صنيع عمر بعد نزول الآية، [١] وضبطه العيني بضم الياء من الإسماع، فعلى هذا الفاعل ضميره إلى عمر والنبي مفعول. [٢] ما أفاده الشيخ في معنى هذا الكلام هو الظاهر، بل هو المتعين في المراد كما يدل عليه ما ورد من الألفاظ المختلفة في هذا المورد، ففي تفسير البخاري: قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله مَ﴾ حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر، وفي الاعتصام: قال ابن الزبير: فكان عمر بعد - ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر - إذا حدث النبي قصّ بحديث حدثه كأخي السرار، وتوهم بعض مشايخ الدرس وبعض الشراح في مراد الكلام، فكتب بعضهم بين سطور الترمذي ما حاصله: يعني أبو الزبير ذكره بلفظ ((أبي بكر)) ولم يذكره بلفظ ((جده)) مع أنه كان جده، انتهى. وأنت خبير بأنه بديهي البطلان، وكذلك ما قال مغلطاي من أنه يحتمل أنه أراد بذلك أبا بكر عبد الله بن الزبير أو أبا بكر عبد الله بن أبي ملیکة، فإن أبا ملیکة له ذکر في الصحابة، انتهى. وحاصله أن ابن الزبير لم يرد بقوله: ((أبي بكر)) في الحديث جده بل أراد غيره، وهذا أيضاً باطل يأباه سياق الروايات، ولذا تعقبه الحافظ إذ قال: هذا بعيد عن الصواب، بل قرينة ذكر عمر ترشد إلى أن مراده أبو بكر الصديق، انتهى. (١) في نسخة: ((فكان)). ٤٣٢ الكَوْكَبُ الدُّرِي ٣٢٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارِ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، نَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَتِ﴾ [الحجرات: ٤]، قَالَ: قَامَ رَجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ، وَإِنَّ ذَمِّي شَيْنُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِ:((ذَاكَ الله عَزَّ وَجَلَّ)). هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ. ولم يذكر [١] ما صنع جده أبو بكر. قوله: (إن حمدي) إلخ، يذكر سيادته في قومه وقبول قوله فيهم، وكان ذلك الرجل قد خطب [٢] فكان منها هذه الجملة أيضاً. [١] وقد ذكر في الروايات الأخر غير رواية ابن الزبير، قال الحافظ(١): وفي رواية للبخاري في الاعتصام: فكان عمر بعد ذلك إذا حدث النبي وَالر بحديث حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه، وقد أخرج ابن المنذر من طريق محمد بن عمر أن أبا بكر الصديق قال مثل ذلك، وهذا مرسل، وقد أخرجه الحاكم موصولاً من حديث أبي هريرة نحوه، وأخرجه ابن مردويه من طريق طارق بن شهاب عن أبي بكر قال: لما نزلت: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ ﴾ الآية [الحجرات: ٢]، قال أبو بكر قلت: يا رسول الله آليت أن لا أكلمك إلا كأخي السرار، انتهى. [٢] والقصة مبسوطة في كتب التفسير والسير لا سيما في ((الهدي)) لابن القيم و((البحر المحيط)) و ((سيرة ابن هشام))(٢)، وذكروا خطبة الفريقين وأشعارهما، والجملة أنه قدم وفد بني تميم، وهم سبعون رجلاً، أو ثمانون رجلاً سنة تسع، وفيهم الأقرع بن حابس، وقد شهد مع رسول الله لل فتح مكة وحنيناً والطائف، فدخلوا المسجد وقت الظهيرة ورسول الله مَ له = [٣٢٦٧] ن في الكبرى: ١١٥١٥، تحفة: ١٨٢٩. (١) (فتح الباري)) (٨/ ٥٩١). (٢) انظر: ((زاد المعاد)) (٣٢٤/٣)، و((البحر المحيط)) (٥٠٩/٩)، و((سيرة ابن هشام)) (٢/ ٥٦٧). ٤٣٣ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٣٢٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِسْحَاقَ الجَوْهَرِيُّ البَصْرِيُّ، نَا أَبُوزَيْدٍ صَاحِبُ الهَرَوِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي جَبِيرَةَ بْنِ الضَّخَّاكِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَكُونُ لَهُ الإِسْمَانِ وَالثَّلَاثَةُ، فَيُدْعَى بِبَعْضِهَا فَعَسَى أَنْ يَكْرَهَ، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِ﴾. [الحجرات: ١١]. قوله: (﴿بِالْأَلْقَبِ﴾) أراد بها[١] ما يكرهه صاحبها لا مطلقها. = راقد، فجعلوا ينادونه: يا محمد اخرج إلينا، فاستيقظ، وآذى ذلك رسول الله ومخال من صياحهم، فخرج إليهم، فقال له الأقرع بن حابس: يا محمد، إن مدحي زين وذمي شين، فقال رسول الله مَثّ: ويلك! ذلك الله تعالى، وفي رواية فقالوا: يا محمد، إن مدحنا زين وإن شتمناشین، ونحن أكرم العرب، فقال رسول الله قال: كذبتم، بل مدحة الله الزین وشتمه الشین، وأكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فاجتمع الناس في المسجد، فقالوا: نحن بني تميم، جئنا بخطيبنا وشاعرنا نشاعرك ونفاخرك، فقال النبي وَالثير: ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا، فقام خطيبهم - سماه ابن هشام عطارد بن حاجب - فخطب، فقال رسول الله ◌َّ لثابت بن قيس بن شماس: قم فأجب الرجل في خطبته، فقام وخطب، ثم قالوا لشاعرهم: قم فقل أبياتاً تذكر فيها فضل قومك، فأنشد، فقال النبي مثّ لحسان: قم فأجبه، فأنشد أبياتاً، ذكر ابن هشام وصاحب ((البحر المحيط)) خطبة الفريقين وأشعارهما بألفاظ مختلفة، فلما فرغ حسان بن ثابت قام الأقرع بن حابس فقال: والله ما أدري ما هذا الأمر، تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن من خطيبنا قولاً، وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أحلى من أصواتنا، فأسلموا وجوزهم رسول الله فأحسن جوائزهم. [١] قال صاحب ((المدارك))(١): التنابز بالألقاب التداعي بها، والنبز لقب السوء، والتلقيب المنهي هو ما يتداخل المدعو به كراهة لكونه تقصیراً به وذمًّا له، فأما ما يحبه فلا بأس به، = [٣٢٦٨] د: ٤٩٦٢، ن: ١١٥١٦، جه: ٣٧٤١، حم: ٤ /٢٦٠، تحفة: ١١٨٨٢. (١) ((مدارك التنزيل)) (٣٥٤/٣). ٤٣٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ(١). حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفِ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جَبِيرَةَ بْنِ الضَّخَّاكِ، نَحْوَهُ. وَأَبُو جَبِيرَةَ بْنُ الضَّحَّاكِ هُوَ: أَخُو نَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الأَنْصَارِيّ. ٣٢٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الْمُسْتَمِرِّ بْنِ الرَّيَّانِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةً قَالَ: قَرَّأَ أَبُو سَعِيدِ الخُدْرِيُّ: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنْتُمْ ﴾ [الحجرات: ٧]. قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَخِيَارُ أَبِمَّتِكُمْ لَوْ أَطَاعَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُوا، فَكَيْفَ بِكُمُ الْيَوْمَ؟. هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ حَسَنُّ صَحِيحٌ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: سَأَلْتُ يَحْبَى بْنَ سَعِيدِ القَطَّانَ، عَنِ الْمُسْتَمِرِّ قوله: (هذا نبيكم يوحى إليه وخيار أئمتكم) يعني أن المستشیر کان یوحی إليه والمشيرون كانوا خيار القوم وعمدتهم، فلما كان أكثر أمورهم موجباً العنت فكيف بكم؟ وبين المشير والمشير، والمستشير والمستشير بون لا يخفى. = انتهى. وفي ((البحر المحيط))(٢): اللقب إن دل على ما يكرهه المدعو به كان منهيًّا عنه، وأما إذا كان حسناً فلا ينهى عنه، وما زالت الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير، انتهى. وفي ((الدر اللقيط)): الحسنة كالصديق لأبي بكر والفاروق لعمر. [٣٢٦٩] تحفة: ٤٣٨٣. (١) زاد في نسخة: ((صَحِيحٌ)). (٢) ((البحر المحيط)) (٥١٨/٩). ٤٣٥ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن ابْنِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ: ثِقَةٌ. ٣٢٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، نَاعَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ دِینَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَ ﴿لَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الله قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ(١) الجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ: رَجُلُ بَرَّ تَقِيُّ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيُّ هَيِّنَّ عَلَى اللهِ، وَالنَّاسُ بَنُوآدَمَ، وَخَلَقَ اللّه آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ الله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْتَّى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَمَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَعَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ يُضَعَّفُ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ: وَالِدُ عَلِيٍّ بْنِ الْمَدِينِيِّ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ. ٣٢٧١ - حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ سَهْلِ البَغْدَادِيُّ الأَعْرَجُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّوَ لَ قَالَ: ((الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالكَرَمُ التَّقْوَى)). [٣٢٧٠] خزيمة: ٢٧٨١، هب: ٤٧٦٧، تحفة: ٧٢٠١. [٣٢٧١] جه: ٤٢١٩، حم: ١٠/٥، تحفة: ٤٥٩٨. (١) العبية بالضم وبالكسر: الكبر، والفخر، والنخوة، كذا في ((القاموس)) (ص: ١١١). ٤٣٦ الكوَكَبُ الدُّرِّي هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ مِنْ حَدِيْثِ سَمُرَةَ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيع. ٥٠ - سُورَةٌ ق ٣٢٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، نَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّ الله ◌َ لّ قَالَ: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ العِزَّةِ قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ(١) غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ (٢). ٥٠ - سورة ق قوله: (قدمه) من المتشابهات[١]. [١] وتقدم شيء من ذلك في هامش ((باب رؤية الرب تبارك وتعالى)) من أبواب الجنة، وقال القاري(٣): مذهب السلف التسليم والتفويض مع التنزيه، وأرباب التأويل من الخلف يقولون: المراد بالقدم قدم بعض مخلوقاته، أو قوم قدمهم الله للنار من أهلها، وتقدم في سابق حکمه أنهم لا حقوها فتمتلئ منهم جهنم، والعرب تقول: كل شيء قدمته من خير أو شر فهو قدم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِمْ﴾ [يونس: ٢] أي: ما قدموه من الأعمال = [٣٢٧٢] خ: ٤٨٤٨، م: ٢٨٤٨، ن في الكبرى: ٧٧١٩، حم: ١٣٤/٣، تحفة: ١٢٩٥. (١) زاد في نسخة: ((صحيح)). (٢) زاد في نسخة: ((وفيه عن أبي هريرة عن النبي بَّ صَلَّهِ)). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٥٠٧/٨). ٤٣٧ أبْوَابُ تَفْسِيْ القُرْآن ٥١ - سُورَةُ الذَّارِيَاتِ ٣٢٧٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ(١)، عَنْ سَلَّامٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ رَبِيعَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَذَكَرْتُ عِنْدَهُ وَافِدَ عَادٍ، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالله أَنْ أَكُونَ مِثْلَ وَافِدٍ عَادٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لَّهُ: ((وَمَا وَافِدُ عَادٍ؟)) قَالَ: فَقُلْتُ: عَلَى الْخَبِيرِ(٢) ٥١ - سورة الذاريات قوله: (فذكرت عنده) بصيغة المتكلم، ثم أورد[١] القرينة التي ذكر لها وافد = الصالحة الدالة على صدقهم، وروي: حتى يضع الله رجله، والمراد بالرجل الجماعة من الجراد، وهو وإن كان موضوعاً لجماعة كثيرة من الجراد، لكن استعارته لجماعة الناس غير بعيد، أو أخطأ الراوي في نقله الحديث بالمعنى، وظنّ أن الرجل سدّ مسدّ القدم، هذا وقد قيل: وضع القدم على الشيء مثل للردع والقمع، فكأنه قال: يأتيها أمر الله فيكفيها من طلب المزید، وقيل: أريد به تسکین فورتها کما یقال للأمر یراد إبطاله: وضعته تحت قدمي، انتهى. [١] يعني ذكر الباعث على ذكره وافد عاد، وهو تعوذه من أن يكون كوافدهم، وحديث الترمذي مختصر يوضحه ما أخرجه أحمد(٣) من الرواية المفصلة، فأخرج بسنده إلى أبي وائل عن الحارث بن يزيد البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله مِ ثيه فمررت بالربذة فإذا عجوز - والعجوزة هذه هي قيلة بنت مخرمة كما يظهر مما أخرجه أبو = [٣٢٧٣] ن: ٨٥٥٣، جه: ٢٨١٦، تحفة: ٣٢٧٧. (١) زاد في نسخة: ((ابن عيينة)). (٢) زاد في نسخة: ((بها)). (٣) ((مسند أحمد» (١٥٩٥٤). ٤٣٨ الكَوَكَبُ الدُّرِّي سَقَطْتَ، إِنَّ عَادًا لَمَّا أُقْحِطَتْ بَعَثَتْ قَيْلاً فَنَزَلَ عَلَى. عاد[١]، فقال: فقلت: أعوذ بالله إلخ، وهو مثل . = داود في باب إقطاع الأرضين. وحكى الشيخ في ((البذل))(١) أن بعث عمرو بن العاص كان إلى غزوة السلاسل - من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله جل﴾. حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها، فأتيت المدينة فإذا المسجد غاصٌّ بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله ماثلة .. فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً، قال: فجلست، قال: فدخل منزله- أو قال: رحله-، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال: ((هل كان بينكم وبين تميم شيء؟)) قلت: نعم، قال: وكانت لنا الدبرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزاً فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت، قالت: يا رسول الله، فأين تضطر مضرك؟ قال: قلت: إنما مثلي ما قال الأول: معزاة حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصماً، أعوذ بالله ورسوله أن أكون کوافد عاد، قال: هيه وما وافد عاد؟ وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه، قلت: إن عاداً قحطوا فبعثوا وافداً لهم، يقال له: قَيِّلٌ، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر، وتغنيه جاريتان يقال لهما: الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة فنادى: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، الحديث. فعلم أنه تعوذ عن كونه مثل وافد عاد في أخذه الهلاكة باختياره. [١] وقصته مسطورة مبسوطة في كتب السير والتفسير، لا سيما في ((المعالم)) و((الخازن)) (٢) وإجمالها: أن عاداً لما فسقوا في الأرض، وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي جعلها الله فيهم، بعث الله عزّ وجلّ فيهم هوداً عليه السلام، فأمرهم أن يوحدوا الله عزّ وجلّ، وأن يكفّوا عن ظلم الناس، ولم يأمرهم بغير ذلك فيما ذكر، فأبوا عليه وكذبوه، وقالوا: من أشد منا قوة، واتبعه= (١) ((بذل المجهود)) (٥٢٧/٢-٥٢٨). (٢) ((تفسير الخازن)) (٢١٧/٢). أَبْوَابْ تَفْسِيْرُ القُرْآن ٤٣٩ = منهم ناس يسير يكتمون إيمانهم، فلما عتوا على الله، وكذبوا نبيهم، أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، حتى جهدهم ذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم جهد وبلاء يطلبون الفرج عند بيت الله الحرام، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى مختلفة أديانهم، وكلهم معظم لمكة معترف بحرمتها، وكان سكان مكة يومئذ العماليق، وسيدهم رجل يقال له: معاوية بن بكر، فلما قحطت عاد، وقل عنهم المطر، قالوا: جهزوا منكم وفداً إلى مكة ليستسقوا لكم، فإنكم قد هلكتم، فبعثوا قيل بن عنز، ونعيم بن بزال، وعقيل بن صفدين بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد وكان مسلماً يكتم إيمانه، وجلهمة بن الخيبري، ولقمان بن عاد، فانطلق كل رجل من هؤلاء ومعه جماعة من قومه، فبلغ عدد وفد عاد سبعين رجلاً، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر، وهو بظاهر مكة خارج الحرم، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر، وتغنيهم الجرادتان وهما قينتان لمعاوية، فلما رأى معاوية طول مقامهم عنده، وقد بعثهم قومهم يتغوثون لهم من البلاء الذي أصابهم شق ذلك علیه، وقال: هلك أخوالي وأصهاري، وهؤلاء مقيمون عندي، وهم ضيفي نازلون علي، والله ما أدري كيف أصنع، فإني أستحيي أن آمرهم بالخروج لما بعثوا إليه، فيظنوا أنه ضيق مني بمكانهم عندي، فتغنت الجاريتان تعيرانهم على فعلهم أن نسوا قومهم بأبيات أولها: ألا يا قيل ويحك قم فهينم لعل الله يسقينا غماماً فلما غنت الجرادتان بذلك، قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم ليتغوثوا بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليه، فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم، فقال مرثد بن سعد: إنكم والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم سقيتم، وأظهر إسلامه وأنشد أبياتاً، فأجابه جلهمة بأبيات، ثم قال جلهمة لمعاوية وأبيه بكر: احبسا عنا مرتداً لا يقدمن معنا مكة، فإنه قد تبع دين هود وترك ديننا، ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، فقام قيل بن عنز رأس وفد عاد يدعو، فقال: اللهم أعط قيلاً ما سألك، وقال الوفد معه: ٤٤٠ الكوَكَبُ الدُّرِّي بَكْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَسَقَاهُ الخَمْرَ وَغَنَّتْهُ الجَرَادَتَانِ، يضرب[١] لمن اكتسب هلاكاً وشرًّا من حيث يرجى الخير والبركة. قوله: (بكر بن معاوية) وكان له [٢] قرابة معه. = واجعل سؤلنا معه، وقال قيل حين دعا: يا إلهنا إن كان هوداً صادقاً فاسقنا فإنا قد هلكنا. فأنشأ الله تعالى سحائب ثلاثاً: بيضاء، وحمراء، وسوداء، ثم نادى مناد من السماء: یا قَيْلُ اختر لقومك ولنفسك من هذه الثلاثة، فقال قَيْلٌ: قد اخترت السحابة السوداء، فإنها أكثر السحاب ماء، فناداه مناد اخترت رماداً رمدداً لا يبقي من آل عاد أحداً، وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى خرجت إليهم من واد يقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، يقول الله عزّ وجلّ: ﴿بَلْ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُمْ بِ. رِيٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]، وكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح مهلكة امرأة من عاد يقال لها: مهدد، فلما عرفت ما فيها من العذاب صاحت ثم صعقت، فلما أن أفاقت قالوا: ماذا رأيت؟ قالت: رأيت فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، إلى آخر ما في (المعالم)) و((الخازن))، وهذا أيضاً ملخص منهما، وعلم من ذلك أن المراد بوافد عاد في الحديث قيل بن عنز رأس وفدهم أعاذنا الله من نقمته. [١] يعني صارت بعد ذلك مثلاً يضرب به، ففي آخر رواية أحمد المذكورة المفصلة: قال: فکانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافداً لهم قالوا: لا تکن کوافد عاد. [٢] فقد تقدم قريباً في القصة المفصلة أن عاداً كانوا أخواله وأصهاره، وفي ((المعالم)) و ((الخازن))(١): وكان سيد العماليق يومئذ رجلًا يقال له: معاوية بن بكر، وكانت أم معاوية كلهدة بنت الخيبري، وهو رجل من عاد، وكانت عاد أخوال معاوية سيد العماليق، انتهى. ثم لا يذهب عليك أن اسم الرجل ذكره أهل التفسير معاوية بن بكر كما في ((الخازن)) و((المعالم)) وغيرهما، وهكذا في كتب الرجال من («أسد الغابة»، والروايتين في ((مسند = (١) ((تفسير الخازن)) (٢١٨/٢).