Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، نَا وَكِيعُ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ. ٣٠٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: مَاتَ رِجَالُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّلِ لِّ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ، فَلَمَّا حُرِّمَتِ الخَمْرُ، قَالَ رِجَالُ: كَيْفَ بِأَصْحَابِنَا وَقَدْ مَاتُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ ﴾ [المائدة: ٩٣]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَيْضًا (١). ٣٠٥٢ - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، نَامُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: مَاتَ نَاسُ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ الله وَهُمْ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، قوله: (كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر) إلخ، وهذه الشبهة ليست كالتي وقعت لهم في الصلاة إلى بيت المقدس، فإن الصلاة إلى البيت إنما كانت بأمره سبحانه، فاحتجنا ثم إلى التأويل، وأما هاهنا فلم يكونوا مأمورين بشربها حتى يعذروا، فلما كانت مقدرة حرمتها في علم الله تعالى، وقد قال لهم قبل التحريم ما يشير إليه، فلعلهم يعاتبوا على شربها، فهذا هو الذي أحوجهم إلى السؤال. [٣٠٥١] ع: ١٧١٩، حب: ٥٣٥٠، تحفة: ١٨٢١. [٣٠٥٢] انظر ما قبله، تحفة: ١٨٨٣. (١) زاد في نسخة: ((عن البراء)). ١٤٢ الكَوْكَبُ الُّرِي فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا لله فَلَمَّا نَزَلَتْ(١) تَحْرِيمُهَا قَالَ نَاسُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا؟ قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٣]. هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٣٠٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي رِزْمَةَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوْاْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ . [المائدة: ٩٣]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٣٠٥٤ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، نَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ﴾ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِهِ: ((أَنْتَ مِنْهُمْ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. [٣٠٥٣] ك: ٧٢٢٥، حم: ٢٣٤/١، تحفة: ٦١١٨. [٣٠٥٤] م: ٢٤٥٩، تحفة: ٩٤٢٧. (١) في بعض النسخ: ((نزل)). ١٤٣ أبْوَابُ تَفْسِيْ القُرآن ٣٠٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ(١)، نَا مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: ٩٧]، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فِي كُلِّ عَامِ؟ فَسَكَتَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فِي كُلِّ عَامِ؟ قَالَ: ((لَا، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ))، فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ . [المائدة: ١٠١]. قوله: (ولو قلت: نعم لوجبت) إما لأنه كان خير[١] إذاً في أمر أمته، أو لما أنه إذا أمر بشيء مجتهداً فيه وقائساً، فإما أن يثبت على ذلك الحكم، أو ينفي هذا الحكم، فالمعنى لو قلت: نعم لاحتمل أن يجب (٢) عليكم فتتضرروا. قوله: (فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾) هذا من قبيل ما قلنا: إن الإنزال قد يطلق ويراد به (٣) دخوله في جزئياته،. [١] تقدم الكلام في ذلك في ((أبواب الحج)). [٢] أي: وجوب بقاء ودوام، وإلا فمجرد الوجوب يتحقق بأمره مثله، ولو كان أمره بالاجتهاد ولم يبق على ذلك الاجتهاد، فيكون مغيره كالناسخ، قال النووي(٢): في الحديث دليل على المذهب الصحيح أنه ﴾ كان له أن يجتهد في الأحكام، ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي، إلى آخر ما قاله. [٣] فلا يشكل بمختلف ما روي في سبب نزول الآية، فقد ذكر الحافظ فيه خمسة أقوال: منها حديث الباب، ومنها ما روي عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله م # غضبان محمار وجهه، = [٣٠٥٥] تقدم تخريجه في ٨١٤. (١) زاد في نسخة: ((الأشج)). (٢) ((شرح النووي)) (١٠١/٩). ١٤٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ عَلِيٍّ. وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسِ. وإلا فنزول هذه الآية ليس(١) في السؤال عن الحج. = حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ فقال: في النار، فقام آخر، فقال: من أبي؟ قال: حذافة، ثم قال: ولا منافاة بينهما لاحتمال أن تكون نزلت في الأمرين، ولعل مراجعتهم في الحج هي سبب غضبه، وجاء في سبب نزولها قول ثالث، وهو ما يدل عليه حديث ابن عباس عند البخاري، قال: كان قوم يسألون رسول الله استهزاءً، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله هذه الآية. وجاء فيه قولان آخران، فأخرج الطبري عن ابن عباس أن المراد بالأشياء: البحيرة، والوصيلة، والسائبة، قال: فكان عكرمة يقول: إنهم كانوا يسألون عن الآيات، فنهوا عن ذلك، والمراد بالآيات نحو سؤال قريش أن يجعل الصفا لهم ذهباً، وسؤال اليهود ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣] ونحو ذلك، وذكر صاحب ((البحر المحيط))(١) أقوالًا أخر أيضاً غير ذلك، قال الحافظ(٢): ورجح ابن المنير نزولها في النهي عن كثرة المسائل عما كان وعما لم يكن، واستند إلى كثير مما أورده البخاري في (باب ما يكره من كثرة السؤال))، قال الحافظ: وهو متجه لكن لا مانع أن تتعدد الأسباب، انتھی. [١] وذلك لما تقدم في ((كتاب الحج)) في كلام الشيخ أن نزولها كان قبل السؤال بالحج هل هو في كل عام أم لا؟ والظاهر من مجموع كلام الشيخ أن المرجح عنده في سبب النزول هو كثرة السؤال، ورجحه ابن المنير كما تقدم، وهو مختار صاحب ((الجلالين)). (١) ((البحر المحيط)) (٣٨٠/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٢٨٢/٨). ١٤٥ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٣٠٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ أَبُو عَبْدِ الله البَصْرِيُّ، نَارَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، نَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ الله مَنْ أَبِي؟ قَالَ: ((أَبُوكَ فُلَانٌ))، قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. [المائدة: ١ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ. قوله: (قال رجل(١): يا رسول الله من أبي؟) وكانوا قد اجترؤ والكمال خلقه مَ ل على السؤال عن أمثال هذه الأشياء التي لا تغنيهم ولا تتعلق بالشرع، حتى غضب النبي ◌َ لل يوماً، وقال: ليسأل كلٌّ عما بدا له أو كما قال[١]، فسأل الرجل عن أبيه لأن العرب كانوا يرمونه بغير أبيه، ثم لما تبينوا غضبه قام عمر رضي الله تعالى عنه، فأخذ في الاعتذار، وكان يقول: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد جلال نبيًّا، فنزلت يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ﴾ . [١] فقد أخرج البخاري في العلم برواية أبي موسى، قال: سئل النبي ◌َ ل عن أشياء كرهها، فلما أكثر عليه غضب، ثم قال للناس: ((سلوني عما شئتم))، قال رجل: من أبي؟ قال: ((أبوك حذافة))، فقام آخر فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: ((أبوك سالم))، فلما رأى عمر ما في وجهه قال: يا رسول الله إنا نتوب إلى الله، وفي رواية أنس: ثم أكثر أن يقول: ((سلوني))، فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ◌َيّ نبيًّا، فسكت، وفي حديث موسى بن أنس عن أنس في التفسير: فغطّ أصحاب رسول الله بِمَثّ وجوههم لهم حنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت هذه الآية. [٣٠٥٦] خ: ٤٦٢١، م: ٢٣٥٩، ن في الکبری: ١١١٥٤، تحفة: ١٦٠٨. (١) هو عبد الله بن حذافة القرشي السهمي. ١٤٦ الكَوَكَبُ الدُّرِّي ٣٠٥٧ - حَدّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أبی خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النّاسُ إِنّكُمْ تَقْرُؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُُّكُم مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنّ النّاسَ إِذَا رَأَوْا ظَالِمًا، فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللّهِ بِعِقَابٍ(١). قوله: (إنكم تقرؤون هذه الآية) أي: وتريدون بها ما نطق به ظاهرها مع أن الاهتداء لا يتحقق ما لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر، وهذان يجبان ما لم يقنط من الانتجاع، وأما إذا تيقن أنه ليس بمُجْدٍ فلا(١)، ولذلك قال النبي ◌َّ: ((وإعجاب كل ذي رأي برأيه))، فجعله غاية للقيام بهما؛ لأن المرء ما لم يعجب برأيه ولم يطمئن إليه كان مظنة لقبول أمر الغير ونهيه، وأما إذا[٢] فلا، بخلاف ما عدّه النبي : من الأمور قبله من كون الشح مطاعاً وغيره، فإنها ليست بهذه المثابة، بل المرء بعد الاتصاف بكل منهما منتجع الائتمار والانتهاء ومرمى (٣] طلب الارتداع والاهتداء، فإن الشحيح لا يأنف عن القيام بأمور الخير التي ليست فيها نفقة، وكذلك اتباع الهوى [١] أي: فلا يبقى الوجوب، وإن بقي الجواز بعد ذلك أيضاً. [٢] حذف الكلام لقيام القرينة، والمعنى حينما تحقق إعجاب كل ذي رأي برأيه، فلا تبقى مظنة للقبول. [٣] هكذا في الأصل، فيحتمل أن يكون من رمى الشيء ألقاه، أو يكون مرصى من أرصى بالمكان: لزمه ولا يبرح به، كما في ((القاموس)»(٢). [٣٠٥٧] تقدم تخريجه في ٢١٦٨. (١) زاد في نسخة: ((مِنْهُ)). (٢) ((القاموس المحيط)) (١١٨٤). ١٤٧ أبْوَابُ تَفْسِيْ القُرْآن هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ مَرْفُوعًا، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيٍْ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَوْلَهُ وَلَمْ يَرْفَعُوهُ. ٣٠٥٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالقَانِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا عُثْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، نَا عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ اللَّخِْيُّ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيّ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ(١) الآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، قَالَ: أَمَا وَالله لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللهِلَ لِ فَقَالَ: «بَلِ اثْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُخًّا مُطَاعًا (٢)، وَهَوَّى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعِ العَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أيَّامًا، الصَّبْرُ فِيهِنَّ لا يمنعه عن تعاطي أمور دينه، غير أنه ليس ينتهي عن مأثم تعوَّدها، ومع ذلك فإنه مستغفر الله مقر بخطائه، راجي عفو مولاه وعطاءه، وهذا هو القياس في استئثار الدنيا، فإنه لا يمنعه عن القيام بجميع ما أمر وانتهاء عن كل ما نهي عنه، وغير أنه لحبه الدنيا لا يتركها تذهب عنه، وأما إذا أعجب برأيه وسره فهمه، وما أبلاه الله به من سوء الاختيار فإنه لا يعد نفسه خاطئاً حتى يفكر، ولا مذنباً حتى يقلع، ولا مقصراً حتى يجتهد. قوله: (فإن من ورائكم أياماً) كأنه جواب لمن تعجب أن يعم المسلمين هذه الكيفية السيئة التي ذكرها بقوله: (حتى إذا رأيت شحًا مطاعاً) إلخ، بأن لا عجب في [٣٠٥٨] د: ٤٣٤١، جه: ٤٠١٤، تحفة: ١١٨٨١. (١) في نسخة: ((بهذه)). (٢) الشُُّ: البخل الشديد، وطاعته: أن يتبع الإنسان هوى نفسه لبخله، وينقاد له. «دنيا مؤثّرة» أي: محبوبة مشتهاة، انتهى من ((جامع الأصول)) (٣/١٠). ١٤٨ الكَوْكَبُ الدُّرِي مِثْلُ القَبْضِ عَلَى الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرٍ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ))، قَالَ عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ: وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلاً مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ. قَالَ: «لَا، بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلاً مِنْكُمْ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ. ٣٠٥٩ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أبِي شُعَيْبِ الحَرَّانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ ابْنُ سَلَمَةَ الحَرَّانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي النَّصْرِ، عَنْ بَاذَانَ، مَوْلَى أُمّ هَانِيٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ، فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ شَهْدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ [المائدة: ١٠٦]،. مثل هذا الزمان الذي هو آت عن ذلك؛ لأن الصبر على دينه لما كان شديداً لا محالة يبتلون بما يبتلون. قوله: (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾) [١] [المائدة: ١٠٦] الشهادة هي الوصية [١] قال صاحب ((الجمل)) (١): هذه الآية واللتان بعدها من أشكل القرآن حكماً وإعراباً وتفسيراً، ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكفون عنها، حتى قال مكي بن أبي طالب رحمه الله في كتابه المسمى بـ((الكشف)): هذه الآيات في قراءتها وتفسيرها وإعرابها ومعانيها وأحكامها من أصعب آي القرآن وأشكله، قال: ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر، قال: وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد، وقال السخاوي: لم أر أحداً من العلماء = [٣٠٥٩] تحفة: ٢٠٥٥. (١) ((الفتوحات الإلهية)) (٥٣٥/١). ١٤٩ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ الْقُرْآن قَالَ: بَرِئَ النَّاسُ مِنْهَا غَيْرِي وَغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ الإِسْلَامِ، فَأَتَيَا الشَّامَ لِتِجَارَتِهِمَا، وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلَى لِبَنِي سَهْمِ، هاهنا، وقيل: اليمين،(١) والقصة تقتضي بسطاً في الكلام، وسيرد عليك تفصيله في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى، والمقصود في هذا الحديث إنما هو التنبيه (٢) على تخليط الراوي وذكره إياه من غير أن يرتب. ومعنى قوله: (برئ الناس منها) يعني أنها نزلت فينا والناس عن الجريرة المذكورة فيها برآء[٣]. = تخلّص كلامه فيها من أولها إلى آخرها، قلت: وأنا أستعين الله في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفة تأليفها، وأما بقية علومها فنسأل الله العون في تهذیبه، إلى آخر ما في عبارة ((السمین))، انتهى. [١] ففي ((البحر المحيط))(١): الشهادة هاهنا هل هي التي تقام بها الحقوق عند الحكام، أو الحضور، أو اليمين؟ ثلاثة أقوال، آخرها للطبري والقفال، وقيل: تأتي الشهادة بمعنى الإقرار، وبمعنى العلم، وبمعنى الوصية، وخرجت هذه الآية عليه، فيكون فيها أربعة أقوال، انتهى. وفي ((الجمل))(٢): اختلفوا في هذه الشهادة، فقيل: هي الشهادة المعروفة التي هي الإخبار بحق الغير على الغير، وقيل: هي حضور وصية المحتضر، وقال البيضاوي: المراد بالشهادة الإشهاد في الوصية. [٢] ولعل ذلك لما أن المصنف تكلم على هذا الحديث وحسن الحديث الآتي، وبين سياقيهما فرق ظاهر، وأيضاً فلما كان الحديث الآتي أخرجه البخاري في ((صحيحه)) وأبو داود في ((سننه)) جعله الشيخ أصلاً وأول هذا الحديث إلى الثاني. [٣] جمع بريء كالفقهاء. (١) ((البحر المحيط)) (٣٩١/٤). (٢) ((الفتوحات الإلهية)) (٥٣٥/١-٥٣٦). ١٥٠ الكَوَكَبُ الدُّرِّي يُقَالُ لَهُ: بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ بِتِجَارَةٍ، وَمَعَهُ جَامُّ مِنْ فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ الْمَلِكَ، وَهُوَ عُظْمُ تِجَارَتِهِ، فَمَرِضَ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ، قَالَ تَمِيمُ: فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الجَامَ، فَبِعْنَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهُ أَنَا وَعَدِيُّ ابْنُ بَدَّاءٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا إِلَى أُهْلِهِ دَفَعْنَا إِلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَا، وَفَقَدُوا الجَامَ، فَسَأَلُونَا عَنْهُ، فَقُلْنَا: مَا تَرَكَ غَيْرَ هَذَا، وَمَا دَفَعَ إِلَيْنَا غَيْرَهُ، قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللهِ وَ لَّهِ الْمَدِينَةَ قوله: (يريد به الملك) لأن إهداء مثل تيك الأشياء للملوك رابحة أفضل مما تربحه التجارة. قوله: (وفقدوا الجام) لأنهم علموا[١] كونه معه، كيف وقد قال: إنه عظم تجارته، ومع ذلك فلما لم تقع (٢] الورثة منه على أثر، ولا وجدوا في تفاصيل حسابه ذكر القيمة وغير ذلك من القرائن كثيرة. قوله: (فلما أسلمت بعد قدوم) إلخ، ليس المعنى ما يتبادر منه من أن الوقعة [٣] كانت [١] وفي بعض الروايات كما ذكرها السيوطي في ((الدر))(١)، والحافظ في ((الفتح))(٢): أن السهمي المذكور مرض، فكتب وصيته بيده، ثم دسّها في متاعه، فوجدوا الوصية، وفقدوا أشياء، الحديث. [٢] هكذا في الأصل، ولم يذكر في الكلام جزاء (لما)) وللتقدير مساغ، ويحتمل أن يكون ((لما)» زائدة لتأكيد النفي. [٣] لم يتحقق لي أن القصة متى وقعت، وذكرها صاحب (الخميس)) في السنة العاشرة، وحكى = (١) ((الدر المنثور)) (٢٢١/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٤١١/٥). ١٥١ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ، وَأَدَّيْتُ إِلَيْهِمْ خَمْسَ مِائَةِ دِرْهَمِ، قبل قدومە پێے، وإنما أسلم بعد قدومه، بل المعنی أن کل ذلك المذكور كان بعد قدومه، أو المعنى أنه ذكر إسلامه بعد قدومه، ولا يلزم من ذلك أن یکون باقي القصة قبل قدومه ټی﴾. قوله: (تأثمت من ذلك) ليس المراد[١] هو التأثم من أخذ الجام وإيتاء(٢) قيمته لورثة بديل، بل المراد التأثم من غصب(٣] دراهم المشترى الذي كان اشتراه منهما، ثم أخذ منه(٤) الجام ولم يؤت له ثمنه. قوله: (فأتيت أهله) أي: أهل الحق، أو أهل المشتري الذي كنا بعنا الجام منه، ثم أخذ منه الجام ولم يصل إليه ثمنه الذي كان أدى إلينا، وأما لو حمل على أني أتيت أهله أي: أهل بديل السهمي يكون كذباً؛ لأنه (٥) لم يأت أهله، بل أهله هم الذين كانوا = أهل الرجال إسلام عدي في سنة تسع، وجزم الحافظ في ((الفتح)) (١) بأن ذلك كان قبل أن يسلم، قال: ويحتمل أن تكون القصة وقعت قبل الإسلام، ثم تأخرت المحاكمة حتى أسلموا كلهم، فإن في القصة ما يشعر بأن الجميع تحاكموا إلى النبي ◌َُّثّ، فلعلها كانت بمكة سنة الفتح، انتهى. قلت: وما سيأتي من مرسل عكرمة نص في أن القصة وقعت قبل إسلامه. [١] ولا مانع من أن يكون التأثم من كلا الفعلين: من سرقة الجام ابتداء وعدم إعطاء الثمن انتهاء. [٢] الظاهر من عدم إيتاء قيمته، فترك لفظ العدم تصحيف من الناسخ. [٣] إطلاق الغصب مجاز، والمراد حبس دراهم المشترى. [٤] كما هو نص الزيادة الآتية في رواية السيوطي في ((الدر))(٢). [٥] ويمكن الجمع بأنهم أتوه أولاً، ثم بعد التأثم أتاهم تميم وأخبرهم بنفسه كما هو ظاهر السياق، والروايات في هذه القصة مختلفة جدًّا، ذكر الترمذي منها الروايتين: أما الأولى = (١) ((فتح الباري)) (٤١١/٥). (٢) ((الدر المنثور)) (٢٢٣/٣). ١٥٢ الكَوَكَبُ الدُّرِّي وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا، فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللهَ لَه فَسَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ، فَلَمْ قد ادعوا عليه، ثم إنه لم يدفع إليهم الخمس مائة، لأنهم قد دفع إليهم جامهم فإنهم مالهم وما للدراهم. قوله: (وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها) فلعلهم إذاً سألوا منه دفعه، إلا أن الراوي لم يذكر منه غير هذا القدر، ثم قوله: (فأتوا به رسول الله ◌َ لا) تأخير بياني لما = فقال السيوطي في ((الدر))(١): أخرج الترمذي وضعفه، وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه، وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في ((المعرفة))، من طريق أبي النضر وهو الكلبي عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس، ثم ذكر الرواية بلفظ الترمذي. ثم قال: وأخرج البخاري في ((تاريخه)) والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في ((سننه)) عن ابن عباس، ثم ذكر الرواية الثانية، وفيها زيادتان على لفظ الترمذي: الأولى فأحلفهما رسول الله خالية ما كتمتماها ولا اطلعتما، والثانية في آخر الحديث: وإن الجام لصاحبهم وأخذ الجام. قلت: وهذه الرواية أخرجها البخاري في ((صحيحه)) وأبو داود في ((سننه)) بلفظ الترمذي، ثم ذكر السيوطي رواية ثالثة فقال: وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: كان تميم الداري وعدي بن بداء رجلين نصرانيين، يتجران إلى مكة في الجاهلية، ويطيلان الإقامة بها، فلما هاجر النبي ◌ُّل حوّلا متجرهما إلى المدينة، فخرج بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة، فخرجوا جميعاً تجاراً إلى الشام، حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل، فكتب وصيته بيده، ثم دسها في متاعه، وأوصى إليهما، فلما مات فتحا متاعه، فأخذا منه شيئاً، ثم حجراه كما كان، وقدما المدينة على أهله فدفعا متاعه، ففتح أهله متاعه، فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئاً، = (١) ((الدر المنثور)) (٦٠٥/١). ١٥٣ أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ الْقُرْآن يَجِدُوا، فَأَمَرَّهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يَعْظُمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ الله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَّ ◌َيْمَنٌ بَعْدَأَيْمَنِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨]، فَقَامَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ، وَرَجُلُ آخَرُ(١) فَحَلَفَا، فَنُزِعَتِ الخَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ. هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ. تقدم المذكور من القصة، والمراد إما تحليف منكري الشراء أو الهبة هو [١]. قوله: (ولیس إسناده بصحیح) لكون محمد بن السائب فيه، وهو غیر = فسألوهما عنه فقالوا: هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا فقالوا لهما: هذا کتابه بيده، قالوا: ما کتمنا له شيئاً، فترافعوا إلى النبي ◌َّ فنزلت هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ إِذَا لَِّنَ الْأَثِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فأمر رسول الله مَّل أن يستحلفوهما في دبر صلاة العصر: بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموه بذهب، فقال أهله: هذا من متاعه؟ قالا: نعم، ولكنا اشترينا منه، ونسينا أن نذكره حين حلفنا، فكرهنا أن نكذب نفوسنا، فترافعوا إلى النبي ◌ِّ﴿ فنزلت الآية الأخرى ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَ أَنَّهُمَا اسْتَحَقًّاَ إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧]، فأمر النبي ◌ِ لّهرجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيّبا ويستحقانه، ثم إن تميماً الداري أسلم وبايع النبي ◌َّ، وكان يقول: صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء، الحديث. [١] بياض بعد ذلك في الأصل، وظاهر رواية الكلبي أنه مثّ أحلف عديًّا بعد ذلك، وظاهر الرواية الآتية حلف الرجلين من أولياء السهمي فقط، ويؤيده مرسل عكرمة، واختلف أهل التفسير في الحالف ووجه التحليف جدًّا لا يسعه المقام. (١) هو المطلب بن وداعة السهمي، كذا في ((تفسير البيضاوي)) (١٤٨/٢). ١٥٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي وَأَبُو النَّضْرِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا الحَدِيثَ هُوَ عِنْدِي مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الكَلْبِيُّ يُكْنَى أَبَا النَّضْرِ، وَقَدْ تَرَكَهُ أَهْلُ العِلْمِ بِالحَدِيثِ، وَهُوَ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ. سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الكَلْبِيُّ يُكْنَى أَبَا النَّضْرِ، وَلَا نَعْرِفُ لِسَالِمِ أَبِي النَّضْرِ الْمَدِينِيِّ رِوَايَةً عَنْ أَبِي صَالِحِ مَوْلَى أُمَّ هَانِيٍّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ شَيْءُ مِنْ هَذَا عَلَى الإِخْتِصَارِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ. ٣٠٦٠ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي القَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: خَرَجَ رَجُلُ مِنْ بَنِي سَهْمِ، مَعَ تَمِيمِ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضِ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ معتمد[١] عليه، فإما أن يقال: إن الراوي لما لم يتذكر لبس القضية بعضها ببعض، فلا يعتبر على خلاف ما بينه الثقات، وهو موافق لمفهوم النص أيضاً، أو يحمل(٢) على ما ذکرنا لك من قبل. [١] فقد بسط الحافظ في ((تهذيبه))(١) تضعيفه أشدّ البسط حتى حكى عن بعضهم تكفيره أيضاً، وكذا بسط الذهبي في ((الميزان))(٢). [٢] يعني ما أفاده الشيخ من توجيه الحديث مبني على صحته. (١) ((تهذيب التهذيب)) (١٧٨/٩). (٢) ((ميزان الاعتدال)) (٥٥٦/٣). ١٥٥ أبَوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللهِ وَله، ثُمَّ وَجَدُوا الْجَامَ بِمََّةَ، فَقِيلَ: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ عَدِيٍّ وَتَمِيمٍ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفَا بِالله لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهْدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبٌ. وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي زَائِدَةً. قوله: (فأحلفهما رسول الله وسلّ) لأن أهل بديل لما ادعوا عليهما أن مورثهم سلم إليهما الجام وأنكراه، سأل النبي ◌َّ أهل بديل بينة على التسليم، فلما[١] تقم بينة، إذ لم يكن ثم من يعرفونه، فوجب تحليفهما لكونهما أنكرا التسلیم. قوله: (ثم وجدوا الجام بمكة)[٢] ولما وجد الجام، وقيل: إنهما باعاه سئل عنهما، وقد اتهما بذلك فادعيا أن بديلاً باعه منهما، أو ادعيا هبته لهما، وكان عليهما إقامة بينة على الهبة أو الشراء، إلا أنهما لما عجزا عن ذلك، وكانت ورثة بدیل منكرين لأن يكون مورثهم وهبهما أو باعه منهما، وجب إذاً تحليفهم، والتحليف هاهنا على العلم. [١] بمعنى لم. [٢] وتقدم في مرسل عكرمة: ثم ظهر معهما على إناء، وعامة المفسرين بنوا تفسيرهم على هذا المرسل، وجمع القنوي بينهما ناقلاً عن ((الكشاف)) بأنه لما وجد الإناء بمكة، وقالوا: إنا اشترینا من تمیم وعدي فكأنه في أيديهما. ١٥٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٣٠٦١ - حَدَّثَنَا الحَسَنُّ بْنُ قَزَعَةَ البَصْرِيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، نَا سَعِيدُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (أَنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَأَمِرُوا أَنْ لَا يَخُونُوا وَلَا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخَانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا لِغَدٍ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرً)). هَذَا حَدِيثُ(١) رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسِ، عَنْ عَمَّارٍ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّ مِنْ حَدِيثٍ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ. حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ، وَلَا نَعْلَمُ لِلْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَضْلاً. ٣٠٦٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاؤُوسِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يُلَفَّى عِيسَى حُجَّتَهُ. قوله: (وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا) والفرق أن الأول خيانة من كل واحد على حدة من غير أن يعلم به الآخر، بخلاف الثاني فإنه [١] إثم يشترك فيه جمع. [١] لما في الذخيرة من معنى الكثرة التي يصعب لواحد حفظها. [٣٠٦٢] ن في ((الكبرى)»: ١١٠٩٧، تحفة: ١٣٥٣١. [٣٠٦١] ع: ١٦٥١، تحفة: ١٠٣٤٨. (١) زاد في نسخة: ((غریب)). ١٥٧ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن فَلَقَّاهُ الله فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُ ونِ وَأُقِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّوَلَهُ: فَلَقَّاهُ الله: ﴿سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَالَيْسَ لِىِ بِحَقِّ ﴾ الآيَةَ كُلَّهَا. [المائدة: ١١٦]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٣٠٦٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، عَنْ حُيَيٍّ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍ و قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ أَنْزِلَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ و وَالْفَتْحِ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ. وَقَدْ رُوِي عَنِ ابْنٍ عَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قوله: (فلقاه الله) حجته[١]، هذا زائد ولا يرتبط فليسأل. قوله: (آخر سورة) أي: كملاً[٢]. [١] لأن هذا هو مؤدى الجملة السابقة، وهي قوله: (يلقى عيسى حجته))؛ لأن معناها أيضاً أن الله عزّ اسمه لقّاه حجته، لكن في النسخة المصرية: ((تلقى عيسى حجته))، وهذا ظاهر لا غبار فيه، وأما على النسخة الهندية لو صحت يكون هذا كالتأكيد لما قبله وإظهار الملقي نصًّا، وكان في الجملة السابقة مفهوماً. [٢] وقد اختلفت الروايات في آخر سورة نزلت، كما بسطها السيوطي في ((الإتقان))(١)، وقال: لیس شيء من ذلك مرفوعاً، بل كل أخبر حسب ما علمه. [٣٠٦٣] ك: ٣٢١١، ق: ١٣٩٧٩، تحفة: ٨٨٦٢. (١) انظر: ((الإتقان في علوم القرآن)) (١٠٤/١). ١٥٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٧ - وَمِنْ سُورَةِ الأَنْعَامِ ٣٠٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ: أنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: إِنَّا لَا نُكَذِّبُكَ، وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَإِنَهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِعَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَاجِيَةَ، أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ بِّهِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْفِيهِ عَنْ عَلِيٍّ، وَهَذَا أَصَحُ. ٣٠٦٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِوبْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ(١) هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًامِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِّكُمْ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ:(هَاَانِ أَهْوَنُ، أَوْ هَاتَانِ أَيْسَرُ)). ٧ - ومن سورة الأنعام قوله: (ولكن نكذب بما جئت به) فإن الذي يخبرك يكذب وأنت صادق. قوله: (هاتان أهون) أي: من اللتين قبلهما، وإن كانتا شديدتين في نفسهما، [٣٠٦٤] ك: ٣٢٣٠، تحفة: ١٠٢٨٨. [٣٠٦٥] خ: ٤٦٢٨، ن في «الكبرى)): ٧٦٤، حم: ٣٠٩/٣، تحفة: ٢٥٣٦. (١) في نسخة: ((أنزلت)). ١٥٩ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ. ٣٠٦٦ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ الغَسَّانِيِّ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصِ، عَنِ الَّبِّفَهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًامِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ : ((أَمَا إِنَّهَا كَائِنَةُ وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ)). ٥ ـاالله أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ. ٣٠٦٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرٍَ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَمَّا نَزَّلَتْ: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ ثم إنهما لما كانتا ملازمتين باعتبار الظاهر والواقع عدهما واحدة أيضاً في بعض الروايات[١]، ولما كانتا ثنتين حقيقة يمكن وقوع كل منهما بدون الأخرى عدهما في هذه الرواية خلتین(٢) علی حدتین. [١] فقد ورد في روايات عديدة بألفاظ مختلفة: سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني ثالثاً، سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنیها. [٢] كما يدل عليه لفظ التثنية، وأوضح منه رواية ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله وَّل قال: ((دعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعاً، فرفع اثنتين، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين، دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع عنهم الرجم والغرق، وأبى أن يرفع القتل والهرج)). [٣٠٦٦] حم: ١ / ١٧٠، تحفة: ٣٨٥١. [٣٠٦٧] خ: ٣٤٢٩، م: ١٢٤، حم: ٣٧٨/١، تحفة: ٩٤٢٠. ١٦٠ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَأَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْءُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لإِبْنِهِ: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟)) [لقمان: ١٣]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. قوله: (ليس ذلك إنما هو الشرك) يعني أن لفظ الظلم وإن كان يطلق على المعنيين، وأمكن تنوينه أن يكون للتنكير فيشمل كل ذنب، وأن يكون للتعظيم، فلا يراد به إلا الشرك، إلا أن لفظ اللبس وهو الخلط خصصهما[١] بالثانيين فإن الخلط لا يكون إلا بين عظيم وعظيم، وأما الحقير(٢) والعظيم فإنما يتلاشى الحقير ولا يبقى له أثر، قلت: والقرينة أيضاً عليه هو سياق الآية حيث قال: ﴿فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ [٣] أَحَقُّ ◌ِآلْأَمَّنِّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١]، لا يقال: قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] قرينة على الأولين منهما، لأنا نقول: درجات الأمن متفاوتة، وفي كل منها صاحب كبيرة، (٤) وإن لم يكن أقل من أنه ليس بخالد في النار. [١] يعني خصّص الظلم بأعلى أفراده، وكذا التنوين بالتعظيم. [٢] وإذا خلط بالعظيم وهو الإيمان شيء حقير من الظلم لا يبقى له أثر، لا يقال: بقي احتمال ثالث، وهو خلط الحقير بالحقير؛ لأنه منتف بداهة، فإن عظم أحد الخلطين وهو الإيمان ظاهر لا یخفی. [٣] والفريقان معلومان، لا واسطة بينهما، وهما المؤمن والكافر. [٤] أي: يمكن دخول صاحب كبيرة في كل من هذه الدرجات.