Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
أَبْوَابُ السَّفَر
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَرْبٍ بْنِ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ،
عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ فِي بَوْلِ الغُلَامِ الرَّضِيعِ: ((يُنْضَحُ بَوْلُ الغُلَامِ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ
الجَارِيَةِ))، قَالَ فَتَادَةُ: وَهَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلًا جَمِيعًا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ(١).
رَفَعَ هِشَامُ الدَّسْتُوَائِيُّ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ قَتَادَةً، وَوَقَفَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي
عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ(٢).
قوله: (ويغسل بول الجارية)[١] لما فيه من اللزوجة دون بول الغلام فيكفي
فيه الغسل الخفيف المعبر عنه بالرشّ دون بول الجارية.
[١] اختلفت العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه للشافعية، الصحيح المختار
عندهم: يكفي النضح لبول الصبي دون الجارية، بل لا بد من غسلها كسائر النجاسات، وبه
قال أحمد وإسحاق، وداود، والثاني: يكفي النضح فيهما وهو مذهب الأوزاعي، والثالث : =
(١) زاد في نسخة: ((صحيح)).
(٢) أضاف الشيخ أحمد شاكر بعد هذا بابًا من نسخة السندي لم يرد في شيء من النسخ، وهو:
((٤١) بابُ مَا ذُكِرَ فِي مَسْحِ النَِّّ ◌َّ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ
٦١١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: رَأَيْتُ
جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الله تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَّهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيّ ◌َِ تَوَضَّأَ
فَمَسَحَ عَلَى خُقَّيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَقَبْلَ الْمَائِدَةِ أَمْ بَعْدَ الْمَائِدَةِ؟ قَالَ: مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ الْمَائِدَةِ.
٦١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ الرَّازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ النَّحْوِيُّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ
زِیَادٍ نَحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّ مِنْ حَدِيثِ مُقَاتِلٍ بْنِ حَيَّنَ، عَنْ
شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ».

٥٢٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
(٤٢) بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الرُّخْصَةِ لِلْجُنُبِ فِي الْأَكْلِ وَالنَّوْمِ إِذَا تَوَضَّأَ
٦١٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَاقَبِيصَةُ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ الخُرَاسَانِيِّ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَمَّارٍ (١): أَنَّ النَّبِيَّ وَلَهَّ رَخَّصَ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ
يَأْكُلَ، أَوْ يَشْرَبَ، أَوْ يَنَامَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
(٤٣) بَابُ مَا ذُكِرَ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ
٦١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ أَبِي زِيَادٍ(٢)، نَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، نَا غَالِبُ
[٤٢ - باب ما ذكر في الرخصة للجنب في الأكل والنوم إذا توضأ]
قوله: (أن يتوضأ وضوءه للصلاة) وهذا لخروجه عما هو خلاف الأولى وإلا
فیکفیه المضمضة وغسل یدیه إلی رسغیه.
[٤٣ - باب ما ذكر في فضل الصلاة]
= أنهما سواء في وجوب الغسل، وهو المشهور عن إمام دار الهجرة والإمام الأعظم وأتباعهما
وسائر الكوفيين، هكذا في ((الأوجز))(٢).
[٦١٣]د: ٢٢٥، حم: ٣٢٠/٤، تحفة: ١٠٣٧١.
[٦١٤] ن: ٤٢٠٧، حم: ٤ /٢٤٣، تحفة: ١١١٠٩.
(١) أخرج هذا الحديث أبو داود، ثم قال: بين يحيى وبين عمار في هذا الحديث رجل.
(٢) زاد في نسخة: ((القطواني الكوفي)).
(٣) ((أوجز المسالك)) (٦٤٣/١).

٥٢٣
أَبْوَابُ السَّفَر
أَبُو بِشْرِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَائِذِ الطَّائِيِّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ،
عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةً قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَ ﴾: «أُعِيذُكَ بِالله يَا كَعْبَ بْنَ
◌ُجْرَةَ مِنْ أَمَرَاءَ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي، فَمَنْ غَشِيَ أَبْوَابَهُمْ فَصَدَّقَهُمْ فِي كَذِبِهِمْ،
وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَا يَرِدُ عَلَيَّ الحَوْضَ، وَمَنْ
غَشِيَ أَبْوَابَهُمْ أَوْ لَمْ يَغْشَ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ فِي كَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ،
فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَسَيَرِدُ عَلَيَّ الحَوْضَ، يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةً! الصَّلَاةُ بُرْهَانٌ،
وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُظْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، يَا
كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمُ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَی بهِ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ(١).
وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ الله
ابْنِ مُوسَى وَاسْتَغْرَبَهُ جِدًّا.
قوله: (ولا يرد عليّ الحوضَ) الرواية بدون ياء المتكلم بجر الحوض وبياء
المتكلم بنصب الحوض، والمراد به الورود في أول وهلة.
ومعنى قوله: (فليس مني) أنه لم يفعل فعلي ولا فعل أمتي فكأنه ليس مني،
أو أنه ليس في ظاهره مني لأنه ارتكب ما لم يرتكبه من كان مني.
(الصلاة برهان) أي: على الإسلام والإيقان.
قوله: (والصوم جنة حصينة) لأن اختياره حرارة العطش والسغب في دنياه
یمنعه عن لبس حرارات النار.
(١) في نسخة: ((لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى. وأيوب بن عائذ يضعف، ويقال:
کان یری رأي الإرجاء».

٥٢٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٦١٥ - وقَالَ مُحَمَّدُ: ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ مُوسَى، عَنْ غَالِبٍ
بِهَذَا.
(٤٤) بَابُّ مِنْهُ
٦١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ(١) الكُوفِيُّ، نَا زَيْدُ بْنُ الحُبَابِ، نَا
مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيمُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَمَامَةَ يَقُولُ:
سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَلَهُ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَقَالَ: ((اتَّقُوا الله رَبَّكُمْ،
وَصَلَّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرَكُمْ (٢)
[٤٤ - باب منه]
(فقال: اتقوا الله ربكم) هذا أصل كبير يدخل فيه الامتثالُ بالأوامر كلها
والاجتنابُ عن المعاصي جُلّها، ولكنه خصّ من ذلك بعض الأحكام تنبيهاً على
عظمة شأنها والاهتمام ببيانها، فكأنها لم تدخل فيما سبق حتى احتيج إلى التصريح
بها، ولم يذكر الحج لا لأنها لم تفرض بعدُ، فإن الخطبة واقعة في حجة الوداع؛ بل
[٦١٦] د: ١٩٥٥، حم: ٢٥١/٥، تحفة: ٤٨٦٨.
(١) زاد في نسخة: ((الكندي)).
(٢) في نسخة: ((ولاة أمركم)). قال القاري (٥١٢/٢): أي: الخليفة والسلطان وغيرهما من
الأمراء، أو المراد العلماء، أو أعم أي: كل من تولى أمراً من أموركم، سواء كان السلطان
ولو جائرًا ومتعلياً وغيره من أمرائه أو سائر نوابه، إلا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق، ولم يقل: أميركم؛ إذ هو خاص عرفًا ببعض من ذكر؛ ولأنه أوفق بقوله: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ
وَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. انتهى. وذكر العيني في تفسيره أحد عشر قولاً،
الحادي عشر: عام في كل من ولي أمر شيء، وهو الصحيح، وإليه مال البخاري بقوله:
((ذوي الأمر)). انظر: ((عمدة القاري)) (١٨ / ١٧٦).

٥٢٥
أبْوَابُ السَّفَر
تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ))، قَالَ: قُلْتُ(١) لَأْبِي أُمَامَةَ: مُنْذُ كَمْ سَمِعْتَ هَذَا
الحَدِيثَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
آخر أبواب الصلاة
لأن المخاطبين بذلك الأمر كانوا قد فرغوا من حجهم، فلو قيل لهم: وحجوا بيت
ربكم، لربما أوهم تكرار الحج عليهم في العام المقبل، فتركه اتكالاً على ما بينه في
غير هذا المقام، أو لأن الحج لا يجب على كل أحد بخلاف هذه الأحكام.
قوله: (قلت لأبي أمامة: منذ كم سمعت من رسول اللهصل﴾ هذا
الحديث؟ قال: سمعت وأنا ابن ثلاثين سنة) أي: لم أك طفلاً لا يعتدّ بكلامي، أو
يظن بي عدم الفهم أو قلة الحفظ إلى غير ذلك.
وهذا آخر أبواب الصلاة.
(١) في نسخة: ((فقلت)).

أَتَوَابُ الزَّكَاة

٥٢٩
٧ - أَبْوَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ الله
ونـ
١ - بَابُ مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ لَهُ فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ مِنَ التَّشْدِيدِ
٦١٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ(١)، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ
٧ - أبواب الزكاة (٢) عن رسول الله وال
[١ - باب ما جاء عن رسول الله وَ لله في منع الزكاة من التشديد]
[٦١٧] خ: ١٤٦٠، م: ٩٩٠، ن: ٢٤٤٠، جه: ١٧٨٥، حم: ١٥٢/٥، تحفة: ١١٩٨١.
(١) زاد في نسخة: ((التيمي الكوفي)).
(٢) هناك في ((الأوجز)) (٤٨٣/٥) خمسة أبحاث، نذكرها بالإيجاز، الأول: أن الزكاة لغةً النماء، وترد
بمعنى التطهير أيضًا. والثاني: الزكاة شرعًا: إخراج جزء مخصوص بلغ نصابًا لمستحقه إن تم
الملك وحولٌ غير معدن وحرث. والثالث: أنها لا تجب على الأنبياء إجماعًا. والرابع: في حكم
الزكاة، وقد أجاد الشيخ ابن القيم في ذلك في ((الهدي)) (٢٦٦/٣)، والشاه ولي الله الدهلوي في
((حجة الله البالغة)) (٢ / ٦٠) ما نصه: أن عمدة ما روعي في الزكاة مصلحتان: مصلحة ترجع
إلى تهذيب النفس، وهي أنها أحضرت الشح، والشح أقبح الأخلاق ضار بها في المعاد، ومن
كان شحيحًا فإنه إذا مات بقي قلبه متعلقًا بالمال، وعذّب بذلك، ومن تمرن بالزكاة، وأزال الشح
من نفسه كان ذلك نافعًا له إلخ، ومصلحة ترجع إلى المدينة وهي أنها تجمع لا محالة الضعفاء
وذوي الحاجة وتلك الحوادث تغدو على قوم وتروح على آخرين، فلو لم تكن السنة بينهم مواساة
الفقراء وأهل الحاجات لهلكوا وماتوا جوعًا. والخامس: في بدء فرضيتها، قال الحافظ في ((فتح
الباري)) (٢٦٦/٣): اختلف في أول وقت فرض الزكاة، فذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد الهجرة،
فقيل: كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان. وقال في ((معارف السنن)) (١٦١/٥): إن الزكاة
والصوم والجمعة والعيدين كلها فرضت بمكة، وإنما كان بالمدينة تنفيذها وتشريعها عملاً. نعم
نصب الزكاة شرعت بالمدينة، ألا ترى أن سورة ((المزمل)) نزلت بمكة كلها، كما في حديث عائشة.

٥٣٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ،وَهُ وَهُوَ جَالِسُ
فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قَالَ: فَرَآنِ مُقْبِلاً، فَقَالَ: ((هُمُ الَاخْسَرُونَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ يَوْمَ
القِيَامَةِ»، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا لِي لَعَلَّهُ أَنْزِلَ فِيَّ شَيْءُ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمْ فِدَاكَ أَبِي
وَأُمِّي؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ له: ((هُمُ الأَكْثَرُونَ،
قوله: (فرآني مقبلاً فقال: هم الأخسرون ورب الكعبة) لم يكن قوله جل
هذا قصداً منه برؤية أبي ذر ليسمعه بل كان النبي ◌َّ لعله كشف عليه شيء من
أحوالهم، فاتفق إتيان أبي ذر في زمان قول النبي ◌َّ ذلك، فلما سمع أبو ذر هذا، ولم
يكن هناك أحد يتكلم بالنبي ◌َ ل خاف أبو ذر، وجلس مفكراً في نفسه لعلي أذنبت
ذنباً أو نزل فيّ شيء، ثم إنه لم يُطِقْ أن يصبر حتى سأل النبي ◌َّ: (من هم فداك أبي
وأمي؟ فقال: هم الأكثرون) والمراد بذلك أصحاب النصب، أي: نصاب المال
من النقدين وغيرهما، وقد صرّح بالمال الناطق بعد ذلك، فالظاهر أن يراد بالأول
الصامتُ، وفي ذلك تأييد لما ذهب إليه [١] الإمام من أن الدراهم الكثيرة والمال
[١] إشارة إلى مسألة الأيمان يعني: من حلف على المال الكثير أو الدراهم الكثيرة، يراد بها النصاب،
كذا في تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم، قلت: إلا أن المسألة خلافية ففي ((الهداية)(١):
لو قال: مال عظيم، لم يصدّق في أقل من مأتي درهم؛ لأنه أقرّ بمال موصوف، فلا يجوز إلغاء
الوصف، والنصاب مال عظيم حتى اعتبر صاحبه غنيًّا به، والغني عظيم عند الناس.
وعن أبي حنيفة أنه لا يصدق في أقلّ من عشرة دراهم، وهي نصاب السرقة، وعنه مثل جواب
الكتاب، وهذا إذا قال: من الدراهم، أما إذا قال: من الدنانير فالتقدير فيها بالعشرين، وفي الإبل
بخمس وعشرين؛ لأنه أدنى نصاب يجب فيه من جنسه، وفي غير مال الزكاة بقيمة النصاب، ولو
قال: دراهم كثيرة لم يصدق في أقل من عشرة، هذا عند أبي حنيفة، وعندهما لم يصدق في =
(١) ((الهداية)) (١٧٨/٢-١٧٩).

٥٣١
أبْوَابُ الزّكاة
إِلَّ مَنْ قَالَ: هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا))(١)، فَحَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ،
ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَمُوتُ رَجُلُّ، فَيَدَعُ إِلاَّ أَوْ بَقَرًّا، لَمْ يُؤَدِّ زَكَانَهَا،
الكثير هو النصاب لا دونه، لكنه يخدشه أن الواقع في الحديث صيغة التفضيل،
فلا يتم الاستدلال على الكثير[١]، نعم يستدل بذلك على لفظ الأكثر فليسأل، ولعل
الجواب أن التفضيل غير مقصود لما أنه قد ورد في تلك الرواية بعينها في طريق
آخر: ((هم المكثرون))، فلما كان كذلك كان المراد بهما واحداً، مع أن الاستدلال
بالرواية الثانية التي ذكرناها تام لا محالة، وأيضاً فالكثرة عند الشرع عُلِم اعتبارها
بالنصاب بهذه الروايات.
قوله: (إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا، فحثا بين يديه وعن يمينه
وعن شماله) في ذلك تأييد لما ذهب إليه الإمام من أن الفضل على قوت يوم في
أداء الزكاة خلاف الأولى، وجه التأييد أن النصاب لما كان أقله مأتي درهم، فزكاته
لا تكون إلا خمسة دراهم، فكيف يمكن نشره في يمينه وخلفه وشماله وبين يديه،
= أقل من مأتين، انتهى. وهكذا قال صاحب ((البدائع))(٢) في الدراهم الكثيرة، زاد: ولو قال:
لفلان عليّ مال عظيم أو كثير، لا يصدق في أقل من مأتي درهم في المشهور، وروي عن أبي
حنيفة رحمه الله أن عليه عشرة، انتهى. فعلم أنهم فرّقوا بين المال الكثير والدراهم الكثيرة،
فتأمل.
[١] وحاصل الإيراد أن الوارد في الحديث لفظ الأكثر، فلا يتم الاستدلال على المسألة
المذكورة، وهى الحلف بالمال الكثير، نعم يصح الاستدلال على الحلف بالمال الأكثر،
وحاصل الجواب أن الصيغة وإن وردت بلفظ التفضيل لكنه ليس بمقصود فى الحديث.
(١) زاد في نسخة: ((ثلاثًا)).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٢٥٥/٦).

٥٣٢
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
إِلَّا جَاءَتْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ
بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا.
إذا أعطى كل فقير زائداً على قوت يوم، إلا أن يكون [١] فقيراً ذا عيال فإعطاؤه القدرَ
الكثيرَ إعطاء لكل مسكين بقدر القوت.
قوله: (أعظم ما كانت وأسمنه) أي: على أحسن هيئاتها التي كانت عليها في
الدنيا؛ لأنه كان يضنّ بها ويفرح في هذه الحال أكثر من ضنّه وفرحه في غير ذلك،
فيجازى به في تلك الهيئة.
وقوله: (كلما نفدت) إلخ، في بعض الروايات [٢]: ((كلما نفدت أولاها
عادت عليه أخراها))، توجيهه أن يعتبر الأول من الجانب الأخير، إذ الأول والأخير
[١] لم أرها صريحاً في كلامهم، وذكر صاحب ((الدر المختار))(١): يندب دفع ما يغنيه يومَه عن
السؤال، واعتبار حاله من حاجة وعيال، قال ابن عابدين: أشار إلى أنه ليس المراد دفع ما
يغنيه في ذلك اليوم عن سؤال القوت فقط، بل عن سؤال جميع ما يحتاجه فيه لنفسه وعياله،
انتهى. وقال صاحب ((البدائع))(٢): ذكر في ((الجامع الصغير)) أن يغني به إنساناً أحب إليّ،
ولم يرد به الإغناء المطلق، لأن ذلك مكروه، وإنما أراد به المقيد وهو أن يغنيه يوماً أو أياماً
عن المسألة، لأن الصدقة وُضِعَتْ لمثل هذا الإغناء، انتهى.
[٢] كما ورد عند مسلم(٣)، وقالوا: قد ورد فيه قلب من الراوي، قاله عياض، ووجّهه القاري بأنها
تمر على التتابع، فإذا انتهى إلى الأخرى إلى الغاية ردّت من هذه الغاية، كذا في ((البذل))(٤)،
وهذا التوجيه غير ما أفاده الشيخ.
(١) ((رد المحتار)) (٣٠٦/٣).
(٢) (بدائع الصنائع)) (١٦٠/٢).
(٣) ((صحيح مسلم)) (٩٨٧).
(٤) ((بذل المجهود)) (٥١٤/٦).

أَبْوَابُ الزَّكَاة
٥٣٣
عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ)).
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً مِثْلُهُ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لُعِنَ مَانِعُ
الصَّدَقَةِ(١). وَقَبِيصَةَ(٢) بْنِ هُلْبٍ عَنْ أَبِيهِ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَعَبْدِ الله بْنِ
٥ و
مسعودٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي ذَرِّ حَدِيثُ حَسَنَّ صَحِيحٌ، وَاسْمُ أَبِي ذَرٍّ:
جُنْدَبُ بْنُ السَّكَنِ، وَيُقَالُ: ابْنُ جُنَادَةَ.
٦١٧ م - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُنِيرٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ
اعتباري، فإن اعتبر وضع القدم[١] كان أولاها من الجانب المتقدم، وإن اعتبر العدّ
فالأكثر كونُ السائق خلفها، فيعتبر الأول من جانبه، وفي جانبه أولاها هي أخراها
في وضع القدم.
قوله: (حتى يقضى بين الناس) يعني أن وطئها إياه ينتهي بانتهاء القضاء،
فبعد ذلك إن كان إنكاره بقلبه أيضاً جوزي بإحراق قلبه في نار جهنم، وإن كان
مقتصراً على ظاهره، فحسب بأن كان معتقداً فرضيتَه فلعل الله يعفو عنه ويقتصر
على تخريب ظاهره جزاءً على إنكاره في الظاهر.
[١] يعني إن اعتبر مشي الصِّرمة، فالظاهر العداد من القدام، وإن اعتبر ما هو المعتاد في العدّ،
فيكون غالباً من جانب السائق؛ لأنه يعدّ الأقرب فالأقرب عنه فيكون العداد من الخلف؛ لأنه
قريب من السائق.
(١) في نسخة: ((مانع الزكاة)).
(٢) في نسخة: ((وعن قبيصة)).

٥٣٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ الدَّيْلَمِ، عَنِ الضَّخَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: الأَكْثَرُونَ
أَصْحَابُ عَشَرَةِ آلافٍ(١).
٢ - بَابُ مَا جَاءَ إِذَا أَدَّيْتَ الزَّكَاةَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ
(قال: الأكثرون أصحاب عشرة آلاف) إنما اضطر(١) إلى هذا؛ لأن الوعيد
المذكور يحقق أن هذا ليس في الإعطاء التطوع فكان فرضاً، ومقدار الفرض لا تبلغ
إلى حدّ ينشرها في جميع جهاته إلا أن يكون قد ملك عشرة آلاف درهم، وأنت تعلم
ما بيّا في توجيهه [٢]، فالظاهر (٣] أن هذا تفسير للمكثرين في بعض الأحوال، يعني
أن المكثر قد يطلق على هذا المعنى أيضاً.
[٢ - باب ما جاء إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك]
[١] والظاهر أنه إنما اضطر إلى هذا التفسير لأن عشرة آلاف جامعة لجملة الأعداد التي هي
أساس التعديد عند العرب، فإنها جامعة للآحاد والعشرات والمئين والألوف.
[٢] الظاهر أنه إشارة إلى ما تقدم من أن المراد بالكثرة النصاب.
[٣] وعلى ما في ((الحاشية))(٢) من أن التفسير عن الضحاك ورد في موضع آخر لا حاجة إلى
التوجيه، ولفظها: هذا التفسير من الضحاك [ورد] لحديث آخر وهو قوله تعالي: ((من قرأ ألف
آية كُتِبَ من المكثرين المقنطرين)»(٣)، وفسّر المكثرين بأصحاب عشرة آلاف درهم، وأورد
الترمذي هذا التفسير هاهنا لمناسبة ضعيفة، انتهى.
(١) زاد في نسخة: ((قال أبو عيسى: عبد الله منير رجل صالح)).
(٢) ((حاشية سنن الترمذي)) (١/ ١٣٤) النسخة الهندية.
(٣) أخرجه أبو داود في ((سننه)) (١٣٩٨).

٥٣٥
أبْوَابُ الزّكاة
٦١٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ الشَّيْبَانِىُّ(١)، نَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، نَا
عَمْرُوبْنُ الحَارِثِ، عَنْ دَرَّاچٍ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ(٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ
عليهه
ون
صَلَا الله
قَالَ: ((إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاءَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ)).
قوله: (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك) واستدل بهذا الحديث من
أنكر وجوب الأضحية، قلنا: فيلزم أن لا تجب صدقة الفطر مع أنكم قلتم بفرضيتها،
فما هو جوابكم فهو جوابنا، ويمكن أن يقال: إن معناه قد قضيت ما عليك من الزكاة، [١]
أو من نفقات التطوع، أو أديت ما ورد الوعيد بتركه، أو قضيت ما عليك ما ذكره الله
تعالى في كتابه بقوله: ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم﴾ الآية [التوبة: ٣٤]،
[١] وعلى هذا ففائدة الكلام أنه لا يبقى بعد أداء مال الزكاة شيء آخر منتظر لسقوط الزكاة
كأكل النار وغيره، بل يكفي لفراغ الذمة أداء مالها، نعم يشكل سقوطُ نفقات التطوع بأداء
مال الزكاة، اللهم إلا أن يقال: إن المعنى لم يبق بعد أداء الزكاة كاملاً مكملاً مزيد فاقة إلى
التطوعات، فإن أداء الفرائض كافٍ للنجاة، أو المعنى إذا أديت مال الزكاة في نفقات التطوع
لم يبق للنفقات مزید احتياج إلى مال آخر، فتأمل.
والأوجه عندي في معنى الحديث أنك إذا أديت الزكاة بعد برهة من الزمان ولو بعد سنين
مثلاً فقد قضيت ما عليك، ولا يجب شيء آخر لأجل التأخير، كما قالوا بوجوب الفدية أيضاً
بتأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر، هذا هو الأوجه عندي في معنى الحديث، لكني لم أره
في كلام أحد من المشايخ، فتأمل. ولا يبعد أيضاً أنه مج لّ دفع بذلك ما يتوهم من قوله الآتي
قريباً: ((إن في المال لحقًّا سوى الزكاة)) من وجوب شيء آخر سوى الزكاة، فنبّه عليه السلام
بهذا أن الحديث الآتي من مكارم الأخلاق.
[٦١٨] جه: ١٧٨٨، تحفة: ١٣٥٩١.
(١) زاد في بعض النسخ: ((البصري)).
(٢) في نسخة: ((عبد الرحمن بن حجيرة)).

٥٣٦
الكوَكَبُ الدُّرِّي
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ (١).
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِّوَلَّ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ أَنَّهُ ذَكَرَ الزَّكَاةَ، فَقَالَ رَجُلُ: يَا
رَسُولَ الله! هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ فَقَالَ: (لَا، إِلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ)).
أو يقال: إن قوله ذلك كان قبل وجوب الفطرة[١] والأضحية، أو المراد قضيت ما
وجب بالكتاب، وإن كان بعض ما وجب بالسنة باقياً بعدُ، والحق في الجواب أن هذا
بیان للحقوق التي تجب بنفس المال ولا تحتاج في وجوبها إلی سبب آخر، بل سبب
وجوبها المالُ فقط، وإن شرط في ذلك شيء آخر، وليس هذا إلا الزكاة.
وأما صدقة الفطر والأضحية فإنما وجوبهما مضاف إلى سبب آخر وإن كان
المال مشروطاً فيهما؛ فإن الأضحية لو تعلق وجوبها بنفس المال كالزكاة لما ساغ
للمالك أن يأكل منها كالزكاة، بل الواجب فيها هو الإراقة بعارض الضيافة وهو
حاصل بالذبح، فيجوز الأكل بعد ذلك منها لعدم تعلق القربة بعين اللحم، فهلا أنكر
الشافعية بذلك الحديث وجوبَ نفقة الزوجات والولد الصغار والأبوين المحتاجين
والأقرباء الأُخَر إذا كانوا محتاجين غير قادرين على الكسب وهو غني، وهلا أعفاهم
عن الحج والصوم والصلاة، فإن كلمة ((ما)) عامة، وتخصيصه بالمال خلاف الظاهر.
وقوله: (إلا أن تتطوع) مثل ما [٢] ذكرنا فيما تقدم.
[١] قيل: إنه لحن أو غلط حتى أوردوا على صاحب ((القاموس)) أيضاً لكن اللفظ كثير الاستعمال
في كلام الفقهاء، كما قاله ابن عابدين(٢).
[٢] يُنْظر في أيّ محل تقدم فلم أره.
(١) قال الحافظ في ((الفتح)) (٣/ ٢٧٢) بعد نقل تحسين الترمذي: وصححه الحاكم وهو على
شرط ابن حبان. وفي ((تحفة الأشراف)) (١٤٣/١٠): غريب.
(٢) ((رد المحتار)) (٣٠٩/٣-٣١٠).

٥٣٧
أَبْوَابُ الزّكاة
وَابْنُ حُجَيْرَةَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُجَيْرَةَ الْمِصْرِيُّ.
٦١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ الكُوفِيُّ،
نَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ(١) قَالَ: كُنَّا نَتَمَنَّى أَنْ يَبْتَدِىَ
الأَعْرَائِيُّ العَاقِلُ فَيَسْأَلَ النَّبِيَّ نَّهِ وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذْ أَتَاهُ
(قال: كنا نتمنى أن يبتدئ الأعرابي العاقل) كان ذلك حين مُنِعوا[١] عن
السؤال من غير حادثة نجمت أو واقعة وقعت، وكان السبب في ذلك مبالغتهم في
السؤال عما لا يعنيهم، وكان ذلك لما عليه النبي ◌ُّ من حسن الخلق الذي لا يتصور
علیه مزید، و کانوا بعد المنع يُحبّون أن يسأل أحد فيسمعوا عن النبي ێ حكمه، ولم
يمنع الأعراب ومن أتى مِن بُعْدٍ، فإنهم كانوا مرخصين في المسألة ما شاؤوا مما وقع
[١] قال الحافظ في ((الفتح))(٢): وقع في رواية موسى بن إسماعيل بسنده عن أنس في أوله قال:
((نهينا في القرآن أن نسأل النبي ◌َّة، فكان يعجبنا أن يجيء الرجلُ من أهل البادية العاقلُ
فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل)) الحديث، وكأن أنساً أشار إلى آية المائدة، انتهى(٣).
[٦١٩] خ: ٦٣، م: ١٢، ن: ٢٠٩١، حم: ١٤٣/٣، تحفة: ٤٠٤.
(١) في نسخة: ((أنس بن مالك)).
(٢) ((فتح الباري)) (١/ ١٥١).
(٣) وذكر السيوطي في ((الدر المنثور)) (٥٨٦/١): وأخرج الدارمي والبزار وابن المنذر
والطبراني عن ابن عباس قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله تج دي ما سألوه
إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منهن: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، و﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، و﴿يَسْئَلُونَكَ
عَنِ اَلْيَتَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، و﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] و﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ
اٌلْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، و﴿ يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥]، وفي آخره: ما كانوا
يسألونك إلا عما كان ينفعهم.

٥٣٨
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
أَغْرَابِيُّ (١)، فَجَثَا بَيْنَ يَدَي النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ رَسُولَكَ أَتَانًا فَزَعَمَ
لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللّه أَرْسَلَكَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ﴿٢: ((نَعَمْ))، قَالَ: فَبِالَّذِي رَفَعَ
السَّمَاءَ، وَبَسَطَ الأَرْضَ، وَنَصَبَ الجِبَالَ، آلله أَرْسَلَكَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ مَ: ( نَعَمْ)).
قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَكَ زَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ
وَاللَّيْلَةِ، فَقَالَ النَّبِيَُّ له: ((نَعَمْ)). قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آلله أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ:
(نَعَمْ))، قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَكَ زَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرٍ فِي السَّنَةِ،
فَقَالَ النَّبِيُّ وَلَّهِ: ((صَدَقَ)).
ولم يقع، وذلك لما في الإتيان المسألة مسألة من الحرج عليهم، وقيده بالعاقل، لأن
من لا يعقل فلعله يفعل شيئاً يسوء به النبي ◌َّ أو أصحابه؛ لأنه غير العاقل ليس في
سؤاله کثیر فائدة لأنه لا يسأل إلا على قدر فهمه.
وكان من جملة دلائل عقل هذا السائل أنه لم يعتمد في اعتقاديات مذهبه
وأصول أعماله على خبر الواحد، وأنه جثا بين يديه مَ له، وأنه ذكر في تحليفه الأول
ما ذكر به المحلوف عظمة شأنه وجلال كبريائه حتى لا يقدم على الحلف الكاذب
باسم الرب تبارك وتعالى الذي هذا شأنه.
ثم لما أقرّ برسالته اقتصر على الحلف بالمرسل، ولم يحتج إلى ذكر خلق
تلك المخلوقات العظام ثانياً، وأنه لما علم أن الرسالة لا يثبت أمرها إلا بشهادة
مَلَكٍ، ولا يمكن رؤيته في صورته، وإذا تصور بصورة بشر فمن أين الاعتماد على
أنه ملك، فاقتصر على التحليف؛ لأنه لم يجد إلى الإشهاد سبيلاً، ولقد علمت بذلك
أن الاعتماد والحكم على الحلف واجب عند انتفاء البينة، وأنه وثب بعد سماع
(١) والمراد بالأعرابي ضمام بن ثعلبة، كما في (الفتح)) (٩٨/١).

٥٣٩
أَبْوَابُ الزّكاة
قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آلله أَمَرَكَ بِهَذَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: (نَعَمْ)). قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَكَ
زَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ عَلَيْنَا فِي أَمْوَالِنَا الزَّكَاةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َلّ: ((صَدَقَ)،
قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آلله أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ النَّبِيُّ،وَلَيهِ: (نَعَمْ)). قَالَ: إِنَّ رَسُولَكَ
زَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ عَلَيْنَا الحَجَّ إِلَى بَيْتِ اللهِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً،
فَقَالَ النَّبِيُّ فَ لَّ: (نَعَمْ). قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آلله أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: (نَعَمْ))
فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَنَكَ بِالحَقِّ لَا أَدَعُ مِنْهُنَّ شَيْئًا وَلَا أُجَاوِزُهُنَّ، ثُمَّ وَثَبَ، فَقَالَ
النَّبِيُّ وَّ: ((إِنْ صَدَقَ الْأَعْرَابِيُّ دَخَلَ الجَنَّةَ)).
ذلك وتقريره ولم يلبث لئلا يقع لبث في تبليغ ما أرسله قومه لتصديقها، ووكّلوه
من جانبهم كافة لتحقيقها، ولئلا يكون طول جلوسه ثقلاً عليه ◌َّةِ، وظنه لك بنفسه
لحقارتها عنده لا يستلزم أن يكون كذلك في نفس الأمر أيضاً.
[قوله:] (فقال: والذي بعثك بالحق لا أدع منهن شيئاً ولا أجاوزهن)
المراد بذلك أن لا أتصرف بزيادة ولا نقصان في تبليغها، أو المراد لا أنقص ولا أزيد
في أركانها وواجباتها وأفعالها التي علمتنيها، ولا يبعد أيضاً أن يقال: لا أزيد ولا أنقص
عن هذه الأركان الأربعة، أو لا أزيد ولا أنقص على هذه في اعتقاد وجوب العمل بها،
أو لا أزيد على هذا معتقداً بوجوب الزيادة وكذا في شق النقصان، غاية الأمر أنه يلزم
القولُ بعدم إقراره التطوعاتِ في جميع [١] ذلك، ولا ضير فيه؛ لأن هذه الأفعال كافية
في دخول الجنة، وهو الذي قاله النبي ◌َّ، والتطوع لرفع الدرجات ولم يذكره.
وقوله: (إن صدق الأعرابي) أي: بلّغه كما قال أو فعله كما قال، (دخل
الجنة) لأنه بلّغه غيرَه، فالظاهر أنه لا يتركه أيضاً.
[١] أي: في جميع الأحكام المذكورة في الحديث، وليس المراد جميع التوجيهات فإن في
بعضها لا يلزم الإقرار بترك التطوعات، كما في توجيه اعتقاد وجوب العمل.

٥٤٠
الكوَكَبُ الدُّرِّي
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ
غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ: فِقْهُ هَذَا
الحَدِيثِ: أَنَّ القِرَاءَةَ عَلَى العَالِمِ وَالعَرْضَ عَلَيْهِ جَائِزُ مِثْلُ السَّمَاعِ، وَاحْتَجَّ
بِأَنَّ الأَعْرَابِيَّ عَرَضَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َهِ فَأَقَّ بِهِ النَّبِيُّ
٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ
٦٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، نَا أَبُو عَوَانَةَ،
عَنْ أبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمٍ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ:
((قَدْ عَفَوْتُ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ: مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ
دِرْهَمَا دِرْهَمُ، وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءُ، فَإِذَا بَلَغَتْ(١) مِائَتَيْنٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ
دَرَاهِمَ».
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وَعَمْرِو بْنِ حَزْمٌ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الأَعْمَشُ، وَأَبُو عَوَانَةً، وَغَيْرُهُمَا،
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ
عُيَيْنَةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ. قَالَ: وَسَأَلْتُ
[٣ - باب ما جاء في زكاة الذهب والورق]
قوله: (قد عفوتُ عن صدقة الخيل والرقيق) هذا دليل لما قال الصاحبان
[٦٢٠] د: ١٥٧٤، ن: ٢٤٧٨، حم: ١٠١٣٦،٩٢/١، تحفة: ١٠١٣٦.
(١) في نسخة: ((بلغ)).