Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ أبْوَابُ صِفَة الجَنّة حَدَّثَنَا سُوَيْدُ، نَا عَبْدُ اللّه بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْئَدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطِ، عَنِ النَّبِيَِّلَيهِنَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ، وَهَذَا أَصَحُ مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ. ٢٥٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الأَحْمَسِيُّ، نَا أَبُو مُعَاوِيَّةً، عَنْ وَاصِلٍ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي سَوْرَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ وَأَعْرَابِيُّ، [الله فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّ الخَيْلَ، أَفِي الجَنَّةِ خَيْلُ؟ قَالَ رَسُولُ الله ((إِنْ أُدْخِلْتَ الجَنَّةَ أَتِيتَ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طَارَ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ)). هَذَا حَدِيثُ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالقَوِيِّ، وَلَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي أَيُّوبَ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَأَبُو سَوْرَةَ هُوَ: ابْنُ أَخِي أَبِي أَيُّوبَ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ جِدًّا، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: أَبُو سَوْرَةَ هَذَا مُنْكَرُ الحَدِيثِ يَرْوِي مَنَاكِيرَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا. فإن هذه متضمنة ترغيباً في نعيم الآخرة تبعثهم على تحمل الكلف في طاعته سبحانه بخلاف تلك. قوله: (يروي مناكير) أي: غرائب (١] كما بينه بقوله: لا يتابع عليها. والثاني: السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فهاهنا السؤال = واجب، انتھی. وقيل غير ذلك من الوجوه التي ليس هاهنا محل تفصيلها. [١] فإن المنكر يطلق على معنيين بسطا في ((البذل))(١)، أحدهما: ما خالف فيه الضعيف القوي، والثاني: ما تفرد به الضعيف بدون اشتراط المخالفة. [٢٥٤٤] طب: ٤٠٧٥، تحفة: ٣٤٩٦. (١) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٣٠/١). ١٢٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي (١٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي سِنِّ أَهْلِ الجَنَّةِ ٢٥٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ مُحَمَّدُ بْنُ فِرَاسِ البَصْرِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا عِمْرَانُ أَبُو العَوَّامِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَخَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلاثِينَ - أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ - سَنَّةً)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ، وَبَعْضُ أَصْحَابٍ قَتَادَةَ رَوَوْا هَذَا عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلاً وَلَمْ يُسْنِدُوهُ. (١٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ صَفّ(١) أَهْلِ الجَنَّةِ ٢٥٤٦ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ الطَّحَّانُ الكُوفِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبٍ بْنِ دِئَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ ◌ّهِ: «أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ). ١٣ - باب ما جاء في كم صف أهل الجنة قوله: (ثمانون منها من هذه الأمة) هذا لا ينافي كونه رجي أقل منها(٢). [٢٥٤٥] حم: ٥/ ٢٤٣، تحفة: ١١٣٣٦. [٢٥٤٦] جه: ٤٢٨٩، حم: ٣٤٧/٥، تحفة: ١٩٣٨. (١) في (م) و(ح): ((وصف)) بدل ((كم صف))، وفي أخرى: ((صفة))، وفي نسخة بهامش (م): ((صفوف)). (٢) قال في ((اللمعات)) (١٢٦/٩): لأنه يحتمل أن يكون رجاه مَّ ذلك، ثم زيد وبشر من عند الله تعالى بالزيادة بعد ذلك، وأما قول الطيبي (١٠ /٢٥٤): يحتمل أن يكون الثمانون صفًّا مساويًا في العدد للأربعين صفًّا فبعيد؛ لأن الظاهر من قوله مَّ: ((أهل الجنة عشرون ومائة صف)) أن تكون الصفوف متساوية، والله أعلم. ١٢٣ أبْوَابُ صِفَة الجَنّة هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْئَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ لَيهِ مُرْسَلاً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. وَحَدِيثُ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ مُحَارِبٍ بْنِ دِثَارٍ حَسَنُّ، وَأَبُو سِنَانِ اسْمُهُ: ضِرَارُ ابْنُ مُرَّةَ، وَأَبُو سِنَانِ الشَّيْبَانِيُّ اسْمُهُ: سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ وَهُوَ بَصْرِيُّ، وَأَبُو سِنَانٍ الشَّامِيُّ اسْمُهُ: عِيسَى بْنُ سِنَانٍ هُوَ القَسْمَلِيُّ. ٢٥٤٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَوبْنَ مَيْمُونٍ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِّوَ لِ فِي قُبَّةٍ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِوَ لِ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟))، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ:(أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟))، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟، إِنَّ الجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، مَا أَنْتُمْ فِى الشِّرْكِ إِلَّ كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ. (١٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَبْوَابِ الجَنَّةِ ٢٥٤٨ - حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ البَغْدَادِيُّ، نَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى القَزَّازُ، قوله: (نحواً من أربعين) أي: كنا أربعين رجلاً أو أقل منها أو أكثر في هذه القبة. [١٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَبْوَابِ الجَنَّة] [٢٥٤٧] خ: ٦٥٢٨، م: ٢٢١، جه: ٤٢٨٣، حم: ٣٦٨/١، تحفة: ٩٤٨٣. [٢٥٤٨] ع: ٥٥٥٤، تحفة: ٦٧٦٠. ١٢٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي عَنْ خَالِدِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (بَابُ أُمَّتِي الَّذِي يَدْخُلُونَ مِنْهُ الجَنَّةَ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ الرَّاكِبِ الْمُجَوِِّ(١) ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَيُضْغَطُونَ عَلَيْهِ حَتَّى تَكَادَ مَنَاكِبُهُمْ تَزُولُ)). هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ. وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا، عَنْ هَذَا الحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، وقَالَ: لِخَالِدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مَنَاكِيرُ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله. (١٥) بَابُ مَا جَاءَ فِي سُوقِ الجَنَّةِ ٢٥٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نَا عَبْدُ الحَمِيدِ ابْنُ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي العِشْرِينَ، نَا الأَوْزَاعِيُّ، ثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ (ليضغطون(١)) إلخ، ولا يكون في ذلك التضاغط والتزاحم أذى ولا تكليف. ١٥ - باب ما جاء في سوق الجنة قوله: (أبي العشرين)[٢]. [١] قال القاري(٢): ببناء المجهول أي: ليعصرون ويُضَيّقون على الباب. وقال المجد(٣): ضغطه: عصره وزحمه وغمزه إلى شيء، ومنه ضغطة القبر، وتضاغطوا: ازدحموا، انتهى. [٢] بياض في الأصل بعد ذلك، ولعله أراد أن يكتب سبب هذه الكنية فلم يتفق له، ولم أجد فيما = [٢٥٤٩] جه: ٤٣٢٦، تحفة: ١٣٠٩١. (١) في نسخة: ((الجواد)). قال في ((اللمعات)) (١٢٧/٩): يحتمل أن يكون تركيبًا توصيفيًّا أو إضافيًّا، فعلى الأول المعنى: الراكب الذي يجود ركض الفرس، وعلى الثاني: الفرس الذي يجود في عَدْوِهِ، يقال: أجاد الشيء وجودّه أي: حسنه. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٩/١٠). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢٣). ١٢٥ أبْوَابُ صِفَة الجنّة الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَسْأَلُ اللهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الجَنَّةِ، فَقَالَ سَعِيدُ: أَفِيهَا سُوقُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللهِله: ((أَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلٍ أَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ يُؤْذَنُ فِي مِقْدَارِ يَوْمٍ الجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ، وَيَبْرُزُ لَهُمْ عَرْشُهُ وَيَتَبَدَّى لَهُمْ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، فَتُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُقٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ، وَيَجْلِسُ قوله: (في مقدار يوم الجمعة) إنما قال ذلك لأن ثمة لا ليل ولا نهار حتى يتحقق الأسبوع الحقيقي، وإنما هو (١) تقدیر وتخمین. = عندي من الكتب سبب ذلك، ولا بعد في أن يكون له عشرون ولداً، فاشتهر بذلك لأجلهم. [١] وبهذا جزم القاري إذ قال(١): في مقدار يوم الجمعة، أي: قدر إتيانه، والمراد مقدار الأسبوع، انتهى. وفي الحاشية عن ((اللمعات))(٢): والظاهر أن المراد يوم الجمعة، فإنه وردت الأحاديث في فضائل يوم الجمعة أنه يكون في الجنة يوم جمعة كما كان في الدنيا، ويحضرون فيه ربهم، إلى آخر الحديث. وقال القاري(٣) أيضاً تحت حديث مسلم عن أنس مرفوعاً: ((إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة))، الحديث: قال النووي(٤): السوق مجمع لأهل الجنة يجتمعون فيها في كل مقدار جمعة أي: أسبوع، ليس هناك أسبوع حقيقة لفقد الشمس والليل والنهار. قلت: وإنما يعرف وقت الليل والنهار بإرخاء أستار الأنوار ورفعها على ما ورد، فبهذا يعرف يوم الجمعة وأيام الأعياد، وما يترتب عليهما من الزيارة والرؤية، انتهى. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١١/١٠). (٢) ((لمعات التنقيح)) (١٢٩/٩). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٩/١٠). (٤) ((شرح النووي)) (٩/ ١٨٧). الكَوْكَبُ الدُّرِّي ١٢٦ أَدْنَاهُمْ - وَمَا فِيهِمْ مِنْ دَنِيٍّ - عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ وَالكَافُورِ، مَا يُرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَرَاسِيِّ بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله وَهَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، هَلْ تَتَمَارَوْنَ مِنْ (١) رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ لَيْلَةً البَدْرِ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: كَذَلِكَ لَا تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ رَجُلُ إِلَّا حَاضَرَهُ الله مُحَاضَرَةً، حَتَّى يَقُولَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ: يَا فُلَانُ ابْنَ قُلَانٍ أَتَذْكُرُ يَوْمَ قُلْتَ: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُذَكِّرُهُ بِبَعْضِ غَدْرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَبِسَعَةِ مَغْفِرَتِي بَلَغْتَ مَنْزِلَتَكَ قوله: (ويجلس أدناهم وما فيهم من دنِيٍّ) أي: الدنو(١) بحسب نفس الأمر وعند الله، وأما فيما بينهم فلا يعدّ أحد أحداً دنيًّا ولا أقلّ من نفسه، بل كلهم أعزة شرفاء. قوله: (هل تتمارون) من المراء بمعنى الجدال، أو المرية (٢) بمعنى الشك، أي: لا تزاحم في رؤيته حتى يمنع أحد أحداً، أو لا شك في تحققه ويقينه. قوله: (فيذكره ببعض غدراته)[٣] ليزداد في شكر نعمه، فإن هذا الإنعام مع تلك الجنايات أو جب للشکر. [١] وفي الحاشية عن الطيبي: المراد أدناهم مرتبة، وأقلهم درجة بالنسبة إلى من عداه، وليس المراد أخسهم من الدناءة بمعنى الخسة، ولدفع هذا التوهم قال: ((وما فيهم من دنيّ)). [٢] وبكلا الاحتمالين فسر الحديث أصحاب الفن، وجزم القاري بالثاني، ويؤيد الأول ما في الصحيحين وغيرهما من حديث: ((كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته))، الحديث، وسيأتي عند المصنف. [٣] قال القاري(٢): بفتح الغين المعجمة والدال المهملة جمع غدرة بالسكون بمعنى ترك الوفاء، والمراد معاصيه؛ لأنه لم يف بتركها الذي عهد الله إليه. (١) في نسخة: ((في)). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٢/١٠). ١٢٧ أبْوَابُ صِفَة الجَنّة هَذِهِ، فَبَيْنَمَا (١) هُمْ عَلَى ذَلِكَ غَشِيَتْهُمْ سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا لَمْ يَجِدُوا مِثْلَ رِيحِهِ شَيْئًا قَظُ. وَيَقُولُ رَبُّنَا: قُومُوا إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لَكُمْ مِنَ الكَرَامَةِ فَخُذُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ، فَتَأْتِي سُوقًا قَدْ حَقَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ، مَا لَمْ تَنْظُرِ العُيُونُ إِلَى مِثْلِهِ، وَلَمْ تَسْمَعِ الآذَانُ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى القُلُوبِ، فَيُحْمَلُ إِلَيْنَا مَا اشْتَهَيْنَا، لَيْسَ يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى، وَفِي ذَلِكَ السُّوقِ يَلْقَى أَهْلُ الجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَ: فَيُقْبِلُ الرَّجُلُ ذُو الْمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعَةِ فَيَلْقَى مَنْ هُوَ دُونَهُ - وَمَا فِيهِمْ دَنِيُّ - فَيَرُوعُهُ مَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ، فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حَدِيثِهِ حَتَّى يَتَخَيَّلَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أَنْ يَحْزَنَ فِيهَا، ثُمَّ نَنْصَرِفُ إِلَى مَنَازِلِنَا، فَتَتَلَقَّانَا أَزْوَاجُنَا فَيَقُلْنَ: مَرْحَبًا وَأَهْلاً، لَقَدْ جِئْتَ وَإِنَّ لَكَ مِنَ الجَمَالِ أَفْضَلَ مِمَّا فَارَقْتَنَا عَلَيْهِ، فَنَقُولُ: إِنَّ جَالَسْنَا اليَوْمَ رَبَّنَا الجَبَّارَ، وَيَحِقُّنَا أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَ)). هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. ٢٥٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَهَنَّادُ، قَالَا: نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَيهِ:((إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَسُوقًا مَا فِيهَا شِرَىِّ(٢) وَلَا بَيْعُ إِلَّ الصُّوَرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورَةً دَخَلَ فِيهَا)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ. [٢٥٥٠] حم: ١٥٦/١، تحفة: ١٠٢٩٧. (١) في نسخة: ((فبينا)). (٢) في بعض النسخ: ((شِرَاءٌ)). ١٢٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي (١٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ٢٥٥١ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا وَكِيعُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ ءَ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ قَالَ: كُنَّ جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ فَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا))، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ اُلْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. هَذَا حَدِيثُ صَحِيحُ. ١٦ - باب ما جاء في رؤية الرب(١] تبارك وتعالى قوله: (لا تضامون) بتشديد الميم وتخفيفه (٢)، أي: لا تزدحمون، أي: لا ازدحام هناك في رؤيته، أو لا تُظلمون، أي: لا يظلم أحد أحداً فيمنعه عن رؤيته تبارك وتعالى. [١] أي: في القيامة، وفيها خلاف لأهل البدع، فأثبتها أهل السنة والجماعة، وأنكرها المعتزلة والجهمية والخوارج، ومبنى الاختلاف اختلافهم في حقيقة الرؤية ما هي كما بسط في المطولات. [٢] قال القاري(١): بضم التاء وتخفيف الميم من الضيم وهو الظلم، قال الحافظ ابن حجر(٢): وهو الأكثر، وفي نسخة بفتح التاء [وتشديد الميم] من التضامن بمعنى التزاحم. [٢٥٥١] خ: ٥٥٤، م: ٦٣٣، د: ٤٧٢٩، جه: ١٧٧، ن في الكبرى: ٧٧٦١، حم: ٣٦٠/٤، تحفة: ٣٢٢٣. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢١/١٠). (٢) ((فتح الباري)) (١٣ / ٤٢٧). ١٢٩ أَبْوَابُ صِفَة الجَنّة ٢٥٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتِ البُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنِ التَّبِيِّوَ لَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ(١): إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ الله مَوْعِدًا، قَالُوا: أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ﴾(٢) قَالُوا (٣): بَلَى، فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، قَالَ: فَوَالله مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ». هَذَا حَدِيثُ إِنَّمَا أَسْنَدَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَرَفَعَهُ وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ ثَابِتِ البُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَوْلَهُ. ٢٥٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي شَبَابَةُ بْنُ سَوّارٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ تُوَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى جِنَانِهِ وَزَوْجَاتِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللّه مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً))، ثُمَّ قَرَأْ رَسُولُ الله ﴿وُجُورَةٌ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]. قوله: (غدوة وعشية) إلخ، هذه الطائفة أعلى الناس منزلة، والرؤية في أسبوع لکل مؤمن، ولعل فیما بین ذلك منازل. [٢٥٥٢] م: ١٨١، جه: ١٨٧، ن في الكبرى: ٧٧٦٦، حم: ٣٣٢/٤، تحفة: ٤٩٦٨. [٢٥٥٣] حم: ٢/ ١٣، تحفة: ٦٦٦٦. (١) في نسخة: ((منادي)). (٢) قال الطيبي (٣٥٧٥/١١): تقرير وتعجيب من أنه كيف يمكن الزيادة على ما أعطاهم الله من سعة فضله وكرمه. ((فيكشف الحجاب)» كشف الحجاب دفع للتعجب كأنه قيل لهم: هذا هو المزید. (٣) قال في ((تحفة الأحوذي)) (٢٢٦/٧): كذا في النسخ الموجودة ((قالوا)) بصيغة الجمع، والظاهر أن يكون قال بصيغة الإفراد؛ لأن الضمير يرجع إلى مناد، انتهى. قلت: يحتمل أن يرجع الضمير إلى الملائكة، كما صرح في نسخة (ب) في بين السطور. ١٣٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ ثُوَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبْجَرَ، عَنْ ثُوَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ ثُوَيْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَوْلَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، نَا عُبَيْدُ الله الأشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ ثُوَيْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ. ٢٥٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ الكُوفِيُّ، ثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوجِ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّ: «تُضَامُونَ فِي رُؤْيَّةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، تُضَامُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ؟)) قَالُوا: لَا، قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْیَتِهِ». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ، وَهَكَذَا رَوَى يَحْيَى بْنُ عِيسَى الرَّمْلِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ، وَرَوَى عَبْدُ الله بْنُ إِذْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَحَدِيثُ ابْنِ إِذْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، غَيْرُ مَحْفُوظِ، وَحَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي كر انـ أَصَُّّ، وَهَكَذَا رَوَاهُ سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَ لَّهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ(١) مِثْلُ هَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ حَدِيثُ صَحِيحُ أَيْضًا. [٢٥٥٤] خ: ٨٠٦، م: ١٨٢، د: ٤٧٣، جه: ١٧٨، ن في الكبرى: ١١٤٨٨، حم: ٣٨٩/٢، تحفة: ١٢٣٣٦. (١) في نسخة: ((من غير هذا الوجه)). ١٣١ أبْوَابُ صِفَة الجَنّة (١٧) بَابُ ٢٥٥٥ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ(١)، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسِ، عَنْ زَيْدِ ابْنِ أُسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: ((إِنَّ الله يَقُولُ لأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطْ عَلَيْكُمْ أَبَدًا)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. (١٨) بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرَائِي أَهْلِ الجَنَّةِ فِي الغُرَفِ ٢٥٥٦ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، نَا عَبْدُ الله، نَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّوَلَيهِ قَالَ: ((إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ فِي الغُرْفَةِ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الشَّرْقِيَّ أَوِ الْكَوْكَبَ قوله: (إن أهل الجنة ليتراءَون في الغرفة) أي: لا يمنعهم سقوف الغرف وسطوحها عن ترائيهم فيما بينهم، وذكر الكوكب الشرقي والغربي للبناء على ما هو العادة من ترائي الكواكب إذا كان في المشرق أو المغرب، وأما إذا صار في وسط السماء فإنهم لا يرونه قصداً إذ ذاك، وإن كان التشبيه في العلو يقتضي أن يذكر ما هو في وسط السماء، ولكن التشبيه هاهنا ليس في العلو والارتفاع، بل في البعد والترائي. [٢٥٥٥]خ: ٦٥٤٩، م: ٢٨٢٩، ن في الكبری: ٧٧٤٩، حم: ٨٨/٣، تحفة: ٤١٦٢. [٢٥٥٦] حم: ٢ /٣٣٥، تحفة: ١٤٢٤٠. (١) زاد في نسخة: ((ابن نصر)). ١٣٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي الْغَرْبِيِّ الْغَارِبَ فِي الأُفْقِ أَوِ الطَالِعَ، فِي تَفَاضُلِ الدَّرَجَاتِ))، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أُولَئِكَ التَّبِيُّونَ؟ قَالَ: ((بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَأَقْوَامُ آمَنُوا بِاللّه وَرَسُولِهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ)). هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ(١). ١٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي خُلُودٍ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ ٢٥٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ ﴿ قَالَ: ((يَجْمَعُ الله النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَطَلِعُ عَلَيْهِمْ رَبُّ العَالَمِينَ، فَيَقُولُ: أَا يَتْبَعُ كُلُّ إِنْسَانٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيُمَثَّلُ لِصَاحِبِ الصَّلِيبِ صَلِيبُهُ، وَلِصَاحِبٍ التَّصَاوِيرِ تَصَاوِيرُهُ، وَلِصَاحِبِ النَّارِ نَارُهُ، فَيَتْبَعُونَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَيَبْقَى الْمُسْلِمُونَ فَيَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ رَبُّ العَالَمِينَ، فَيَقُولُ: أَلَا تَتَّبِعُونَ النَّاسَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِالله مِنْكَ نَعُوذُ بِالله مِنْكَ، اللّه رَبُّنَا، وَهَذَا مَكَانُنَا حَتَّى نَرَى رَبَّنَا وَهُوَ يَأْمُرُهُمْ وَيُثَبِّتُهُمْ، ثُمَّ يَتَوَارَى ثُمَّ يَطَّلِعُ فَيَقُولُ: أَلَا تَتَّبِعُونَ النَّاسَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِالله مِنْكَ، نَعُوذُ بِالله مِنْكَ، الله رَبُّنَا، وَهَذَا مَكَانُنَا حَتَّى نَرَى رَبَّنَا وَهُوَ يَأْمُرُهُمْ وَيُثَّبِّتُهُمْ)). قَالُوا: وَهَلْ نَرَاهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟)) قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ الله، قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ تِلْكَ السَّاعَةَ، ثُمَّ يَتَوَارَى ثُمَّ يَطَّلِعُ فَيُعَرِّفُهُمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّبِعُونِي، [١٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي خُلُودٍ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ] [٢٥٥٧] خ: ٨٠٦، م: ١٨٢، جه: ٤٣٣٦، ن في الكبرى: ١١٤٨٨، حم: ٣٦٨/٢، تحفة: ١٤٠٥٥. (١) في نسخة: ((حسن صحيح)). ١٣٣ أبْوَابُ صِفَة الجَنّة فَيَقُومُ الْمُسْلِمُونَ وَيُوضَعُ الصِّرَاطُ، فَيَمُرُّونَ عَلَيْهِ مِثْلَ جِيَادِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَقَوْلُهُمْ عَلَيْهِ: سَلِّمْ سَلِّمْ، وَيَبْقَى أَهْلُ النَّارِ فَيُطْرَحُ مِنْهُمْ فِيهَا فَوْجٌ، فَيُقَالُ: هَلِ امْتَلَأَّتِ؟ فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، ثُمَّ يُطْرَحُ فِيهَا فَوْجُ، فَيُقَالُ: هَلِ امْتَلَأْتِ؟ فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى إِذَا أوعِبُوا فِيهَا وَضَعَ الرَّحْمَنُ قَدَمَهُ فِيهَا(١) وَأُزْوِيَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: قَظِ، قَالَتْ: قَظٍ قَظِ، فَإِذَا أَدْخَلَ الله أَهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ، أُتِيَ بِالمَوْتِ مُلَبًَّا(٢)، فَيُوقَفُ عَلَى السُّورِ الَّذِي بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَطَّلِّعُونَ خَائِفِينَ، ثُمَّيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَطَّلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ يَرْجُونَ الشَّفَاعَةَ، فَيُقَالُ لأَهْلِ الجَنَّةِ وَلِأَهْلِ النَّارِ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ: قَدْ عَرَفْنَاهُ، هُوَ الْمَوْتُ الَّذِي وُكَّلَ بِنَا، فَيُضْجَعُ فَيُذْبَحُ ذَبْحًا عَلَى السُّورِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودُ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودُ لَا مَوْتَ)). قوله: (فيطلعون خائفين) لأنهم لما كانوا دخلوها ما كانوا أعلموا بأنه لا موت، فلم یکن لهم أمن بعد. قوله: (فيذبح(١) ذبحاً على السور) إلخ، ويكون هذا بعد خروج كل مقدر الخروج من النيران وإدخاله في الجنة. [١] أشكل على الحديث بأن الموت العرض، والعرض لا ينقلب جسماً فكيف يذبح؟ فأنكرت = (١) قال في ((النهاية)) (٢٥/٤): أي: الذين قدّمهم لها من شرار خلقه، فهم قَدَمُ الله للنار، كما أن المسلمين قدمه للجنة، والقدم: كل ما قدمت من خير أو شر، وتقدمت لفلان فيه قدم: أي: تقدم في خير وشر، وقيل: وضع القدم على الشيء مثل للردع والقمع، فكأنه قال: يأتيها أمر الله فيكفها من طلب المزيد، وقيل: أراد به تسكين فورتها، كما يقال للأمر تريد إبطاله: وضعته تحت قدمي، انتهى. (٢) في ((المجمع)) (٤/ ٤٦٠): كأنه أخذ بتلابيبه، وهو استعارة. وفي ((القاموس)): (ص: ١٣٣): لَبَّهُ تَلبيباً: جَمَعَ ثِيَابَهُ عندَ نَحْرِهِ في الخُصومَةِ، ثم جَرَّهُ. ١٣٤ الكوْكَبُ الدُّرِّي هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٢٥٥٨ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، نَا أَبِي، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، يَرْفَعُهُ، قَالَ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أَتِيَ بِالمَوْتِ گَالكَبْشِ الأَمْلَحِ (١)، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُذْبَحُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، فَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ فَرَحًا لَمَاتَ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ حُزْنًا لَمَاتَ أَهْلُ النَّارِ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ. رِوَايَاتُ كَثِيرَةُ مِثْلُ هَذَا مَا يُذْكَرُ فِيهِ أُمْرُ الرُّؤْيَةِ كا الله وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وشكل أَنَّ النَّاسَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ، وَذِكْرُ القَدَمِ وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الأَشْيَاءَ. وَالمَذْهَبُ فِي هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الأَئِمَّةِ مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ ابْنِ أَنَسِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ رَوَوْا هَذِهِ الأَشْيَاءَ، وَقَالُوا: تُرْوَى هَذِهِ الأَحَادِيثُ وَنُؤْمِنُ بِهَا، وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ؟ وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ الحَدِيثِ أَنْ يَرْوُوا هَذِهِ الأَشْيَاءَ كَمَا جَاءَتْ وَيُؤْمَنُ بِهَا، وَلَا تُفَسَّرُ وَلَا تُتَوَهَّمُ، وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ، وَهَذَا أَمْرُ أَهْلِ العِلْمِ الَّذِي اخْتَارُوهُ وَذَهَبُوا إِلَيْهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الحَدِيثِ: فَيُعَرِّفُهُمْ نَفْسَهُ: يَعْنِي يَتَجَلَّى لَهُمْ. قوله: (فلو أن أحداً مات فرحاً) إلخ، بيان لغايتي الفرح والحزن، إلا أنه لا موت ثمة. = طائفة صحة هذا الحديث ودفعته، وتأوله آخرون بوجوه بسطها الحافظ في ((الفتح))(٢)، وأنت = [٢٥٥٨] تحفة: ٤٢٣٠. (١) الأملح: الذي بياضه أكثر من سواده. وقيل: هو النقي البياض. ((النهاية)) (٣٥٤/٤). (٢) ((فتح الباري)) (١١ / ٤٢١). ١٣٥ أبْوَابُ صِفَة الجَنّة. (٢٠) بَابُ مَا جَاءَ حُقَّتِ الجَنَّهُ بِالمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ٢٥٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، أَنَا حَمَّادُ ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، وَثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَ لَه قَالَ: ((حُقَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ))(١). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ صَحِيحُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. ٢٥٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، نَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ لّ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللهِ الجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرَئِلَ إِلَى الجَنَّةِ فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، قَالَ: فَجَاءَهَا فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللهِ لأَهْلِهَا فِيهَا، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِ، قَالَ: خبير بأن لا حاجة إلى التوجيه بعد ثبوتها في روايات عديدة، وإن لم نعرف كيفيتها، على = أنه عز اسمه قادر على تحويل الأعراض إلى الأجسام، وقد ثبت بروايات كثيرة أن الأعمال تمثل في صور تناسبها. ويشكل على أحاديث وضع القدم وامتلاء جهنم منه ما في الآيات من امتلائها بإبليس ومن تبعه، ويمكن الجواب عنه بوجوه تعرف من المراد بالقدم كما بسطها أصحاب المطولات من أن المراد بها الأمكنة، أو مخلوق خاص، أو أحجار تلقى فيها، وغير ذلك، وهذا كله على رأي الجمهور من أن قول جهنم: هل من مزيد سؤال، وقيل: هو استفهام إنكار، أي: لا محل للمزید، فلا إشكال. = [٢٥٥٩]م: ٢٨٢٢، حم: ٢٥٤/٣، تحفة: ٣٢٩. [٢٥٦٠]خ: ٦٤٨٧، م: ٢٨٢٣، د: ٤٧٤٤، ن: ٣٧٦٣، حم: ٣٣٢/٢. (١) أي: لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكاره، وهي الاجتهاد في العبادات، ولا ينال إلى النار إلا بارتكاب الشهوات المحرمة. ((مجمع بحار الأنوار)) (١/ ٥٤٠). ١٣٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي فَوَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدَّ إِلَّ دَخَلَهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالمَكَارِهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَانْظُرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لأَهْلِهَا فِيهَا، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: فَوَعِزَّتِكَ (١) لَقَدْ خِفْتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدُّ، قَالَ: اذْهَبْ إِلَى النَّارِ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لأَهْلِهَا فِيهَا، فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: فَوَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أُحَدُّ فَيَدْخُلَهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَ: فَوَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدُ إِلَّا دَخَلَهَا)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. = وقال الرازي(٢): قوله: «هل من مزید» فيه و جهان: أحدهما: أنه لاستكثارها الداخلین، كما أن من يضرب عبده ضرباً مبرّحاً أو يشتمه شتماً قبيحاً فاحشاً يقول المضروب: هل بقي شيء آخر؟ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ [الأعراف: ١٨] لأن الامتلاء لا بد من أن يحصل، فلا يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد، والثاني: أنها تطلب الزيادة، وحينئذ لو قال قائل: فكيف يفهم مع هذا معنى قوله تعالى: ﴿لَأَمْلأَنَّ﴾؟ نقول: الجواب عنه من وجوه: أحدها: أن هذا الكلام ربما يقع قبل إدخال الكل، وفيه لطيفة، وهي أن جهنم تتغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المؤمنين، فتطلب جهنم امتلاءها لظنها بقاء أحد من الكفار خارجاً، فيدخل العاصي من المؤمنين، فيبرّد إيمانه حرارتها، ويسكّن إيقانه غيظها فتسكن، وعلى هذا يحمل ما ورد في بعض الأخبار أن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار قدمه، والمؤمن جبار متكبر على ما سوى الله تعالى ذليل متواضع لله. الثاني: أن تكون جهنم تطلب أولاً سعة في نفسها، ثم مزيداً في الداخلين لظنها بقاء أحد من الكفار. الثالث: أن الملء له درجات، فإن الكيل إذا ملئ من غير كبس صح أن يقال: ملئ وامتلأ، فإذا = (١) في نسخة: ((وعزتك)) وكذا فيما بعد. (٢) ((تفسير الرازي)) (٢٨/ ١٤٣). ١٣٧ أبْوَابٌ صِفَة الجَنّة (٢١) بَابُ مَا جَاءَ فِي احْتِجَاجِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ ٢٥٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَ له: «احْتَجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ الجَنَّةُ: يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالمَسَاكِينُ، وَقَالَتِ النَّارُ: يَدْخُلُنِى الجَبَّارُونَ وَالمُتَكَبِّرُونَ، فَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أَنْتَقِمُ بِكِ مِمَّنْ شِئْتُ، وَقَالَ ◌ِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ شِئْتُ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. [٢١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي احْتِجَاجِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ] قوله: (احتجت الجنة والنار)(١) إلخ، أي: بين كل منهما أن لي فضلاً عليك وعظمةً منك، فقالت الجنة: إن الضعفاء يكبرون[١] بالدخول فيّ، فكنت مسلمة الكبر، وقالت النار: إني كبرى، إني آخذ الكبراء وأذلهم، فكنت كبيرة، فقضى الله بينهما أن لكل منكما فضيلة [٢] جزئية. = كبس يسع، ولا ينافي كونه ملآن أولًا، فكذلك في جنهم ملأها الله، ثم تطلب زيادة تضييقاً للمکان علیهم وزيادة في التعذیب، انتھی. [١] يعني يصيرون كبراء عظماء بسبب الدخول فيّ، فكأني أسلم إليهم الكبر والعظمة والشرافة بعد أن كانوا سقطهم وأرذالهم في أعينهم، انتهى. [٢] باعتبار كونهما مظهرين للجمال والجلال والرحمة والقهر، وهما من صفاته عز اسمه، ففي كل منهما تظهر صفة خاصة من صفاته لا تظهر في الأخرى، انتهى. [٢٥٦١] خ: ٤٨٥٠، م: ٢٨٤٦، ن في الكبرى: ١١٥٢٢، حم: ٣١٤/٢، تحفة: ١٥٠٦٣. (١) قال الطيبي (٣٥٩٦/١١): وهذه المحاجة جارية على التحقيق، فإنه تعالى قادر على أن يجعل كل واحدة منهما ممیزة مخاطبة، أو على التمثيل، انتهى. ١٣٨ الكَوَكَبُ الدُّرِّي (٢٢) بَابُ مَا جَاءَ مَا لَأَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مِنَ الكَرَامَةِ ٢٥٦٢ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، نَا ابْنُ الْمُبارَكِ، نَا رِشْدِینُ بْنُ سَعْدٍ، ثَنِي عَمْرُوبْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: «أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ(١) الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً، وَتُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ(٢) وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ كَمَا بَيْنَ الجَابِيَةِ إِلَى صَنْعَاءَ)). وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ لَقَالَ: ((مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ يُرَدُّونَ بَنِي ثَلاثِينَ فِي الجَنَّةِ لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ)). وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ وَلَّهِ قَالَ: ((إِنَّ عَلَيْهِمُ التِّيجَانَ، إِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَّةٍ مِنْهَا لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ))[*]. هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. ٢٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، ثَنِي أَبِی، عَنْ عَامِرٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَيهِ: ((الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الوَلَدَ فِي الجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَھِي)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ. [٢٥٦٢] حم: ٧٥/٣، تحفة: ٤٠٥٩. [*] حم: ٧٥/٣. [٢٥٦٣] جه: ٤٣٣٨، حم: ٩/٣، تحفة: ٣٩٧٧. (١) زاد في نسخة: ((منزلة)). (٢) قال الطيبي (١١ /٣٥٧١): قال القاضي: يريد أن القبة معمولة منها أو مكللة بها، وأن فسحتها وبُعد ما بين طرفيها كما بين الموضعين وهما: جابية الشام وصنعاء اليمن، انتهى. ١٣٩ أَبْوَابُ صِفَة الجَنّة وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي هَذَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي الجَنَّةِ جِمَاعٌ وَلَا يَكُونُ وَلَدُ، هَكَذَا يُرْوَى عَنْ طَاوُوسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ مُحَمَّدُّ: قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ◌َ: ((إِذَا اشْتَهَى الْمُؤْمِنُ الوَلَدَ فِي الجَنَّةِ كَانَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَشْتَهِي)): وَلَكِنْ لَا يَشْتَهِي. قَالَ مُحَمَّدُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي رَزِينِ العُقَيْلِيِّ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ:(إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا وَلَدُ)). وَأَبُو الصِّدِّيقِ النَّاجِيُّ اسْمُهُ: بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو، وَيُقَالُ: بَكْرُ بْنُ قَيٍْ. (٢٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي كَلَامِ الحُورِ العِينِ ٢٥٦٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ، قَالَا: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لهِ: ((إِنَّ فِى الجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ العِينِ يَرْفَعْنَ بِأَصْوَاتٍ لَمْ يَسْمَعِ الخَلَائِقُ مِثْلَهَا، يَقُلْنَ: نَحْنُ الخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأْسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَط، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ)). وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَفَسِ. حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثُ غَرِيبُ(١). [٢٥٦٤] تقدم تخريجه فى ٢٥٥٠. (١) زاد في بعض النسخ: ٢٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] قَالَ: السَّمَّاعُ، وَمَعْنَى السَّمَّاعِ مِثْلَ مَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ الحُورَ العِينَ يُرَفِّعْنَ بِأَصْوَاتِهِنَّ. ١٤٠ الكَوَكَبُ الدُّرِّي (٢٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَنْهَارِ الجَنَّةِ ٢٥٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا الجُرَيْرِيُّ، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ قَالَ: ((إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَحْرَ الْمَاءِ وَبَحْرَ العَسَلِ وَبَحْرَ اللَّبَنِ وَبَحْرَ الخَمْرِ، ثُمَّ تُشَقَّقُ الأَنْهَارُ بَعْدُ))(١). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَحَكِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ هُوَ وَالِدُ بَهْزِ. ٢٥٦٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ سَأَلَ اللهُ الجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ الجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ». هَكَذَا رَوَى يُونُسُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، هَذَا الحَدِيثَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْبَمَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ رَلَ نَحْوَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَوْلَهُ. ٢٥٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي اليَقْظَانِ، عَنْ [٢٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَنْهَارِ الجَنَّةِ] [٢٥٦٦] حم: ٥/٥، تحفة: ١١٣٩٤. [٢٥٦٧] ن: ٥٥٢١، جه: ٤٣٤٠، حم: ١١٧/٣، تحفة: ٢٤٣. [٢٥٦٨] حم: ٢٦/٢، تحفة: ٦٧١٨. (١) أي: تشقق من الأبحر الأربعة بعد دخول أهل الجنة الجنة أنهار فيجري إلی مکان کل واحد منهم نهر. ((لمعات التنقيح)) (١٣٣/٩).