Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
أبْوَاب الشّهَادَات
وَلَا القَانِعِ أَهْلَ البَيْتِ لَهُمْ،
قوله: (ولا القانع (١] أهل البيت لهم) أي: الذي منافعهم مشتركة، ورد
شهادته للتهمة، والقانع المنحصر قوته على أهل بيت،
= وهكذا في ((البحر))، ثم قال ابن نجيم: إن المصرح به في غالب كتب أصحابنا، والمشهور
على ألسنة فقهائنا ما ذكره المصنف من التفصيل، ونقل في ((القنية)): أن العداوة بسبب الدنيا
لا تمنع ما لم يفسق بسببها، أو يجلب منفعة، أو يدفع بها عن نفسه مضرة، وهو الصحيح
وعليه الاعتماد، ثم بسط الكلام على ذلك، وأجاب عن الحدیث بأنه يمكن حمله على ما
إذا كان غير عدل بدليل أن الحقد فسق للنهي عنه، ثم قال: وقد ذكر ابن وهبان تنبيهات
حسنة لم أرها لغيره، الأول الذي يقتضيه كلام صاحب ((القنية)) و((المبسوط)) أنّا إذا قلنا: إن
العداوة قادحة في الشهادة تكون قادحة في حق جميع الناس لا في حق العدو فقط، وهو
الذي يقتضيه الفقه، فإن الفسق لا يتجزأ حتى يكون فاسقاً في حق شخص عدلاً في حق
آخر، انتهى.
وفى ((الفتاوى الخيرية)): سئل في جماعة بينهم وبين شخص عداوة دنيوية هل تقبل
شهادتهم عليه؟ أجاب لا تقبل شهادتهم عليه للتهمة مطلقاً، ولا على غيره حيث كانت
فسقاً؛ لأن الفسق لا يتجزأ، ثم ذكر التنبيه الأول المذكور في كلام ابن وهبان وتعقبه، فقال:
بل الظاهر من كلامهم أن عدم القبول للتهمة لا للفسق، ويؤيده ما في كلامهم أن شهادة
العدو على عدوه لا تقبل، فالتقييد بكونه على عدوه ينفي ما عداه، انتهى مختصراً.
[١] وفي ((المرقاة))(١): قال المظهر: القانع السائل المقتنع الصابر بأدنى قوت، والمراد به هاهنا
أن من كان في نفقة أحد كالخادم والتابع، لا تقبل شهادته له لأنه يجرّ نفعاً بشهادته إلى نفسه،
لأن ما حصل من المال للمشهود له يعود نفعه إلى الشاهد؛ لأنه يأكل من نفقته، ولذلك
لا تقبل شهادة من جرّ نفعاً بشهادته إلى نفسه، كالوالد يشهد لولده أو الولد لوالده، أو
الغريم يشهد بمال للمفلس على أحد، وتقبل شهادة أحد الزوجين للآخر خلافاً لأبي حنفية
وأحمد، وتقبل شهادة الآخ لأخيه خلافاً لمالك، انتهى.
=
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٦/٧).

٥٤٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وكذلك الحكم لغيره(١] ممن منافعهم متحدة مشتركة.
= قلت: وما حكي من الاختلاف في شهادة الزوجين والأخ يأباه كلام ابن رشد(١) إذ قال في
شهادة الزوجين أحدهما للآخر: إن مالكاً ردها وأبا حنيفة، وأجازها الشافعي وأبو ثور،
وقال ابن أبي ليلى: تقبل شهادة الزوج لزوجه لا شهادتها له، وبه قال النخعي، ومما اتفقوا
على إسقاط التهمة فيه شهادة الأخ لأخيه ما لم يدفع بذلك عن نفسه عاراً على ما قال مالك،
وما لم يكن منقطعاً إلى أخيه يناله بره وصلته ما عدا الأوزاعي فإنه قال: لا تجوز، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): لا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر، قال ابن الهمام(٣): قال الشافعي:
تقبل، وبقولنا قال مالك وأحمد، وقال ابن أبي ليلى والثوري والنخعي: لا تقبل شهادة
الزوجة لزوجها؛ لأن لها حقًّا في ماله لوجوب نفقتها، وتقبل شهادته لها لعدم التهمة، انتهى.
وفي ((الهداية)) (٤) تحت قوله مَ له: ((ولا الأجير لمن استأجره)): والمراد بالأجير على ما قالوا
التلميذُ الخاص الذي يعدّ ضرر أستاذه ضرر نفسه ونفعه نفع نفسه، وهو معنى قوله پێ: ((لا
شهادة للقانع بأهل البيت لهم))، قال ابن الهمام(٥): قال أبو عبيد: القانع التابع لأهل البيت
کالخادم لهم، یعنی ویطلب معاشه منهم، انتھی.
وفي ((الدر المختار)) (٦): أو التلميذ الخاص الذي يعد ضرر أستاذه ضرر نفسه، ونفعه نفع
نفسه، وهو معنى قوله مَلة: ((لا شهادة للقانع بأهل البيت))، أي: الطالب معاشه منهم، من
القنوع لا من القناعة، انتهى.
[١] كما سيأتي التصريح بذلك في كلام الجصاص في ((أحكام القرآن))، وفي ((البدائع))(٧) : =
(١) ((بداية المجتهد)) (٤ /٢٤٧).
(٢) ((الهداية)) (١٢٢/٣).
(٣) ((فتح القدير)) (٤٠٦/٧).
(٤) ((الهداية)) (١٢٢/٣).
(٥) ((فتح القدير)) (٤٠٤/٧).
(٦) ((الدر المختار)) (٤٧٩/٥).
(٧) ((بدائع الصنائع)) (٦/ ٢٧٢).

٥٤٣
أبْوَابْ الشّهَادَات
وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَّا قَرَابَةٍ».
قَالَ الفَزَارِيُّ: القَانِعُ: التَّابِعُ.
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زِيَادِ الدِّمَشْقِيّ،
وَيَزِيدُ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيّ إِلَا
مِنْ حَدِيثِهِ.
وَفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو.
قوله: (ولا ظنين) إلخ، الظنين(١) في الولاء له معنيان، أي: المتهم في ادعائه
ولاء أو قرابة، كأن يدعي أنه مولى لفلان أو قريب لفلان، وقد كان المدعي لذلك متهماً
في ذلك القول فشهادته غير مقبولة مطلقاً، لما أن الظاهر من حاله لما كان هو الكذب
ارتفع الأمان من شهادته، ويحتمل(٢) أن يكون المراد بقوله: الظنين في الولاء أن المتهم
في ولاء قوم أو قرابتهم لا تقبل شهادته لهم خاصة، لما له في ذلك من التهمة.
= ومنها - أي: من الشرائط - أن لا يجرّ الشاهد إلى نفسه مغنماً، ولا يدفع عن نفسه مغرماً
بشهادته، لقوله {وَالآية: ((لا شهادة لجار المغنم ولا لدافع المغرم))، ولأن شهادته إذا تضمنت
معنى النفع أو الدفع، فقد صار متهمًا، ولا شهادة للمتهم على لسان رسول الله بَّةٍ، انتهى.
[١] قال القاري(١): وإنما ردّ شهادته لأنه ينفي الوثوق عن نفسه، وقال المظهر: يعني من قال: أنا
عتيق فلان وهو كاذب فيه بحيث يتهمه الناس في قوله ويكذّبونه، لا تقبل شهادته؛ لأنه فاسق؛
لأن قطع الولاء عن المعتق وإثباته لمن ليس بمعتقه كبيرة، وراكبها فاسق، وكذلك الظنين في
القرابة، وهو الداعي القائل: أنا ابن فلان أو أخو فلان من النسب والناس يكذبونه، انتهى.
[٢] وباعتبار هذا المعنى الثاني قال المصنف: لا نعرف معنى هذا الحديث، وأما باعتبار المعنى
الأول فقال صاحب الحاشية: إنه يجري على المذاهب، انتهى. قلت: فالحديث لا يخالف
الحنفية على كلا معنييه بل ولا الجمهور، إذ يراد بالقرابة القرابة الكاملة، كما وجهه الشيخ
على ما سيأتي في كلامه.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٦/٧).

٥٤٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَلَا نَعْرِفُ مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ، وَلَا يَصِحُ عِنْدَنَا مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ،
وَالعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ(١) أَنَّ شَهَادَةَ القَرِيبِ جَائِزَةُ لِقَرَابَتِهِ.
قوله: (ولا نعرف معنى هذا الحديث) ووجه ذلك مخالفته لمذهبهم، فإن
هؤلاء يقبلون[١] شهادة كل قريب لقريبه، وأما أصحاب الإمام وتابعوهم فقد حملوا
الحديث على ما هو كامل (٢) في القرابة الولاد، وسلموا عن وصمة مخالفة الحديث،
ولا يلزم[٣] تخصيص قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]؛ لأن
الحديث بَيَّنَ أن شهادة الولد للوالد والعكس ينافي العدالة، فكأن الحديث بين في
معنى النص أن العدل من لا يتهم في خبره، وهذا متهم فلم يك عدلاً، فليس مما
تناوله النص حتى يلزم تخصيص الكتاب بالسنة.
[١] قلت: عدم قبول شهادة الوالد لابنه وكذا العكس إجماعي لم يختلف فيه إلا بعض أصحاب
الظواهر، كما تقدم في كلام ابن رشد، والحديث باعتبار ما وجهه الشيخ لا يخالف أحداً من
الأئمة، ولعل المصنف حمل القرابة على مطلق القرابة، فقال: ولا نعرف معنى الحديث، وهذا
كله على الاحتمال الثاني من احتمالي معنى الظنين، وأما على الأول فهو فسق، كما عرفت.
[٢] فقد قال صاحب ((البدائع))(٢) بعد ما ذكر عدم قبول شهادة الوالد وإن علا لولده وإن سفل
وكذا العكس: أما سائر القرابات كالأخ والعم والخال ونحوهم فتقبل شهادة بعضهم
لبعض، لأن هؤلاء ليس لبعضهم تسلط في مال البعض عرفاً وعادة فالتحقوا بالأجانب،
وكذا تقبل شهادة الوالد من الرضاع لولده من الرضاع، وكذا العكس.
[٢] جواب عما يرد على الجمهور أن نفي قبول شهادة الولد لوالده، وكذا العكس ينافي عموم
الآية، وأجاب عنه الجصاص في ((أحكام القرآن))(٣) بوجه آخر فقال: إن قيل: إذا كان
الشاهد عدلاً فواجب قبول شهادته لهؤلاء، كما تقبل لأجنبي؛ لأن من كان متهماً في الشهادة =
(١) زاد في نسخة: ((فِي هَذَا)).
(٢) ((بدائع الصنائع)» (٦/ ٢٧٢).
(٣) «أحكام القرآن)) (٦١٨/١).

٥٤٥
أبْوَابْ الشّهَادَات
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي شَهَادَةِ الوَالِدِ لِلْوَلَدِ، وَالوَلَدِ لِلْوَالِدِ، فَلَمْ يُجِزْ
أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ شَهَادَةَ الوَلَدِ لِلْوَالِدِ، وَلَا الوَالِدِ لِلْوَلَدِ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ:
إِذَا كَانَ عَدْلاً فَشَهَادَةُ الوَالِدِ لِلْوَلَدِ جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الوَلَدِ لِلْوَالِدِ، وَلَمْ
يَخْتَلِفُوا فِي شَهَادَةِ الأَّخِ لأَخِيهِ أَنَّهَا جَائِزَةُ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةٌ كُلِّ قَرِيبٍ لِقَرابَتِهِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ عَلَى الآخَرِ وَإِنْ كَانَ عَدْلاً إِذَا كَانَ
ـَىاللّه
بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، وَذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنِ النَّبِيّ
مـ
مُرْسَلاً: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ صَاحِبٍ حِنَةٍ، يَعْنِي صَاحِبَ عَدَاوَةٍ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى
هَذَا الحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ صَاحِبٍ غِمْرٍ، يَعْنِي صَاحِبَ عَدَاوَةٍ.
٢٢٩٩ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنِ
الجُرَيْرِيّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ:
((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟)) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((الإِشْرَاكُ بِالله،
وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ - أَوْ قَوْلُ الزُّورِ -)) قَالَ: فَمَا زَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ
يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.
= لابنه بما ليس بحق له فجائز عليه مثل هذه التهمة للأجنبي، قيل له: ليست التهمة المانعة
من قبول شهادته لابنه ولأبيه تهمة فسق ولا كذب، وإنما التهمة فيه من قبيل أنه يصير فيها
بمعنى المدعي لنفسه، ألا ترى أن أحداً من الناس وإن ظهرت أمانته وصحت عدالته، لا
يجوز أن يكون مصدقاً فيما يدعيه لنفسه، لا على جهة تكذيبه ولكن من جهة أن كل مدّع
لنفسه فدعواه غير ثابتة إلا ببينة تشهد له بها؟ فالشاهد لابنه بمنزلة المدعي لنفسه لما بينا،
وكذلك قال أصحابنا: إن كل شاهد يجر بشهادته إلى نفسه مغنماً أو يدفع بها عن نفسه =
[٢٢٩٩] تقدم تخريجه في: ١٩٠١.

٥٤٦
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحُ(١).
... (٢).
٢٣٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ
زِيَادِ الأَسَدِيّ، عَنْ فَاتِكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ، أَنَّ النَّبِيِّ وَّهِ قَامَ
خَطِيبًا فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ إِشْرَاكًا بِالله))،
قوله: (عدلت شهادة الزور إشراكاً بالله) لا خفاء أن المتعاطفين لا بد لهما
من الشركة في وصف وإن اختلفا في آخر، كما هو مبين في البلاغة بأوضح بيان،
وعلى هذا فلا بد من الوصف المشترك في هذين حتى يصح عطف أحدهما[١] على
الآخر، وهو الاشتراك في كونهما كذباً، وإن كان موجب أحدهما أشدّ من الآخر،
فقوله: ((عدلت)) لا يستلزم التكافؤ من کل وجه.
= مغرماً فغير مقبول الشهادة؛ لأنه حينئذ يقوم مقام المدعي، والمدعي لا يجوز أن يكون
شاهداً فيما يدعيه، ثم استشهد على ذلك بشهادة خزيمة في قصة بيع الأعرابي مع أنه لا
أحد من الناس أصدق من نبي الله ◌ِ لو؛ إذ دلت الأعلام المعجزة على أنه لا يقول إلا حقًّا،
وأن الكذب غير جائز عليه، انتهى.
[١] أي: في الآية الكريمة، وكأنه أشار بذلك إلى أن قوله مَ ير: ((عدلت شهادة الزور))، مستنبط
من الآية الشريفة لهذا الوجه، قال الرازي في ((التفسير الكبير)) (٣): وإنما جمع الشرك وقول
الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور؛ لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له
العبادة، فكأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور، واجتنبوا قول الزور کله،
انتهى. وقال القاري(٤): أي: جعلت الشهادة الكاذبة مماثلة للإشراك بالله في الإثم؛ لأن =
[٢٣٠٠] حم: ٤ /١٧٨، تحفة: ١٧٤٨.
(١) في ((تحفة الأشراف)): ((حسن صحيح))، وزاد في نسخة: ((وفي الباب عن عبد الله بن عمر)).
(٢) زاد في بعض النسخ: ((بَابُ مَا جَاءَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ)).
(٣) ((التفسير الكبير)) (٢٢٣/٢٣).
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٤/٧).

٥٤٧
أبْوَابْ الشّهَادَات
ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ وَه ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ فَوْلَ الزُّورِ ﴾
[الحج: ٣٠].
هَذَا حَدِيثُ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي
رِوَايَةِ هَذَا الحَدِيثِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ، وَلَا نَعْرِفُ لأَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمِ سَمَاعًا
مِنَ النَّبِيّ ◌َصْرَ .... (١).
... (٢).
٢٣٠٢ - حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ عَلِيّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِوَلَ يَقُولُ:
قوله: (واجتنبوا قول الزور) في إعادة لفظ الأمر مزيد توكيد حيث كرر أمر
الاجتناب، ولم يذكره تبعاً لما قبله.
= الشرك كذب على الله تعالى بما لا يجوز، وشهادة الزور كذب على العبد بما لا يجوز،
وكلاهما غیر واقع في الواقع، انتهى.
[٢٣٠٢] تقدم تخريجه في: ٢٢٢١.
(١) زاد في نسخة:
٢٣٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ
الْعُصْفُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ النُّعْمَانِ الأَسَدِيّ، عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكِ الأَسَدِيِّ،
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَلَمَّ انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًّا، فَقَالَ: عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ
بِالشّرْكِ بِالله ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَأَجْتَنِبُواْ فَوْلَ الزُّورِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا عِنْدِي أَصَحُّ، وَخُرَيْمُ بْنُ فَاتٍِ لَهُ صُحْبَةٌ، وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيّ ◌ِل
أَحَادِیثَ وَهُوَ مَشْهُورٌ.
(٢) زاد في بعض النسخ: ((بَابٌ مِنْهُ)).

٥٤٨
الكوَكَبُ الدُّرِّي
((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ(١) ثَلاَثًا، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمُ
مِنْ بَعْدِهِمْ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ، يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا)).
قوله: (ثلاثاً) أي: كرر الفقرة المذكورة ثلاثاً.
قوله: (ثم الذين يلونهم) في بعض النسخ مرتين، وفي البعض الآخر ذكره
ثلاثاً، ومآلهما[١] بعد ذكر الراوي
[١] يعني لما ذكر الراوي لفظ ((ثلاثاً)) بالتصريح فلا بد أن تحمل النسخ التي وقعت فيها هذه
الجملة مرتين على الاختصاص، ولا يكون بين النسختين تضاد، وقد أخرج البخاري(٢) من
حديث عمران: قال رسول الله مَ له: ((خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))،
قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة؟
قال الحافظ(٣): وقع مثل هذا الشك في حديث ابن مسعود وأبي هريرة عند مسلم، وفي
حديث بريدة عند أحمد، وجاء في أكثر الطرق بغير شك، منها عن النعمان بن بشير عند أحمد،
وعن مالك عند مسلم عن عائشة، قال رجل: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: ((القرن الذي
أنا فيه، ثم الثاني ثم الثالث)»، ووقع في رواية الطبراني وسمّويه ما يفسر به هذا السؤال، وهو
ما أخرجاه من طريق بلال بن سعد بن تميم عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله ﴿ ﴿ أَيُّ الناس
خير؟ قال: ((أنا وقرني))، فذكر مثله، وللطيالسي من حديث عمر رفعه: ((خير أمتي القرن الذي
أنا منهم، ثم الثاني ثم الثالث))، ووقع في حديث جعدة بن هبيرة عند ابن أبي شيبة والطبراني
إثبات القرن الرابع ولفظه: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين
يلونهم، ثم الآخرون أردا)»، ورجاله ثقات، إلا أن جعدة مختلف في صحبته، انتهى.
واقتضى الحديث أن يكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين،
لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث، وإلى الثاني نحا =
(١) زاد في نسخة: ((ثم الذين يلونهم)).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٣٦٥٠).
(٣) ((فتح الباري)) (٧/ ٧).

٥٤٩
أَبْوَابُ الشّهَادَات
وَهَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَلِيّ بْنِ مُدْرِكٍ،
وَأَصْحَابُ الأَعْمَشِ إِنَّمَا رَوَوْا عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ
عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارِ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، نَا وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ هِلَالٍ
ابْنِ يَسَافٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيّ وَِّ نَحْوَهُ، وَهَذَا أَصَحُ مِنْ
حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ.
وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ
يُسْأَلُوهَا إِنَّمَا يَعْنِي شَهَادَةَ الزُّورِ،
قوله: ((ثلاثاً)) واحد[١].
= الجمهور، والأول قول ابن عبد البر، قاله الحافظ، وسيأتي تمام كلامه في أبواب الأمثال تحت
قوله مَّل٤: ((مثل أمتي مثل المطر))، الحديث، وفي أبواب المناقب تحت حديث القرون.
[١] وهي خيرية القرن الثالث بعد قرنه بمح لية، وعلى هذا فالحديث يخالف الأحاديث التي ورد فيها
بعد القرنين: ((ثم يفشو الكذب))، ومقتضاها فشو الكذب ونحوه في القرن الثالث، وجمع
بينهما في ((الإرشاد الرضي)) بأن الخيرية والشرية إضافيتان، فالقرن الثالث بعد قرنه مح له شر
باعتبار القرون الثلاثة التي سبقت، وخير باعتبار القرون الآتية.
قلت: ويؤيده ما في ((المشكاة)) (١) برواية البخاري عن أنس مرفوعاً: ((لا يأتي عليكم زمان
إلا الذي بعده أشر(٢) منه))، قال القاري(٣): وفي الجامع عن أنس مرفوعاً بلفظ: ((لا يأتي
عليكم عام ولا يوم إلا والذي بعده شر منه))، رواه أحمد والبخاري والنسائي، وفي ((الكبير))
للطبراني عن أبي الدرداء مرفوعاً: ((ما من عام إلا ينقص الخير فيه، ويزيد الشر))، انتهى.
(١) ((مشكاة المصابيح)) (٥٣٩٢).
(٢) هكذا بالألف في ((المشكاة))، وفي ((المرقاة)) (١٠ / ١٩٠): قال القاضي: أخير وأشر أصلان
متروكان لا يكاد يستعملان إلا نادراً، وإنما المتعارف في التفضيل خیر وشر، انتھی. ((ز)).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠/١٠).

٥٥٠
يَقُولُ: يَشْهَدُ أَحَدُهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَشْهَدَ، وَبَيَانُ هَذَا فِي:
٢٣٠٣ - حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيّ ◌ِ قَالَ: ((خَيْرُ النَّاسِ
قَرْنِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ
الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، وَيَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ)).
وَمَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيّ ◌َ قَالَ: ((خَيْرُ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ
أَنْ يُسْأَلَهَا))، هُوَ إِذَا اسْتُشْهِدَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءٍ أَنْ يُؤَدِّيَ شَهَادَتَهُ وَلَا يَمْتَنِعَ
مِنَ الشَّهَادَةِ، هَكَذَا وَجْهُ الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ.
قوله: (وبيان هذا في حديث عمر) حيث ذكر الشهادة بعد[١] ذكر فشو
الكذب فكانت كذباً.
[١] وجعل الإشهاد غاية لفشو الكذب، إذ قال: ((ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل)) فكأن
الكذب يترتب على الإشهاد.

أَوَابُ الزُّهْدِ عَنْ سَوْ اللّهِّ

٥٥٣
بِِّلْهُ الرّحمِ الرَّحَيَّةِ
٣٦ - أبْوَابُ الزُّهْدِ عَنْ رَسُولِ الله
صَلى الله
وسلم
... (١).
٢٣٠٤ - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَسُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ صَالِحُ: ثَنَا،
وَقَالَ سُوَيْدُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونُ فِيهِمَا كَثِيرُ
مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ)).
٣٦ - أبواب الزهد (٢) عن رسول الله
صَلى الله
وَسلم
قوله: (مغبون(١) فيهما كثير من الناس) حيث لم يجهدوا في الفراغ والصحة
لدینهم، فكان ذلك خسرانا لدنیاهم وآخرتهم.
[١] قال العيني (٣): إما مشتق من الغبن بسكون الباء وهو النقص في البيع، وإما من الغبن بفتح
الباء وهو النقص في الرأي، فكأنه قال: هذان الأمران إذا لم يستعملا فيما ينبغي فقد غبن
صاحبهما فيهما، أي: باعهما ببخس أو ليس له رأي في ذلك البتة، وقال الحافظ (٤): قال =
[٢٣٠٤] خ: ٦٤١٢، جه: ٤١٧٠، حم: ١ /٢٥٨، تحفة: ٥٦٦٦.
(١) زاد في بعض النسخ: «بَابٌ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ».
(٢) في ((العرف الشذي)) (١٧/٤): الزهد في الدنيا الرغبة عن الدنيا، وقالوا: إن ذرة من الزهد
خير من عبادة الثقلين، والعبادة شيء وجودي يشتهر، والورع شيء عدمي يحتمل.
(٣) ((عمدة القاري)) (٣١/٢٣).
(٤) ((فتح الباري)) (٢٣٠/١١).

٥٥٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ سَعِيدِ بْنِ
أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنِ النَّبِيّ ◌َّ نَحْوَهُ.
وَفِي البَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، وَرَفَعُوهُ، وَوَقَفَهُ
بَعْضُهُمْ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ.
... (١).
= ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش، وقد يكون
مستغنياً ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام
ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل
فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون؛
لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم ولو لم يكن إلا الهرم.
وقال الطيبي (٢): ضرب النبي مَثّ للمكلف مثلًا بالتاجر الذي له رأس مال فهو يبتغي الربح
مع سلامة رأس المال، فطريقه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله لئلا يغبن، فالصحة والفراغ
رأس المال، وينبغي له أن يعامل الله بالإيمان ومجاهدة النفس ليربح خيري الدنيا والآخرة،
وقريب منه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَوْلُّكُمْ عَلَى ◌ِزَوْ نُجِكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآيات [الصف: ١٠]، انتهى.
وقال القاري (٣): قوله: الصحة والفراغ، أي: صحة البدن [والقوة الكسبية] وفراغ الخاطر بحصول
الأمن ووصول كفاية الأمنية، والمعنى لا يعرف قدر هاتين النعمتين كثير من الناس حيث لا
يكسبون فيهما من الأعمال كفاية ما يحتاجون إليه في معادهم، فيندمون على تضييع أعمارهم عند
زوالها ولا ينفعهم الندم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، انتهى. ثم ما ذكر المصنف =
(١) زاد في بعض النسخ: «بَابٌ: مَنِ اتَّقَى الْمَحَارِمَ فَهُوَ أَعْبَدُ النَّاسِ».
(٢) ((شرح الطيبي)) (٣٢٧١/١٠).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٤٩/٩).

٥٥٥
أَبْوَابَ الزُّهْد
٢٣٠٥ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالِ الصَّوَّافُ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِى
طَارِقٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِِّ: ((مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي
هَؤُلاءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟)) فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ :.....
قوله: (فيعمل بهن أو يعلم) إلخ، قد كانت [١] الأوائل من الصحابة والتابعين
يظن أكثرهم أن العلم لما كانت غايته هو العمل لا ينبغي العلم إلا لمن أراد العمل وقدر
عليه، وإلا فكان علمه عليه لا له، والحق خلافه، كما هو مصرح في هذا الحديث.
فعلم أن العلم كما أن غايته عمل العالم كذلك غايته (٢) تعليم العالم لمن
يعمل، ولذلك قال أبو هريرة: أنا يا رسول الله؛
= من الاختلاف في رفعه ووقفه ذكره الحافظ بنوع من التفصيل، فارجع إليه لو شئت(١).
[١] ولعل ذلك لما ورد من شدة عذاب العالم الذي لا يعمل، فقد ورد: ((إن أشد الناس عذاباً
يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه))، وعنه ◌َ ي : قال: ((لا يكون المرء عالماً حتى يكون بعلمه
عاملاً))، وقد روي عن عمر موقوفاً: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم،
فقالوا: وكيف يكون منافقاً عليماً؟ قال: عليم اللسان جاهل القلب والعمل، وقال الحسن:
لا تكن ممن يجمع علم العلماء وطرائف الفقهاء، ويجري في العمل مجرى السفهاء، وغير
ذلك من الروايات والآثار التي ذكرها صاحب ((الإحياء))(٢).
[٢] قال الطيبي(٣): ((أو)) بمعنى الواو كما في قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْنُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦]، قال
القاري (٤): والظاهر أن ((أو)) في الآية للتنويع، كما أشار إليه البيضاوي، ويمكن أن يكون
((أو)) في الحديث بمعنى ((بل)) إشارة إلى الترقي من مرتبة الكمال إلى منصة التكميل، على
أن كونها للتنويع له وجه وجيه، وتنبيه [نبيه] على أن العاجز عن فعله قد يكون باعثاً لغيره
علی مثله کقوله: «فرب حامل فقه إلی من هو أفقه منه»، انتھی.
[٢٣٠٥] حم: ٢ / ٣١٠، تحفة: ١٢٢٤٧.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٣١/١١).
(٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) (٥٩/١).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٣٢٨١/١٠).
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٧/٩).

٥٥٦
الكوَكَبُ الدُّرِّي
قُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ
أَعْبَدَ النَّاسِ،
لأنه قد علم [١] أني لو لم أعمل بها لعلمته الناس العاملين.
قوله: (اتق المحارم تكن أعبد الناس) فإن[٢] دفع الضرر أهم من جلب
النفع، ولا يشق على النفس فعل الحسنات كما يشق عليه ترك السيئات، وأيضاً
فالمنهیات إذا تهيأت أسبابها فالامتناع عنها لا یبقی تركاً حتى لا یثاب عليه، بل
الامتناع عنها حينئذ كف النفس وهو طاعة يثاب المرء عليها، كما هو (٣) مبسوط في
كتب أصحابنا الحنفية.
[١] أي: على سبيل التنزل والتسليم وإلا فشدة اجتهاده تقتضي أنه أراد العمل والتعليم كليهما.
[٢] ومال القاري إلى أن لفظ المحارم عام للمأمورات والمنهيات، إذ قال(١): (اتق المحارم)
شاملة لجميع المحرمات من فعل المنهيات وترك المأمورات، (تكن أعبد الناس) إذ لا
عبادة أفضل من الخروج عن عهدة الفرائض، وعوام الناس يتركونها ويعتنون بكثرة النوافل
فيضيعون الأصول، ويقومون بالفضائل، فربما يكون على شخص قضاء صلاة ويغفل عن
أدائها، ويطلب علماً أو يجتهد عملاً في طواف وعبادات نفل، انتهى. قلت: وأما على
توجيه الشيخ فمبنى كونه أعبد الناس أنه إذا اعتاد الأشق وهو ترك المحارم، فبالأولى أن
يعتاد اهتمام الواجبات لأنها أيسر.
[٣] قال صاحب ((التلويح))(٢): إن ترك الحرام مما لا يثاب عليه ولا يعاقب، واعترض عليه بأنه
واجب، والواجب يثاب عليه، وفي التنزيل: ﴿وَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَى﴾
الآية [النازعات: ٤٠]، والجواب أن المثاب عليه فعل الواجب، لا عدم مباشرة الحرام وإلا
لكان لكل أحد في كل لحظة مثوبات كثيرة بحسب كل حرام لا يصدر عنه، ونهي النفس
كفها عن الحرام، وهو من قبيل فعل الواجب، ولا نزاع في أن ترك الحرام بمعنى كف
النفس عنه عند تهيئ الأسباب ومیلان النفس إلیه مما یثاب عليه، انتهى.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٩/ ٣٦٧).
(٢) انظر: ((شرح التلويح على التوضيح)) (١٨/١).

أَبْوَابَ الزُّهْد
٥٥٧
وَارْضَ بِمَا قَسَمَ الله لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا،
قوله: (وارض بما قسم الله) إلخ، ووجه[١] الغنى في ذلك ظاهر، لأنه إذا قنع
من نفسه بما قدر الله له لا يتعب نفسه في تحصيل المزيد عليه، ولا يطمع أحداً حتى
یترقب إلیه.
قوله: (وأحسن إلى جارك) إلخ، وجه المناسبة (٢) بين الإحسان إلى الجار
وبين الإيمان أن الإحسان إليه يكون مخفيًّا في العادة حتى لا يعلم بذلك غيره إلا
أقل قليل، كما أن الإيمان عقد قلبي لا يطلع عليه إلا أقل قليل، بخلاف الإحسان [٣]
إلى عامة المؤمنين فإنه أمر ظاهر، فكان ذلك إصلاح ظاهره
[١] وقد ورد في الصحيحين وغيرهما برواية أبي هريرة مرفوعاً: ((ليس الغنى عن كثرة العرض،
ولكن الغنى غنى النفس)). قال القاري(١): أي: الغنى الحقيقي غنى النفس عن المخلوق،
والمعنى أن الغنى الحقيقي هو قناعة النفس بما أعطاه المولى، والتجنب عن الحرص في
الدنيا، فمن كان قلبه حريصاً على جمع المال فهو فقير في الحقيقة لأنه محتاج إلى طلب
الزيادة، ومن كان له قلب قانع بالقوت راضٍ بعطية مالك الملك، فهو غني بقلبه مستغن
عن الغير بربه، سواء يكون في يده مال أو لا، إذ لا يطلب الزيادة، وسأل شخص السيد
أبا الحسن الشاذلي عن الكيمياء، فقال: كلمتان، اطرح الخلق عن نظرك، واقطع طمعك
عن الله أن يعطيك غير ما قسم لك، وقال السيد عبد القادر الجيلي: اعلم أن القسم لا
يفوتك بترك الطلب، وما ليس بقسم لا تناله بحرصك في الطلب، فاصبر والزم الحال.
[٢] وقد ورد من قوله مَل): ((لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه)) أي: شروره وغوائله، كذا
في ((المرقاة))(٢).
[٣] لعل الشيخ عبر المحبة بلفظ الإحسان، إشارة إلى أن المعتبر هو المحبة التي يترتب عليها
شيء من الثمرة الظاهرة أو الباطنة.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٦/٩).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٩ / ٣٦٧).

٥٥٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةً
الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ)).
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ،
وَالحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا. هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ، وَيُونُسَ بْنِ
عُبَيْدٍ، وَعَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ(١): لَمْ يَسْمِعِ الْحَسُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةً، وَرَوَى أَبُو
عُبَيْدَةَ النَّاجِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، هَذَا الْحَدِيثَ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ
صَلى الله
وسلم
فرتب[١] عليه السلامة، وفرق آخر وهو أن الإحسان إلى الجيران أشد نسبة
إلى الإحسان إلى سائر الإخوان، وذلك لما يقع في العادة من مشاجرات بين
المتجاورين ومنازعات، فلا تكاد النفس تسمح بالإحسان إليهم إلا بعد مكابدات
من مخالفة هوى النفس فكان أشد عليه، فلذلك جعل أمارة على الإيمان، فإن له
تفوقاً على الإسلام، بخلاف الإحسان إلى غيرهم فإنه لا يكون بهذه المثابة، فكان
دليلاً على إسلام المحسن.
قوله: (تميت القلب) فإن[٢] الضحك لا يمكن إلا بعد مسرة، وأَنَّى للمؤمن
إلى مسرة الدنیا سبیل، وبین یدیه من المفزعات غير قليل.
[١] وقد ورد: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)).
[٢] قال القاري(٢): (كثرة الضحك) المورثة للغفلة عن الاستعداد للموت، (تميت القلب) إن
کان حیًّا، ويزداد اسودادًا إن كان ميتاً.
(١) في نسخة: ((قالوا)).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٨/٩).

٥٥٩
أنْوَابُ الزُّهْد
١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالعَمَلِ
٢٣٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مُحْرِزِ بْنِ هَارُونَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ قَالَ: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ(١) سَبْعًا
هَلْ تُنْظُرُونَ إِلَّا إِلَى فَقْرٍ مُنْسٍ، أَوْ غِنَّى مُطْعٍ، أَوْ مَرَضٍ مُفْسِدٍ، أَوْ هَرَمِ مُفْنِدٍ،
أَوْ مَوْتٍ مُجْهِزِ، أوِ الدَّجَّالِ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةِ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى
وَأَمَرُّ)(٢).
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ حَسَنٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحْرِزِ بْنِ هَارُونَ، وَرَوَى مَعْمَرُ هَذَا الحَدِيثَ عَمَّنْ سَمِعَ سَعِيدًا
الْمَقْبُرِيَّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َ نَحْوَ هَذَا.
٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ الْمَوْتِ
٢٣٠٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدٍ
ابْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ لّهِ:
[٢٣٠٦] طس: ٨٤٩٨، هب: ١٠٠٨٨، تحفة: ١٣٩٥١.
[٢٣٠٧] ن: ١٨٢٤، جه: ٤٢٥٨، حم: ٢٩٢/٢.
(١) قال الطيبي (٣٤٠٦/١١): أي: سابقوا وقوع الفتن بالاشتغال بالأعمال الصالحة، واهتموا
بها قبل نزولها.
(٢) قال القاري (٨/ ٣٢٤٠): فالمعنى أن الرجل في الدنيا ينتظر إحدى الحالات المذكورة،
فالسعيد من انتهز الفرصة، واغتنم المُكْنَة، واشتغل بأداء مفترضه ومسنونه قبل حلول
رمسه، وهذه موعظة بليغة وتذكرة بالغة.

٥٦٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
(أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ(١) اللَّذَّاتِ)) يَعْنِي الْمَوْتَ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ حَسَنُ.
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
٣ -بَابُ
٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، نَا
عَبْدُ الله بْنُ بَحِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ هَانِئًا مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ
عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبْلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي
وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((إِنَّ القَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ
مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ
مِنْهُ)). قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهَِّ: ((مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا فَظُ إِلَّا الْقَبْرُ أَفْطَعُ مِنْهُ)).
[٣ - باب]
قوله: (وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه) هذا مشكل فإن كل ما أصاب[١]
المؤمن من المكاره
[١] ففي ((المشكاة) برواية الصحيحين(٢) عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ◌َّ قال: ((ما =
[٢٣٠٨] خ: ٤٣٦٧، تحفة: ٩٨٣٩.
(١) قال القاري (١١٦٠/٣): بالذال المعجمة أي: قاطعها، وفي نسخة بالمهملة أي: كاسرها،
قال ميرك: صحح الشارح الطيبي بالدال المهملة حيث قال: شبه اللذات الفانية، والشهوات
العاجلة، ثم زوالها ببناء مرتفع ينهدم بصدمات هائلة، ثم أمر المنهمك فيها بذكر الهادم
لئلا يستمر على الركون إليها يشتغل عما يجب عليه من الفرار إلى دار القرار، انتهى. انظر
(شرح الطيبي)) (٤ / ١٣٦٦).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٥٦٤١) و((صحيح مسلم)) (٢٥٧٣).