Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
أَبْوَابُ الْبِرّوَالصِلَة
سُلَيْمَانَ الثَّيْمِيّ، عَنْ أَبِ عُثْمَانَ النَّهْدِيّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَالَ: (مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفاً(١) فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ الله خَيْرًا فَقَدْ
أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ جَيِّدْ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إِلَّا
مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َّهِ مِثْلَهُ(٢).
آخر أبواب البر والصلة.
آخر أبواب البر والصلة.
(١) قوله: ((معروفاً)) قال في هامش (م): كذا في نسخة الكروخي، وفي نسخ صحيحة: ((معروف)).
(٢) زاد في نسخة:
((وسألت محمدًا فلم يعرفه، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ حَازِمِ البَلْخِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَكِّيَّ
ابْنَ إِبْرَاهِيمَ، يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ جُرَيْجِ الْمَكِّيّ، فَجَاءَ سَائِلُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجِ
لِخَازِنِهِ: أَعْطِهِ دِينَارًا، فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّ دِينَارُ إِنْ أَعْطَيْتُهُ لَجُعْتَ وَعِيَالُكَ، قَالَ: فَغَضِبَ
وَقَالَ: أَعْطِهِ، قَالَ الْمَكِّيُّ: فَنَحْنُ عِنْدَ ابْنِ جُرَيْجٍ إِذْ جَاءَهُ رَجُلُ بِكِتَابٍ وَصُرَّةٍ وَقَدْ بَعَثَ
إِلَيْهِ بَعْضُ إِخْوَانِهِ، وَفِي الكِتَابِ: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ خَمْسِينَ دِينَارًا، قَالَ: فَحَلَّ ابْنُ جُرَيْجِ الصُّرَّةَ
فَعَدَّهَا فَإِذَا هِيَ أَحَدُّ وَخَمْسُونَ دِينَارًا، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ لِخَازِنِهِ: قَدْ أَعْطَيْتَ وَاحِدًا
فَرَدَّهُ الله عَلَيْكَ وَزَادَكَ خَمْسِينَ دِينَارًا)).

أبَوَابُ الظِّبْ عَن سَوْ اللّهَِّ

٢٢٥
بِسْطِ لِهِ الرّحمنِ الرَّحَيَّمِ
٢٨ - أَبْوَابُ الطِّبِّ عَنْ رَسُولِ اللّه وَله
١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحِمْيَةِ
٢٠٣٦ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الدُّورِيُّ، نَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا فُلَيْحُ
ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١)، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنْ
أَمِّ الْمُنْذِرِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ◌ِّهَ وَمَعَهُ عَلِيٍّ وَلَنَا دَوَالٍ (٢) مُعَلَّقَةُ،
قَالَتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِّهِ يَأْكُلُ وَمَعَهُ عَلِيٍّ يَأْكُلُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِلّه ◌ِعَلِيّ:
٢٨ - أبواب الطب(٣) عن رسول الله وَالاله
١ - باب ما جاء في الحمية(١]
[١] قال الشيخ في (البذل)) (٤): الحمية أي: عن المضرّات، وقد ذكرها الله تعالى في آية الوضوء =
[٢٠٣٦] د: ٣٨٥٦، جه: ٣٤٤٢، حم: ٣٦٣/٦، تحفة: ١٨٣٦٢.
(١) زاد في نسخة: ((التَّيْمِيِّ)).
(٢) دوال: جمع دالية، وهي العذق من البسر يعلق، فإذا أرطب أكل، والواو فيه منقلبة عن
الألف. ((النهاية)) (١٤١/٢).
(٣) قال في ((القاموس)) (ص: ١٠٨): الطِّبُّ، مُثَلَّثَةَ الطاءِ: عِلاجُ الجِسْمِ والنَّفْسِ، يَطُبُّ وَيَطِبُّ،
والرِّفْقُ، والسِّحْرُ، وبالكسر: الشَّهْوَةُ، والإِرادةُ، والشَّأنُ، والعادةُ، وَبالفتح: الماهِرُ الحاذِقُ
بِعَمَلِهِ، كالطَّيبِ.
(٤) ((بذل المجهود)) (١١ /٥٨٤).

٢٢٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَلَ يَأْكُلُ، قَالَتْ:
((مَهْ مَهْ يَا عَلِىُّ! فَإِنَّكَ نَاقِهً) (١)، قَالَ: فَجَلَسَ عَلِيُّ وَالنَّبِيُّ
وسلم
فَجَعَلْتُ لَهُمْ سِلْقًا وَشَعِيرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((يَا عَلِيُّ! مِنْ هَذَا فَأَصِبْ، فَإِنَّهُ
أَوْفَقُ لَكَ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ (٢)،
وَيُرْوَى عَنْ فُلَيْجِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَتُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا أَبُو عَامِرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، قَالَا: نَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ
الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ (٣) رَسُولُ الله ◌َّةِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ
مُحَمَّدٍ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ إِلَا أَنَّهُ قَالَ: (أَنْفَعُ لَكَ)).
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَنِيهِ أَيُّوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ(٤).
بقوله تعالى: ﴿وَإِنَ كُمْ مَرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية [النساء: ٤٣] فأباح للمريض العدولَ عن =
=
(١) نقه المريض ينقه فهو ناقه، إذا برأ وأفاق، وكان قريب العهد بالمرض لم يرجع إليه كمال
صحته وقوته. ((النهاية)) (١١١/٥).
(٢) قال المزي في ((الأطراف)) (١٨٣٦٢): ورواه ابن أبي فديك، عن محمد بن أبي يحيى
الأسلمي، عن أبيه، عن يعقوب بن أبي يعقوب نحوه. فقول أبي عيسى: لا نعرفه إلا من
حدیث فليح فيه نظر.
(٣) في نسخة: ((علينا)).
(٤) في هامش (م): ((قوله: ((وقال محمد بن بشار في حديثه إلخ)) أن المراد - والله أعلم - في
حديثه عن أحد شيخيه أبي عامر وأبي داود، فيكون الحديث عن أحدهما بصيغة العنعنة
وعن الآخر بصيغة التحديث.

٢٢٧
أنْوَابُ الطِّبّ
هَذَا حَدِيثٌ جَيِّدُ غَرِيبٌ(١).
٢٠٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ الفَرْوِيُّ، نَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ
مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَ قَالَ: ((إِذَا أَحَبَّ الله
عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ الْمَاءَ)).
وَفِي البَابِ عَنْ صُهَيْبٍ(٢).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ
لَبِيدٍ، عَنِ النَّبِيّ ◌َّهِ مُرْسَلاً.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو،
عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ فَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودٍ بْنِ لَبِيدٍ، عَنِ النَّبِيّ ◌َِّ، نَحْوَهُ، وَلَمْ
يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ.
وَقَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الظَّفَرِيُّ هُوَ أَخُو أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيّ لِأُمِّهِ، وَمَحْمُودُ
ابْنُ لَبِيدٍ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ◌َّهِ، وَرَآهُ وَهُوَ غُلَامُ صَغِيرٌ.
قوله: (إذا أحب الله عبداً حماه الدنيا) هذا ليس كليًّا كما يفهم من التنظير،
بل المراد الذي علم أنه يستضر بالدنيا، وأما إذا لم تضره فلا.
= الماء إلى التراب حمیةً له أن یصیب ما يؤذيه، انتهى.
[٢٠٣٧] حم: ٤٢٧/٥، تحفة: ١١٠٧٤.
(١) في بعض النسخ: ((جيد حسن غريب)).
(٢) زاد في نسخة: ((وأم المنذر)).

٢٢٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الدَّوَاءِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ
٢٠٣٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذِ العَقَدِيُّ البَصْرِيُّ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ
ءُ
زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ أَسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: قَالَتِ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ الله! أَلَا
نَتَدَاوَى؟ قَالَ: ((نَعَمْ، يَا عِبَادَ الله تَدَاوَوْا،
٢ - باب ما جاء في الدواء والحثّ عليه
قوله: (يا عباد الله تَدَاوَوْا) الأمر أمر إباحة وتخيير، ثم اعلم أن التوكل [١]
أقسام: بمقابلة النص كمن شرب سمَّا متوكلاً، أو تردّى من جبل، أو ترك الأكل،
وهو لا يستطيع هذه الأشياء فكان عدولاً عن امتثال قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْبِأَدِيكُمْ إِلَى
اَلَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وهو حرام، وتوكل بترك ما غلب الظن بسببيته كشرب الدواء
للمرضى، وهو أعلى مراتب التوكل، وعلى هذا فالأولى ترك المعالجة بتوكيله الله
سبحانه، وتوكل بترك ما لم يغلب الظن على سببيته كترك الرقى، وهذا أدنى مراتب
التوكل بل ليس فوقه شيء من التوكل، وبما قررنا ظهر لك أن تداويه ◌َّلة لنفسه أو
أمره لغيره بذلك إنما كان لبيان الجواز.
[١] اختلفوا في الجمع بين ما ورد في التوكل وبين ما ورد في الأدوية والرقى، وجمع الحافظ
في ((الفتح) (١) بينهما بأربعة أوجه فارجع إليه لو شئت، وفي ((العالمكيرية))(٢): اعلم أن
الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش، والخبز المزيل
لضرر الجوع، وإلى مظنون كالفصد والحجامة وشرب المسهل وسائر أبواب الطب، وإلى
موهوم کالگيّ والرقية، أما المقطوع به فلیس تر که من التو کل بل تركه حرام عند خوف =
[٢٠٣٨] د: ٢٨٥٥، جه: ٣٤٣٦، حم: ٤ / ٢٧٨، تحفة: ١٢٧.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٣٥/١٠).
(٢) ((العالمكيرية)) (٣٥٥/٥).

٢٢٩
أبوابُ الْطِبَ
الموت، وأما الموهوم فشرط التوكل تركه إذ به وصف رسول الله مثل المتوكلين، وأما
=
المتوسطة وهي المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء ففعله ليس مناقضاً
للتوكل بخلاف الموهوم، وتركه ليس محظوراً بخلاف المقطوع به، بل قد يكون أفضل من
فعله في بعض الأحوال وفي حق بعض الأشخاص فهو على درجة بين الدرجتين، انتهى.
وقال الغزالي في ((الأربعين)) (١): قد يظن الجهال أن شرط التوكل ترك الكسب، وترك
التداوي، والاستسلام للمهلكات، وذلك خطأ؛ لأن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى
على التوكل وندبَ إليه، فكيف ينال ذلك بمحظوره، وتحقيقه: أن سعي العبد لا يعدو أربعة
أوجه: وهو جلب ما ليس بموجود من المنفعة، أو حفظ الموجود، أو دفع الضرر كي لا
يحصل، أو قطعه کي پزول.
الأول: جلب النافع وأسبابه ثلاثة: إما مقطوع به، وإما مظنون ظنًّا غالباً ظاهراً، أو موهوم،
أما المقطوع به: فمثاله أن لا يمدّ اليدَ إلى الطعام وهو جائع، ويقول: هذا سعي، وأنا
متوكل، أو يريد الولد ولا يواقع أهله، وهذا جهل؛ لأن سنة الله تعالى لا تتغير، وارتباط
هذه المسببات بهذه الأسباب من السنة التي لا تجد لها تبديلاً، وإنما التوكل فيه بأمرين:
أحدهما أن تعلم أن اليد والطعام وقدرة التناول من قدرة الله. والثاني: أن لا يتكل عليها
بقلبه بل على خالقها، وكيف يتكل على اليد وربما يفلح في الحال أو يهلك الطعام، وذلك
تحقيق قولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، فالحول: الحركة، والقوة: القدرة، فإذا كان هذا
حالك فأنت متوكل وإن سعيت.
وأما المظنون فكاستصحاب الزاد في البوادي والأسفار، فليس تركه شرطاً في التوكل بل
هي سنة الأولين، وأما الموهومات كالاستقصاء في حيل المعيشة واستنباط دقائق الأمور
فيها وذلك ثمرة الحرص، وقد يحمل على أخذ الشبهة، فكل ذلك ينافي التوكل، إلى آخر
ما بسطه.
(١) ((كتاب الأربعين في أصول الدين)) (٢٨١ - ٢٨٢).

٢٣٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
فَإِنَّ اللّه لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّ وَضَعَ لَهُ شِفَاءً - أَوْ قَالَ: دَوَاءَ - إِلَّ دَاءً وَاحِدًا)). فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ الله! وَمَا هُوَ؟ قَالَ: ((الْهَرَمُ)).
وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةً، وَأَبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِهِ، وَابْنِ
عَبَّاسِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
قوله: (فإن الله لم يضع داء) إلخ، إلا أن العلم بعين هذا الدواء النافع لهذا
المرض لما لم يكن يقينيًّا[١] آل الأمر إلى غلبة الظن الحاصلة بكثرة التجارب، فكانت
المعالجة بشيء من الأدوية منافيةً لأعلى مراتب التوكل وإن لم يناف أصل التوكل.
قوله: (الهرم) المراد به [٢] الموتُ؛ لأنه علامة له وسبب له، فلا ينافي ما ورد في
الروايات في تفسيره أنه الموت، وأيضاً فلا يرد على ذلك أن ضعف سن الشيخوخة
ممكن الانجبار بما هو معروف في إزالة الضعف وتقوية القوى والأعضاء الرئيسية.
[١] ولذا ورد في آخر حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود: ((علمه من علمه، وجهله
من جهله))، قال الحافظ(١): أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم، ومما
يدخل في قوله: ((جهله من جهله)) ما وقع لبعض المرضى أنه يتداوى من داء بدواء فيبرأ
ثم يعتريه ذلك الداء بعينه، فيتداوى بذلك الدواء بعينه فلا ينجع، والسبب في ذلك الجهلُ
بصفة من صفات الداء، فرب مرضين تشابها ويكون أحدهما مركباً لا ينجع فيه ما ينجع في
الذي ليس مركباً، فيقع الخطأ من هاهنا، انتهى.
[٢] قال الحافظ(٢): واستثناء الهرم إما لأنه جعله شبيهاً بالموت، والجامع بينهما نقص الصحة،
أو لقربه من الموت وإفضائه إليه، ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعاً والتقدير: لكن الهرم
لا دواء له، انتھی.
(١) ((فتح الباري)) (١٣٥/١٠).
(٢) ((فتح الباري)) (١٠/ ١٣٦).

٢٣١
أنْوَابَ الطِّبْ
٣ - بَابُ مَا جَاءَ مَا يُطْعَمُ الْمَرِيضُ
٢٠٣٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ
السَّائِبِ بْنِ بَرَكَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َّهِ إِذَا أَخَذَ
أَهْلَهُ الوَعَكُ أَمَرَ بِالحَسَاءِ (١) فَصُنِعَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَحَسَوْا مِنْهُ، وَكَأَنَ يَقُولُ: ((إِنَّهُ
لَيَرْتُو(٢) فُؤَادَ الحَزِينِ، وَيَسْرُو(٣) عَنْ فُؤَادِ السَّقِيمِ كَمَا تَسْرُو إِحْدَاكُنَّ الوَسَخَ
بِالْمَاءِ عَنْ وَجْهِهَا)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ(٤)، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َ شَيْئًا مِنْ هَذَا.
[٢٠٣٩] جه: ٣٤٤٥، حم: ٦/ ٣٢، تحفة: ١٧٩٩٠.
(١) الحساء: طبيخ يتخذ من دقيق وماء ودهن، وقد يحلى ويكون رقيقًا يحسى. ((النهاية))
(٣٨٧/١).
(٢) يرتو: أي: يشد ويقوي.
(٣) أي: يكشف عن فؤاده الألم ويزيله. ((النهاية)) (٣٦٤/٢).
(٤) قوله: ((قد روى الزهري إلخ)) أورده المزي في ((التحفة)) (١٦٥٣٩) من حديث عقيل عن
الزهري، ثم خرجه من طريق الترمذي المذكور هنا وقال: كذا في نسخ السماع، وليس فيه
عقيل، أي: بين يونس والزهري. وفي بعض النسخ: وقد رواه ابن المبارك عن يونس، عن
الزهري، عن عروة، عن عائشة عن النبيّ ◌َّر. حدثنا بذلك أبو إسحاق الطالقاني قال: حدثنا
ابن المبارك ... فذكره، ولم يذكر الحسين بن محمد الجريري. قال الحافظ (١٤٦/١٠):
وكذا أخرجه الإسماعيلى من رواية نعيم بن حماد ومن رواية عبد الله بن سنان كلاهما عن
ابن المبارك، ليس فيه عقيل، وأخرجه أيضًا من رواية علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك
بإثباته، وهذا هو المحفوظ، وكأن من لم يذكر فيه عقيلًا جرى على الجادة؛ لأن يونس مكثر عن
الزهري، وقد رواه عن عقيل أيضًا الليث بن سعد، وتقدم حديثه في ((كتاب الأطعمة))، انتهى.

٢٣٢
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحُسَيْنُ الْجَرِيرِيُّ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ الطَّالقَانِيُّ، عَنِ ابْنِ
الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌ِلَُّ
بِمَعْنَاهُ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو إِسْحَاقَ(١).
٤ - بَابُ مَا جَاءَلَا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ
٢٠٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا بَكْرُ بْنُ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُوسَى ابْنِ
عُلَيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ:(لَا تُكْرِهُوا
مَرْضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، فَإِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٤ - باب ما جاء لا تكرهوا(١) مرضاكم على الطعام والشراب
قوله: (يطعمهم ويسقيهم) المراد إقامة شيء مقام طعامهم وشرابهم لا نفس
الإطعام والسقي.
[١] قال الشيخ في ((إنجاح الحاجة))(٢): أي: إن لم يأكلوا برغبتهم، ولا تقولوا: إنه يضعف بعدم
الأكل؛ فإنه تعالى يُطْعِمهم أي: يرزقهم صبراً وقوة، فإن الصبر والقوة من الله حقيقةً لا من
الطعام والشراب ولا من جهة الصحة، وقال القاضي: أي: يمدّهم ويحفظ قُوَاهم بما يفيد =
[٢٠٤٠] جه: ٣٤٤٤، تحفة: ٩٩٤٣.
(١) قوله: ((حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو إِسْحَاقَ)) قال في ((تحفة الأحوذي)) (٦/ ١٦١): كذا في النسخ
الحاضرة عندنا ولم يظهر لي وجه وقوع هذا اللفظ هاهنا فتفكر، انتهى. وكتب في هامش
(م): فيه نظر، فإن أصحاب كتب الرجال كـ(التهذيب)) و((الكاشف)) وغيرهما لم يذكروا أن
الترمذي روى عن أبي إسحاق الطالقاني، إلا بواسطة الحسين بن محمد الجريري، فكيف
يقول: حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو إِسْحَاقَ الطالقاني. والله أعلم بالصواب.
(٢) ((إنجاح الحاجة)) (ص: ٢٤٦).

٢٣٣
أَبْوَابُ الْطِبَ
٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِى الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ
٢٠٤١ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَا: نَا
سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيّ ◌َ قَالَ:((عَلَيْكُمْ
بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ، فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّ السَّامَ)). وَالسَّامُ: الْمَوْتُ.
٥ - باب ما جاء في الحبة السوداء [١]
قوله: (فإن فيها شفاء من كل داء) ولا يستلزم[٢] ذلك أن يكون كل تركيبه
= فائدة الطعام والشراب في حفظ الروح وتقويم البدن، كذا في ((المرقاة))(١)، وقال الموفق:
ما أغزر فوائد هذه الكلمة النبوية وما أجدرها للأطباء، وذلك لأن المريض إذا عاف الطعام
والشراب فذلك لاشتغال طبيعته بمقاومة المرض، فإعطاء الغذاء في هذه الحال يضر جدًّا،
انتھی.
قلت: ولذا يمنعون عن الغذاء يوم البحران ويوم النوبة أشد المنع، لأن الطبيعة مشتغلة في
هذه الأيام في مقابلة المرض خاصة، انتهى.
[١] قال العيني(٢): ومن منافعه أنه يجلو ويقطع ويحلل ويشفي من الزكام إذا قلي واشتم، ويقتل
الدود إذا أكل على الريق، وإذا وضع على البطن من خارج لطوخاً، ودهنه ينفع من داء الحية،
ومن الثآليل والخيلان، وإذا شرب منه مثقال نفع من البُهر وضيق النفس، ويحدر الطمث
المحتبس، والضماد به ينفع الصداع البارد، وإذا نقع منه سبع حبات بالعدد في لبن امرأة
ساعة، وسعط به صاحب اليرقان نفع نفعاً بليغاً، إلى آخر ما بسطه.
[٢] قال العيني(٣): بعمومه يتناول الانتفاع في كل داء غير الموت، وأَوَّله الموفق البغدادي =
[٢٠٤١] خ: ٥٦٨٨، م: ٢٢١٥، حم: ٢٤١/٢، تحفة: ١٥١٤٨.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٧/ ٢٨٧٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٣٥/٢١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٢٣٦/٢١ - ٢٣٧).

٢٣٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَفِي البَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
مفرداً أو مركباً لكل داء، بل المراد أنه مفيد لكل داء إذا استعمله الواقف بقاعدة
تناسب مزاج المريض بزيادة بعض الأدوية وغيرها.
= بأكبر الأدواء، وعَدَّد جملة من منافعها، وكذا قال الخطابي: هو من العموم الذي أريد
به الخصوص، وليس يجتمع في شيء من النبات جميع القوى التي تقابل الطبائع
كلها في معالجة الأدوية، وإنما أراد شفاء كل داء يحدث من الرطوبة والبلغم لأنه
حار يابس، وقال الكرماني: يحتمل إرادة العموم منه بأن يكون شفاءً للكل لكن بشرط
تركيبه مع الغير، ولا محذور فيه، بل تجب إرادة العموم لأن جواز الاستثناء معيار
وقوع العموم فهو أمر ممكن، وقد أخبر الصادق عنه، واللفظ عام بدليل الاستثناء
فيجب القول به.
وقال ابن العربي: العسل عند الأطباء أقرب أن يكون دواء لكل داء من الحبة السوداء،
ومع ذلك فإن من الأمراض ما لو شرب صاحبُه العسلَ لتأذى به، وإذا كان المراد بقوله
تعالى في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] الأكثر: الأغلب، فحملُ الحبة السوداء
على ذلك أولى، وقال غيره: كان ◌َله يصف الدواءَ بحسب ما يشاهده من حال المريض،
فلعل قوله في الحبة السوداء وافق مرض من مزاجه بارد، فيكون معنى قوله: ((شفاء من
كل داء)) أي: من هذا الجنس الذي وقع فيه القول، والتخصيص بالحيثية كثير شائع، وقال
ابن أبي حمزة: تكلم الناس في هذا الحديث، وخصصوا عمومه وردوه إلى قول أهل
الطب والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل ذلك؛ لأنا إذا صدَّقنا أهل الطب - ومدار علمهم
غالباً إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب ــ فتصديق من لا ينطق بالهوى
أولى بالقبول من كلامهم، وقال صاحب ((المحيط الأعظم)»: المراد الأمراض الباردة،
فالعموم نوعي، وأكثر أمراض العرب باردة؛ لأن أكثر غذائها اللبنيات الحامضة ونحوها،
انتھی.

٢٣٥
أبْوَابُ الطِّبّ
٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي شُرْبٍ أَبْوَالِ الإِبِلِ
٢٠٤٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الزَّعْفَرَانِيُّ، نَا عَقَّانُ، نَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، نَا حُمَيْدُ، وَثَابِتُ، وَقَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ
فَاجْتَوَوْهَا، فَبَعَثَّهُمْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَقَالَ: ((اشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا
وَأَبْوَالِهَا)).
وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ(١).
٧ - بَابُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمِّ أَوْ غَيْرِهِ
٢٠٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيجٍ، نَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ
أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَرَاهُ رَفَعَهُ قَالَ: ((مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ جَاءَ يَوْمَ
القِيَامَةِ وَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا بَظْنَهُ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا أَبَدًا،
وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسٍُّ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا أَبَدًا)).
٢٠٤٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ
الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ قَالَ: ((مَنْ
٧ - باب من قتل نفسه بسمٍ أو غيره
[٢٠٤٢] تقدم تخريجه في ٧٢.
[٢٠٤٣] خ: ٦٧٧٨، م: ١٠٩، د: ٣٨٧٢، ن: ١٩٦٥، جه: ٣٤٦٠، حم: ٢٥٤/٢.
[٢٠٤٤] انظر ما قبله، تحفة: ١٢٣٩٤.
(١) في ((تحفة الأشراف)) (١١٨/١): ((حسن صحيح غريب من حديث ثابت)).

٢٣٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَظْنِهِ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ خَالِدًا
مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ
خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارٍ
جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا)).
قوله: (خالداً مخلداً فيها أبداً) اعلم أن الخلود[١] يفترق باعتبار تفريق
محله، فخلود الدنيا ينتهي بالموت، وخلود عالم البرزخ بالحشر والنشر، وخلود
بمعنى انتهاء المدة المعينة للعذاب، وبهذا المعنى يمكن الخلود لأهل المعاصي
في النار أيضاً، وأجاب [٢]
[١] قال الراغب(١): الخلود: تَبَرِّي الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو
عليها، وكل ما يَتْبَاطَأُ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود كقولهم للأثافي: خوالد،
وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها، والخَلَدُ اسم للجزء الذي يبقى من الإنسان على حالته،
فلا يستحيل ما دام الإنسان حيًّا استحالة سائر أجزائه، وأصل المخلد الذي يبقى مدة طويلة،
ومنه قيل: رجل مخلد لمن أبطأ عنه الشيب، ودابة مخلدة هي التي تبقى ثناياها حتى تخرج
رباعيتها، ثم استعير للمَبْقِيِّ دائماً، والخلود في الجنة بقاء الأشياء على الحالة التي عليها
من غير اعتراض الفساد، انتهى. وقال المجد(٢): الخلد، بالضم: البقاء والدوام، انتهى.
[٢] قال الحافظ(٣): تمسك المعتزلة وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار،
وأجاب أهل السنة بأجوبة، منها: توهيم هذه الزيادة، قال الترمذي بعد أن أخرجه: رواه
ابن عجلان عن المقبري فلم يذكر هذه الزيادة، قال: وهو أصح، وأجاب غيره بحمل ذلك
على من استحله، فإنه يصير باستحلاله كافراً، والكافر مخلَّد بلا ريب، وقيل: ورد مورد
الزجر، وقيل: هذا جزاؤه، لكن قد تكرم الله عزّ وجلّ على الموحِّدين فأخرجهم من النار، =
(١) ((المفردات)) (ص: ٢٩٢).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٦٧).
(٣) ((فتح الباري)) (٢٢٥/٣).

٢٣٧
أبواب الطب
النووي(١) شارح مسلم عنه بأن محمله إذا استحلّ ذلك، ويرد عليه أنه ليس كل
مستحل معصية كافراً، بل الكفر إنما هو استحلال ما هو ثابت الحرمة بالنص [٢]
القطعي بحيث لا مساغ فيه للتأويل، فأما ما كان ظني الدلالة أو ظني الثبوت فلا
یکون استحلاله كفراً، فلا يفيد(٣) هذا التأويل.
= وقيل: التقدير: مخلداً فيها إلى أن يشاء الله، وقيل: المراد طول المدة لا حقيقة الدوام، وهذا
أبعدها، انتهى. وزاد العيني(١) على بعض ما ذكر: أو المعنى حرمت قبل دخول النار، أو
المراد من الجنة جنة خاصة؛ لأن الجنان كثيرة، انتهى.
[١] لم يتفرد بذلك النووي، بل ذكره الحافظان: ابن حجر والعيني، وبه جزم صاحب
((الجلالين))(٢) وغيره من المفسرين، وجمع من شراح الحديث.
[٢] فقد حكى(٣) ابن عابدين عن ((البحر)): الأصل أن من اعتقد الحرام حلالًا فإن كان حراماً
لغيره كمال الغير لا يكفّر، وإن كان لعينه فإن كان دليله قطعيًّا كُفِّر، وإلا فلا، وقيل: التفصيل
للعالم، أما الجاهل فلا يفرق بين الحرام لعينه ولغيره، وإنما الفرق في حقه أن ما كان قطعيًّا
کفِّر به، وإلا فلا، و تمامه فیه، انتھی.
[٣] هذا يحتاج إلى تنقير ولِمٍّ، إذ التصريح بأن قتل الرجل نفسَه قطعيّ الحرمة أو ظنيها، ولا
يشكل بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فإنه ليس
بقطعي الدلالة، قال الرازي (٤): اتفقوا على أن هذا نهي عن أن يقتل بعضهم بعضاً، وإنما
قال: ﴿أَنفُسَكُمْ﴾ لقوله ◌َّ: ((المؤمنون كنفس واحدة))، واختلفوا في أن هذا الخطاب هل
هو نهي لهم عن قتلهم أنفسهم؟ فأنكره بعضهم، ثم ذكر وجه الإنكار، وقال في آخره:
وأيضاً فيه احتمال آخر كأنه قيل: لا تفعلوا ما تستحقون به القتلَ من القتل والردة والزنا، =
(١) ((عمدة القاري)) (١٩١/٨ - ١٩٢).
(٢) (تفسير الجلالين)) (ص: ١١٨) وانظر: ((شرح صحيح مسلم)) (٩/ ١٤٣).
(٣) ((رد المحتار)) (٤/ ٤٠٧).
(٤) ((التفسير الكبير)) (٥/ ١٧٧).

٢٣٨
الكوَكَبُ الدُّرِّي
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، نَا وَكِيعُ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي
صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌ََّ نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ.
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الأَوَّلِ، هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ
هَذَا الْحَدِيثَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌ِّ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِيّ ◌ََّ قَالَ: ((مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍ عُذِّبَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)) وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ:
(خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا))، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َّهَ وَهَذَا أَصَحُ لأَنَّ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا تَجِيءُ بِأَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ
يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا يُذْكَرُ (١) أَنَّهُمْ يُخَلَّدُونَ فِيهَا.
٢٠٤٥ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَنَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ
ابْنِ أبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِلَّهِ عَنِ
الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ(٢). يَعْنِي السُّمَّ.
= انتهى. قلت: وهكذا اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَّكُمْ إِلَى النَّهُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]،
کما بسط في محله.
[٢٠٤٥] د: ٣٨٧٠، جه: ٣٤٥٩، حم: ٣٠٥/٢، تحفة: ١٤٣٤٦.
(١) في نسخة: ((ولم يذكر)).
(٢) هو من جهتين: إحداهما النجاسة وهو الحرام كالخمر والأرواث والأبوال كلها نجسة
خبيثة، وتناولها حرام، إلا ما خصته السنة من أبوال الإبل عند بعضهم، وروث ما يؤكل
لحمه عند آخرين. والجهة الأخرى من طريق الطعم والمذاق؛ ولا ينكر أن يكون کره ذلك
لما فيه من المشقة على الطباع وكراهية النفوس لها. ((النهاية)) (٤/٢).

٢٣٩
أنْوَاب الطِّبَ
٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّدَاوِي بِالْمُسْكِرِ
٢٠٤٦ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكٍ،
أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِّ ◌ََّ وَسَأَلَهُ سُوَيْدُ بْنُ
طَارِقٍ، أَوْ طَارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّا لَنَتَدَاوَى بِهَا،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِّ: ((إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهَا دَاءُ)).
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ، نَا النَّضْرُ، وَشَبَابَةُ، عَنْ شُعْبَةَ، بِمِثْلِهِ.
قَالَ مَحْمُودُ: قَالَ النَّضْرُ: طَارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ، وَقَالَ شَبَابَةُ: سُوَيْدُ بْنُ طَارِقٍ.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّعُوطِ وَغَيْرِهِ
٨ - باب ما جاء في كراهية التداوي بالمسكر[١]
قوله: (ولكنها داء) كأن ما يحصل من نفعه بمنزلة العدم نسبة عما يلزم عليه
من الضرر والإثم.
٩ - باب ما جاء في السعوط (٢) وغيره
[١] وفي ((الدر المختار)) (١): اختلفوا في التداوي بالمحرم، وظاهر المذهب المنعُ كما في
رضاع ((البحر))، لكن نقل المصنف ثمة وهاهنا عن ((الحاوي)): قيل: يرخّص إذا علم فيه
الشفاء، ولم يعلم دواء آخر، كما رُخِّص الخمر للعطشان، وعليه الفتوى.
[٢] بمهملات: ما يجعل في الأنف مما يتداوى به بأن يستلقي الرجل على ظهره، ويجعل بين =
[٢٠٤٦] م: ١٩٨٤، حم: ٤ /٣١١، تحفة: ١١٧٧١.
(١) انظر: ((ردّ المحتار)) (٢٣٢/٣).

٢٤٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٠٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَدُّوَيْهِ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ (١)،
نَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َِّه:
((إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السَّعُوطُ وَاللَّهُودُ(٢) وَالْحِجَامَةُ وَالْمَشِيُّ))(٣)، فَلَمَّا
اشْتَكَى رَسُولُ الله ◌ِِّ لَدَّهُ أَصْحَابُهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ: (لُدُّوهُمْ)) قَالَ: فَلْتُوا
كُلُّهُمْ غَيْرَ العَبَّاسِ.
قوله: (لَدَّه أصحابه) لما علموا فيه منفعته ◌َّة، لكنه ◌َّ أشار عليهم أن ينتهوا
عنه، فلم ينتهوا حملاً لنهيه على كراهة المريض الدواءَ، ولم يحضر ذلك النهي عمه
العبّاس(١) رضي الله عنه،
= كتفيه ما يرفعهما لينحدر رأسه، ويقطر في أنفه ماء أو دهن فيه دواء مفرد أو مركب، ليتمكن
بذلك من الوصول إلى دماغه لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس، هكذا في ((الفتح)) (٤)،
وقد أخرج البخاري(٥) وغيره عن ابن عباس أن النبي بَيّ استعط.
[١] لما في الروايات من التصريح بقوله: ((إلا العباس فإنه لم يشهدكم)) أخرجه الشيخان(٦) وغيرهما
بعدة طرق، وقال العيني (٧): قيل: قال ابن إسحاق في ((المغازي)): إن العباس هو الآمر باللدّ،
وقال: والله لألدنه، ولما أفاق قال: ((من صنع هذا بي؟)) قالوا: يا رسول الله! عمك، وأجيب بأنه
يمكن التلفيق بينهما بأن يقال: لا منافاة بين الأمر وعدم الحضور وقت اللد، انتهى.
[٢٠٤٧] تقدم تخريجه في ١٧٥٧ .
(١) زاد في نسخة: ((الشعيثي)).
(٢) اللدود: ما يسقاه المريض في أحد شقي الفم. ((النهاية)) (٢٤٥/٤).
(٣) هو الدواء المسهل، لأنه يحمل شاربه على المشي والتردد إلى الخلاء. ((النهاية)) (٣٣٥/٤).
(٤) ((فتح الباري)) (١٠/ ١٤٧).
(٥) ((صحيح البخاري)) (٥٦٩١).
(٦) ((صحيح البخاري)) (٤٤٥٧)، و((صحيح مسلم)) (٢٢١٣).
(٧) ((عمدة القاري)) (١٨/ ٧٣).