Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ أَبْوَابُ الإِيْمَان. عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى الله))؟! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالله لَأَقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَالله لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ ل﴿ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: فَوَالله مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. بينهم رضي الله تعالى عنهم أن من أنكر فرضية الصلاة كفر، فلذلك قال أبو بكر: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإنكم لما علمتم أن إنكار الصلاة كفر فكذلك إنكار الزكاة يكون كفراً، فمن فرّق بينهما بأن أقرّ بالصلاة وأنکر الزكاة فإنه کافر. قوله: (فوالله ما هو إلا أن رأيت) إلخ، يعني أن أبا بكر لما شرح الله صدره للقتال وبيّن لي أبو بكر وجوهاً، عرفت بها أنه الحق، علمت أن أبا بكر ما كان يقوله لحق، ويمكن[١] أن يقال في بيان معناه: أن الأمر لم يكن إلا أني رأيت أن الله سبحانه [١] والفرق بين المعنيين أن عرفان كون القتال حقًّا في الأول كان باستدلال أبي بكر، وفي الثاني مستأنف لا يترتب عليه، بل شرح صدره له كما كان شرح له صدر أبي بكر من قبل، وفي ((البذل))(١) عن شروح البخاري: فعرفت أنه أي: القتال الحق، أي: المحق الثابت بالدليل الشرعي بما ظهر لي من الدليل الذي أقامه الصديق، لا أنه قلّده في ذلك؛ لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلد مجتهداً آخر، فإن قلت: ما النص الذي اعتمد عليه أبو بكر؟ قلت: روى الحاكم في ((الإكليل)) عن عبد الرحمن الظفري وكانت له صحبة، قال: بعث رسول الله مخ له إلى رجل من أشجع لتؤخذ صدقته، فأبى أن يعطيها، فردّه إليه الثانية فأبى، ثم ردّه إليه الثالثة وقال: ((إن أبى فاضرب عنقه))، قال عبد الرحمن أحد رواة الحديث: قلت لحكيم: ما أرى أبا بكر قاتل أهل الردة إلا على هذا الحديث، قال: أجل، انتهى. (١) ((بذل المجهود)) (٣٠٣/٦). ١٨٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وَهَكَذَا رَوَى شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةً، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى عِمْرَانُ القَطَّانُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ و ابْنِ مَالِكٍ، عَنْ أبِي بَكْرٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ خَطَأْ، وَقَدْ خُولِفَ عِمْرَانُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَعْمَرٍ. أُمِرْتُ أَنْ أَقَاتِلَ النَّاسَ صَلَكَالله. علي (٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ وَشْيَكْم حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ٢٦٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالِقَانِيُّ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، نَا حُمَيْدٌ الطَِّيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ لَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتَنَا وَبَأْكُلُوا ذَبِيحَتَنَا(١)، وَأَنْ يُصَلُّوا صَلَاتَنَا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ حُرِّمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ)). وَفِي البَابِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. دون غيره شرح صدر أبي بكر للقتال وألهمه، ولم يجعله في ريبة منه، ولا كان ذلك وسوسة من الشيطان، فعرفت بعد ذلك أنه الحق كما كان عرف أبو بكر وتصلّب على ذلك کتصلبه علیه. [٢٦٠٨] خ: ٣٩٢، د: ٢٦٤١، ن: ٣٩٦٦، حم: ١٩٩/٣، تحفة: ٧٠٦. (١) قال شيخنا في تقرير ((المشكاة): فيه تنبيه على أن لأكل الذبيحة أيضاً دخلًا في الإسلام، فلا يقال: إننا مسلمو اللحم فقط، ذكره الشيخ التهانوي في وعظه، والشهادة دخلت في صلواتنا، وتخصيص القبلة لعله لمزيد الاهتمام إليه لقرب التحول إليه، وقيل: لكونه أعرف من الصلاة، انتهى. ١٨٣ أبْوَابُ الإِيْمَان _ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ نَحْوَهُ. (٣) بَابُ مَا جَاءَ بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ٢٦٠٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُعَيْرِ بْنِ الخِمْسِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ حَبيِبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: ((بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ)). وَفِي البَابِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله. هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَةِ نَحْوُ هَذَا، وَسُعَيْرُ بْنُ الخِمْسِ ثِقَةٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا وَكِيعُ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّلَِّ نَحْوَهُ [*] هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ. وَلَّهِ الإِيمَانَ وَالإِسْلَامَ (٤) بَابُ مَا وَصَفَ(١) جِبْرَئِيلُ لِلنَّبِيِّ (٤) باب ما جاء في وصف جبرئيل(١) للنبي وَلية الإيمان والإسلام [١] هكذا في النسخ الهندية والمصرية، وبوب عليه البخاري في صحيحه («باب سؤال جبرئيل = [٢٦٠٩] خ: ٨، م: ١٦، ٥٠٠١، حم: ٢٦/٢، تحفة: ٦٦٨٢. (١) في نسخة: ((باب ما جاء في وصف إلخ)). ١٨٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٢٦١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارِ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثِ الخُزَاعِيُّ، نَا وَكِيعُ، عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةً، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي القَدَرِ مَعْبَدُّ الجُهَنِيُّ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إضافة الوصف إلى جبرئيل مجاز، فإنه لما كان سبب وصفه ◌َّ لسؤاله إياه جعل كأنه هو الواصف، أو يقال: إنه لما صدق النبي ◌َلّ فيما بينه من المعاني وأقر بها جعل واصفاً حقيقة ولا ضير فيه إذاً. قوله: (أول من تكلم في القدر) أي: أنكره[١]. النبي ﴾ عن الإيمان والإسلام إلخ)) وهو أوضح، ولعل المصنف اختار ذلك إشارة إلى ما = في الحديث ((ذاك جبرئيل أتاكم يعلمكم دينكم))، فجعله النبي عليه معلماً، وإليه أشار الشيخ في الجواب الثاني. [١] قال النووي(١): معناه أول من قال بنفي القدر فابتدع وخالف الصواب، وفي ((شرح المواقف)): يلقبون بالقدرية لإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم وإنكارهم القدر. قال النووي: الجهني بضم الجيم نسبة إلى جهينة قبيلة من قضاعة، نسب إليهم معبد بن خالد الجهني، كان يجالس الحسن البصري، وهو أول من تكلم في البصرة بالقدر، فسلك أهل البصرة بعده مسلكه، وقيل: إنه معبد بن عبد الله بن عويمر، انتهى. وفي ((البذل))(٢): يقال: إنه ابن عبد الله بن عكيم، ويقال: ابن عبد الله بن عويم، ويقال: ابن خالد، كان رأساً في القدر، قدم المدينة فأفسد بها ناساً، كان الحسن البصري يقول: إياكم ومعبداً فإنه ضالّ مضلّ، قال العجلي: تابعي ثقة كان لا يتهم بالكذب، قتله الحجاج سنة ٨٠ هـ أو بعدها، انتهى. قلت: وهو من رواة ابن ماجه، ويقال: إن معبداً أخذ ذلك من المجوس. [*] تحفة: ٧٣٤٤. [٢٦١٠] م: ٨، د: ٤٦٩٥، ن: ٤٩٩٠، جه: ٦٣، حم: ٢٧/١، تحفة: ١٠٥٧٢. (١) ((شرح النووي)) (١ /١٩٠). (٢) ((بذل المجهود)) (١٣ / ١٠٣). ١٨٥ أبْوَابُ الإِيْمَان الحِمْيَرِيُّ حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ، فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا أَحْدَثَ هَؤُلَاءِ القَوْمُ، فَلَقِينَاهُ-يَعْنِي عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ - وَهُوَ خَارِجُ مِنَ الْمَسْجِدِ، قَالَ: فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَّا وَصَاحِبِي(١)، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ قَوْمًا يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ، وَيَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ وَأَنَّ الأَمْرَ أُثُفُّ، قوله: (فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي)[١] لكوني أقدر على الكلام منه وألسن. قوله: (يقرؤون القرآن ويتقفرون [٢] العلم) ذكر ذلك لأنهم لما كانوا من أهل العلم والفطنة وجب البحث عما يقولونه، فإن ظاهرهم يدعو إلى تسليم مقالهم. [١] قال النووي(٢): معناه يسكت ويفوضه إليّ لإقدامي وجرأتي وبسطة لساني، فقد جاء عنه في رواياته: ((لأني كنت أبسط لساناً)، انتهى. [٢] قال النووي(٣): بتقديم القاف على الفاء، معناه يطلبونه ويتتبعونه، هذا هو المشهور، وقيل: معناه يجمعونه، ورواه بعض شيوخ المغاربة بتقدیم الفاء وهو صحيح أيضاً، معناه يبحثون عن غامضه ويستخرجون خفيّه، وروي في غير مسلم: ((يتقفون)) بتقديم القاف وحذف الراء، وهو صحيح أيضاً، ومعناه أيضاً: يتبعون، وقال عياض: رأيت بعضهم قال فيه: ((يتقعرون)) وفسره بأنهم يطلبون قعره أي: غامضه، وفي رواية: ((يتفقهون)) ومعناه ظاهر، انتهى. وقال الدمنتي في ((نفع القوت))(٤): يتفقرون، بـ(النهاية)) بفاء فقاف، والمشهور عكسه، وقال بعض المتأخرين: هي عندي أصح رواياته أي: يستخرجون غامضه من فَقَرَ البئر: حفرها لاستخراج مائها، ومعنى الرواية المشهورة أي: يطلبون العلم، انتهى. (١) زاد في نسخة: ((فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلاَمَ إِلَيَّ». (٢) ((شرح النووي)) (١/ ١٩١). (٣) ((شرح النووي)) (١٩١/١). (٤) ((نفع قوت المغتذي)) (ص: ٩٠). ١٨٦ الكوكب الدُّرِّي قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءُ وَأَنَّهُمْ مِنِّي بُرَآءُ، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الله لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: ثُمَّ أَنْشَأْ يُحَدِّثُ فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَالِه قوله: (فأخبرهم أني منهم بريء) إلخ، قدم هذا القول مسارعة إلى التبرؤ عن هؤلاء وتعجيلاً لإلقاء النفر(١] عنهم في قلوب السائلين، ثم بين بعد ذلك دليل الرد عليهم وإظهار التبرؤ عنهم، وهو أنهم ليسوا بأهل(٢) إيمان، ثم أنشأ إثبات أن ذلك أي: الإيمان بالقدر داخل في الإيمان فقال: قال عمر بن الخطاب. قوله: (كنا عند رسول الله وال﴾) فيه اختصار، والحديث(٣] بطوله مذكور في مسلم. [١] قال الراغب(١): النفر: الانزعاج عن الشيء وإلى الشيء كالفزع إلى الشيء وعن الشيء، قال تعالى: ﴿مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]، انتهى. وفي الحديث: ((بشروا الناس ولا تنفروهم))، وورد: «إن منکم منفرین». [٢] قال النووي(٢): هذا الذي قاله ابن عمر ظاهر في تكفيره القدرية، قال القاضي عياض: هذا في القدرية الأولى الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات، قال: والقائل بهذا كافر بلا خلاف، وهؤلاء الذين ينكرون القدر هم الفلاسفة في الحقيقة، قال غيره: ويجوز أنه لم يرد بهذا الكلام التكفير المخرج من الملة فيكون من قبيل كفران النعم إلا أن قوله: ما قبله الله منه ظاهر في التكفير، فإن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر إلا أنه يجوز أن يقال في المسلم: لا يقبل عمله لمعصيته وإن كان صحيحاً، كما أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة غير محوجة إلى القضاء عند جماهير العلماء بل بإجماع السلف، وهي غير مقبولة، فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا، انتهى. [٣] لم أجد في مسلم هذا الحديث بأطول مما ذكره المصنف، نعم مجموع رواياته يدل على = (١) ((المفردات في غريب القرآن)) (ص: ٨١٧). (٢) ((شرح النووي)) (١٩٢/١). أبْوَابُ الإِيْمَان ١٨٧ فَجَاءَ رَجُلُ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، قوله: (شديد بياض الثياب) بإضافة البياض الصفة إلى الثياب والسواد(١) وبغير الإضافة، وفيه أدب حضور مجالس العلم باللباس الطيب الصافي الغير المتدنس ولا المتسخ، وبإزالة الشعث والغبرة عن رأسه ولحيته. قوله: (لا يرى [٢] عليه أثر السفر) حتى يكون من أهل بادية قدم من هناك. = الاختصار، وعلى أن بعضهم ذكر ما لم يذكره غيره، وذكر أبو داود(١) في أول القصة من حديث أبي هريرة وأبي ذر قالا: كان رسول الله مَ لل يجلس بين ظهري أصحابه، فيجيء الغريب، فلا يدرى أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله مي أن نجعل له مجلساً، الحديث. [١] هكذا في المنقول عنه، فإن كان محفوظاً عن التحريف فهو عطف على البياض، حذف ما بعده اختصاراً واتكالاً على ما يفهم من السياق، والمعنى أن البياض مضاف إلى الثياب من قبيل إضافة الصفة إلى موصوفها، وكذا السواد الصفة مضاف إلى موصوفها وهو الشعر، وقوله: وبغير الإضافة يتعلق بهما معاً، وفي ((الإرشاد الرضي)): إما بإضافة الشديد إلى البياض أو بدون الإضافة، وهكذا في شديد سواد الشعر، قال القاري(٢): بإضافة شديد إلى ما بعده إضافة لفظية مفيدة للتخفيف فقط صفة رجل، واللام في الموضعين عوض عن المضاف إليه العائد إلى الرجل، أي: شديد بياض ثيابه شديد سواد شعره، وفي نسخة بالتنوين في الصفتين المشبهتين: ورفع ما بعدهما على الفاعلية، وفيه استحباب البياض والنظافة في الثياب، وأن زمان طلب العلم أوان الشباب لقوته على تحمل أعبائه، انتهى. [٢] قال القاري(٣): روي بصيغة المجهول الغائب ورفع الأثر، وهو رواية الأكثر والأشهر، وروي بصيغة المتكلم المعلوم ونصب الأثر، والجملة حال من رجل أو صفة له، والمراد بالأثر ظهور التعب والتغير والغبار، والمعنى تعجبنا من كيفية إتيانه، إذ لو كان من المدينة لعرفناه، = (١) ((سنن أبي داود)) (٤٦٩٨). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٠٨/١). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١ /١٠٨). ١٨٨ الكوكب الدُّرِّي وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدُ، حَتَّى أَتَّى النَّبِيَّ ◌َ فَأَلْزَقَ رُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالقَدَرِ قوله: (ولا يعرفه منا أحد) حتى يكون من أهل المدينة. قوله: (فألزق ركبته بركبته) [١] أي: قربها بها، وليس المراد الإلزاق الحقيقي، بل المراد شدة المقاربة حتى كأنه ألزقها بها، وفيه الجلوس بقرب الأستاذ مؤدّباً حتى لا يحتاج إلى رفع الصوت في البيان، ثم الضمير الأول لجبريل والثاني للنبي وَئية. قوله: (ثم قال: يا محمد ما الإيمان؟) فيه نداء المخاطب بالاسم الذي (٢) يرضيه ليتعين من بين الموجودين، وفيه تقديم الموقوف عليه الذي هو ملاك الأمر في السؤال، = أو كان غريباً لكان عليه أثر السفر، قال زين العرب في (شرح المصابيح)): ((لا يعرفه منّا)) أي: من الصحابة وإلا فالرسول ◌َ لّه قد عرفه، وقال السيد جمال الدين: قد جاء صريحاً في بعض الروايات أن النبي ◌ّ لم يعرفه حتى غاب، كما أفاده الشيخ ابن حجر، انتهى. [١] بإفراد الركبة في النسخ التي بأيدينا، قال القاري: والجلوس على الركبة أقرب إلى التواضع والأدب، وإيصال الركبة بالركبة أبلغ في الإصغاء، وأتم في حضور القلب، وأكمل في الاستئناس، والجلوس على هذه الهيئة يدل على شدة حاجة السائل، وإذا عرف المسؤول حاجته وحرصه اعتنی وبادر إلیه، انتهى. [٢] وقيل: ناداه باسمه إذ الحرمة تختص بالأمة في زمانه أو مطلقاً وهو مَلَكٌ معلم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَصَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، إذ الخطاب للآدميين، فلا يشمل الملائكة إلا بدليل، أو قصد به المعنى الوصفي دون العلمي، وما ورد في الصحاح من نداء بعض الصحابة باسمه فذاك قبل التحريم، وقيل: آثره زيادةً في التَّعْمِيَةِ إذ كانوا يعتقدون أنه لا يناديه به إلا العربيُّ الجِلْفُ، قيل: ولم يُسَلِّم مبالغة في التعمية، أو بياناً أنه غير واجب، أو سلم ولم ينقل وهو الصحيح لما ورد في الرواية، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، هكذا في ((المرقاة))(١). (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١ /١٩١). أبْوَابُ الإِيْمَان ١٨٩ خَيْرِهِ وَشَرِّه). قَالَ: فَمَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَحَجُّ البَيْتِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ))، قَالَ: فَمَا وأيضاً ففيه تقديم السؤال عما هو كاف للنجاة من الخلود في النار والدخول في الجنة وهو الإيمان، فعلم بذلك تقديم الأهم فالأهم، ثم الإيمان باعتبار كونه[١] معقوداً عليه القلب إيمان، وباعتبار ظهور آثاره إسلام، فهما متلازمان أو هما واحد، فإن المرء إذا أقرّ بما يجب إقراره وأيقنه بقلبه فهو مؤمن ومسلم وإن لم يصلّ ولم يصمْ، وقوله عليه السلام: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله)) إلخ، مشعر بإقراره بأركان الإسلام بأسرها، فإنه لما صدّق الرسل وآمن بالكتب فإنه يقرّ بما فيها لا جرم، وكذلك بما أمر به النبيُّ ◌َّة، ثم قوله عليه السلام في بيان الإسلام: ((إقام الصلاة وإيتاء الزكاة)) ليس [١] هذا من المسائل التي اختلف فيها السلف والخلف، ومحل بسطه المطولات، قال العيني في أبحاث الإيمان: النوع الرابع في أن الإسلام مغاير للإيمان أو هما متحدان؟ فنقول: الإسلام في اللغة: الانقياد والإذعان، وفي الشريعة: الانقياد لله بقبول رسوله مخ لل بالتلفظ بكلمتي الشهادة، والإتيان بالواجبات، والانتهاء عن المنكرات، كما دلّ عليه جواب النبي مُحَلّ حين سأله جبريل عليه السلام عن الإسلام، ويطلق الإسلام على دين محمد، كما يقال: دين اليهودية والنصرانية، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ ﴾ [آل عمران: ١٩]. واختلف العلماء فيهما، فذهب المحققون إلى أنهما متغايران وهو الصحيح، وذهب بعض المحدثين والمتكلمين وجمهور المعتزلة إلى أن الإيمان هو الإسلام، والاسمان مترادفان شرعاً، قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام ولا يطلق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً في بعض الأحوال دون بعض، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، قال: وهذه إشارة إلى أن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً كما صرح به بعض الفضلاء، والحق أن بينهما عموماً وخصوصاً من وجه؛ لأن الإيمان أيضاً قد يوجد بدون الإسلام، إلى آخر ما بسطه العيني(١). = (١) ((عمدة القاري)) (١٠٩/١). الكَوْكَبُ الدُّرِّي ١٩٠ الإِحْسَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللّه كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ))، قَالَ: المناط فيه على إتيانها، بل المذكور في الإسلام إنما هو الإقرار بها، فالمقرّ المقصر آتٍ بها حكماً وملحق بالذي يأتي بها، فلم يكن بين الإسلام والإيمان فرق، وإن أخذ الكامل منهما كان التلازم بينهما أظهر، فإن الإيمان الكامل لا يجوِّز ترك الأعمال، والإسلام الكامل لا يتصور بدون الاعتقاد بالمعتقدات، هذا والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل. قوله: (فما الإحسان) لما فرغ عن السؤال عما لا بد منه لكل مؤمن مسلم أخذ في السؤال عما هو درجة الكُمل، فإن إحسان كل شيء هو الإتقان فيه، ومراتبه متفاوتة، فإن إحسان الأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء وغيرهم أنواع متفاوتة. قوله: (أن تعبد الله كأنك [١] تراه) وهذا جامع لمراتب الإحسان، فكلما زاد = وفي ((شرح العقائد)) للنسفي(١): الإيمان والإسلام واحد، لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد بمعنى قبول الأحكام والإذعان بها، وذلك حقيقة التصديق، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥-٣٦]، وبالجملة لا يصح في الشرع أن يحكم على أحد بأنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن، ولا نعني بوحدتهما سوى ذلك، وظاهر كلام المشايخ أنهم أرادوا عدم تغايرهما بمعنى أنه لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا الاتحاد بحسب المفهوم. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّأْ قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا ﴾ [الحجرات: ١٤] صريح في تحقق الإسلام بدون الإيمان، قلنا: المراد أن الإسلام المعتبر في الشرع لا يوجد بدون الإيمان، وهو في الآية بمعنى انقياد الظاهر من غير انقياد الباطن، بمنزلة التلفظ بكلمة الشهادة من غير تصديق، والمراد بحديث الباب أن ثمرات الإسلام وعلاماته ذلك، إلى آخر ما بسطه. [١] قال القاري(٢): مفعول مطلق أي: عبادة شبيهة بعبادتك حين تراه، أو حال من الفاعل أي: حال = (١) ((شرح العقائد)) (ص: ٨٣). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١ /١٢١). أبْوَابَ الإِيْمَان ١٩١ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ(١)، قَالَ: فَتَعَجَّبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: المراقبة حسن الإحسان، وقوله الآتي: ((فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، بيّنه [١] الشارحون بحيث تكون مرتبته أدون من التي قبلها، فقالوا: وإن لم تقدر على ذلك فاعبده كأنه يراك، وهذا بعيد، أما أولاً فلأن المراقبة في ذلك أشدّ؛ لأنه تبارك وتعالى لما كان ناظراً إليه ورائياً حاله، وراقب العبد ذلك اشتدّ أمر الإحسان وزاد فيه، لا أنه يكون مرتبة دونى نسبة إلى الأولى، وأما ثانياً فلأن المناسب حينئذ هو أن يقال: كأنه يراك وهذا غير صحيح، بل الرؤية منه سبحانه محققة قطعية، إلا أن يقال: المقصود أنه تعالى وإن كان رائياً حاله إلا أن الواجب على العابد مراعاة رؤيته، والمراعاة غير متحققة قطعاً، ومع ذلك ففيه بُعد كما لا يخفى، فقوله هذا ليس إلا دليلاً على القول الأول، يعني أن المرء إذا استبعد رؤيته الرب تبارك وتعالى قال النبي ◌َثّ: اعبد الله كأنك تراه، لأنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، فكيف تغفل عنه وكيف تصلي وقلبك في مکان وجسمك في مكان، و کیف تسبح الله بلسانك و قلبك مشغول بفلان وفلان! قوله: (قد صدقت) والتصديق نوعان: تصديق التسليم وعدم الإنكار كما = كونك مشبهاً بمن ينظر إلى الله خوفاً منه وحياءً، وهذا من جوامع الكلم، فإن العبد إذا قام بين يدي مولاه لم يترك شيئاً مما قدر عليه من إحسان العمل، ولا يلتفت إلى ما سواه، انتهى. [١] كما يظهر مما بسطه القاري، وحكاه في ((الإرشاد الرضي)) عن الشيخ عبد الحق المحدث، وكذا قال غيرهما، وبسط العيني في أنواع الإحسان فارجع إليه لو شئت، وحاصل ما أفاده الشيخ أن قوله ◌ِ : «فإن لم تكن تراه)» لو كان مرتبة ثانية أدون من الأولى كان حق العبارة أن يقول: فإن لم تكن كأنك تراه فاعبده كأنه يراك؛ لأن المنفي إذ ذاك لا بد أن يكون هو المثبت أولاً، ولم يذكره الشيخ لظهوره، وأيضاً لا يصح هذا الكلام لأن رؤيته تعالى متحققة لا محالة فكيف كأنه يراك، فالصواب أن يقال: إنه ليس بمرتبة أدون من الأولى، بل هو دليل = (١) في نسخة: ((قد صدقت). ١٩٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ))، قَالَ: فَمَا أَمَارَتُهَا؟ قَالَ: ((أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ يصدر من المسلم الجاهل، وتصديق الاتفاق والإقرار كما يصدر من العالم، وهذا التصديق كان من القبيل الثاني[١]، فلذلك تعجبوا منه. قوله: (فمتى الساعة) إنما سأل عن ذلك ليعلم يوم يجازون على الحسنات السابق ذكرها. قوله: (أن تلد الأمة ربتها[٢]) اختلفت أقوالالعلماء في بيان معانيه، والظاهر المناسب هاهنا منها أن يكثر السبي، والمولود حينئذ ولي نعمتها، فإن حقوق الولاء ترجع إليه بعد موت أبيه، وإن لم يكن للولد أن يتملكها، وفيه إشارة أيضاً إلى كثرة النساء لأنه قال ربتها ولم يقل ربها. = وتصوير للكلام السابق إذ كان يشكل عليه أن رؤية العبد إياه تبارك وتعالى محال في الدنيا فكيف يمكن لأحد أن يصوره، فبين صورته بأن تصور أن الله عز اسمه يراه في كل وقت يؤدي إلى الصورة الأولى، فتأمل. [١] ويؤيد ذلك ما حكى القاري(١) من الروايات، وفي بعضها: ((انظروا هو يسأله ويصدقه كأنه أعلم منه))، وفي أخرى: ((ما رأينا رجلاً مثل هذا كأنه يعلم رسول الله ◌ِ ال(ليقول له: صدقت صدقت)). [٢] قال القاري(٢): تأنيثها في هذه الرواية وإن ذكر في روايات أخر باعتبار التسمية ليشمل الذكور والإناث، أو فراراً من شركة لفظ رب العباد، وإن جوز إطلاقه على غيره تعالى بالإضافة دون التعريف، أو أراد البنت فيعرف الابن بالأولى، والإضافة إما لأجل أنه سبب عتقها، أو لأنه ولد ربها أو مولاها بعد الأب، وفسر هذا القول كثير من الناس بأن السبي يكثر بعد اتساع رقعة الإسلام فيستولد الناس إماءهم، فيكون الولد كالسيد لأمه لأن ملكها راجع إليه، وذلك = (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١١٤/١). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١ /١٢٤). ١٩٣ أبْوَابُ الإِيْمَان فِي الْبُنْيَانِ)). قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ◌َلَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ، فَقَالَ: ((يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ ذَاكَ جِبْرَئِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ))(١). حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، نَاكَهْمَسُ بْنُ الحَسَنِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ بمعناه. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَامُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ (٢)، عَنْ كَهْمَسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ. وَفِي الْبَابِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْوُ هَذَا. قوله: (يا عمر هل تدري من السائل؟) وكان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين متشوقين إلى أنه من هو، فإنه جمع في سؤاله بين الشريعة والحقيقة، وبين ما لا یمکن استقصاؤه من المسائل، ولم یکن ممن يعرفونه حتی یعلموا أنه من علماء اليهود أو النصارى، فيقضوا بذلك عجبهم، فإنهم كانوا عارفين بأحبارهم المشهورين ولم يذكره النبي ◌َّ من نفسه لهم ليزيد بذلك اشتياقهم إليه وهابوا أن يسألوه. إشارة إلى قوة الدين، واستيلاء المسلمين، وهي من الأمارات؛ لأن بلوغ الغاية منذر بالتراجع = والانحطاط المؤذن بقيام الساعة، أو إلى أن الأعزّة تصير أذلّة لأن الأم مربية للولد، فإذا صار الولد ربها سيّما إذا كان بنتاً ينقلب الأمر، كما أن القرينة الثانية على عكس ذلك، وهي أن الأذلة ينقلبون ملوك الأرض، فيتلاءم المعطوفان، وهذا إخبار بتغير الزمان، وانقلاب أحوال الناس. وقيل: معناه أن الإماء تلدن الملوك، فتكون أمه من جملة رعيته، ويقرب منه القول بأن السبي إذا كثر قد يسبى الولد صغيراً، ثم يعتق ويصير رئيساً بل ملكاً، ثم تسبى أمه فيشتريها عالماً أو = (١) في نسخة: «معالم دینکم)). (٢) في نسخة: ((مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ)) وهو المثبت في ((تحفة الأشراف)) (١٠٥٧٢). ١٩٤ الْكَوَكَبُ الُّرِّي وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِّ وَّهِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ (٥) بَابُ مَا جَاءَ فِي إِضَافَةِ الفَرَائِضِ إِلَى الإِيمَانِ ٢٦١١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا عَبَّدُ بْنُ عَبَّادِ الْمُهَلَّبِيُّ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللهِوَ لَّهِ فَقَالُوا: إِنَّا ٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِضَافَةِ [١] الفَرَائِضِ إِلَى الإِيمَانِ = جاهلاً، ثم يستخدمها وقد يطؤها [أو يعتقها ويتزوجها]، وقيل: معناه فساد الأحوال بكثرة بيع أمهات الأولاد، فتردد في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها ويطأها وهو لا يعلم، ويؤيده رواية ((بعلها)) وإن فسر بسيدها، وقيل: معناه الإشارة إلى كثرة عقوق الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الخدمة وغيرها، وخص بولد الأمة لأن العقوق فيهن أغلب. [١] غرض المصنف ومن نحانحوه الردّ على المرجئة، وهي طائفة من أهل البدع، قال الحافظ(١): المرجئة بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة، ويجوز تشديدها بلا همز، نسبوا إلى الإرجاء وهو التأخير؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان فقالوا: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، ولم يشترط جمهورهم النطق، وجعلوا للعصاة اسم الإيمان على الكمال، وقالوا: لا یضر مع الإیمان ذنب أصلاً، انتهى. وفي ((شرح المواقف)): المرجئة لقبوا به؛ لأنهم يرجئون العمل عن النية، أي: يؤخرونه في الرتبة عنها وعن الاعتقاد، من أرجأه أي: أخّره، أو لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية فهم يعطون الرجاء، وعلى هذا ينبغي أن لا يهمز لفظ المرجئة، وفرقهم خمس: اليونسية، والعبيدية، والغسانية، والثوبانية، والثومنية، ثم بسط مقالاتهم، وذكر في الغسانية: هم أصحاب الغسان الكوفي، قالوا: الإيمان المعرفة بالله ورسوله، وبما جاء من عندهما إجمالاً لا تفصيلاً مثل أن = [٢٦١١] خ: ٥٣، م: ١٧، د: ٣٦٩٢، ن: ٥٠٣١، حم: ٢٢٨/١، تحفة: ٦٥٢٤. (١) ((فتح الباري)) (١١٠/١). ١٩٥ أبْوَابَ الإِيْمَان قد طالت[١] أقوال العلماء في أن بين العلماء المتكلمين والمحدثين اختلافاً في دخول الفرائض في الإيمان وعدمه، وزيادة الإيمان بها وعدمها، فمذهب المتكلمين منعه، وذهب علماء الحديث إلى ثبوته، وهذا مما يتعجب منه، أفترى المحدثين يقولون بأن من لم يعمل فريضة قط فهو كافر أو خالد في النار، أو ترى المتكلمين ينكرون الفرق بين من آمن الآن ولم يعمل حسنة، وبين من أنفد عمره الله صائماً ومجاهداً، وحاجًّا ومعتمراً وعابداً، فليس الأمر كما اشتهر بينهم من أن المحدثين يخالفون المتكلمين في هذه المسألة، بل الأمر الحق الذي ينبغي أن يعوّل إليه إنما هو الردّ على من قال: لا يضرّ شيء من المعاصي بعد الإيمان بأن هذه الأفعال داخلة في الإيمان، ومن قال بعدم الدخول فيه فمنشؤه الردّ على من ذهب منهم إلى أن يقول: قد فرض الله الحج ولا أدري أين الكعبة؟ ولعلها بغير مكة، وبعث محمداً ولا أدري أهو = الذي بالمدينة أو غيره؟ وحَرَّم الخنزير ولا أدري أهو هذه أم غيرها؟ وغسان كان يحكي هذا القول عن أبي حنيفة، ويعدّه من المرجئة، وهو افتراء عليه قصد به غسان ترويج مذهبه بموافقة رجل كبير مشهور، قال الآمدي: ومع ذلك فأصحاب المقالات عدّوا أبا حنيفة وأصحابه من مرجئة أهل السنة، ولعل ذلك لأن المعتزلة في الصدر الأول كانوا يلقبون من خالفهم في القدر مرجئاً، أو لأنه لما قال: الإيمان هو التصديق ولا يزيد ولا ينقص، ظن به الإرجاء بتأخير العمل عن الإيمان، وليس كذلك إذا عرف منه المبالغة في العمل والاجتهاد فیه، انتھی. [١] يعني المشهور بينهم أن المحدثين والمتكلمين مختلفون في ذلك حقيقة وليس كذلك، بل الاختلاف بينهم لفظي مبني على تفسير الإيمان، كما صرّح به الرازي وغيره، ومن ردّ من الفريقين ليس غرضه الردّ على الفريق الثاني كما يتوهم، بل من أثبت للإيمان أجزاءً وأفراداً غرضه الردّ على المرجئة القائلة بأنه لا يضرّ مع الإيمان شيء، ومن نفاها عن الإيمان غرضه الرد على المعتزلة القائلة بأن الكبيرة تخرج المرتكب عن الإيمان، وعلى الخوارج القائلة بأن ارتكاب الكبيرة يدخله في الكفر. ١٩٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي هَذَا الحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِى الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ تَأْخُذُهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا، فَقَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعِ: الْإِيمَانِ بِالله، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ: شَهَادَةٍ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ)). الإيمان لا يفيد بدون الفرائض، وهذا هو الحق الذي ينطبق عليه كل الروايات، وأما ما زعم من مذهب المحدثين فهو افتراء عليهم تردّه الروايات الصريحة كما ستقف عليه. قوله: (إنا هذا الحي من ربيعة) إذا نصبت الحي فهو على الاختصاص، ومن ربيعة خبر إن، وإذا[١] رفعته فهو خبر إن، وقوله: من ربيعة حال. قوله: (فقال: آمركم بأربع) إلخ، في الحديث اختصار، ولم يذكر في هذه الرواية ما نهاهم عنه (٢) وهو مذكور في الروايات الأخر، وقد ترك [٣] في كل روايات الصحاح ذكر الثلاثة من هذه الأربع المأمورة، وإنما المذكور منها واحد، وهو [١] وبالأول جزم الحافظان(١) ابن حجر والعيني وغيرهما، وعلى كلا الاحتمالين معناه أننا من حي ربيعة، ولا يمكن مجيئها إليك إلا في الشهر الحرام لحيلولة مضر بيننا وبينك، ولفظ ((المشكاة)(٢) عن المتفق عليه بلفظ البخاري: ((إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر))، الحديث. [٢] وهي الأوعية الأربعة الواردة في جلّ الروايات: الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت. [٣] وبذلك جزم البيضاوي كما حكاه عنه الحافظ في ((الفتح))(٣) إذ قال: قال البيضاوي (٤): الظاهر أن الخمسة المذكورة هاهنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأخر = (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٣١/١) و((عمدة القاري)) (٣٠٩/١). (٢) ((مشكاة المصابيح)) (١٧). (٣) ((فتح الباري)) (١/ ١٣٣). (٤) ((تحفة الأبرار)) (١ / ٥١). ١٩٧ أَبْوَابُ الإِيْمَان. صَلَا الله حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنِ النَّبِيِّ مِثْلَهُ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَأَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِىُّ اسْمُهُ: نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ. وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ أَيْضًا، وَزَادَ فِيهِ: (أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُولُ الله))، فَذَكَرَ(١) الحَدِيثَ. الإيمان المفسر بالأربعة المذكورة بعدها، وهذا الذي ذكرنا أسلم ما قيل في توجيه الحديث، وبذلك يصح إيراد الحديث هاهنا، وبه تظهر مطابقة الترجمة، وأما ما قال الشراح في توجيهه بأن الإيمان بالله مفسر بالشهادتين فحسب، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأداء الخمس الثلاثة الباقية منها، وقيل [١]: الإيمان مفسر بالشهادتين فقط والثلاثة المذكورة بعدهما، وهي إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، كما هو = حذفها الراوي اختصاراً أو نسياناً، انتهى. وسيأتي إليه الإشارة في كلام السيد جمال كما حكاه القاري(٢)، لكن الحافظ لم يرتض بهذا التوجيه. [١] هذا هو المشهور عند الشراح في تفسيره، كما حكاه القاري وغيره من عامة مفسري الحديث، ففي ((المرقاة)(٣): قال ابن الصلاح: قوله: ((أن تعطوا)) عطف على قوله: ((بأربع)) فلا يكون واحداً منها، وإن كان واحداً من مطلق شعب الإيمان، انتهى. فيكون هذا من باب زيادة الإفادة، قال الطيبي (٤): في الحديث إشكالان: أولهما: أن المأمور به واحد والأركان تفسير للإيمان = (١) في نسخة: ((وذكر)). (٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٦٣). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٦٣). (٤) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٤٦١). ١٩٨ الكَوَكَبُ الدُّرِّي سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَؤُلَاءِ الفُقَهَاءِ الأَشْرَافِ الأَرْبَعَةِ: مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَبَّادِ بْنِ عَبَّادِ الْمُهَلَّبِيِّ، وَعَبْدِ الوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ. مذكور في رواية الصحيحين تتمة الأربع، ثم زاد بعدها من عنده خامساً، وهو أداء الخمس، ففيه أن الأمر لو كان كذلك لما أورده المؤلف في هذه الترجمة، إذ لا يعلم = بدليل قوله: ((أتدرون ما الإيمان))، وثانيهما: أن الأركان المذكورة خمسة وقد ذكر أولاً أربعة، وأجيب عن الأول بأنه جعل الإيمان أربعة نظراً إلى أجزائه المفصلة، وعن الثاني بأن عادة البلغاء إذا كان الكلام منصبًّا لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له، وكأن ما سواه مطروح، فهاهنا ذكر الشهادتين ليس مقصوداً لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة، انتهى. ويدل عليه ما في رواية للبخاري(١): «أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا خمس ما غنمتم، ولا تشربوا في الدباء والحنتم والنقير والمزفت))، قال القاري(٢): وبهذه الرواية تندفع الإشكالات، وترجع إليها التأويلات، لكني ما أقول ما قاله الطيبي من أن ذكر الشهادتين ليس مقصوداً، بل أقول: هو المقصود بالذات، وإنما المذكورات بيان شعبها المعظمة وأركانها المفخمة، ومحمل كلام الطيبي أنه ليس مقصوداً من الأربع، بل هو جملة معترضة، وقال السيد جمال الدين(٣): قيل: هذا الحديث لا يخلو عن إشكال لأنه إن قرئ: ((وإقام الصلاة)) إلخ، بالرفع على أنها معطوفة على شهادة ليكون المجموع من الإيمان فأين الثلاثة الباقية؟ وإن قرئت بالجر على أنها معطوفة على قوله: بالإيمان يكون المذكور خمسة لا أربعة، وأجيب على التقدير الأول بأن الثلاثة الباقية حذفها الراوي اختصاراً أو نسياناً، وعلى التقدير الثاني بأنه عد الأربع التي وعدهم ثم زادهم خامسة، وهي أداء الخمس لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر، وكانوا أهل جهاد وغنائم، = (١) ((صحيح البخاري)) (٦١٧٦). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٦٣). (٣) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٣/١). ١٩٩ أبْوَابُ الإِيْمَان قَالَ قُتَيْبَةُ: وَكُنَّا نَرْضَى أَنْ نَرْجِعَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عِنْدِ عَبَّادٍ بِحَدِيثَيْنِ، وَعَبَّادُ ابْنُ عَبَّدٍ هُوَ مِنْ وَلَدِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ. (٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي اسْتِكْمَالِ الإِيمَانِ وَزِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ(١) ٢٦١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ البَغْدَادِيُّ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةً، نَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ،فَ لَهِ: ((إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَّفُهُمْ بِأَهْلِهِ). وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. منه بهذا التوجيه دخول الفرائض في الإیمان حتی یتم استدلاله، فصنيعه هذا وكذا صنيع أستاذه البخاري(١) يدلّ على ما ذكرنا من توجيه الحديث. قوله: (من عند عباد بحديثين) وذلك لما له من الفضل على غيره. [٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي اسْتِكْمَالِ الإِيمَانِ وَزِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ] : انتهى. وفي ذلك أقوال أخر ذكرها الحافظ(٢) وغيره كقول ابن العربي: يحتمل أن يقال: إنه عدّ الصلاة والزكاة واحدة لأنها قرينتها في كتاب الله، وتكون الرابعة أداء الخمس. [١] إذ بوب على الحديث ((باب أداء الخمس من الإيمان))، وهذا كالصريح في مختار الشيخ بأنه عدّ أداء الخمس أيضاً من أجزاء الإيمان، فما قبله بالطريق الأولى. [٢٦١٢] ن في الكبرى: ٩١٥٤، حم: ٣٧/٦، تحفة: ١٦١٩٥. (١) قال العيني في ((عمدة القاري)) (١١١/١): هذا على تقدير دخول القول والفعل فيه ظاهر، وأما على تقدير أن يكون نفس التصديق فإنه أيضًا يزيد وينقص، أي: قوة وضعفاً، أو إجمالاً وتفصیلاً، أو تعداداً بحسب تعدد المؤمن به کما حققناه فیما مضى، انتهى. (٢) ((فتح الباري)) (١/ ١٣٣). ٢٠٠ الكَوَكَبُ الْتُّرِي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ، وَلَا نَعْرِفُ لأَبِي قِلَابَةَ سَمَاعًا مِنْ عَائِشَةَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ يَزِيدَ - رَضِيعِ لِعَائِشَةَ - عَنْ عَائِشَةَ غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ، وَأَبُو قِلَابَةَ اسْمُهُ عَبْدُ الله بْنُ زَيْدِ الْجَرْمِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: ذَكَرَ أَيُوبُ السَّخْتِيَانِيُّ أَبَـ قِلَابَةَ فَقَالَ: كَانَ وَالله مِنَ الفُقَهَاءِ ذَوِي الأَلْبَابِ. ٢٦١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الله هُرَيْمُ بْنُ مِسْعَرِ الأَزْدِيُّ التِّرْمِذِيُّ، نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ خَطَبَ النَّاسَ فَوَعَظَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ))، فَقَالَتِ امْرَأَةُ مِنْهُنَّ: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: (لِكَثْرَةِ لَعْنِكُنَّ، يَعْنِي وَكُفْرِكُنَّ العَشِيرَ)). قَالَ: ((وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ قوله: (رضيع لعائشة) ليس الرضيع هاهنا بمعناه المشهور وهو المرضع، بل المراد بذلك أخوها رضاعاً. قوله: (يعني وكفركن العشير)[١]. [١] بياض في الأصل بعد ذلك، ولعل الشيخ أراد توضيح ألفاظ الحديث كما يظهر من ((الإرشاد الرضي)) إذ بين هاهنا كثرة تلون أمزجتهن، وكثرة شكواهن، وقلة صبرهن، حتى ورد في أحاديث الكسوف: «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط)). قلت: ويحتمل أن الشيخ أراد بيان وجه زيادة لفظ يعني، فإن ظاهرها يوهم أنه تفسير لقوله: ((لعنكن))، وليس المقصود ذلك، بل الغرض أن الراوي نسي تعبير الشيخ، فنّه بلفظ ((يعني)) على أنه مراد الشيخ لا لفظه. [٢٦١٣] م: ٨٠، ن في الكبرى: ٩٢٧١، حم: ٣٧٣/٢، تحفة: ١٢٧٢٣.