Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ أَبْوَابٌ صِفَة القِيَامَة وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ: حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ وَلَّ هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ بِلَالُ، إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلَالٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُهُ تَحْتَ إِبْطِهِ. ٢٤٧٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، ثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ القُرَظِيِّ قَالَ: ثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: خَرَجْتُ فِي يَوْمِ شَاتٍ (١) مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ لَ ◌ّهِ وَقَدْ أَخَذْتُ إِهَابًا مَعْطُونًا(٢)، فَجَوَّبْتُ(٣) وَسَطَهُ فَأَدْخَلْتُهُ عُنُقِي، وَشَدَدْتُ وَسَطِي فَحَزَمْتُهُ بِخُوصِ النَّخْلِ، وَإِنِّي لَشَدِيدُ الجُوعِ، وَلَوْ كَانَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِوَ لَهَ طَعَامُ لَطَعِمْتُ مِنْهُ، فَخَرَجْتُ أَلْتَمِسُ شَيْئًا فَمَرَرْتُ بِيَهُودِيٍّ فِي مَالٍ لَهُ وَهُوَ يَسْقِي قوله: (ومعنى هذا الحديث) إلخ، هذا غير [١] صحيح فإن بلالاً لم يك معه إذ ذاك، والحق أنه لا یعین متی هو. [١] المعروف أن خروجه والي من مكة هارباً مرتين: الأولى حين خرج إلى الطائف، والثانية حين خرج مهاجراً إلى المدينة، وبكليهما لا يصح تفسير حديث الباب، وعليهما توجه إنكار الشيخ، أما خروج الهجرة فظاهر ومعلوم أن بلالا لم يكن معه بكثير، وأما خروج الطائف فالمعروف أنه كان معه مَ لّ زيد بن حارثة، لكن قال القاري(٤): ((ومعه بلال)) لا ينافي كون زيد بن حارثة معه أيضاً، مع احتمال تعدد خروجه ◌َ له، لكن أفاد بقوله: ((معه بلال)) أنه لم يكن هذا الخروج في الهجرة إلى المدینة لأنه لم یکن معه بلال حينئذ، انتهى. [٢٤٧٣] تحفة: ١٠٣٣٨. (١) في نسخة: ((شاتي)). (٢) المعطون: المنتن المُنْمَرِقُ الشَّعْرِ. يقال عطن الجلد فهو عطن ومعطون: إذا مرّق شعره وأنتن في الدباغ. ((النهاية)) (٢٥٩/٣). (٣) الجَوْبُ: الخَرْقُ، والقَطْعُ، ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٠). (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٩/ ٤٤٠). ٦٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي بِبَكَرَةٍ(١) لَهُ فَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ ثُلْمَةٍ فِى الحَائِطِ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَعْرَابِىُّ؟ هَلْ لَكَ فِي دَلْوٍ بِتَمْرَةِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَافْتَحِ البَابَ حَتَّى أَدْخُلَ، فَفَتَحَ فَدَخَلْتُ فَأَعْطَانِي دَلْوَهُ، فَكُلَّمَا نَزَعْتُ دَلْوًّا أَعْطَانِي ثَمْرَةً، حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ كَفِّي أَرْسَلْتُ دَلْوَهُ وَقُلْتُ: حَسْبِي فَأَكَلْتُهَا، ثُمَّ جَرَعْتُ مِنَ الْمَاءِ فَشَرِبْتُ، ثُمَّ جِئْتُ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللّه ◌َچآ فِیهِ. هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ. ٢٤٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، نَامُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبَّاسِ الجُرَيْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ جُوعٌ فَأَعْطَاهُمْ رَسُولُ اللهِوَ لَّهِ تَمْرَةً تَمْرَةً. هَذَا حَدِيثُ صَحِيحُ(٢). ٢٤٧٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أُبِیهِ عَنْ وَهْبٍ ابْنِ كَيْسَانَ(٣)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ،وَ لَّهِ وَنَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ [٢٤٧٤] خ: ٥٤١١، ن في الكبرى: ٤١٥٧، جه: ٤١٥٧، حم: ٢٩٨/٢، تحفة: ١٣٦١٧. [٢٤٧٥] خ: ٣٤٨٣، م: ١٩٣٥، ن: ٤٣٥١، جه: ٤١٥٩، حم: ٣٠٦/٣، تحفة: ٣١٢٥. (١) خشبة مستديرة في وسطها مَحَزّ يستقى عليها، ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٥٣). (٢) في نسخة: ((حسن صحيح)). (٣) قوله: ((عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ)) قال المزي في ((تحفة الأشراف» (٣١٢٥): وهو وهم. وفي عدَّة من الأصول العتيقة: عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، لیس فیه (عن أبيه))، وهو الصواب كما في رواية الباقين. ٦٣ أَبْوَابٌ صِفَة القِيَامَة نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا، فَفَنِيَ زَادُنَا حَتَّى كَانَتْ تَكُونُ(١) لِلرَّجُلِ مِنَّا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، وَأَيْنَ كَانَتْ تَقَعُ التَّمْرَةُ مِنَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَقَدْنَاهَا، فَأَتَيْنَا البَحْرَ فَإِذَا نَحْنُ بِحُوتٍ قَدْ قَذَفَهُ البَحْرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَا أَحْبَبْنَا. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ. قوله: (قد قذفه البحر) استدل بذلك مجوز السمك الطافي (١]، وهذا غير صحيح، فإن بين الطافي والمقذوف تفاوتاً، فإن الطافي مع ما ورد من استثنائه في الحدیث يموت لسمية فيه ومرض، بخلاف المقذوف فإن موته لعدم وجدانه الماء [١] وتوضيح ذلك أنهم بعد ما اتفقوا على إباحة السمك اختلفوا في إباحة الطافي، قال الشيخ في ((البذل))(٢): هو الذي يموت في البحر، ويعلو فوق الماء ولا يرسب فيه، فعند الحنفية يكره أكله، وقال مالك والشافعي وأحمد والظاهرية: لا بأس به، انتهى. ومن مستدلات الآخرين حديث الباب، واستدل الأول بما أخرجه أبو داود بسنده عن جابر مرفوعاً: ((ما ألقى البحر أو جزر عنه فکلوه، وما مات فیه وطفا فلا تأکلوہ)، انتهى. فهذا نص في التفريق بين المقذوف والطافي، وإليه أشار الشيخ في قوله: مع ما ورد من استثنائه، وما أوردوا على حديث جابر أجاب عنه الشيخ في ((البذل))، وفي ((المشكاة))(٣). رواه أبو داود وابن ماجه، وقال محيي السنة: الأكثرون على أنه موقوف، قال القاري (٤). لا يضر، فإن مثل هذا الموقوف في حكم المرفوع كما هو المعروف، انتهى. وفى ((الهداية)) (٥) عن جماعة من الصحابة مثل مذهبنا، وذكر الآثار ابن أبي شيبة. (١) في نسخة: ((کان یکون)». (٢) ((بذل المجهود)) (٥٤٠/١١-٥٤١). (٣) ((مشكاة المصابيح)) (٤١٣٣). (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٥٨/٨). (٥) ((الهداية)) (٤/ ٣٥٣). ٦٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٢٤٧٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، ثَنِي(١) يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ القُرَظِيِّ، ثَنِي(٢) مَنْ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: إِنَّا لَجُلُوسُ مَعَ رَسُولِ اللهِلَ هُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ ابْنُ عُمَيْرٍ، مَا عَلَيْهِ إِلَّا بُرْدَةً لَهُ مَرْفُوعَةُ بِفَرْوٍ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِلَّهِ بَكَى لِلَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالَّذِي هُوَ اليَوْمَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِلَ ◌ّهِ: («كَيْفَ لا غير، وقد أحلّ لنا ميتته، وأيضاً ففي الحديث جواز السمك الكبير كما ذهب إليه الشيخان، وقال(١) محمد رحمه الله تعالى بكراهة ما يمكن أن يأكل إنساناً لكبره، ولا يمكن أن يعتذر من جانبه أن أكله كان للضرورة، فإن الأمر لو كان منوطاً بالضرورة لما وسعهم الشبع، وقد ثبت أيضاً أن النبي ◌َّ طلب بقيته منهم، ولو كان أكله للضرورة لما فعل. قوله: (بكى للذي كان فيه من النعمة)[٢] وإنما كان ذلك رأفة [١] لم أجد هذا الاختلاف في الفروع المتداولة المشتهرة فليفتش، وإنما ذكروا خلاف محمد في الجريث والمارماهي، ففي ((الدرر)): ومن السمك المأكول الجريث والمارماهي، خصهما بالذكر إشارة إلى ضعف ما نقل في ((المغرب))(٣) عن محمد أن جميع السمك حلال غيرهما، وقريب منه ما في ((الدر المختار)) (٤) إذ قال: أفردهما بالذكر للخفاء وخلاف محمد. [٢] فقد قال الحافظ في ((الإصابة))(٥): كان أنعم غلام بمكة وأجوده حلة مع أبويه، وفي الحاشية : = [٢٤٧٦] ع: ٥٠٢، تحفة: ١٠٣٣٩. (١) في نسخة: ((قَالَ: ثَنِي)». (٢) في نسخة: ((قَالَ: ثَنِي)). (٣) ((المغرب في ترتيب المعرب)) (ص: ٧٩). (٤) ((الدر المختار)) (٦/ ٣٠٧). (٥) ((الإصابة)) (٩٨/٦). ٦٥ أَبْوَابُ صِفَة القِيَامَة بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ وَرَاحَ فِي حُلَّةٍ، وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةُ وَرُفِعَتْ أُخْرَى، وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الكَعْبَةُ؟))، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله نَحْنُ لله يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا اليَوْمَ، نَتَفَرَّخُ لِلْعِبَادَةِ وَنُكْفَى الْمُؤْنَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ((لَا، أَنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ. به[١] وشفقة عليه، لا رغبة في الغنى عن الفقر، ويدل على ذلك الفقرة الآتية، فإنه فضل بها فقرهم هذا على الغنى. قوله: (وضعت بين يديه صحفة ورفعت أخرى) وكانوا لا يأكلون مثلنا بجمع ألوان الأطعمة بأسرها على السفرة مرة واحدة، بل قامت لغلمة (٢) بكل صحفة وضع الغلام صحفة أخرى فيها طعام آخر وهكذا. = كان أبوه ذا ثروة يعطي ابنه من كل شيء عنده من الثياب الفاخرة، وكان كافراً، فلما أسلم مصعب أمسك عطاءه عنه، وقال القاري(١): كان في الجاهلية من أنعم الناس عيشاً وألينهم لباساً، فلما أسلم زهد في الدنيا، وفيه نزل ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣]، انتهى. [١] هذا هو الأوجه، بل هو المتعين لظاهر السياق، ومال القاري إلى أن بكاءه محل﴾ كان للفرح في أنه وجد في أمته من اختار الزهد في الدنيا والإقبال على العقبى. [٢] هكذا في المنقول عنه، والظاهر أنه وقع فيه تحريف وحذف، والحاصل أن الغلمة يأتون بالصحف نوباً، كلما رفعت صحفة وضعت الأخرى بطعام غير الأول، كما هو معتاد المتنعمين في زماننا، ثم ما أفاده الشيخ من أنهم لا يأكلون مثلنا بجمع الألوان محتمل، لكن الظاهر أن تناوب الصحف أيضاً إخبار بما سيقع في المكثرين أموالاً من الأروام والأعجام فتأمل. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٥٤٨/٩). ٦٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ هذا هُوَ مَدِينِيٌّ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادِ الدِّمَشْقِيُّ الَّذِي رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ رَوَى عَنْهُ وَكِيعُ وَمَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ كُوفِيُّ، رَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِنَّةِ. ٢٤٧٧ - حَدَّثَنَا هَنَّدُ، نَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنِي عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، نَا مُجَاهِدُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافَ أَهْلِ الإِسْلَامِ لَا يَأْؤُونَ عَلَى أَهْلٍ وَلَّا مَالٍ، وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الجُوعِ، وَأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَظْنِي مِنَ الجُوعِ، وَلَقَدْ فَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَمَرَّبِي أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّ لِيَسْتَتْبِعَنِي، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللّه مَا قوله: (إن كنت لأعتمد بكبدي) إلخ، هذا إذا(١) اضطجع، (وأشد الحجر) إلخ، هذا إذا أراد القيام. قوله: (ما سألته إلا ليستتبعني) لأنه لا يقوم(٢) فيكلم بل يقول لي: الحق [١] فيكون الاعتماد بالكبد، والشد بالحجر بيان الحالتين، وإليه أشار الحافظ (١) بقوله: أي: ألصق بطني بالأرض، وكأنه كان يستفيد بذلك ما يستفيده من شد الحجر على بطنه، ثم قال: أو هو كناية عن سقوطه إلى الأرض مغشيًّا عليه، كما وقع في رواية أبي حازم بلفظ: فلقيت عمر بن الخطاب فاستقرأته آية، فذكره، قال: فمشيت غير بعيد فخررت على وجهي من الجهد والجوع، انتھی. [٢] هذا توضيح لما ظنه أبو هريرة لكيفية الاستتباع، يعني ظننت أنه لا يجيبني قائماً بل يقول لي: تعال حتى أجيبك، كما هو المعتاد في أمثال هذه المواضع. [٢٤٧٧] خ: ٥٣٧٥، ن في الكبرى: ١١٨٠٨، حم: ٥١٥/٣، تحفة: ١٤٣٤٤. (١) ((فتح الباري)) (٢٨٤/١١). ٦٧ أبْوَابُ صِفَة القِيَامَة سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيَسْتَتْبِعَنِي، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ أَبُو القَاسِمِوَلَهُ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَقَالَ: ((أَبُو هُرَيْرَةَ)) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((الحَقْ))، وَمَضَى فَاتَّبَعْتُهُ وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَاسْتَأْذَنْتُ فَأَذِنَ لِي، فَوَجَدَ قَدَحًا مِنَ اللَّبَنِ قَالَ: ((مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ لَكُمْ؟)) قِيلَ: أَهْدَاهُ لَنَا فُلَانُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَهَ: «أَبَا هُرَيْرَةَ)) قُلْتُ: حتى أكلمك، فلما وصلت إلى بيته وقد حان الطعام لا يتركني إلا وأن آكل، ولا يبعد أن يكون معنى الآية يشير إلى فضل الإنفاق وغيره، فكان المراد أني إذا سألته عنها لا يكاد يخطئ ذهنه الثاقب مفهومها فيعمل بمقتضاها، ويأخذني معه لكن هذا التوجيه موقوف (١) على علم الآية بخلاف الأول. قوله: (أبو هريرة) إلخ، لعل الصواب هاهنا أبا هريرة،(٢) وإنما وقع هاهنا مرفوعاً بتصرف الرواة والنساخ، وإلا لم يصح جواب أبي هريرة رضي الله عنه بقوله: لبيك. قوله: (من أين هذا اللبن لكم؟) وإنما كان(٣) يسأل ليعلم هل هو هدية [١] وسكت عنها شراح البخاري غير أن الحافظ(١) حكى عن ((الحلية)) أن الآية كانت من سورة آل عمران. [٢] ولفظ البخاري: يا أبا هر قلت: لبيك، قال الحافظ(٢): وفي رواية: أبو هر، وفي أخرى: أبا هر، فأما النصب فواضح، وأما الرفع فهو على لغة من لا يعرب لفظ الكنية، أو هو للاستفهام، أي: أنت أبو هر، انتهى. قلت: وعلى الأخير لا يصح جواب لبيك، بل كان حق الجواب نعم، كما لا يخفى، وإليه أشار الشیخ في کلامه. [٣] ويؤيد ذلك ما في هبة البخاري (٣) من حديث أبي هريرة: كان النبي ◌َ لل إذا أتي بطعام سأل = (١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٢٠/٩). (٢) ((فتح الباري)) (١١/ ٢٨٥). (٣) ((صحيح البخاري)) (٢٥٧٦). ٦٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ◌َبَّيْكَ، قَالَ: ((الحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ))، وَهُمْ أَضْيَافُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا يَأْوُونَ عَلَى أَهْلِ وَمَالٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَّهُ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةُ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ وَقُلْتُ: مَا هَذَا القَدَحُ بَيْنَ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَأَنَا رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ فَسَيَأْمُرُنِي أَنْ أُدِيرَهُ عَلَيْهِمْ فَمَا عَسَى أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ، وَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أُصِيبَ مِنْهُ مَا يُغْنِينِي، وَلَمْ يَكُ بُدُّ مِنْ طَاعَةِ الله وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ قَالَ: (أَبَا هُرَيْرَةَ، خُذِ القَدَحَ وَأَعْطِهِمْ))، فَأَخَذْتُ القَدَحَ فَجَعَلْتُ أَنَاوِلُهُ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّهُ فَأَنَاوِلُهُ الآخَرَ حَتَّى انْتَهَيْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ بَلْهِ، وَقَدْ رَوِي القَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَ لَّ القَدَحَ فَوَضَعَهُ أم صدقة؟ فقد كان يؤتى في بيته وَّيه بالصدقات لما أنها كانت تحل للأزواج (١] المطهرات ولمواليها. = عنه، فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: ((كلوا)) ولم يأكل، وإن قيل: هدية ضرب بيده فأكل معهم، ويحتمل أن يكون السؤال لمعرفة المهدي ليثيبه مَ له، فكان من دأبه مَّيّة إثابة الهدية، ولغير ذلك من المنافع المترتبة على معرفة المهدي كما لا يخفى. [١] كما تقدم في هامش أبواب الزكاة عن حاشية الزيلعي، وترجم البخاري في (صحيحه)) ((باب الصدقة على موالي أزواج النبي ◌ِّية))، قال الحافظ(١): لم يترجم لأزواج النبي ◌َّ ولا لموالي النبي ◌ُّ، لأنه لم يثبت عنده فيه شيء، وقد نقل ابن بطال أنهن أي: الأزواج لا يدخلن في ذلك باتفاق الفقهاء، وفيه نظر، فقد ذكر ابن قدامة أن الخلال أخرج عن عائشة قالت: إنّا آل محمد لا تحلّ لنا الصدقة، قال: وهذا يدل على تحريمها، قال الحافظ: إسناده إلى عائشة حسن، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال، وقال ابن المنير: إنما أورد البخاري هذه الترجمة ليحقق أن الأزواج لا يدخل مواليهن في الخلاف، ولا يحرم عليهن الصدقة قولاً واحداً، لئلا يظن الظان أنه لما قال بعض الناس بدخول الأزواج في الآل أنه يطرد في مواليهن فبين أنه لا يطرد، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (٣٥٦/٣). ٦٩ أبْوَابُ صِفَة القِيَامَة عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: ((أَبَا هُرَيْرَةَ اشْرَبْ))، فَشَرِبْتُ ثُمَّ قَالَ: (اشْرَبْ)) فَلَمْ أُزَلْ أُشْرَبُ، وَيَقُولُ: ((اشْرَبْ)) ثُمَّ قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَّكَ بِالحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا، فَأَخَذَ القَدَحَ فَحَمِدَ الله وَسَمَّى وَشَرِبَ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ(١). ٢٤٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ الرَّازِيُّ، نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله القُرَشِيُّ، ثَنِي يَحْيَى البَكَّاءُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَجَشَّأَ(٢) رَجُلُ عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَالَ: ((كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَظْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ القِيَامَةِ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةً. قوله: (ثم رفع رأسه فتبسم) ولعله مَّة اطلع (١) على ما خطر بباله. [١] قال الحافظ (٣): كأنه ◌َ ﴾ كان تفرس في أبي هريرة ما كان وقع توهمه أن لا يفضل له من اللبن شيء، فلذلك تبسم إليه إشارة إلى أنه لم يفته شيء، انتهى. [٢٤٧٨] جه: ٣٣٥٠، تحفة: ٨٥٦٣. (١) في نسخة: ((حسن صحيح)). (٢) بتشديد الشين المعجمة بعدها همزة، أي: يخرج الجشاء من صدره، وهو صوت مع ريح يخرج منه عند الشبع، وقيل: عند امتلاء المعدة، وقيل: الرجل وهب بن عبد الله، وهو معدود في صغار الصحابة، وكان في زمانه عليه الصلاة والسلام لم يبلغ الحلم، روي أنه لم يملأ بطنَه بعد ذلك. ((مرقاة المفاتيح)» (٣٢٥٢/٨). (٣) ((فتح الباري)) (٢٨٨/١١). ٧٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٢٤٧٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَيِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: يَا بُنَيَّ لَوْ رَأَيْتَنَا وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ نَّهَ وَأَصَابَتْنَا السَّمَاءُ لَحَسِبْتَ أنَّ رِيحَنَا رِيحُ الضَّأَنِ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ ثِيَابَهُمُ الصُّوفُ، فَكَانَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْمَطَرُ يَجِيءُ مِنْ ثِيَابِهِمْ رِيحُ الضَّأْنِ. ٢٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ الدُّورِيُّ، نَا عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، نَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي مَرْحُومٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ الجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((مَنْ تَرَّكَ اللَّبَاسَ تَوَاضُعًا لله وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ دَعَاهُ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الإِيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا)). ٢٤٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ الرَّازِيُّ، نَا زَافِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ شَبِيبٍ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَ («النَّفَقَةُ كُلُّهَا فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّ البِنَاءَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ)). قوله: (من أيِّ حلل الإيمان شاء) أي: من حلل نوع هذا الرجل، فيخير بين حلل الذين هم في منزلته عند الله بحسب أعمالهم. [٢٤٧٩] د: ٤٠٣٣، جه: ٣٥٦٢، حم: ٤ / ٤٠٧، تحفة: ٩١٢٦. [٢٤٨٠] حم: ٤٣٨/٣، تحفة: ١١٣٠٢. [٢٤٨١] هب: ١٠٢٣٠، تحفة: ٩٠١. ٧١ أبْوَابُ صِفَة القِيَامَة هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ (١). هَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ: شَبِيبُ بْنُ بَشِيرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ. ٢٤٨٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا شَرِيكُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ ابْنِ مُضَرَّبٍ قَالَ: أَتَيْنَا خَبَّابًا نَعُودُهُ وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ، فَقَالَ: لَقَدْ تَطَاوَلَ مَرَضِي، وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: (لَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ))، لَتَمَنَّيْتُ، وَقَالَ: ((يُؤْجَرُ الرَّجُلُ فِي نَفَقَتِهِ إِلَّ التُّرَابَ أَوْ قَالَ: فِى الْتُّرَابِ)) (٢). هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ. قوله: (إلا التراب) وكان خباب(١) ذا مال(٢)، فلما رأى أن عامة المسلمين قد تمولوا بكثرة الفتوح، وليس لأحد منهم كثير احتياج إلى الأموال صرفه في [١] بتشديد الموحدة الأولى ابن الأرت بتشديد المثناة الفوقية تميمي، سبي في الجاهلية وبيع بمكة، وأسلم في سنة ٦ نبوية، وهو أول من أظهر إسلامه فعذب عذاباً شديداً لذلك، وشهد بدراً والمشاهد كلها، ومات سنة ٣٧هـ منصرف علي من صفين، كذا في ((المرقاة))(٣)، وصلی علیه علي، كذا في ((الإصابة»(٤). [٢] كما يدل عليه ما في رواية ((المشكاة))(٥) من الزيادة في هذا الحديث بلفظ: ولقد رأيتني مع رسول الله بل# ما أملك درهما، وإن في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم، الحديث. [٢٤٨٢] تقدم تخريجه فى ٩٧٠. (١) في ((تحفة الأشراف)) (٩٠١): ((حسن غريب)». (٢) في بعض النسخ: ((في البناء)). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ٧٢). (٤) ((الإصابة)) (٢٢١/٢). (٥) ((مشكاة المصابيح)) (١٦١٥). ٧٢ الكَوَكَبُ الدُّرِّي ٢٤٨٣ - حَدَّثَنَا الجَارُودُ، نَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أبِي حَمْزَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كُلُّ بِنَاءٍ وَبَالُّ عَلَيْكَ، قُلْتُ: أَرَّأَيْتَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا أَجْرَ وَلَا وِزْرَ. ٢٤٨٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ(١)، نَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، نَا خَالِدُ بْنُ طَهْمَانَ أَبُو العَلَاءِ، ثَنِي حُصَيْنٌ قَالَ: جَاءَ سَائِلُ فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ لِلسَّائِلِ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ الله؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَتَصُومُ رَمَضَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَأَلْتَ وَلِلسَّائِلِ حَقّ، إِنَّهُ لَحَقُّ البناء[١] ودفع ما كان يتوهم من كونه فعل الصحابي أنه أمر مرغوب فيه. قوله: (أرأيت ما لا بد منه؟ قال: لا أجر ولا وزر) إذا لم ينو به خيراً(٢). قوله: (وتصوم رمضان؟ قال: نعم) وإنما لم يسأل عن الصلاة لأن عامتهم إذا شهد بالرسالة كان يصلي. قوله: (وللسائل حق) أي: إن كان محتاجاً، ثم تفتيشه هذا كان ليعلم إسلامه وتقواه، فيكون إنفاقه عليه موجباً لمزيد الأجر، وإن كان الإنفاق على كل محتاج مندوباً. [١] وهو مختار المحشي إذ قال: لعله بنى مكاناً لأنه كان غنيًّا، انتهى. قلت: ولفظ أحمد في ((مسنده) (٢): قال: لولا أن رسول الله وَلّل نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به فقد طال بي مرضي، ثم قال: إن أصحابنا الذين مضوا لم تنقصهم الدنيا شيئاً، وإنا أصبنا بعدهم ما لا نجد له موضعاً إلا التراب، وقال: كان يبني حائطاً له، الحديث. [٢] احتاج إلى هذا التوجيه لما ورد في بعض الأبنية من الأجر. [٢٤٨٣] هب: ١٠٢٢٤، تحفة: ١٨٤١٤. [٢٤٨٤] ك: ٧٤٢٢، تحفة: ٥٤٠٩. (١) زاد في نسخة: ((ابن غيلان)). (٢) ((مسند أحمد)) (٢١٠٥٩). ٧٣ أَبْوَابُ صِفَة القِيَامَة عَلَيْنَا أَنْ نَصِلَكَ، فَأَعْطَاهُ ثَوْبًا ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهَ يَقُولُ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا إِلَّا كَانَ فِي حِفْظِ الله مَا دَامَ مِنْهُ عَلَيْهِ خِرْقَةُ». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. ٢٤٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، نَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَابْنُ أبِي عَدِيٌّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَوْفٍ بْنِ أبِي جَمِيلَةَ، عَنْ زُرَارَةَ ابْنِ أَوْقَى، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَلَامٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ لَ ◌ّهِ يَعْنِي الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ (١)، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِلَّهِ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَظْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامُ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ)). هَذَا حَدِيثُ صَحِيحُ. قوله: (عبد الله بن سلام) هو بالتخفيف وفي [١] اختلاف، والأكثر على أنه بالتشديد، والباقي متفق على تشديده. [١] بياض في المنقول عنه، وفي ((الإرشاد الرضي): ذكر هاهنا محمد بن سلام شيخ البخاري، وقال صاحب ((المغني))(٢): سلام كله بالتشديد إلا عبد الله بن سلام، وأبو عبد الله محمد ابن سلام شيخ البخاري، وشدده جماعة، ونقله صاحب ((المطالع)) عن الأكثر، والمختار التخفیف، انتھی. ثم ذکر بعضاً آخر بالتخفيف، فارجع إلیه لو شئت. [٢٤٨٥] جه: ١٣٣٤، حم: ٤٥١/٥، تحفة: ٥٣٣١. (١) أي: ذهبوا مسرعين إليه. يقال: جفل، وأجفل، وانجفل. ((النهاية)) (١ /٢٧٩). (٢) ((المغني)) (ص: ١٥٣٠). ٧٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٢٤٨٦ - حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ بِمَكَّةَ، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، نَا حُمَيْدُ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ وَلَيهِ الْمَدِينَةَ أَتَاهُ الْمُهَاجِرُونَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ مِنْ قَوْمِ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَّةَ وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَمِ(١)، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَجْرِ كُلِّهِ، فَقَالَ النَّبِىُّ وَلَّ: ((لَا، مَا دَعَوْتُمُ اللّه لَهُمْ وَأَنْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ. قوله: (لما قدم النبي ◌َاليه المدينة أتاه المهاجرون) أي: الذين (١) كانوا قد أتوا المدينة قبله ◌َّلة، فوجدوا أنصاراً أحسنوا إليهم ما لم يكونوا يتوقعونه، وكان المهاجرون أسخياء كرماء بيد أنهم وجدوا الأنصار فوقهم، فلذلك قالوا: إنهم يواسون إذا أقلّوا، ويشركوننا إذا أكثروا. قوله: (لا ما دعوتم الله لهم) إلخ، أي: لا يذهبون بالأجر كله إذا جازيتموهم بالدعاء والثناء، بل تكونون شركاء في الأجر بالنية وإن كان أجرهم أكثر وأثمر. [١] وهذا أجود مما حمل الحديث عليه القاري إذ قال(٢): أتاه المهاجرون، أي: بعد ما قام الأنصار بخدمتهم وإعطائهم أنصاف دورهم وبساتينهم إلى أنّ بعضهم طلّق أحسن نسائه ليتزوجها بعض المهاجرين إلى آخر ما قاله، فكأنه حمل الإتيان على بعد الزمان من قدومه مَلآ، وسياق الحديث يؤيد كلام الشيخ. [٢٤٨٦] د: ٤٨١٢، ن في الكبرى: ١٠٠٠٩، حم: ٢٠٠/٣، تحفة: ٧٥٥. (١) بفتح الميم وسكون الهاء مهموزًا: ما يقوم بكفاية الرجل وإصلاح معاشه، وقال في ((القاموس)) (ص: ٦٦): الهنيء والمهنأ: ما أتاك بلا مشقة، يعني: يحملون المشقة على أنفسهم، ويشركوننا في الراحة. (لمعات التنقيح)) (٦٧٩/٥). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٤/٦). ٧٥ أبْوَابُ صِفَة القِيَامَة ٢٤٨٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، نَامُحَمَّدُ بْنُ مَعْنِ الْمَدَنِيُّ الغِفَارِيُّ، ثَنِي أَبِي، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّلَّ قَالَ: ((الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ. ٢٤٨٨ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو الأوْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّ: (أَلَا أُخْبِرُ كُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ، عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ)). هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ(١). قوله: (بمنزلة الصائم الصابر) في أنهما قد أتيا طاعة معروفة، وإن كان[١] أجر الصبر أوفر من أجر الشكر. قوله: (بمن يحرم على النار وتحرم عليه النار) أي: المضادة ثابتة من الطرفين، فلو دخل مثل هذا الرجل في النار لما أكلته، ومعنى القريب أنه لسهولة أخلاقه لا يتباعد منه الناس ولا يتوحشون منه، والهين المنقاد لكل أحد المتحمل أقوالهم وأفعالهم الذين أمروه بإتيانها، والسهل المنقاد الساعي في أمورهم وإن لم يأمروا بإتيانها إياه. [١] لما أن الجمهور على أن فضيلة الفقر أكثر من فضيلة الشكر والغنى، ولذا اختار الله سبحانه لنبيه ◌َّ معيشة الفقر، على أنه مل﴾ كان محرزاً للفضيلتين معاً كما تقدم. [٢٤٨٧] جه: ١٧٦٤، حم: ٢٨٣/٢، تحفة: ١٣٠٧٢. [٢٤٨٨] حم: ١ / ٤١٥، تحفة: ٩٣٤٧. (١) في نسخة: ((حسن غریب)). ٧٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٢٤٨٩ - حَدَّثَنَا هَنَّدُ، نَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَيُّ شَيْءٍ كَانَ النَّبِيَُّ لَّ يَصْنَعُ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونَ فِي مَهْنَةٍ(١) أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَامَ فَصَلَّى. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ. ٢٤٩٠ - حَدَّثَنَا سُوَيْدٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ زَيْدٍ التَّغْلَبِيِّ، عَنْ زَيْدِ العَمِّيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ لَهَإِذَا اسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلُ فَصَافَحَهُ لَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ يَنْزِعُ، وَلَا يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ يَصْرِفُهُ، وَلَمْ يُرَ مُقَدِّمًا رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِیٍ لَهُ. هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ. قوله: (فإذا حضرت الصلاة) أي: مع ذكر (١) من اشتغال مقل﴾ بهذه الأمور لم تكن تعلوه لعلقه غفلة عن ذكره سبحانه. [١] هكذا في المنقول عنه، وحق العبارة: أي: مع ما ذكر من اشتغاله ◌َ ل إلخ، والمعنى أن من عادة الناس أنهم إذا اشتغلوا في شيء غفلوا عن غيره كثيراً، لكن النبي بَ ل مع اشتغاله بما ذكر من مهنة أهله لا تعلوه غفلة عن ذكره عز اسمه، وتعلقه بهذه الأمور لا يعوقه عن الاشتغال بالصلاة في وقتها. [٢٤٨٩] خ: ٦٧٦، حم: ٤٩/٦، تحفة: ١٥٩٢٩. [٢٤٩٠] د: ٤٧٩٤، جه: ٣٧١٦، تحفة: ٨٤١. (١) بفتح الميم وسكون الهاء، وهي الخدمة. قال الأصمعي: ولا يقال بالكسر. وقال الزمخشري: الكسر خطأ عند الأثبات. ((قوت المغتذي)) (٧٩١/٢). ٧٧ أبْوَابُ صِفَة القِيَامَة ٢٤٩١ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو الأُخْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَه قَالَ: «خَرَجَ رَجُلُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي حُلَّةٍ لَهُ يَخْتَالُ فِيهَا، فَأَمَرَ اللهِ الأَرْضَ فَأَخَذَتْهُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ(١) - أَوْ قَالَ: يَتَلَجْلَجُ - فِيهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)». قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثُ صَحِيحُ. ٢٩٤٢ - حَدّثَنَا سُوَيْدُ، نَا عَبْدُ الله، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرٍو ابْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النّبِيِّ نَِّ قَالَ: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلْ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنّمَ يُسَمّى بُولَسَ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النّارِ طِينَةَ الخَبَالِ)». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ. قوله: (يسقون من عصارة أهل النار) ظاهره(١] مشكل، فإن أهل النار لم يصلوا بعد في جهنم فمن أين حصلت عصارتهم؟ إلا أن يقال: إن روحانية الأشياء [١] وأشكل أيضاً أن الحديث بظاهره يخالف قوله تعالى: ﴿كَمَابَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ,﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأيضاً ورد في الروايات من أن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء، حتى إنهم يحشرون غرلاً، وأجاب عنه التوربشتي إلى أن أمثال الذر في حديث الباب مجاز عن غاية الحقارة، ولا يراد بها الحقيقة. وقال الطيبي(٢): إن الله تعالى قادر على أن يعيد هذه الأجزاء في أمثال الذر، فلا مانع عن إرادة الحقيقة، انتهى. وكتب الشيخ على هامش كتابه بعد ذلك: لأن الأجزاء الأصلية هي التي تكون = [٢٤٩١] حم: ٢٢٢/٢، تحفة: ٨٦٤١. [٢٤٩٢] ن في الكبرى: ١١٨٢٧، حم: ١٧٩/٢، تحفة: ٨٨٠٠. (١) أي: يغوص في الأرض حين يخسف به. ((النهاية)) (١ /٢٨٤). (٢) ((شرح الطيبي)) (٣٢٤٨/١٠). ٧٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٢٤٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الدُّورِيُّ، قَالَا: نَا عَبْدُ الله ابْنُ يَزِيدَ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، ثَنِي أَبُو مَرْحُومٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَسِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ وَ لَ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ الله عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ. ٢٤٩٤ - حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ إِبْرَاهِيمَ الغِفَارِيُّ الْمَدِينِيُّ، ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: (ثَلَاثُ مَنْ كُنَّ فِيهِ نَشَرَ الله عَلَيْهِ كَنَفَهُ(١) وَأَدْخَلَهُ الجنة(٢): رِفْقُّ بِالضَّعِيفِ، وَالشَفَقَةُ(٣) عَلَى الوَالِدَيْنِ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْمَمْلُوكِ)). بأسرها موجودة عنده سبحانه، فهي صالية بالنيران وإن لم يصل الكافرون بعد فيها، وهذا كلام قلته ولم أفهمه(١). من النطفة وهي قليلة جدًّا؛ ولأن التكاثف فيها ممكن، انتهى. وحقق القاري (٤) أن الإعادة = يكون عند إخراجهم من القبور، وبعد ذلك يمسخون في المحشر في هذه الصور تذليلاً لهم، وعلى هذا المعنى الأخير اكتفى صاحب ((الإرشاد الرضي))، فلعله هو مختار الشيخ الأقدس. [١] لعل عدم الفهم لما أن ظاهر سياق الحديث أنهم يسقون بحقيقة العصارة لا مثالها، ويمكن الجواب عن أصل الإشكال بأنهم يسقون بعد دخولهم النار، أو يقال: يسقون بعصارة من سبقهم من الكفرة المردة. [٢٤٩٣] تقدم تخريجه في ٢٠٩١. [٢٤٩٤] تحفة: ٣١٤٦. (١) الكنف بالتحريك: الجانب والناحية، وهذا تمثيل لجعله تحت ظل رحمته يوم القيامة. ((النهاية)) (٤/ ٢٠٥). (٢) فى نسخة: ((جنته)). (٣) في نسخة: ((شفقة)). (٤) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٩٩/٩). ٧٩ أبْوَابُ صِفَة القِيَامَة هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ. ٢٤٩٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ له: «يَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ: يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالُّ إِلَّ مَنْ هَدَيْتُ، فَسَلُونِ الهُدَى أَهْدِكُمْ، وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ، فَسَلُونِي أَرْزُقُكُمْ، وَكُلُّكُمْ مُذْنِبُ إِلَّا مَنْ عَافَيْثُ، فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَظْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ(١) اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْقَى قَلْبٍ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْفَى قَلْبٍ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَظْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، قوله: (في صعيد واحد) هذا التقييد(١) إفادة لما هو العادة فينا من أن الطلبات إذا اجتمعت دفعة واحدة وتوفرت لا تكاد الخزائن تقوم بإيفائها وإنجاحها، فرد [١] وبذلك جزم الطيبي(٢) إذ قال: قيد السؤال بالاجتماع في مقام واحد؛ لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسؤول بهم، ويعسر عليه إنجاح مآربهم وإسعاف مطالبهم، انتهى. [٢٤٩٥] م: ٢٥٧٧، جه: ٤٢٥٧، حم: ١٥٤/٥، تحفة: ١١٩٦٤. (١) قال القاري (١٦٢٩/٤): أي: شبابكم وشيوخكم، أو عالمكم وجاهلكم، أو مطيعكم وعاصيكم. وقال في ((اللمعات)) (١٦٥/٥): قيل: المراد به أهل البحر والبر، وقيل: عبارة عن الاستيعاب، وقيل: أراد أنه لو فرض كون الشجر والحجر إنسانًا، وأقول - والله أعلم -: يحتمل أن يكون المراد بالرطب واليابس الإنس والجن بناء على أن خلق الجن من النار والإنس من الماء، ويؤيده ما ورد في الحديث: ((جنكم وإنسكم))، انتهى. (٢) ((شرح الطيبي)) (١٨٣٩/٦). ٨٠ الكَوَكَبُ الدُّرِّي فَسَأَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِى إِلَّ كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالبَحْرِ، فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةَ، ثُمَّ رَفَعَهَا إِلَيْهِ، ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادُ وَاجِدُّ مَاجِدُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامُ، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُهُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِّلَ نَحْوَهُ. ٢٤٩٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدِ القُرَشِيُّ، نَا أَبِي، نَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سَعْدٍ مَوْلَى طَلْحَةَ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ لَهُ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، بهذا اللفظ أن النقص لا يوجد ثمة وإن وقعت الأسئلة مرة واحدة، وفي مقام واحد، فسبحانه من إله توفرت خزائنه وتکثرت کنوزه و دفائنه. قوله: (إلا كما لو أن أحدكم مر) إلخ، ليس (١) المراد نسبة هذا النقصان بذاك ليعلم وقوع النقص ثمة وإن قلّ، بل المراد عدم النقص أصلاً بناء على ما هي العادة أن أرباب العرف لا يعدون ذلك النقص في البحر في شيء من مراتب النقصان، وإلا فليس ثمة نقصان وإن قلّ. قوله: (لو لم أسمعه إلا مرة) إلخ، جزاؤه ((لما حدثتكموه) محذوف. [١] قال الطيبي(١): لما لم يكن ما ينقصه المخيط محسوساً ولا معتدًّا به عند العقل بل كان في حكم العدم، كان أقرب المحسوسات وأشبهها بإعطاء حوائج الخلق کافة؛ فإنه لا ينقص مما عنده شيئاً، وقال ابن الملك: أو يقال: إنه من باب الفرض والتقدير، يعني لو فرض النقص في ملك الله لكان بهذا المقدار، انتهى. [٢٤٩٦] حم: ٢٣/٢، تحفة: ٧٠٤٩. (١) انظر: ((شرح الطيبي)) (١٨٣٩/٦)، ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٧/٥).