Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
أَبْوَابُ الصَّلاَة
يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ مِنْ سِتِّيْنَ آيَةً إِلَى مِائَةٍ. وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿إِذَا الَّمْسُ كُوْرَتْ ﴾
[التكوير:١]، وَرُوِي عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى: أَنِ اقْرَأْ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالٍ
الْمُفَصَّلِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ.
(١١٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي القِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ
٣٠٧- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ ﴿ كَانَ يَقْرَأُ فِي الُهْرِ
وَالْعَصْرِ بِالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَشِبْهِهِمَا.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ خَبَّابٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ،
وَالْبَرَاءِ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
وَقَّدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِّ ◌َ ﴿هُ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الظُّهْرِ قَدْرَ تَنْزِيلِ السَّجْدَةِ، وَرُوِيَ
[١١٣ - باب ماجاء في القراءة في الظهر والعصر]
قوله: (كان يقرأ في الظهر والعصر) إلخ، هذا لف ونشر مرتب فلا خلاف،
أو لا فبيان للجواز.
[٣٠٧] د: ٨٠٥، ن: ٩٧٩، حم: ١٠٣/٥، تحفة: ٢١٤٧.
(١) في بعض النسخ: ((والبراء بن عازب)).

٨٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَفِي الرَّكْعَةِ
الثَّانِيَةِ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشْرَ (١) آيَةً.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَّبِي مُوسَى: أَنِ اقْرَأْ فِي الظُّهْرِ بِأَوْسَاطِ
الْمُفَصَّلِ، وَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ قِرَاءَةَ صَلَاةِ الْعَصْرِ(٢) كَنَحْوِ الْقِرَاءَةِ فِي
صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، يَقْرَأُ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ.
قوله: (وفي الركعة الثانية قدر خمسة عشر) هذا عند الإمام لبيان الجواز،
وتفصيله أن الإمام قائل بتسوية قراءة الركعتين فيما سوى صلاة الفجر، فإنه يجوِّز
فيها تطويلَ الأولى على الثانية، وأما في غيرها فلا، بخلاف أحد صاحبيه[١]، وأَوَّلَ
الأحاديث الواردة في تطويل الأولى على الثانية من حكاية الصحابة صلاتَه مَ له بأن
هذه الزيادة جاءت من قِبَل الأدعية (٢)، وأما القراءة فهما فيها سواء، لكن لا يتمشى
هذا التأويلُ هاهنا، فإن تفاوت خمسة عشر آية لا يمكن حمله(٣) على قراءة الأدعية،
لا سيما والإمام غير مُسَلُّم قراءةَ ما سوى الثناء والتعوذ والبسملة في الفرائض.
[١] وهو محمد، ففي ((الهداية))(٣): يطيل الركعة الأولى من الفجر على الثانية إعانة للناس على
إدراك الجماعة، وركعتا الظهر سواء عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: أحبّ إليّ أن
يطيل الركعة الأولى من الصلوات كلها.
[٢] أى: الثناء والتعوذ والتسمية، كما جزم بها صاحب ((الهداية)).
[٣] فلا بدّ من التوجيه الذي اختاره الشيخ، وهو بيان الجواز، كما تقدّم قريباً.
(١) في نسخة: ((خمس عشرة)).
(٢) في نسخة: ((أن القراءة في صلاة العصر)).
(٣) ((الهداية)) (١ /٥٦).

٨٣
أبْوَابُ الصَّلاَة
وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: تَعْدِلُ صَلَاةُ الْعَصْرِ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ
فِي الْقِرَاءَةِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: تَضْعُفُ(١) صَلَاةُ الظُّهْرِ عَلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي
الْقِرَاءَةِ أَرْبَعَ مِرَارٍ(٢).
ثم إن جملة الأمر في تعيين السور للصلوات الخمس إنما هو ثبوت مداومة
النبي ◌َّة، فما ثبت عند كل[١] إمام جعله مسنوناً، وحمل ما روي عنه بخلافه
على أنه لبيان الجواز، أو لعارض آخر، والأصل هو ذلك، وعلى هذا قلنا بطوال
المفصل [٢] في الفجر والظهر، وبقصاره في المغرب، وبالأوساط في العصر
والعشاء(٣).
[١] وهم متفقون على طوالِ المفصل في الصبح، وقصارِه في المغرب، واختلفوا فيما بين ذلك،
كما في ((الأوجز))(٤).
[٢] وأجاد القسطلاني(٥) [في] حكمةِ هذا التقسيم، فقال ما حاصله: إن الصبح والظهر وقتا نوم،
فناسب التطويل ليدركهما المتأخرُ، والعصر وقتُ اشتغالٍ، والعشاء وقتُ راحةٍ، فناسب
الوسط ليدركوا وَطَرَهم، والمغرب وقتُ تعبٍ وأكلٍ صائمٍ فناسب القصر.
(١) في نسخة: ((تضاعف)).
(٢) في نسخة: ((مرات)).
(٣) اعلم أن أول القرآن السبع الطوال، ثم المئين، ثم المثاني، ثم المفصل، والطوال المفصل
من الحجرات إلى آخر البروج، ومنها إلى آخر لم يكن أوساطه، وباقيه قصاره. انظر: ((أوجز
المسالك)) (١٢٣/٢-١٢٤).
(٤) ((أوجز المسالك)) (٢/ ١١٧).
(٥) انظر: ((إرشاد الساري)) (٢/ ٤٦٢).

٨٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
(١١٤) بَابُ(١) فِي القِرَاءَةِ فِي المَغْرِبِ
٣٠٨ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا عَبْدَةُ (٢)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله (٣)، عَنِ ابْنٍ عَبَّاسِ، عَنْ أُمِّهِ أُمِّ الْفَضْلِ قَالَتْ:
خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِلَ ﴿ وَهُوَ عَاصِبْ رَأْسَهُ فِي مَرَضِهِ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، فَقَرَأَ
بِالْمُرْسَلَاتِ، (٤) فَمَا صَلَّاهَا بَعْدُ حَتَّى لَقِيَ الله عَزَّ وَجَلَّ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
قَالَ: حَدِيثُ أَمِّ الْفَضْلِ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَرُوِيَ(٥) عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ
[١١٤ - باب في القراءة في المغرب]
قوله: (قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين كلتيهما) هذا ردٍّ صريح
على من قال: إن الوقت المستحب للمغرب ليس إلا واحداً[١]، وبيانٌ لجواز قراءة
[١] واستدل به الحافظ أيضاً في ((الفتح))(٦) على امتداد وقت المغرب.
[٣٠٨]خ: ٤٤٢٩، م: ٤٢٦، د: ٨١٠، ن: ٩٨٥، جه: ٨٣١، تحفة: ١٨٠٥٢.
(١) في نسخة: ((باب ما جاء)).
(٢) في بعض النسخ: ((عبدة بن سليمان)).
(٣) زاد في بعض النسخ: ((ابن عتبة)).
(٤) زاد في بعض النسخ: ((قالت)).
(٥) في بعض النسخ: «وقد روي)).
(٦) ((فتح الباري)) (٢/ ٢٤٧).

٨٥
أبْوَابُ الصَّلَة
كِلْتَيْهِمَا، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وَلَ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالظُّورِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ:
أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى: أَنِ اقْرَأْ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَرُوِيَ عَنْ
أَبِي بَكْرٍ(١): أَنَّهُ قَرَأْ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ(٢)، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ الْمُبَارَكِ،
وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يُقْرَأَ فِي صَلَاةِ
كل سورة قصيرة أو طويلة في كل صلاة، حتى لا يُظنّ - بما يُذْكَر من بيان قراءة السور
في الصلوات كما عين [١] - وجوبُها وعدمُ إجزاء السور الأخرى في تلك الصلوات.
(وَذُكِرَ عن مالك أنه يكره) هذا بيان لما يكره عند الدوام عليه، لكن
الشافعي فهم خلافَه فخالفه [٢].
[١] هكذا في الأصل، والظاهر: كما عينت؛ لأن الضمير إلى السور، ويمكن أن يُوَجَّه أن الضمير
إلى القراءة فيصح التذكير، وعلى كل حال فقوله: وجوبُها نائب فاعل لقوله: يظن، والمعنى:
لا يُظَنُّ بتعيين هذه السور وتقسيمها في الصلوات، كالطوال في الصبح، والقصار في
المغرب: وجوبُ قراءة هذه السور في هذه الصلوات.
[٢] قال الحافظ في ((الفتح))(٣) بعد حكاية كلام الترمذي هذا: وكذا نقله البغوي في ((شرح
السنة)) (٤) عن الشافعي، والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة في ذلك ولا استحباب، وأما
مالك فاعتمد العملَ بالمدينة بل وبغيرها، قال ابن دقيق العيد: استمر العمل على تطويل
القراءة في الصبح، وتقصيرِها في المغرب، والحق عندنا أن ما صحّ عن النبي بَّ في ذلك
و ثبتت مواظبته علیه فهو مستحب، وما لا تثبت مواظبته علیه فلا كراهة فیه، انتهى.
=
(١) زاد في بعض النسخ: ((الصديق)).
(٢) في نسخة: ((عند أكثر أهل العلم)).
(٣) ((فتح الباري)) (٢٤٨/٢).
(٤) انظر: ((شرح السنة)) (٣/ ٧٠).

٨٦
الكَوْكَبُ الدُّرِي
الْمَغْرِبِ بِالسُّوَرِ الطّوَالِ، نَحْوِ الظُّورِ وَالْمُرْسَلَاتِ، قَالَ الشَّافِعِىُّ: لَا أَكْرَهُ ذَلِكَ
بَلْ أَسْتَحِبُّ أَنْ يُقْرَأَ بِهَذِهِ السُّوَرِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ.
(١١٥) بَابُ مَا جَاءَ فِي القِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ العِشَاءِ
٣٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الله الْخُزَاعِيُّ(١)، نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ(٢)،
نَا ابْنُ وَاقِدٍ (٣)، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَّهِ يَقْرَأَ
فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَنَحْوِهَا مِنَ السُّوَرِ.
وَفِي الْبَابِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ (٤).
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ بُرَيْدَةَ حَدِيثُ حَسَنُّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ : أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ بِسُورَةٍ وَالتِّينِ(٥)
وَالزَّيْتُونِ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِسُوَرٍ مِنْ
= قلت: أما المعروف في فروع الشافعية هو استحباب القصار في المغرب، وما وجّه الشيخ
كلامَ مالك فهو توجيه حسن، فإني لم أر الكراهةَ في فروعه، والمذكور فيها ندب القصار في
المغرب لا غير.
[٣٠٩] ن: ٩٩٩، حم: ٣٥/٤، تحفة: ١٩٦٢.
(١) زاد في نسخة: ((البصري)).
(٢) في نسخة: ((حباب)).
(٣) في نسخة: ((حسين بن واقد)).
(٤) زاد في بعض النسخ: ((وأنس)).
(٥) في نسخة: ((بالتين)) بدل ((بسورة والتين)).

٨٧
أبْوَابُ الصَّلاَة
أَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ، نَحْوِ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ وَأَشْبَاهِهَا. وَرُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ
وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ قَرَؤُوا بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَأَقَلَّ، كَأَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَهُمْ وَاسِعُ فِي هَذَا.
وَأَحْسَنُ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ قَرَأَ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا،
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ.
٣١٠ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ
عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ لَهُ قَرَّأَ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ
بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ.
وَهَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
(١١٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ
٣١١ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ
مَكْحُولٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله
١١٦ - باب ما جاء في القراءة خلف الإمام
اعلم أن مسألة القراءة خلف الإمام من أدقٌّ مسائل فروع الدين، وأهمِّ ما تنازعت
فيه فقهاء المجتهدين، وليس مقصودنا في إيراد هذه المسألة هاهنا إلا إثبات ما هو حق
لا يرتاب فيه، وإن لم يقبله مكابرةً وعناداً مجادِلٌ أو سفيه؛ فنقول: إن في عدم قراءة
المؤتم خلف الإمام وقت ما هو يقرأ اتفاقا١ً) بينهم، إنما الخلاف في القراءة وقتَ
[١] المراد اتفاق الجمهور، وإلا ففيه خلاف يسير، قال ابن قدامة(١): المأموم إذا سمع قراءةً =
[٣١٠] خ: ٤٩٥٢، م: ٤٦٤، د: ١٢٢١، ن: ١٠٠١، جه: ٨٣٤، تحفة: ١٧٩١.
[٣١١] د: ٨٢٣، ن: ٩٢٠، حم: ١١٣/٥، تحفة: ٥١١١.
(١) ((المغني)) (٢٥٩/٢، ٢٦٠).

٨٨
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
سكتات الإمام، وكذلك هم متفقون على أنه لا يقرأ غيرَ الفاتحة - وهو السورة - حين
هو مؤتم، إلا ما ذهب [إليه] شرذمة قليلة لا يُعْبَأَ بها، إذ لم ينتظموا في سلك الفقهاء،
فإنهم تَقَوَّلوا بقراءة السورة أيضاً خلف الإمام(١)، وفي المسألة أربعة مذاهب:
الأول: ما اختاره الإمام الهمام، قدوة العلماء الأعلام: من عدم جواز قراءة
الفاتحة للمقتدي حين الاقتداء، في الصلاة الجهرية والسرية كلتيهما.
والثاني: مذهب شافع العصاة رحمه الله تعالى، من وجوب قراءتها في كلتيهما.
= الإمام فلا يقرأ بالحمد، ولا بغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾
[الأعراف: ٢٠٤] ولقوله ◌ِ: «مالي أنازَعُ القرآنَ»، [قال]: فانتهى الناسُ عن القراءة فيما
جهر، والجملة أن المأموم إذا كان يسمع قراءةَ الإمام لم تجب عليه القراءةُ، ولا تُسْتَحَبُّ عند
إمامنا والزهري والثوري ومالك وابن عيينة وابن المبارك وإسحاق، وأحد قولي الشافعي،
والقول الآخر له: يقرأ فيما جهر فيه الإمام.
وأورد ابن العربي(٢) على عموم القراءة خلف الإمام فقال: يقال للشافعي: عجباً لك!
كيف يقدر المأموم في الجهر على القراءة، أينازع الإمامَ، أم يعرض عن استماعه، أم يقرأ إذا
سكت، فإن قال: يقرأ إذا سكت، قيل له: فإن لم يسكت الإمام، وقد أجمعت الأمة على أن
سكوت الإمام غير واجب متى يقرأ، ويقال له: أليس في استماعه لقراءة الإمام قراءة منه،
وهذا كاف لمن أنصفه وفهمه، وقد كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام، وكان أعظمَ الناس
اقتداء برسول الله پيپے، انتھی.
(١) فقال في ((نيل المآرب)) (١/ ١٧٣): يُسَنُّ للمأموم أيضاً أن يقرأ الفاتحة وسورة أيضاً حيث
شُرِعَت السورة في سكتات إمامه، أي: سكتات الإمام في الصلاة الجهرية، ويقرأ المأموم
استحباباً الفاتحة وسورة فيما لا يجهر فيه الإمام متى شاء.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١١٠/٢).

٨٩
أبْوَابُ الصَّلَآَة
والثالث: مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، من عدم الوجوب في الجهرية،
والوجوب (١) في السرية.
والرابع: ما ذهب إليه أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، من عدم الوجوب في
كلتيهما، والجوازُ غير منفي عنده.
وأما إذا نُظِرَ إلى ما قدمنا من مذهب الشرذمة الغير المعتد بها، فالمذاهب
خمسة، ولو نُظِرَ إلى ما روي عن محمد[٢] من أنه استحسن القراءة خلف الإمام
تصير المذاهب ستة، وأما عند الشيخين فالقراءة محرمة (٣)؛
[١] ما حكى الشيخ من الوجوب في السرية عند مالك لعله مأخوذ من كلام بعض المالكية،
فإنهم قالوا بذلك، ومرجح مذهب الإمام مالك - كما في ((الأوجز))(١) -: عدم الوجوب في
كلتيهما، نعم أحبها في السرية، وكرهها في الجهرية، وكذلك ما حكي عن الحنابلة من عموم
الجواز: خلاف فروعهم، بل فيها المنع عن القراءة عند الجهر إلا لعذر(٢).
[٢] كما حكاه عنه صاحب الهداية(٣) وغيره، وفي (الدر المختار)) (٤): ما نُسِبَ لمحمد ضعيف.
[٣] أي: مكروه تحريماً، ففي ((الدر المختار))(٥): المؤتم لا يقرأ مطلقاً، فإن قرأ كُرِهَ تحريماً،
وتصح في الأصح، قال ابن عابدين: منع المؤتم القراءةَ مأثور عن ثمانين نفراً من كبار
الصحابة، منهم المرتضى والعبادلة الأربعة، وقد دَوَّن أهلُ الحديث أساميهم.
(١) ((أوجز المسالك)) (٢/ ١٦٧).
(٢) انظر: ((الروض المربع)) (٧٩/١).
(٣) ((الهداية)) (١ / ٥٦).
(٤) ((رد المحتار)) (٢٦٦/٢) وقيّد فيه ابن عابدين استحسان القراءة خلف الإمام عند الإمام
محمد بالصلاة السرية فقط.
(٥) ((رد المحتار)) (٢٦٦/٢).

٩٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
لما فيها من الوعيد[١) ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْلَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] والذي أجاب العلماء المتقدمون عن (١) لزوم تخصيص الآية
بالخبر: مشهور مستفيض لسنا محتاجين إلى ذكره، والمقصود هاهنا الجواب عما
استدل به الخصم على مرامه بتقرير لم يسبق إليه بعون الله وحسن توفيقه، فیحمده من
له فهم مستقيم وقلب غير عنيد، إذا ألقى إلينا سمعه وهو شهيد.
قال الترمذي الحافظ رحمه الله تعالی: حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان،
عن محمد بن إسحاق إلخ، قال الأحناف: محمد بن إسحاق قال فيه مالك: كذاب،
و کذلك بعض من سواه طعن فيه، فکیف یُسْتَنَدُ بحديثه؟! والذي توبع عليه به وهو
[١] ففي ((التنسيق))(٢) عن (كشف الأسرار)): عن عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: عشرة من
أصحاب رسول الله بَ ل ينهون عن القراءة خلف الإمام أشد النهي: أبو بكر الصديق، وعمر بن
الخطاب، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود،
وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، انتهى. وفي ((الأوجز))(٣): روي عن ابن
مسعود بألفاظ مختلفة، ففي رواية قال: أنصت، فإن في الصلاة شغلاً، سيكفيكَ الإمام، وفي أخرى
عنه: ليت الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه تراباً، وروي عن علقمة بن قيس: أن أعض على جمرة
أحبّ إليّ من أن أقرأ خلف الإمام، وعن سعد بن أبي وقاص: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في
فيه جمرة، وعن عمر: ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجراً، قال صاحب ((التنسيق))(٤): هذا
سند جيد لا كلام فيه، ثم رَدَّ ما نُقِلَ عنه بخلافه؛ وغير ذلك من الآثار في الباب.
(١) وفي الأصل: من، وهو تحريف.
(٢) ((تنسيق النظام)) (٨٠٢/٢).
(٣) ((أوجز المسالك)) (٢/ ١٨٢).
(٤) ((تنسيق النظام)) (٢٠٨/٢).

٩١
أبْوَابُ الصَّلاَة
الصُّبْحَ، فَتَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنِّي أَرَاكُمْ تَقْرَؤُونَ وَرَاءَ
إِمَامِكُمْ؟)) قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله إِي وَاللهِ، قَالَ:((لَا تَفْعَلُوا (١) إِلَّا بِأُمّ الْقُرْآنِ،
فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا)).
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأَنَسِ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَعَبْدِ الله
ابْنِ عَمْرو.
نافع بن محمود: رجل مجهول[١]. ولا يخفى عليك أن طعنهم في محمد بن إسحاق
غير مقبول، كيف وقد أخذ البخاري منه في بعض ما أدرجه في ((صحيحه))؟! ووثقه
آخرون، فالحق أن الحديث وإن لم يبلغ منزلةَ الصحة لكلام من كلم منهم فيمن كلم
منهم إلا أن حسنه لا ينكر، وكذلك طعنهم في الإمام وتضعيفٍ روايته التي رواها في
الإنصات كما فعله الدار قطني: لغو.
قوله: (فثقلت عليه القراءةُ) قالت الشافعية: هذا الثقل كان لما أن الرجل كان
يصلي جهراً، فثقلت قراءته على النبي ◌َّة، وأنت تعلم أن مثل هذا القول بعيد ممن له
أدنى مسكة في علم الحديث، فكيف بهؤلاء الجهابذة النقاد؟! أو لم يروا أن مثلَ ذلك
كيف يُتَصَوَّرُ في شأن أصحاب النبي ◌َّ أن النبي ◌َّ حين هو يقرأ القرآن جهراً- إذ
صَهَلَى اللّه
الواقعة كانت في صلاة الصبح - أنهم يقرؤون بأنفسهم، ولا يستمعون قراءة النبي
وسيلة
وعليه أُنْزِلَ، كيف وكانوا لا يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي ◌َّ فيما دون الصلاة،
[١] على ما جزم به ابن عبد البر، وإن ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الحافظ في ((التقريب))(٢):
مستور.
(١) في نسخة: ((فلا تفعلوا)).
(٢) (كتاب الثقات)) (٤٧٠/٥) و((تقريب التهذيب)) (ت: ٧٩٧٤).

٩٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ: أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عُبَادَةً حَدِيثٌ حَسَنُّ.
وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ
الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ وَلَّهِ قَالَ: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)). قَالَ:
وَهَذَا أَصَحُّ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ عِنْدَ أَكْثَرِ
أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ وَالتَّابِعِينَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، وَابْنِ
الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ يَرَوْنَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ.
ووقت سكوته! أو لم ير هؤلاء الذين حملوا الثقلَ على هذا السبب إلى قوله ◌ِّ حين فرغ
من صلاته: ((إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم))، وفي رواية: ((هل قرأ منكم أحد)) فهذا
هو الكلام وقت هذا التيقن الذي يلزم من قراءة المؤتم جهراً، بل الوجه في ذلك أن
لإكمالهم السننَ والفرائضَ كان تأثير في قلب النبي ◌َّ، كما قال في مقام آخر: ((لعلكم لا
تحسنون الطهارةَ فإني)) [١] فكأن لارتكابهم القراءةَ وقد نهوا عنها دخلاً في التأثير باطنيًّا.
أو لما أنهم كانوا حين يقرؤون يَهُذُّون(٢) هَذَّا؛ طلباً لإتمام الآية قبل أخذه ◌َّ.
في القراءة (٣]، كما ورد في هذه الرواية بإسناد آخر: فأحس النبي ◌َّ حسيسهم،
[١] بياض في الأصل هاهنا، والحديث الذي أشار إليه الشيخ ما في ((المشكاة)) عن النسائي(١):
أنه مَ لّه صلى صلاة الصبح فقرأ ((الروم))، فالتبس عليه، فلما صلى قال: ((ما بال أقوام يصلون
معنا، لا يحسنون الطهورَ، وإنما يُلَبِّسُ علينا القرآنَ أولئك)»، ففيه أن قلبه الأطهر ◌َ ل تنكشف
فيه أحوال الرجال، وهذا مما لا يُنْكَرُ عن مشايخ السلوك، فكيف عن مركز دوائرهم؟ !.
[٢] أي: يُسرعون في القراءة، وهو يورث الرجَّة الخفية.
[٣] يعني يقرؤون في سكتاته وَلّه وَيَهُذُّونَ لإتمام الآية قبل أخذه ◌َالّ في آية أخرى.
(١) انظر: ((مشكاة المصابيح)) (ح: ٢٩٥) و((سنن النسائي)) (ح: ٩٤٧).

٩٣
أبْوَابُ الصَّلَة
(١١٧) بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ إِذَا جَهَرَ الإمام بِالقِرَاءَةِ
٣١٢ - حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، نَا مَعْنُ، نَا مَالِكُ(١)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ
أُكَيْمَةَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا
بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ:((هَلْ قَرَّأَ مَعِي أَحَدُ مِنْكُمْ آنِفًا؟)) فَقَالَ رَجُلُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله،
قَالَ: ((إِنِّى أَقُولُ: مَالِى أَنَازَعُ الْقُرْآنَ)). قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ
رَسُولِ اللهِلَ ◌ّهِ فِيمَا يَجْهَرُ(٢) فِيهِ رَسُولُ اللهِ ،وَلَّهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ بِالْقِرَاءَةِ، حِينَ
سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِوَهِ.
وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله.
فاشتبهت عليه قراءته، أو لأنه لما علم بحسيس صوتهم في القراءة اغتاظ؛ لمخالفتهم
أمره في الانتهاء عن القراءة خلف الإمام، فلشدة موجدته عليهم في ذلك اشتبهت
عليه قراءته، أو لما أَثَّرَتْ رغبتُهم عن قراءته لشغلهم بقراءتهم في توجهه إلى قراءته؛
فإن لرغبة السامعين دخلاً في انبعاث الإمام القارئ على القراءة.
[١١٧ - باب ما جاء في ترك القراءة إلخ]
قوله: (قال: فانتهى الناس) أي: الذين كانوا يقرؤون حين يصلون خلف
الإمام، ومما ينبغي أن يُعْلَمَ أن أَوَّلَ ما فرضت على النبيِ وَلّه وأصحابه من الصلاة
[٣١٢] د: ٨٢٦، ن: ٩١٩، جه: ٨٤٨، تحفة: ١٤٢٦٤.
(١) في نسخة: ((مالك بن أنس)).
(٢) في نسخة: ((جھر)).

٩٤
الكَوْكَبُ الدُّرِي
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ (١). وَابْنُ أُكَيْمَةَ اللَّيْتِيُّ اسْمُهُ: عُمَارَةُ،
وَيُقَالُ: عَمْرُو بْنُ أُكَيْمَةً.
وَرَوَى بَعْضُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ وَذَكَرُوا هَذَا الْحَرْفَ: قَالَ:
◌َّ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ الله
وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدْخُلُ(٢) عَلَى مَنْ رَأَى الْقِرَاءَةَ خَلْفَ
الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ هُوَ الَّذِي رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَرَوَى أَبُو
إنما هي صلاة الليل، كما قال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [١] ﴿ قُ الَّلَ إِلَّقَلِيلًا﴾ إلخ [المزمل: ١ - ٢]،
وكان الأمر على ذاك ما شاء الله تعالى، ثم نُسِخَتْ في حق المقدار حين نزلت آيُ
أواخر السورة المذكورة، وهي قوله تعالى: ﴿فَأَقْرَءُ واْ مَا تَّنَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠]،
وبقي مطلقُ أمرٍ صلاة التهجد على فرضيته، ولو آية (٢) أو سورة قصيرة أو طويلة،
[١] وكان نزولها في مبدأ الوحي، لَمّا جاءه الوحي في غار حراء، ورجع إلى خديجة يرجف
فؤادُه فقال: ((زَمِّلوني زملوني)»، ثم نُسِخَ بآخر السورة، وكان بينهما سنة، كما في حديث
عائشة وابن عباس عند أبي داود(٣)، فبقي مطلق التهجد فرضاً، ثم نُسِخَ بالصلوات الخمس
في الإسراء، كما في الجلالين (٤) والقسطلاني(٥) وغيرِهما.
[٢] أي: ولو يقرأ فيها آية أو سورة قصيرة، قال الرازي: قيل: يقرأ مائة آية، وقيل: خمسين آية،
ومنهم من قال: بل السورة القصيرة كافية؛ لأن إسقاط التهجد إنما كان دفعاً للحرج، وفي
القراءة الكثيرة حرج؛ فلا يمكن اعتبارها، انتهى.
(١) زاد في نسخة: ((صحيح)).
(٢) في نسخة: ((يدل)).
(٣) ((سنن أبي داود)) (١٣٠٤، ١٣٠٥).
(٤) انظر: ((تفسير الجلالين)) (ص: ٥٧٥).
(٥) ((إرشاد الساري)) (٣١٩/٢).

٩٥
أبْوَابُ الصَّلاَة
وشاع فيما بينهم في ذلك طريقةٌ أداء الصلوات الخمس، ثم لما فُرِضَتِ الصلواتُ
الخمسُ - وكانوا من قَبْلِ ذلك يصلي كل منهم لنفسه - ووجبت الجماعةُ؛ نزل قوله
تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُوْ لَهُ, وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]
فانتهوا بذلك عما كانوا عليه من قراءة كل ما اعتادوا ذلك في صلاة التهجد، وبذلك
أمرهم النبي ◌ِّ، واستقر الأمر على ذلك، وكان الذي قاله النبي وَ ثير من أنه: ((لا
صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن))، وكذلك: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))، مصداقُّه
المنفرد والإمام لا المقتدي؛ لما ورد في الرواية الصحيحة من زيادة لفظ: ((سورة»،
وفي رواية: ((وزيادة))، إلى غير ذلك، وزاد هذه اللفظةَ معمر وشعبة [١]، أَوَ لا يَرُدُّ
جلالةُ قدرهما في ذلك الفن عنهما وصمةَ السهو وتهمةَ النسيان كما أزراهما به
المخالفون؟! وليت شعري ما الذي اضطرّهم إلى مخالفة قاعدتهم المسلَّمة:
من أن زيادة الثقة معتبرة إذا لم تكن مخالفة لما هو أوثق منه، وهاهنا كذلك، إذ
لا مخالفة بشيء في قولهم: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) بقولهما: ((لا صلاة إلا
بفاتحة الكتاب وسورة معها))، وفي رواية: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعداً))،
وفي رواية: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن))؛ فَعُلِمَ أن المقصود بذلك ليس هو
[١] هكذا في الأصل، وكتب الشيخ على هامش كتابه مُضَيِّباً عليه لفظة(١) بدله، لكنه لم يذكر
البدل، بل ترك البياض، والظاهر عندي أنه أراد محله كتابة: سفيان بن عيينة، فإن المشهور
في الشروح هو متابعته لمعمر، وهو أيضاً من حفاظ الحديث، فكلام الشيخ الآتي مستقيم
يترتب على معمر وسفيان، وأيضاً تابعهما على هذه الزيادة: صالح والأوزاعي وعبد الرحمن
ابن إسحاق وغيرهم، كما حكاه الشيخ في «البذل))(٢).
(١) وفي الأصل: لفظه، والظاهر ما أثبتُه.
(٢) ((بذل المجهود)) (٢٤١/٤).

٩٦
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
نفي أصل الصلاة، وأن الفاتحة والسورة مساويتان في الوجوب، وأن المراد بذلك
هو المنفرد دون المؤتم، وعليه يُحْمَلُ ما ورد في ذلك من الروايات الخالية عن هذه
الزيادة؛ فإن الراويَ كثيراً ما يختصر رواية، والآخر يأتي بها أتمَّ، أَوَ ليس لمن يخالفنا
من سبيل إلى موافقتنا حتى يَسْتَخْلِصَ من ورطة مخالفة هذه الروايات الصريحة
الصحيحة؟! مع أنهم خصَّصوا[١] من عموم حديث: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))
من أدرك الإمامَ وهو راكع! فلنا أن نَخُصَّ منه(١) غيرَه بالقياس، أو بالرواية، أو بالآية.
ولو سُلِّم عمومُ قوله ◌َّ: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) عَمَّمْنا القراءةَ عن
الحقيقية والحكمية، والمقتدي قارئ بقراءة إمامه، فقد روي عن أبي هريرة (٢) نفسِه -
[١] فإنهم متفقون على أن مُدْرِكَ الإمام في الركوع مُدْرِكٌ للركعة وإن لم يقرأ الفاتحةَ، قال ابن عبد
البر: هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وأبي ثور وأحمد
وإسحاق، انتهى ما في ((الأوجز))(٢)، ولا يُلْتَفَتُ إلى من خالفهم؛ فإنهم فوارس هذا الميدان.
[٢] أخرج حديثه الدار قطني(٣) وقال: تفرد به محمد بن عباد الرازي، وهو ضعيف، قال صاحب
(التنسيق)) (٤) بعد تسليم جرح محمد بن عباد: إن الضعاف يقوِّي بعضُها بعضاً، وهاهنا
صحاح وضعاف، فكيف لا يقوى بها الضعاف؟ انتهى. قلت: وهو مؤيَّد بالرواية الصحيحة
عنه المرفوعة بلفظ: وإذا قرأ فأنصتوا(٥).
(١) وفي الأصل: منها.
(٢) ((أوجز المسالك)) (٣٠١/١).
(٣) ((سنن الدراقطني)) (٣٣/١) قال الإمام الدار قطني بعد إخراج الحديث: أبو يحيى التيمي
ومحمد بن عباد ضعيفان.
(٤) ((تنسيق النظام)) (٧٨٤/٢).
(٥) أخرجه النسائي (٩٢١) وقال الإمام مسلم في (صحيحه)) (بعد حديث ٤٠٤): هو عندي
صحيح، وأخرج الإمام مسلم مثله عن أبي موسى الأشعري (٤٠٤) في حديث طويل.

٩٧
أبْوَابُ الصَّلاَة
وهو راوي روايةٍ قراءة الفاتحة - ما يدل على ذلك حيث قال: ((من كان له إمام فقراءة
الإمام قراءة له))، وعلى هذا يُحْمَلُ ما ورد من الألفاظ المختلفة، ففي بعضها: ((فهي
خداج غير تمام)) إلى ما سوى ذلك، ومصداقه إذاً ما لا قراءة فيه لا حقيقة ولا حكماً.
ثم لما نهى الله تعالى أصحاب نبيه مل أن يقرؤوا خلف إمامهم تفرقوا فيه،
فمنهم من انتهى عن ذلك مطلقاً، كما دلّت عليه رواية عبد الله (١) بن مسعود رضي الله
عنه، ومنهم من اجتهد فقال: إن المنع إنما هو طلباً للاستماع، فلا علينا في أن نقرأ
فاتحة الكتاب وقتَ سكتات الإمام، وليس المراد بالقراءة هاهنا قراءة السورة، كما
يظهر بالتتبع والتفحص والتعمق والتأمل في روايات هذه القصة، فاستمر بذلك على
قراءته للفاتحة خلف الإمام في سكتاته، وبذلك يصح ما في الرواية الأخرى: ((نَهُذُّ
هذَّا))، وإلا فأية حاجة كانت إلى الهَذِّ لَمّا كانوا يقرؤون مع قراءة الإمام؟! وكيف
يمكن أن النبي ◌َّ أحسّ بقراءة من خلفه مع جهره بالقراءة وإخفائهم، إذ الواقعة
كانت في الصبح، فلا بد من التسليم لما قلنا من أنهم كانوا يقرؤون ويَهُذَّون باجتهاد
منهم في سكتات الإمام، وذلك لما أَلِفُوا من القراءة في الصلاة كما قد قَدَّمْنا.
[١] فقد أخرج الطحاوي(١) والطبراني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: كانوا يقرؤون
خلف النبي ◌ِّ فقال: خلطتم عليَّ القراءةَ، قال السيوطي في ((الدر))(٢): أخرج ابن أبي شيبة
والطبراني وابن مردويه، عن أبي وائل، عن ابن مسعود أنه قال في القراءة خلف الإمام:
أنصِتْ للقرآن کما أُمِرْتَ؛ فإن في الصلاة شغلاً، وسیکفیك الإمام، انتهى.
(١) ((شرح معاني الآثار)) (٢١٧/١)، ولم نجده في ((الطبراني))، وقال الهيثمي في ((المجمع))
(٢/ ١١٠): رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) ((الدر المنثور)) (٦٣٥/٣).

٩٨
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
وأما من تعمّق في مضمون الخطاب فرأى أن النهي عام لسكتة الإمام وقراءته،
فكان حاله ما قلنا من رواية عبد الله بن مسعود. ولولا الأمر ما قلنا من بناء قراءتهم
على اجتهادهم فأي حرج كان عليهم في قراءتهم خلفه حتى سكتوا حين سأل: ((أيكم
قرأ؟))، أو قال: ((هل قرأ خلفي منكم أحد؟))، أو لم يكن يعلم أنى أمرتهم بذلك فلا
يصح سؤاله بعملية، وأيضاً كان عليهم أن يجيبوا بأنك يا رسول الله ◌َ يهل أمرتَنا بأن نقرأ،
فَعُلِمَ أن قراءتهم هذه إنما كانت في السكتات، وأن مدارها كان على اجتهادهم أَنَّ
إحراز فضيلَتَي قراءة الفاتحة، واستماع قراءة الإمام والإنصاتِ وقتَ قراءته هو
الأولى، فلما انصرف عن صلاته، وأنكر عليهم قراءتهم(١) لما اجتهدوا أي: قاسوا،
والنبي مَّ فيهم قال: ((لا تفعلوا إلا بأم القرآن))، وليس في الحديث الذي نحن فيه ما
يُسْتَدَلَّ به على وجوب الفاتحة؛ فإن أحداً من أئمة اللغة والنحو والبيان لم يقل بأن
الاستثناء من الأمر يكون نهيًا، ومن النهي أمراً، بل المذكور في كتبهم أن الاستثناء
من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، كيف ولو كان الأمر كذلك لكان معنى قوله مَليّه:
((لا تَشُدُّوا الرحالَ إلا إلى ثلاثة (٢) إلخ)) وجوبَ شَدِّ الرحال إليها، ولم يقل به أحد،
فالذي يُفْهَمُ منه أن القراءة خلف الإمام لا تَصِحُّ ولا تجوز، إلا أن له رخصةً في قراءة
الفاتحة، وكان هاهنا منشأ سؤال، وهو أن يُسْأَلَ وجهُ الرخصة في الفاتحة مع حرمة
القراءة وراء الإمام فقال: إن من لم يقرأ بفاتحة الكتاب لا تصح صلاتُه إذا لم يكن وراء
الإمام، فإذا كان وراء الإمام فله رخصة في قراءتها، لعظمةِ شأنها، وقلةٍ مقدارها، وكثرة
(١) وفي الأصل: قراءته، والظاهر ما أثبتُّه.
(٢) أخرجه البخاري (١١٩٧) ومسلم (٨٢٧).

٩٩
أبْوَابُ الصَّلاَة
سكتة الإمام قبلها وبعدها، فقوله محدثة في هذه الرواية: ((فإنه لا صلاة إلخ)) ليس إلا جواباً
لذلك السؤال المقدَّر، وبياناً للفرق بين الفاتحة والسورة الأخرى.
قال الأستاذ - أدام الله عُلُوَّه ومجدَه، وأفاض على العالمين بَرَّه ورفدَه -:
قوله مَثية: ((فإنه لا صلاة إلخ)) تنبيه على علة الرخصة، وتبيين لعلة الاستثناء، وذلك
أن الفاتحة تفارق سائرَ القرآن في كثرة تكرار الألسنة لها، ودوام قراءتها في الصلاة
بأسرها فريضة كانت أو تطوعاً، فلا يتطرق اللبس والاختلاط في قراءتها، ولا كذلك
سائر السور والآيات، فإنها ليست بتلك المنزلة، فافهم واغتنم.
وأما ما قالوا: من أن آية: (وإذا قرئ)) إلخ، نزلت في الخطبة؛ فغير مسلَّم؛ لما
أن سورة الأعراف مكية إلا آية: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، والخطبة
افترضت في المدينة، ولو سُلِّم أنها فُرِضَتْ في مكة فمسلَّم أن النبيِّه لم يخطُّبْ
بها؛ إذ قد صرحوا بأن أول خطبة خطبها رسول الله مَ ﴾[١]، فلم تك خطبة حتى يتكلم
فيها، فيأمر الله تعالى بالسكوت والإنصات.
وما قال بعضهم من أن نزولها في الصلاة والخطبة جميعاً؛ فحق لا يرتاب فيه،
وليس المعنى أن ورودها كان في هاتين الوقعتين، بل المعنى أن حكمها عام للخطبة
[١] بياض في الأصل بعد ذلك، والظاهر أن مراد الشيخ رحمه الله: أن أول جمعة صلاها
رسول الله بِّ في بني سالم بَعْدَ رحيله من قباء، كما صرح به جمع من أهل السير، وفي
((الخميس)»(١): كانت هذه أولَ جمعة جَمَّعها في الإسلام حين قدم المدينةَ، وخطب يومئذ
خطبة بليغة، وهي أول خطبة في الإسلام، ثم ذكر الخطبة.
(١) ((تاريخ الخميس)) (٣٣٩/١).

١٠٠
الْكَوَكَبُ الدُّرِّي
والصلاة كلتيهما وإن كان نزولُها في الصلاة [١] لا غير[٢].
والحاصل أن المفهوم من هذا الحديث ليس (٣) إلا رخصة في قراءتها، ومن
المعلوم أن الرخصة ترتفع بارتفاع ما هي مبنية عليها[٤]، فكان سببُ رخصتهم
أنهم كانوا لا يخلطون قراءتهم بقراءة الإمام حتى تلزم المخالفة لآية الإنصات،
فَرُخّصُوْا، فلما رأى الأصحاب رضي الله عنهم خلطَ العوامِّ فيها نُهوا[٥] عن ذلك
لئلا يلزم تركُ الفرض بالاشتغال بالمباح أو المستحب، لو سُلُّم، ولو لم يرفعه
الصحابة كان للمجتهد أن يرفع هذه الرخصةَ إذا شاهد فيه مثلَ ذلك، ولا يبعد أن
يقال: إن النبي ◌َّ نفسه رفع تلك الرخصة قبل وفاته؛ لما روي عن صلاته ◌ِّل
حين سقط من دابته، فَجُحِشَ (١) شِقَّه فصلى قاعداً والناس خلفه قيام، فقال حين
[١] فقد حكى السيوطي في ((الدر)) (٢) عن جمع من الصحابة وغيرهم أنها نزلت في القراءة في الصلاة.
[٢] يعني لم يكن قبل الهجرة وجودُ الخطبة حتى يتكلم فيها أحد فيؤمر بالسكوت.
[٣] وإلا فيجب شَدُّ الرحال إلى المساجد الثلاثة، كما تقدم في كلام الشيخ.
[٤] أي: كان مبنى رخصتهم أولاً أنهم كانوا لا يخلطون.
[٥] هذا على سبيل التسليم أن المنع ليس مرفوعاً إلى النبي عليه، كما يدل عليه السياق، أو المراد
شدة النهي حتى تمنوا أن يدخل في فيه التراب(٣).
(١) قال في ((المعجم الوسيط)) (١٠٨): جَحَشَ الجلدَ: خدشه.
(٢) ((الدر المنثور)) (٦٣٦/٣).
(٣) فقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ليت الذي يقرأ خلف الإمام مُلِىَّ فوه
تُراباً، ((شرح معاني الآثار)) (٢١٩/١).