Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١
أَبْوَابُ الفِتَن
فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلاً فَأُوثِقَهُ إِلَى الشَّجَرَةِ ثُمَّ أَخْتَنِقَ
لِمَا يَقُولُ النَّاسُ لِي وَفِيَّ، أَرَأَيْتَ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثِي فَلَنْ يَخْفَى عَلَيْكُمْ؟
أَنْتُمْ (١) أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ وَ لَ يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ؟ أَلَمْ يَقُلْ
رَسُولُ اللهِِّ:(إِنَّهُ كَافِرَّ)) وَأَنَا مُسْلِمُ؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله ◌ِِّ:((إِنَّهُ عَقِيمُ لَا
يُولَدُ لَهُ)) وَقَدْ خَلَّفْتُ وَلَدِي بِالمَدِينَةِ؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ: ((لَا تَحِلُّ لَهُ
مَكَّةُ))(٢)؟ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ ذَا أَنْطَلِقُ مَعَكَ إِلَى مَكَّةَ، فَوَالله مَا
زَالَ يَجِيءُ بِهَذَا حَتَّى قُلْتُ فَلَعَلَّهُ مَكْذُوبُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، وَالله
لَأَخْبِرَنَّكَ خَبَرًا حَقَّ، وَالله إِنّي لأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ وَالِدَهُ أَيْنَ هُوَ السَّاعَةَ مِنَ
الأَرْضِ، فَقُلْتُ: تَبَّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ.
قوله: (فقلت) له: (تباً لك [١] سائر اليوم) إنما قال له ذلك لأنه لبس عليه
أمره بهذه الكلمة بعد ما كان أبو سعيد قد ظن أن الناس كذبوا عليه، ووجه التلبيس
بذلك أنهما لما كانا معاً (أي: في موضع واحد) فعلمه بحال الدجال بحيث يعلم أنه
أين هو الساعة (٢) من الأرض مشير إلى أنه هو الدجال وإن لم يكن هذا أمراً يقينيًّا،
[١] قال النووي(٣): أي: خسراناً وهلاكاً لك في باقي اليوم، وهو منصوب بفعل مضمر متروك
الإظهار، انتھی.
[٢] ولفظ ((المشكاة)) برواية مسلم عن أبي سعيد: «أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو،
وأعرف أباه وأمه)) الحديث، وفيه أنه يحتمل أنه كان يعرف هذه الأمور لكهانته بواسطة
شيطانه.
(١) في نسخة: ((ألستم)).
(٢) في نسخة: ((لا يدخل أو لا تحلّ له مكة والمدينة)).
(٣) ((شرح صحيح مسلم)) (٩/ ٢٨٣).
٤٦٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وتأويل [١] ما قال من قبل من عدم الولادة له وكفره وأنه لا يدخل المدينة أن هذه
الأمور من علاماته إذا ظهر وادعى النبوة أو الألوهية أيا ما كان، وليس المراد أنه لا
يولد له أبداً، ولا يدخل المدينة أبداً، وأن كفره مؤبد، والحق(٢) في ذلك أنه غيره،
[١] وبذلك جزم النووي إذ قال(١): أما احتجاجه بذلك فلا دلالة فيه؛ لأن النبي وَل إنما أخبر
عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض.
[٢] قال القاري(٢): قال بعض المحققين: الوجه في الأحاديث الواردة في ابن صياد مع ما فيها
من الاختلاف والتضاد، أن يقال: إنه مَلل حسبه الدجال قبل التحقيق بخبر المسيح الدجال،
فلما أخبر ◌َلّ بما أخبر به من شأن قصته في حديث تميم الداري، ووافق ذلك ما عنده تبين
له ◌َّ أن ابن الصياد ليس بالذي ظنه، وأما توافق النعوت في أبوي الدجال وأبوي ابن صياد
فليس مما يقطع به قولاً، فإن اتفاق الوصفين لا يلزم منه اتحاد الموصوفين، وكذا حكى
الحافظ (٣) عن البيهقي أنه قال: ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ◌َّ على حلف
عمر، فيحتمل أن يكون النبي ◌َ يّ كان متوقفاً في أمره، ثم جاءه الثبت من الله تعالى أنه غيره
على ما تقتضيه قصة تميم الداري، وبه تمسك من جزم بأن الدجال غير ابن الصياد وطريقه
أصح، انتهى. وإليه مال الحافظ إذ قال: وأقرب ما يجمع به ما تضمنه حديث تميم، وكون
ابن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقاً، وأن ابن صياد شيطان
تبدّى في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه إلى أنه
تجيء المدة التي قدر الله تعالی خروجه فيها، انتهى.
وبه جزم صاحب ((الإشاعة))(٤) إذ قال: ومما يرجح أنه غيره أن قصة تميم الداري متأخرة
عن قصة ابن صياد فهو كالناسخ له، ولأنه حين إخباره ◌َ لّ بأنه في بحر الشام أو اليمن، لا
بل من قبل المشرق كان ابن صياد بالمدينة، فلو كان هو لقال: بل هو في المدينة، انتهى.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) (٩/ ٢٨١).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦١/١٠).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٢٨،٣٢٦/١٣).
(٤) ((الإشاعة لأشراط الساعة)) (ص: ٢٦٥).
٤٦٣
أَبْوَابَ الْفِتَنْ
وإليه ذهب أكثر العلماء، وأما[١] النبي وَل فلم ينكر على من قال: إن ابن صياد هو
الدجال قوله لعدم علمه مق لا بحاله هل هو الدجال أو غيره، ولعله كان يعلم بذلك
لكنه لم يؤذن له في الإخبار، وأما[٢] من قال بأنه هو استدل بعدم إنكاره تَّ على
المدعي توحدهما قوله، كيف وقد حلف(٣) بعضهم بين يدي النبي ◌َّ بأنه هو،
[١] قال القاري(١): قالوا: وظاهر الأحاديث أنه ◌َ ل﴾ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره،
وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان لابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي ◌ِّ لا
يقطع بأنه الدجال ولا غيره، وهكذا حكى الحافظ (٢) عن النووي أنه قال: قال العلماء: قصة
ابن صياد مشكلة وأمره مشتبه، لكن لا شك أنه دجال من الدجاجلة، والظاهر أن النبي مق لي- لم
يوح إليه في أمره بشيء، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة
فلذلك كان النبي ◌ّليّ لا يقطع في أمره بشيء، انتهى.
[٢] يعني من قال: إن ابن صياد هو الدجال استدل بأنه مَّل سكت على من ادعى بوحدتهما في
مجلسه، وسكوته عليه السلام تقرير وحجة، ويظهر من كلام الحافظ(٣) أن ميل البخاري
إلى ذلك إذ قال: ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح، فاقتصر على
حديث جابر عن عمر في ابن صياد، ولم يخرج حديث فاطمة في قصة تميم، وقد توهم
بعضهم أنه غریب فرد، وليس كذلك فقد رواه مع فاطمة أبو هريرة وعائشة وجابر، انتهى.
[٣] منهم عمر وابن عمر وجابر وغيرهم، بسط رواياتهم الحافظ في ((الفتح)) (٤) في ((باب من رأى
ترك النكير من النبي {قل( حجة)) وقال: وقد أخرج أحمد من حديث أبي ذر: لأن أحلف عشر
مرار أن ابن صياد هو الدجال أحبُّ إلي من أن أحلف واحدة أنه ليس هو، وسنده صحيح،
ومن حديث ابن مسعود نحوه لكن قال: سبعاً بدل عشر مرات، أخرجه الطبراني، انتهى.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٥٣/١٠).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٢٧/١٣)، و((شرح النووي)) (٢٨١/٩).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٢٨/١٣).
(٤) ((فتح الباري)) (٣٢٩/١٣).
٤٦٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
٢٢٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرُ، عَنِ الزُّهْرِيّ،
عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ مَرَّ بِابْنِ صَيَّادٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ
مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ عِنْدَ أُظُمٍ بَنِي مَغَالَةَ وَهُوَ
غُلَامُ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: ((أَتَشْهَدُ أَنِّي
رَسُولُ اللهِ؟)) فَتَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ
صَيَّدٍ لِلنَّبِيّ ◌ََّ: أَتَشْهَدُ أَنِي رَسُولُ اللهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ:(آمَنْتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ)
ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ مَثَ: «مَا يَأْتِيكَ؟)) قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقُ وَكَاذِبُ، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َّ:
وهذا البعض جمع بين مذهبه وحديث تميم الداري الآتي بعيد ذلك أن وجود
شخص في مكانين حسب ما يرى لنا[١] غير مستبعد.
[١] قال القاري(١): ولا ينافيه قصة تميم الداري إذ يمكن أن يكون له أبدان مختلفة،
فظاهره في عالم الحس والخيال دائر مع اختلاف الأحوال، وباطنه في عالم المثال
بقيد السلاسل والأغلال، ولعل المانع من ظهور كماله في الفتنة وجود سلاسل النبوة
وأغلال الرسالة، انتهى. قال الحافظ(٢): كأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال
لم يسمعوا قصة تميم وإلا فالجمع بينهما بعيد، إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في
أثناء الحياة النبوية شبه المحتلم ويجتمع به النبي بَّه ويسأل أن يكون في آخرها شيخاً
كبيراً يستفهم عن خبر النبي ◌َ ل : هل خرج أو لا؟ فالأولى أن يحمل على عدم الاطلاع،
انتهى. قلت: وحكى الحافظ في موضع آخر أن في بعض طرق البيهقي أنه شيخ وسنده
صحیح، انتھی.
[٢٢٤٧] خ: ١٣٥٥، م: ٢٩٣١، د: ٤٣٢٩، حم: ١٤٨/٢، تحفة: ٦٩٣٢.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٤٩/١٠).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٢٦/١٣).
٤٦٥
أَبْوَابُ الْفِتَنْ
((خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ)، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ◌َ: ((إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيًا)) وَخَبَّأَ
لَهُ ﴿يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: وَهُوَ الدُّخُ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهَِّ: ((اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ))، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله، اثْذَنْ
لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: ((إِنْ يَكُ حَقًّا فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ
لَا يَكُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ))، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: يَعْنِي الدَّجَّالَ(١).
٢٢٤٨ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنِ الجُرَيْرِيّ، عَنْ
أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللهِوَابْنَ صَائِدٍ (٣) فِي بَعْضٍ
قوله: (خلط عليك الأمر) لعدم التمييز بين الصادق والكاذب.
قوله: (فلن تعدو(١) قدرك) أي: إنك لا تكاد تخبر إلا بيسير من كثير، ولست
تقدر على العلم بالقضية بأسرها لأنك لم تفز من الآية الطويلة إلا بلفظ ولم تفز بها
کلها.
[١] قال القاري(٣): بضم الدال أي: فلن تجاوز القدر الذي يدركه الكهان من الاهتداء إلى بعض
الشيء، ذكره النووي، وقال الطيبي (٤): أي: لا تتجاوز عن إظهار الخبيئات على هذا الوجه
كما هو دأب الكهنة إلى دعوى النبوة، فتقول: أتشهد أني رسول الله؟ وقال القاري: حاصل
الجملة أنك وإن أخبرت عن الخبيء فلن تستطيع أن تتجاوز عن الحد الذي حُدّ لك، يريد
أن الكهانة لا ترفع بصاحبها عن القدر الذي عليه هو، وإن أصاب في كهانته، انتهى.
[٢٢٤٨] م: ٢٩٢٦، حم: ٦٦/٣، تحفة: ٤٣٢٩.
(١) زاد في نسخة: ((قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ)).
(٢) في نسخة: ((ابن صياد)).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٥٢/١٠).
(٤) ((شرح الطيبي)) (١١/ ٣٤٧٤).
٤٦٦
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَاحْتَبَسَهُ وَهُوَ غُلَامُ يَهُودِيٌّ، وَلَهُ ذُؤَابَهُ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ،
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌َيِّ: ((أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟) فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْتَ أَتِي
رَسُولُ الله؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: « آمَنْتُ بِالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ
الآخِرِ))، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَهِ: (مَا تَرَى؟) قَالَ: أَرَى عَرْشًا فَوْقَ الْمَاءِ، قَالَ
النَّبِيُّ وَِّ: ((يَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ فَوْقَ البَحْرِ))، قَالَ: ((مَا تَرَى؟)) قَالَ: أَرَى صَادِقًا
وَكَاذِبَيْنِ أَوْ صَادِقَیْنٍ وَكَاذِبًا،
قوله: (فقال النبي ◌َلل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله) إنما [١] لم يرد
النبي ◌َّي عليه قوله لأنه كان متصدياً سؤال حاله، فلو أنكر قوله صريحاً لفات ذلك،
لكنه ◌َّ رد عليه قوله ضمناً حيث قال: آمنت بالله ورسله، ومعلوم أنه لم يكن من
رسله حتی یؤمن علیه.
قوله: (صادقين وكاذباً أو كاذبين وصادقاً) يعني أن (٢] الأخبار الواصلة إليّ
قد يصدق کثیرها ویکذب قلیلها، وقد یکون الأمر على عكسه.
[١] قال الزين بن المنير: إنما عرض النبي ◌ُّ الإسلام على ابن صياد بناء على أنه ليس الدجال
المحذر منه، قال الحافظ(١): ولا يتعين ذلك، بل الذي يظهر أن أمره كان محتملًا فأراد
اختباره بذلك، فإن أجاب غلب ترجيح أنه ليس هو، وإن لم يجب تمادى الاحتمال، أو
أراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعوى النبوة، ولما كان ذلك هو المراد أجابه بجواب
منصف فقال: آمنت بالله ورسله، انتھی.
[٢] وعلى هذا التوجيه فلفظة ((أو)) ليست للشك، بل هو تنويع، وهو محتمل بل وجيه، وحمله
عامة الشراح على الشك، قال القاري(٢): أي يأتيني شخصان يخبراني بما هو صدق،
وشخص يخبرني بما هو كذب، والشك من ابن صياد في عدد الصادق والكاذب يدل =
(١) ((فتح الباري)) (١٧٣/٦).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٥٥/١٠).
٤٦٧
أَبْوَابُ الْفِتَنْ
قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((لُبِّسَ عَلَيْهِ فَدَعَاهُ)).
وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ، وَحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَابْنِ
مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَحَفْصَةَ.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ.
٢٢٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
عَلِيّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ:
((يَمْكُثُ أَبُو الدَّجَّالِ وَأَمُّهُ ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَهُمَا وَلَدُ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامُ
أَعْوَرُ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ)، ثُمَّ نَعَتَ لَنَا رَسُولُ الله ◌َ
أَبَوَيْهِ، فَقَالَ: ((أَبُوهُ طِوَالُ، ضَرْبُ اللَّحْمِ، كَأَنَّ أَنْفَهُ مِنْقَارٌ، وَأَمُّهُ امْرَأَةٌ فِرْضَاخِيَّةُ (١)
طَوِيلَةُ الثَّدْيَيْنِ)) قَالَ أَبُو بَكْرَةَ: فَسَمِعْتُ بِمَوْلُودٍ فِي الْيَهُودِ بِالمَدِينَةِ
قوله: (فدعاه) بتخفيف العين [١] وتشديده، والأول أمر لأبي بكر وعمر بتركه،
والثاني إخبار من الراوي أنهما دفعاه بعنف عن أمام النبي تَله.
قوله: (فسمعت [٢] بمولود في اليهود بالمدينة) أي: أنه على هذه الصفة.
= علی افترائه، إذ المؤید من عند الله لا یکون کذلك، انتھی.
[١] فعلى الأول صيغة أمر من ودع بمعنى ترك، وعلى الثاني صيغة ماض من دع المضاعف
بمعنى الطرد والدفع.
[٢] قال الحافظ (٢): يُوَهِّي هذا الحديث أن أبا بكرة إنما أسلم لما نزل من الطائف حين حوصرت
سنة ثمان من الهجرة، وفي حديث ابن عمر في الصحيحين أنه قال# لما توجه إلى النخل التي
فيها ابن صياد كان ابن صياد يومئذ كالمحتلم، فمتى يدرك أبو بكرة زمان مولده بالمدينة، =
[٢٢٤٩] حم: ٤٠/٥، تحفة: ١١٦٨٨.
(١) أي: ضخمة عظيمة الثديين. ((النهاية)) (٤٣٣/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (١٣/ ٣٢٦).
٤٦٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ، فَإِذَا نَعْتُ رَسُولِ الله ◌َّ
فِيهِمَا، قُلْنَا: هَلْ لَكُمَا وَلَدُّ؟ فَقَالَا: مَكَثْنَا ثَلاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَنَا وَلَدُ، ثُمَّ
وُلِدَ لَنَا غُلَامُ أَغْوَرُ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، قَالَ:
فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمَا فَإِذَا هُوَ مُنْجَدِلُ فِي الشَّمْسِ فِي قَطِيفَةٍ وَلَهُ هَمْهَمَةٌ،
فَكَشَفَ عَنْ رَأْسِهِ فَقَالَ: مَا قُلْتُمَا؟ قُلْنَا: وَهَلْ سَمِعْتَ مَا قُلْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، تَنَامُ
عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلِْي.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةً.
٥٥ _بَابُ
٢٢٥٠ - حَدَّثَنَا هَتَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ،
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: «مَا عَلَى الأَرْضِ نَفْسُ مَنْفُوسَةُ - يَعْنِي
الْيَوْمَ - تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ)).
وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَبُرَيْدَةً.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ.
[٥٥ _باب]
= وهو لم يسكن المدينة إلا قبل الوفاة النبوية بسنتين، فكيف يتأتى أن يكون في الزمن النبوي
كالمحتلم، فالذي في الصحيحين هو المعتمد، ولعل الوهم وقع فيما يقتضي تراخي مولد
ابن صياد، أوّلاً وهم فيه بل يحتمل قوله: بلغنا أنه ولد لليهود مولود على تأخر البلاغ، وإن
کان مولده سابقاً علی ذلك بمدة بحیث یأتلف مع حديث ابن عمر الصحیح، انتهى.
[٢٢٥٠] م: ٢٥٣٨، جه: ٣٧٣٦، حم: ٣١٣/٣، تحفة: ٢٣٣١.
٤٦٩
أَبْوَابُ الْفِتَن
٢٢٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرُ، عَنِ الزُّهْرِيّ،
عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ
عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِوَهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلَاةَ العِشَاءِ فِي
آخِرٍ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: «أَرَّأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ
مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدُ))، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَهِلَ النَّاسُ
فِي مَقَالَةِ رَسُولِ الله ◌ِ لّهِ تِلْكَ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَهُ بِهَذِهِ الأُحَادِيثِ نَحْوَ مِائَةِ سَنَةٍ،
وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ:((لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدُ))،
قوله: (فيما يتحدثونه) إلخ، أي: إن الناس [١] فهموا منه أن الساعة آتية لا
محالة في هذه المائة.
[١] قال الشيخ في ((البذل))(١): (فوهل) أي: غلط (الناس في مقالة رسول الله وَي) أي: في فهم
مقالته (تلك فيما يتحدثون عن هذه الأحاديث) أي: فيما بينهم (عن مائة سنة) كأنهم فهموا
أن تقوم القيامة على رأس سنة، انتهى. وقريب منه ما في ((المجمع)) (٢) إذ قال: فوهل بفتح
هاء ويجوز كسرها، أي: غلطوا أو ذهب وهمهم إلى خلاف الواقع في تأويله، فقيل: تقوم
الساعة عنده؛ وإنما مراده أنه لا يبقى أحد من الموجودين تلك الليلة، انتهى. وبنحوه فسر
الحديث النووي(٣).
والظاهر عندي أن وهل بمعنى فزع، والمراد فيما يتحدثون أي: في أحاديث الفتن، والمعنى
فزعوا لما فهموا أن أحاديث الفتن كلها من خروج الدجال ونزول عيسى وخروج يأجوج
ومأجوج ونحوها كلها تتم في مائة سنة، فتأمل.
[٢٢٥١] خ: ١١٦٦، م: ٢٥٣٧، د: ٤٣٤٨، حم: ٨٨/٢، تحفة: ٦٩٣٤.
(١) ((بذل المجهود)) (١٢ / ٤٠٦).
(٢) «مجمع بحار الأنوار)) (١٣١/٥).
(٣) ((شرح صحيح مسلم)) (٣٣١/٨ - ٣٣٢).
٤٧٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ القَرْنُ.
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحُ(١).
قوله: (يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن) هذا ما[١] أراد بهذا الحديث عنده،
وعليه أكثر العلماء، ويمكن أن يكون على عمومه، والذين لم يكونوا على ظهر
الأرض حين ما قاله النبي ◌َّ مستثنون عن ذلك كالخضر والجن والدجال.
[١] لفظة ((ما)) موصولة وضمير أراد إلى النبي وَله، أي: مراده بيَّةٍ كان انخرام القرن وإن بقي
بعض منهم، قال النووي(٢): قد احتج بهذه الأحاديث من شذ من المحدثين فقال: الخضر
عليه السلام ميت، والجمهور على حياته، ويتأولون هذه الأحاديث على أنه كان على البحر
لا علی الأرض، أو أنها عام مخصوص، انتھی.
قال الأشرف: معناه ما تبقى نفس مولودة اليوم مائة سنة، أراد به موت الصحابة، وقال اقَال
هذا على الغالب، وإلا فقد عاش بعض الصحابة أكثر من مائة سنة، انتهى. ومنهم أنس بن
مالك وسلمان وغيرهما، والأظهر أن المعنى لا تعيش نفس مائة سنة بعد هذا القول كما يدل
عليه الحديث الآتي، يعني حديث أبي سعيد رفعه: ((لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس
منفوسة اليوم))، فلا حاجة إلى اعتبار الغالب، فلعل المولودين في ذلك الزمان انقرضوا قبل
تمام المائة من زمان ورود الحديث، ومما يؤيد هذا المعنى استدلال المحققين وغيرهم
على بطلان دعوى من ادعى الصحبة وزعم أنه من المعمرين إلى المائتين والزيادة، بقي أن
الحديث يدل بظاهره على عدم حياة الخضر وإلياس.
وقد قال البغوي (٣): أربعة من الأنبياء في الحياة، اثنان في الأرض: الخضر وإلياس، واثنان
في السماء: عيسى وإدريس، فالحديث مخصوص بغيرهم، أو المراد ما من نفس منفوسة
من أمتي، والنبي ◌َّ لا يكون من أمته نبي آخر، وقيل: قيد الأرض يخرج الخضر وإلياس،
فإنهما كانا على البحر حينئذ، كذا في ((المرقاة))(٤). ومال ابن قتيبة في ((تأويل الحديث))(٥) =
(١) في ((تحفة الأشراف)) (٦٩٣٤): ((حسن صحيح)).
(٢) ((شرح النووي)) (٣٣٢/٨).
(٣) ((معالم التنزيل)) (٢٣٨/٣).
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٩/١٠).
(٥) ((تأويل مختلف الحديث)) (ص: ١٦٣).
٤٧١
أَبْوَابُ الفِتَن
٥٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَنْ سَبِّ الرِّيَاحِ
٢٢٥٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبٍ بْنِ الشَّهِيدِ، نَامُحَمَّدُ
ابْنُ فُضَيْلٍ، نَا الأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَىِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَتَّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َلَهُ:
(لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ
الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أَمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا
و
فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ)).
وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةً، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ، وَأَنَسِ،
وَابْنٍ عَبَّاسِ، وَجَابِرٍ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٥٧ _ بَابُ
٢٢٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَاءٍ، نَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّ نَبِيَّ الله وَلَّهِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَضَحِكَ
فَقَالَ: «إِنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ حَدَّثَنِي بِحَدِيثٍ فَفَرِحْتُ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَحَدِّثَكُمْ:
أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ رَكِبُوا سَفِينَةً فِي البَحْرِ فَجَالَتْ بِهِمْ حَتَّى فَذَفَتْهُمْ
فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ البَحْرِ،
[٥٧ - باب]
= إلى أن الحكم مختص بمن حضر في هذا المجلس، وسقط من الروايات لفظ ((منكم)).
[٢٢٥٢] حم: ١٣٥/٥، تحفة: ٥٦.
[٢٢٥٣] م: ٢٩٤٢، وتقدم تخريجه برقم: ١١٨٠.
٤٧٢
الكوَكَبُ الُّرِّي
فَإِذَا هُمْ بِدَابَّةٍ لَبَّاسَةٍ نَاشِرَةٍ شَعْرَهَا، فَقَالُوا: مَا أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا الجَسَّاسَةُ، قَالُوا:
فَأَخْبِرِينَا، قَالَتْ: لَا أُخْبِرُكُمْ وَلَا أَسْتَخْبِرُكُمْ، وَلَكِنِ اثْتُوا أَقْصَى القَرْيَةِ،
فَإِنَّ ثَمَّ مَنْ يُخْبِرُكُمْ وَيَسْتَخْبِرُكُمْ، فَأَتَيْنَا أَقْصَى القَرْبَةِ
قوله: (لباسة) كثيرة[١] الملابس، ولعله عبر عن كثرة الشعر بكثرة اللباس.
قوله: (قالت: أنا الجساسة) كانت [٢] امرأة تجسس الأخبار للدجال.
[١] ذكر في الحاشية عن ((القاموس))(١): رجل لباس: كثير اللباس، لكن معناه هاهنا على الظاهر
أنه مُلْقٍ في اللبس والاختلاط بأن تكون صيغة مبالغة من اللبس، انتهى. قلت: ويؤيد ما أفاده
الشيخ أن كثرة الشعر من صفاتها، ففي ((المشكاة)) عن مسلم(٢): ((دابة أهلب كثير الشعر،
لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر))، وعن أبي داود (٣): ((فإذا أنا بامرأة تجر شعرها)).
[٢] لفظ حديث الباب هي دابة، وما تقدم قريباً عن أبي داود: ((فإذا أنا بامرأة))، قال الشيخ في
((البذل)) (٤) والقاري في ((المرقاة))(٥) وغيرهما في الجمع بينهما بأنه يحتمل أن للدجال
جساستين: إحداهما دابة والثانية امرأة، ويحتمل أن تكون شيطانة تمثلت تارة في صورة دابة،
وأخرى في صورة امرأة، وللشيطان التشكل في أيِّ شكل شاء، ويحتمل أن تسمى المرأة دابة
باعتبار اللغة، وقد قال عز اسمه: ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، ثم هي
جساسة للدجال.
ورجّح في ((الإرشاد الرضي)»: كونها امرأة، وإطلاق الدابة عليها لكثرة شعرها، وفي
الحاشية عن ((اللمعات)»: قيل: هي دابة الأرض التي تخرج في آخر الزمان ولا دليل عليه،
انتهى. قلت: بل ذكر صاحب ((الإشاعة))(٦) عن علي: يخرج الدجال ومعه سبعون ألفاً من =
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٢٩).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٢٩٤٢).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٤٣٢٥).
(٤) ((بذل المجهود)) (١٢ / ٣٧٧).
(٥) ((مرقاة المفاتيح)) (١٤١/١٠).
(٦) ((الإشاعة لأشراط الساعة)) (ص: ٢٣٨)، وذكره الحافظ في ((اللسان)) (١ /٢٤٢) وقال:
هذا باطل.
٤٧٣
أَبْوَابَ الْفِتَنْ
فَإِذَا رَجُلُّ مُوثَقُّ بِسِلْسِلَةٍ، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ؟(١) قُلْنَا: مَلَأَى تَدْفِقُ،
قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنِ البُحَيْرَةِ؟ قُلْنَا: مَلأَّى تَدْفِقُ، قَالَ: أُخْبِرُونِي عَنْ نَخْلٍ بَيْسَانَ
الَّذِي بَيْنَ الأُرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ هَلْ أَطْعَمَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنِ النَّبِيّ هَلْ
بُعِثَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أُخْبِرُونِي كَيْفَ النَّاسُ إِلَيْهِ؟ قُلْنَا: سِرَاعُ، قَالَ: فَنَزَى نَزْوَةً
قوله: (موثق بسلسلة) وقد ورد(١) في الروايات أنه كان معلقاً بين السماء
والأرض.
قوله: (فنزى نزوة) ونزوته هذه إما أن يكون لفرحه بقرب زمان خروجه
لبعث النبي ێ،
= الحاكة، وهي موضع على مقدمته أشعر أي: رجل كثير الشعر رواه الديلمي، فالظاهر أنه
هي الدابة.
[١] لم أجد النص بذلك بعد، ويظهر من كلام القاري أن بعضهم أخذوا ذلك من حديث
أبي داود ولفظه: فإذا رجل يجرّ شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض،
قال القاري(٢): وأبعد(٣) من قال: إنه متعلق بمسلسل، انتهى. ويظهر من ((الإرشاد الرضي))
أن الشيخ لم يرد الرواية بذلك، بل أراد الجواب عن حديث: ((لا يبقى ممن هو على ظهر
الأرض أحد على رأس مائة سنة)) بأنه لا يصح الاستدلال به على موت الخضر فإنه مستثنى
كالدجال، فإن قيل: إن الدجال كان إذ ذاك معلقاً، يقال: يمكن أن لا يكون الخضر أيضاً
على الأرض، انتهى.
قلت: وقد أجابوا عن الخضر بأنه كان في البحر، وعن إبليس بأنه كان في الجو، وغير ذلك
من الأجوبة، انتهى.
(١) قال النووي: بزاي معجمة مضمومة ثم غين معجمة مفتوحة ثم راء وهي بلدة معروفة في
الجانب القبلي من الشام. ((شرح صحيح مسلم)) (١٨/ ٨٢).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٠/ ١٤٢).
(٣) ففي بين سطور أبي داود عن ((فتح الودود)) فيما بين السماء متعلق بقوله: ينزو أو بمسلسل،
انتھی.
٤٧٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
حَتَّى كَادَ، قُلْنَا: فَمَا أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الدَّجَّالُ، وَإِنَّهُ يَدْخُلُ الأَمْصَارَ كُلَّهَا إِلَّا
طَيْبَةَ، وَطَيْبَةُ الْمَدِينَةُ)).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ فَتَادَةَ، عَنِ الشَّعْبِيّ، وَقَدْ
رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ.
٥٨ _بَابُ
٢٢٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمِ، نَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ جُنْدَبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟
قَالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ (١).
٥٩ - بَابُ
٢٢٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ الْمُؤَدِّبُ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله
أو لترحه [١] لما علم مسارعة الناس إلى قبول الإسلام، وهذا معاكس لمرامه.
قوله: (حتى كاد) أي: كاد أن يقطع السلاسل ويتخلص منها.
[٥٩ _ باب]
[١] قال المجد(٢): الترح محركة: الهمّ.
[٢٢٥٤] جه: ٤٠١٦، حم: ٤٠٥/٥، تحفة: ٣٣٠٥.
[٢٢٥٥]خ: ٢٤٤٣، حم: ٢٠١/٣، تحفة: ٧٥١.
(١) في ((تحفة الأشراف)) (٣٣٠٥): ((حسن صحيح)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٠٩).
٤٧٥
أَبْوَابُ الْفِتَن
الأَنْصَارِيُّ، نَا حُمَيْدُ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّنَِّ قَالَ: ((انْصُرْ
أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا))، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَصَرْتُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ
ظَالِمًا؟ قَالَ: ((تَكُفُّهُ عَنِ الظُّلْمِ، فَذَاكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ)).
وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٦٠ - بَابُ
٢٢٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، نَا سُفْیَانُ،
عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ وَهْبٍ بْنِ مُنَّبِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيّ ◌َ قَالَ: ((مَنْ
سَكَنَ البَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتَتَنَ)).
قوله: (فكيف أنصره ظالماً) إنما احتاج إلى السؤال عن ذلك لما أن الظاهر
من نصرته ظالماً أن يعينه على ظلمه، والإعانة على الظلم حرام قبيح لا يأمر به
الشارع عليه السلام.
[٦٠ _ باب]
قوله: (من سكن البادية جفا) هذا لا ينافي ما في سكون البادية من الخير
أيام الفتنة، فالخيرية والشرية بجهتين، والمراد بالجفاء غلظ القلب وقساوته، وما
يغلب عليه من الجهل بالشرائع والأحكام.
قوله: (ومن أتى أبواب[١] السلطان افتتن) لأنه لا يخلو من الابتلاء بفتنة
دینه أو دنياه.
[١] قال السيوطي في ((مرقاة الصعود))(١): قال فضيل بن عياض: كنا نتعلم اجتناب السلطان =
[٢٢٥٦] د: ٢٨٥٩، ن: ٤٣٠٥، حم: ١/ ٣٥٧.
(١) انظر: ((درجات مرقاة الصعود)) (ص: ١٢٢).
٤٧٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ مِنْ حَدِيثَ ابْنٍ عَبَّاسِ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ
حَدِيثِ الثَّوْرِيّ.
٢٢٥٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ،
عَنْ أبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَثَ يَقُولُ: ((إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ
وَمَفْتُوعُ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَاكَ مِنْكُمْ فَلْيَتَّقِ الله وَلْيَّأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ
عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمَنْ يَكْذِبُ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٦١ - بَابُ
٢٢٥٨ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا شُعْبَةُ، عَنِ الأعْمَشِ،
[٦١ - باب]
= كما نتعلم السورة من القرآن، رواه البيهقي في ((شعب الإيمان))(١)، والأحاديث والآثار في
النهي عن مجيء العلماء إلى السلطان كثيرة جمعتها في مؤلف يسمى ((ما رواه الأساطين في
عدم المجيء إلى السلاطين)) انتهى. كذا في (البذل))(٢)، وقال الدمنتي في ((نفع القوت)):
افتتن ببناء فاعل ومفعول، قال ابن الخازن: سبب فتنته أنه يرى سعة الدنيا والخير هنالك،
فيحتقر نعمة الله عليه، وربما استخدمه، فلا يكاد يسلم في تصرفه من إثم بآجل أو عقوبة =
[٢٢٥٧] د: ٥١١٨، جه: ٣٠، حم: ٣٨٩/١، تحفة: ٩٣٥٩.
[٢٢٥٨] خ: ٥٢٥، م: ١٤٤، جه: ٣٩٥٥، حم: ٥ /٤٠١.
(١) ((شعب الإيمان)) (٨٩٧٠).
(٢) («بذل المجهود)) (٩/ ٦٣٩).
٤٧٧
أَبْوَابَ الْفِتَنْ
وَعَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، وَحَمَّدٍ، سَمِعُوا أَبَا وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: أَيُّكُمْ
يَحْفَظُ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ فِى الفِتْنَةِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا، قَالَ حُذَيْفَةُ: ((فِتْنَةُ
الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ
قوله: (فتنة الرجل(١] في أهله وماله وولده وجاره) إلخ، هذا مما ينبغي أن
يفتش عنه، إذ المراد بذلك أن امرأته مثلاً إذا قصرت في أداء شيء من خدماته فسبها
على ذلك،
= بعاجل، أو لأنه لا یمکنه إنكاره علیه بما یجب إنکاره، انتھی.
[١] قال العيني(١) بعد ما بسط الكلام على معنى الفتنة: قال ابن بطال: ((فتنة الرجل في أهله)) أن
يأتي من أجلهم ما لا يحل له من القول أو العمل مما لم يبلغ كبيرة، وقال المهلب: يريد
ما يعرض له معهن من شر أو حزن أو شبهة، وقوله: ((فتنة الرجال في ماله)) أن يأخذه من
غير مأخذه، ويصرفه في غير مصرفه، أو التفريط بما يلزمه من حقوق المال، فتكثر عليه
المحاسبة، و((فتنة الرجل في ولده)) فرط محبتهم وشغله بهم عن كثير من الخير، أو التوغل
في الاكتساب من أجلهم من غير اكتراث من أن يكون من حلال أو حرام، و((فتنة الرجل
في جاره)) أن يتمنى أن يكون حاله مثل حاله إن كان متسعاً، قال تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا بَعْضَكُمْ
لِعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠]، انتهى.
قلت: وعلى هذه المعاني لا يرد الإشكال الذي أفاده الشيخ، وأما على مختار الشيخ في
معنى الفتنة فما يخطر في ذهني القاصر من الجمع بينهما أن يقال: إن مؤدى التفكير ومؤدى
المحاسبة واحد، فالمقدار الذي يسقط عند المحاسبة لأجل الصلاة والصوم يسمى مكفرة،
وكذلك من الجانب الآخر من أن صلاته وصومه وغيرهما مقدار ما يكفر من العدوانات
تحاسب، والباقي من العدوانات يجازى به، والله غفور رحيم ورحمته سبقت عذابه، قال
صاحب ((المجمع))(٢): أو فتنته فيهم لتفريط حقوقهم وتأديبهم فإنه راع لهم، فمنها ذنوب
یحاسب علیھا، ومنها یرجی تکفیرها بالحسنات، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (٩/٥).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ /١٠٠).
٤٧٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ))،
قَالَ عُمَرُ: لَسْتُ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، وَلَكِنْ عَنِ الفِتْنَةِ الّتِي تَمُوجُ كَمَوْج
البَحْرِ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ عُمَرُ: أَيُفْتَحُ
أَمْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: إِذَا لَا يُغْلَقُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. قَالَ أَبُو وَائِلٍ
فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ: فَقُلْتُ لِمَسْرُوقٍ: سَلْ حُذَيْفَةَ عَنِ البَابِ، فَسَأْلَهُ فَقَالَ: عُمَرُ.
فإن تعديها في أمثال هذه الأمور تكفر بالصلاة وغيرها، وهذا مشكل بما ورد[١] في
بعض الروايات أن رجلاً سأل النبي وَ ل أنه يضرب عبيده وإماءه على ما يفسدون من
أموره فماذا يفعل به وبهم؟ قال النبي ◌َّ: يوزن يوم القيامة خطاياهم وجناياتهم،
وما أفسدوا من أمورك وما فعلت بهم على ذلك، فيجازى الظالم من كان منكم أنت
أم عبيدك فأعتقهم.
قوله: (فقال: عمر) والظاهر أن [٢] جثة عمر باب حاجز على حصنه، والمراد به
[١] فسيأتي عند المصنف عن عائشة: أن رجلاً قعد بين يدي رسول الله مج له فقال: يا رسول الله وَل
إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟
قال: يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر
ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إیاهم دون ذنوبهم کان فضلاً لك، وإن
كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل، قال: فتنحى الرجل فجعل يبكي
ويهتف، فقال رسول الله وَثّ: أما تقرأ كتاب الله ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَئِمَةِ فَلَا نُظْلَمُ
نَفْسُ شَيْئًا﴾ الآية [الأنبياء: ٤٧]، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهم شيئاً خيراً
من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم، قلت: وقد ورد في معنى هذا الحديث روايات
كثيرة في يوم الحساب.
[٢] قال العيني (١): فإن قلت: قال أولًا: ((إن بينك وبينها باباً) فالباب يكون بين عمر وبين الفتنة، =
(١) ((عمدة القاري)) (١٠/٥).
٤٧٩
أَبْوَابُ الْفِتَنْ
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
٦٢ -بَابُ
٢٢٥٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ،
عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنِ العَدَوِيِّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ
قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَنَحْنُ تِسْعَةُ: خَمْسَةٌ وَأَرْبَعَةُ أَحَدُ العَدَدَيْنِ مِنَ
العَرَبِ وَالآخَرُ مِنَ العَجَمِ، فَقَالَ: ((اسْمَعُوا، هَلْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي
أَمَرَاءُ؟ فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي
وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى
ظَلْمِهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَارِدُ عَلَّ الحَوْضَ)).
في قوله: ((بينك)) روحه، فإن التأذي بالصدمات[١] إنما هو لها لا للجسم.
[٦٢ - باب]
قوله: (ونحن تسعة: خمسة وأربعة) إنما فسر لتعيين المراد وللتقسيم بين
الطائفتين.
= وهنا يقول: ((الباب هو عمر))، وبين الكلامين مغايرة، قلت: لا مغايرة بينهما لأن المراد
بقوله: ((بينك وبينها)) أي: بين زمانك وبين زمان الفتنة وجود حياتك، وقال الكرماني: أو
المراد بين نفسك وبين الفتنة بدنك، إذ الروح غير البدن، أو بين الإسلام والفتنة، انتهى.
[١] قال المجد (١): الصدم: ضرب صلب بمثله، والفعل كضرب، وإصابة الأمر، انتهى. وفي
(المجمع)) (٢): في قوله مَثّ: ((الصبر عند الصدمة الأولى)) أي: عند فورة المصيبة وشدتها،=
[٢٢٥٩] ن: ٤٢٠٧، حم: ٤/ ٢٤٣، تحفة: ١١١١٠.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٤٠).
(٢) «مجمع بحار الأنوار)) (٣١١/٣).
٤٨٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ مِسْعَرٍ إِلَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
قَالَ هَارُونُ: وَثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ،
عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ عَاصِمِ العَدَوِيّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َّهِ، نَحْوَهُ.
قَالَ هَارُونُ: وَثَنِي مُحَمَّدُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَلَيْسَ
بِالنَّخَعِيّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َ نَحْوَ حَدِيثٍ مِسْعَرٍ.
وَفِي البَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ وَابْنِ عُمَرَ.
٢٢٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الفَزَارِيُّ ابْنُ ابْنَةِ السُّدِّيّ الكُوفِيّ،
نَا عُمَرُ بْنُ شَاكِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: «يَأْتِي عَلَى
النَّاسِ زَمَانُ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالقَابِضِ(١) عَلَى الجَمْرِ)) (٢).
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَعُمَرُ بْنُ شَاكِرٍ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ
وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ. وَهُوَ شَيْخُ بَصْرِيٌّ.
٦٣ - بَابُ
[٦٣ - باب]
= والصدم: ضرب الشيء الصلب بمثله، ثم استعمل في كل مكروه حصل بغتة، انتهى.
[٢٢٦٠] تحفة: ١١٠٧.
(١) قال الطيبي (٢٣٩٢/١١): أي: كما لا يقدر القابض على الجمر أن يصبر بإحراق يده،
كذلك المتدين يومئذ لا يقدر على ثباته على دينه لغلبة العصاة والمعاصي، وانتشار الفسق
وضعف الإيمان، انتھی.
(٢) هذا ثلاثي وليس في هذا الكتاب ثلاثي غيره.