Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
أَبْوَابُ الصَّلَة
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َ لَّهِ وَالتَّبِعِينَ:
يَخْتَارُونَ الْإِشَارَةَ فِي التَّشَهُّدِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا.
(١٠٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ
٢٩٥ - حَدَّثَنَا بُنْدَارُ (١)، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، نَاسُفْيَانُ، عَنْ أبِى
إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ: أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ
عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ («السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ
وَرَحْمَةُ الله)).
وَفِي الْبَابِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَالْبَرَاءِ(٢)،
وَعَمَّارٍ، وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَعَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةً، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َ﴿ وَمَنْ بَعْدَهُمْ،
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
= ففي ((الشامي))(٣) عن ((المحيط)): يرفعها عند النفي، ويضعها عند الإثبات، وهو قول أبي
حنيفة ومحمد، انتھی.
[٢٩٥]د: ٩٩٦، ن: ١٣٢٤، جه: ٩١٤، حم: ٣٩٠/١، تحفة: ٩٥٠٤.
(١) في نسخة: «محمد بن بشار)).
(٢) زاد في بعض النسخ: ((وأبي سعيد)).
(٣) ((الدر المختار)) (٢١٧/٢).
٦٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
(١٠٧) بَابٌ مِنْهُ أَيْضاً
٢٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْبَى النَّيْسَابُورِيُّ، نَاعَمْرُ وبْنُ أَبِي سَلَمَةَ(١)، عَنْ
زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ
كَانَ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، ثُمَّ يَمِيلُ(٢) إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ
شَيْئًا.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.
[١٠٧ - باب منه أيضاً]
(كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة) [١] أي: يأخذ فيها من تلقاء وجهه،
ويختمها إذا مال وجهه إلى اليمين، وكذا الحكم في تسليم اليسار، لكنها اكتفت بذكر أن
[١] اعلم أولًا أن الفقهاء مختلفون في التسليم في الموضعين بُسِطا في ((الأوجز))(٣): الأول
في الواجب منه؛ فعن الإمام أحمد روايتان: إحداهما ركنية السلامين معاً، والثانية ركنية
إحديهما، وكذا اختلف عند الحنفية، فقيل: الثاني واجب، وقيل: سنة، وعند باقي الأئمة
الواجب واحد، حتى حكى النووي (٤) وابن المنذر إجماع العلماء على ذلك.
وأما الاختلاف الثاني ففي المسنون منه، فقالت الأئمة الثلاثة: السنة اثنان، خلافاً لمالك وبعض
السلف، فقالوا: يسلم المأموم ثلاثاً، وهو مشهور قول مالك، والثالث للرد على الإمام،=
[٢٩٦] جه: ٩١٩، تحفة: ١٦٨٩٥.
(١) زاد في بعض النسخ: ((أبو حفص التنيسي)).
(٢) زاد في نسخة: ((بوجهه)).
(٣) ((أوجز المسالك)) (٢٤٩/٢-٢٥٣).
(٤) انظر: ((المجموع شرح المهذب)) (٤٨٢/٣)، و((كتاب الإجماع)) (ص: ٣٩).
٦٣
أبْوَابُ الصَّلاَة
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَحَدِيثُ عَائِشَةَ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَهْلُ الشَّأْمِ بَرْؤُونَ عَنْهُ مَنَاكِيرَ،
وَرِوَايَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَنْهُ أَشْبَهُ(١)، قَالَ مُحَمَّدُّ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كَأَنَّ زُهَيْرَ
ابْنَ مُحَمَّدٍ الَّذِي كَانَ وَقَعَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ هُوَ هَذَا الَّذِي يُرْوَى عَنْهُ بِالْعِرَاقِ،
كَأَنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ قَلَبُوا اسْمَهُ.
وَقَّدْ قَالَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَصَحُ الرِّوَايَاتِ عَنِ
النَّبِيِّ ◌َ ◌ّ تَسْلِيمَتَانِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ لَّهِ وَالتَّابِعِينَ
وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَرَأَى قَوْمٌّ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّلَ ◌ّهِ والتّابعينِ وَغَيْرِهِمْ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً
فِي الْمَكْتُوبَةِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ شَاءَ سَلَّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ.
مقصودها بالذكر إنما هو بيان التسليمة: من أين تبتدئ، وبيان كيفيتها: كيف هي؟! وما
قيل من أنها لم تبلغها التسليمةُ الثانيةُ لما أن التسليمة الأولى من النبي ◌َّ كانت فوق صوت
التسليمة الثانية فلم تسمع عائشة غيرَها فبعيد جدًّا؛ فإن التسليمة الثانية كانت إلى جهة
حجرتها، فهي تتمكن من سماعها فوق تمكنها من سماع التسليمة الأولى، ولم يك لإخفاء
النبي ◌َّه إياها معنى حتى يقال ما قيل، وإنما الثابت أنه لم يكن يرفعها كرفع الأولى.
= وأما غير المأموم فيسلم واحداً تلقاء وجهه، ملخص من ((الأوجز)).
وإذا عرفت ذلك فحديث الباب حجة لمن قال بوحدة السلام، وحاول الشيخ توجيهه إلى
قول الجمهور، وحاصل ما أفاده أن الحديث ليس بمسوق لبيان العدد، بل لبيان ابتداء السلام
بأن كان دأبه ◌َّ أن يبتدئ من تلقاء وجهه، ويختمه إلى اليمين واليسار، والأوجه عندي أن
الحديث حجة للجمهور في المسألة الأولى، وهي فرض التسليمة الواحدة؛ فإن النبي مثل
قد يكتفي على التسليمة الواحدة بياناً للجواز.
(١) زاد في نسخة: ((وأصح)).
٦٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
(١٠٨) بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ حَذْفَ السَّلَامِ سُنَّةٌ
٢٩٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ وَالْهِقْلُ بْنُ زِیَادٍ،
عَنِ الْأوْزَاعِيِّ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: ((حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ).
١٠٨ - باب ما جاء أن حذف السلام سنة
تخصيص الحذف بإسقاط الحرف اصطلاحٌ حديثٌ(١)، ولفظ الحديث منه
قديم، فالمراد بالحذف في الباب إنما هو حذف [٢] حركة هاء الجلالة(١).
[١] أي: حادث، قال المجد (٢): الحديث: الجديد، والخبر.
[٢] قال الحافظ في ((التلخيص الحبير))(٣): حذف السلام: الإسراعُ به، وهو المراد بقوله:
جزم، وأما ابن الأثير في ((النهاية)) (٤) فقال: معناه أن التكبير والسلام لا يُمدَّان، ولا يُعْرَب
التكبير، بل يُسْكَن آخره، وتبعه المحب الطبري، وهو مقتضى كلام الرافعي، وفيه نظر؛
لأن استعمال لفظ الجزم في مقابل الإعراب اصطلاح حادث لأهل العربية(٥)، فكيف=
[٢٩٧] د: ١٠٠٤، حم: ٥٣٢/٢، تحفة: ١٥٢٣٣.
(١) قال الشيخ البنوري في (معارف السنن)) (١١٨/٣): الجزم في اللغة: القطع، ومعنى القطع
أن لا يمد، بل يقف عليه، فلا يتحرك ولا يمد، فالغرض هو نفي الإطالة والتمديد، وهو
مفاده لغة، لا أنهم حملوه على معنی مستحدث.
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٦٦).
(٣) ((التلخيص الحبير)) (٢٢٥/١ ح ٣٣٣).
(٤) ((النهاية)) (١ / ٢٧٠).
(٥) وفي الأصل: لا بل العربية، والتصويب من ((التلخيص)).
٦٥
أبْوَابُ الصَّلاة
قَالَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ: وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ (١): يَعْنِي أَنْ لاَ تَمُدَّهُ مَدًّا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ(٢).
وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أُهْلُ الْعِلْمِ، وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أنَّهُ قَالَ:
التَّكْبِيرُ جَزْمٌّ، وَالسَّلَامُ جَزْمٌّ، وَهِقْلُ يُقَالُ: كَانَ كَاتِبَ الْأَوْزَاعِيِّ.
قوله: (وقال ابن المبارك) إلخ، لما كان في لفظ الحديث خفاء وإجمال بَيَّنه
ابن المبارك بقوله: أن لا تمدّه مدًّا، أي: لا تحرِّكِ الهاءَ، وأما توهُّمُ أن المنع من إشباع
الجلالة فمندفع بثبوته اتفاقاً، لا يقال: إن اللازم من قول ابن المبارك إنما هو أن لا
تُشْبَعَ الهاءُ لا أنها لا تُحَرَّك؛ لأنه قال: لا تمده مدًّا، ولا مد في تحريكها؛ لأنها نقول:
إن ما قلتم من أنها لا مد في تحريكها فهو غير مسلم؛ إذ في الحركة مَدِّ نسبة إلى
الجزم، لكن لما كان بقي بعد تفسير ابن المبارك أيضاً نوعُ إبهامٍ احتاج إلى تفسير
آخر، فقال: روي عن إبراهیم، إلخ.
= تُحْمَلُ عليه الألفاظ النبوية؟ انتهى. وتعقب عليه ابن عابدين (٣) فقال: إن الجزم في
الاصطلاح الحادث عند النحويين حذفُ حركة الإعراب للجازم فقط لا مطلقاً، إلى آخر ما
بسطه.
(١) في بعض النسخ: ((عبد الله بن المبارك)).
(٢) في ((معارف السنن)) (١١٨/٣): وفي إسناد الحديث قرة بن عبد الرحمن، وهو مختلف
فیه، ضعفه الأكثر، قال في «التقریب)): صدوق له مناکیر، وفي ((التهذيب)): روی له مسلم
مقروناً بغيره، وغاية مبلغ الحديث أن يكون حسناً، انتهى مختصراً.
(٣) ((رد المحتار)) (٥٢/٢).
٦٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
(١٠٩) بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ (١)
٢٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ، عَنْ
عَبْدِ الله بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَ لَّهِ إِذَا سَلَّمَ لَا يَقْعُدُ
إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ
وَالْإِكْرَامِ)».
٢٩٩ - حَدَّثَنَا هَنَّارُ(٢)، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةً(٣) وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمِ
الْأَحْوَلِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَقَالَ: (تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)).
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ ثَوْبَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَيِي
هُرَيْرَةَ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.
١٠٩ - باب ما يقول إذا سلم
قد تاهت العلماء بحديث عائشة هذا، فاضطروا إلى تأويلات فيما ورد من أنه مَ له
كان يقول أزيد من هذا، وحكموا أن الزيادة على هذا المقدار في الجلوس بعد الفريضة
قبل أداء السنن لا تجوز، إلا أن بعضهم لما تنبه على صحة الروايات المثبتة للزيادة في
الجلوس قال: لا تجوز الزيادة في الجلوس على مقدار الركعتين [١]، وهذا هو القول
[١] قلت: لم أجد التقييد بمقدار الركعتين، فليفتش في كلام القدماء.
[٢٩٨] م: ٥٩٢، د: ١٥١٢، ن: ١٣٣٨، جه: ٩٢٤، تحفة: ١٦١٨٧.
(١) زاد في بعض النسخ: ((من الصلاة)).
(٢) في نسخة: ((هناد بن السري)).
(٣) زاد في نسخة: ((الفزاري)).
٦٧
أبْوَابُ الصَّلاَة
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ(١).
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَحْدَهُ
لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ،
النجيح الذي لا يتعدى عن الحق الصريح؛ فإن حديث عائشة يمكن أن يقال فيه: إن
النبي ◌َّ كان يقول هذه الكلمات أحياناً، فاتفقت الروايات، وكل ما روي عن النبي وَالثّ
أنه كان يقولها بعد الصلاة لا يتعدى عن مقدار الركعتين(٢). ومن الظاهر[١] أن السنن
للجبر وإتمام الفرائض فلا منافاة بينها وبين الأذكار؛ إذ الأذكار متمِّمة لها كالسنن، غير
أن الإجازة مقتصرة على ما ثبت من الأذكار بين الفرائض والسنن دون مالم يثبت.
[١] يعني: ما قيل إن السنن مكمِّلات للفرائض فينبغي اتصالها بالفرائض: لا ينافي اتصالَ الأذكار؛
فإنها أيضاً مكملات لأذكار الصلاة.
(١) زاد بعده في نسخة: ((وقد روى خالد الحذاء هذا الحديث عن عبد الله بن الحارث نحو
حدیث عاصم)).
(٢) في ((غنية المتملي في شرح منية المصلي)) (ص: ٣٤٢): وقول عائشة: مقدار ما يقول إلخ، يفيد
أن ليس المراد أنه كان يقول ذلك بعينه، بل كان يقعد زماناً يسع ذلك المقدار ونحوه من القول
تقريباً، فلا ينافي ما في الصحيحين عن المغيرة أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول في دبر كل
صلاة مكتوبة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء
قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد))، وكذا ما
روى مسلم وغيره عن عبد الله بن الزبير: كان رسول الله ◌ِّيّ إذا سلم من صلاته قال بصوته
الأعلى: ((لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير،
لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن،
لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون))، لأن المقدار المذكور من حيث التقريب
دون التحديد قد يسع كل واحد من نحو هذه الأذكار لعدم التفاوت الكثير بينهما، انتهى.
٦٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
اللَّهُمَّلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ).
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامُ
عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)).
٣٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ (١)،
نَا الْأَوْزَاعِىُّ، نَا شَذَادُ أَبُو عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي
ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِلّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ ◌ّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ
صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ:(٢) ((أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ
يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)».
قوله: (لا ينفع ذا الجد) إلخ، الجد: الغناء، والسعي، وأب الأب؛ وعلى كل
من المعاني الثلاثة يصح المعنى، والمراد بالنفع: الإعاذةُ(١) والإجارةُ.
قوله: (إذا أراد أن ينصرف من صلاته) أي: موضع صلاته ومجلسه الذي
صلى فيه مريداً للذهاب إلى بيته الشريف.
قوله: (استغفر ثلاث مرات) واستغفاره مَّه إما لتعليم الأمة، أو لاشتغاله
[١] يعني: لا يعيذ ولا يجير من عذابك هذه الأشياءُ الثلاثةُ، وهاهنا معنى رابع ذكروه، وهو أن
قوله: ((لا ينفع)) عطف على ما سبق، أي: ((لا معطي لما منعتَ))، ولا ينفع عطاؤه، وذا الجد
منادى، أي: ذا الغنى والعظمة منك الجد لا من غيرك، كذا في هامش ((الحصن)) وغيره(٣).
[٣٠٠] م: ٥٩١، د: ١٥١٣، ن: ١٣٣٧، جه: ٩٢٨، تحفة: ٢٠٩٩.
(١) في نسخة: ((قال: حدثنا ابن المبارك)).
(٢) زاد في بعض النسخ: ((اللهم)).
(٣) انظر: ((الحرز الثمين الحصن الحصين)) (٧٨٩/٢).
٦٩
أبْوَابُ الصَّلَة
قَالَ: هَذَا حَدِيثُ صَحِيحُ(١)، وَأَبُو عَمَّارٍ اسْمُهُ: شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ الله.
(١١٠) بَابُ مَا جَاءَ فِي الإِنْصِرَافِ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ(٢)
٣٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ
بالمباحات في الظاهر: من الأزواج المطهرات، وحوائج البيت؛ فإن اشتغالَه هذا وإن
لم يكن ذنباً لكنه قال﴾ كان يعدّه ذنباً فيستغفر منه، أو لما كان له من الترقي في كل آن،
والعروجِ في كل ساعة، فيستغفر حينئذ عما دونه؛ لما يراه ذنباً بالنسبة إلى ما وصل إليه
الآن، وإليه الإشارة في قوله عليه السلام: ((إنه ليغان على قلبي)) إلى آخر ما ورد، أو يكون
استغفارُه هذا حسبما اشتهر فيهم من كون ((حسنات الأبرار سيئات المقربين»، فالطاعات
التي فيها لكل فرد من أفراد الأمة مثوبة عظمى ومنزلة كبرى كانت له مُّلآل سيئة، وهذا
غير خفي بتأمل، والفرق فيما بين هذه الوجوه غيرُ بيِّنٍ، محتاج إلى نظر دقيق وفكر بالمقام
حقيق، وفيه وجه وجيه، وهو أن استغفارَه مَّيّ هذا كان لما يرتكب في بعض الأحيان
الأفعال التي ليست بأولى بياناً للجواز أو نفياً للحرمة، كما لا يخفى في كثير من أفعاله ◌َّةِ،
لكن يرد على هذا أن أعماله هذه لم تك إلا بأمره تعالى؛ فإن ذلك كان من أفعال النبوة التي
لا بد منها، فكيف الاستغفار؟ ولكن الأمر في ذلك السؤال والجواب سهل(١]، فتدبر.
[١] وذلك لأنَّ كونَ أمر من الأمور غيرَ مندوب مغائرٌ لفعله بَّ إياه لبيان الجواز؛ لاختلاف
الجهتين، ولولا الاعتبارات لَبَطَلَت الحكمةُ، وله نظائر كثيرة في الشرع كالشؤم في بُعْدِ الدار
عن المسجد مع كونه سبباً لكتابة الآثار، ومثل تعوذه ◌َل من الغرق والحرق وغيرها مع
كونها من أسباب الشهادة، وغير ذلك مما فيه كثرة.
[٣٠١]د: ١٠٤١، جه: ٨٠٩، تحفة: ١١٧٣٣.
(١) في نسخة: ((حسن صحيح)).
(٢) في نسخة: ((شماله)).
٧٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هُلْبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَّهِ يَؤُمُّنَا، فَيَنْصَرِفُ عَلَى جَانِبَيْهِ جَمِيعًا:
عَلَى يَمِينِهِ وَعَلَى شِمَالِهِ(١).
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي
هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ هُلْبٍ حَدِيثٌ حَسَنُّ.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ(٢) عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ عَلَى أَِّ جَانِبَيْهِ
شَاءَ، إِنْ شَاءَ عَنْ يَمِينِهِ وَإِنْ شَاءَ عَنْ يَسَارِهِ، وَقَدْ صَحَّ الْأَمْرَانِ عَنْ
رَسُولِ الله
صَلَا الله
وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَتْ حَاجَتُهُ عَنْ يَمِينِهِ
أخَذَ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ حَاجَتُهُ عَنْ يَسَارِهِ أَخَذَ عَنْ يَسَارِهِ.
(١) في ((معارف السنن)) (١٢٧/٣): قال الشيخ: والغرض من الأحاديث الواردة في هذا الباب
أن السنة إما أن يقبل على القوم بوجهه، أو یذهب إلى وجه حاجته، أو إلى بيته من جانب
يمينه أو يساره، وقد أشار البخاري إلى هذا في ترجمة الباب حيث قال: باب الانفتال
والانصراف عن اليمين والشمال، فأشار بالانفتال إلى الانحراف للاستقبال على القوم،
وبالانصراف إلى التوجه إلى جهة حاجته، وبالجملة ففي هذا الحديث نوع حجة لما يذكره
فقهاؤنا الحنفية وغيرهم من العلماء، انتهى مختصراً.
(٢) في نسخة: ((وعليه العمل)).
٧١
أبْوَابُ الصَّلَاة
(١١١) بَابُ مَا جَاءَ فِي وَصْفِ الصَّلَاةِ
٣٠٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَحْیَی بْنِ
عَلِيٍّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَادِ بْنِ رَافِعِ الزُّرَقِيّ، عَنْ جَدِّهِ(١)، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِوَ لِّ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا، قَالَ رِفَاعَةُ: وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ
جَاءَهُ رَجُلُ كَالْبَدَوِيٌّ فَصَلَّى، فَأَخَفَّ صَلَاتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((وَعَلَيْكَ، فَارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)». فَرَجَعَ فَصَلَّى،
١١١ - باب ما جاء في وصف الصلاة [١]
هذا نظم في سلك البيان للدرر التي تناثرت في أبحر الصفحات السابقة.
(إذ جاءه رجل كالبدوي) هذا دفع لما عسى أن يتوهم من أن الصحابة
رضوان الله عليهم أجمعين مع فوزهم بصحبة النبي ◌َّ وصلاتهم معه في أكثر
أوقاتهم كيف بقوا غافلين عن طريق الصلاة التي هي عماد الدين؟! وحاصل الدفع
أنا كنا لا نعرفه، وكان من غير من فاز بالمذكور، فكأنه كان بدويًّا، ولم يكن يعرف
[١] واختلفت الروايات في سند هذا الحديث(٢) كما يظهر من النظر في كتب الحديث، لا سيما
أبي داود(٣) والطحاوي، وذكر شيئاً منه شيخنا في ((البذل)) (٤).
[٣٠٢] د: ٨٦٠، ن: ١٠٥٣، جه: ٤٦، حم: ٤ /٣٤٠، تحفة: ٣٦٠٤.
(١) كذا في الترمذي، وفي النسائي (٦٦٧): عن أبيه عن جده.
(٢) واشتهر الحديث هذا ((بحديث المسيئ صلاته))، وصاحب القصة هو خلاد بن رافع، انظر:
«معارف السنن)» (١٣٢/٣).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٨٥٦- ٨٦١).
(٤) «بذل المجهود)) (٣١٩/٤).
٧٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((وَعَلَيْكَ، فَارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)). (١) مَرَّتَيْنِ
أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَأْتِي النَّبِيَّ ◌َ لَيهِ فَيُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيَِّهِ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ ◌َلَه
((وَعَلَيْكَ، فَارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)) فَعَافَ (٢) النَّاسُ وَكَبُرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ
مَنْ أَخَفَّ صَلَاتَهُ لَمْ يُصَلِّ، فَقَالَ الرَّجُلُ فِي آخِرِ ذَلِكَ: فَأُرِنِي وَعَلَّمْنِى، فَإِنَّمَا(٣)
أَنَا بَشَرَ أُصِيبُ وَأُخْطِئُ، فَقَالَ: «أَجَلْ، إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَاءَ الله
بِهِ، ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ أيضاً(٤)، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنُ فَاقْرَأْ، وَإِلاَّ فَاحْمَدِ الله وَكَبِّرْهُ
وَهَلَّلْهُ، ثُمَّ ارْكَعْ فَاطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ اعْتَدِلْ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ فَاعْتَدِلْ سَاجِدًا،
ثُمَّ اجْلِسْ فَاطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ قُمْ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ، وَإِن
الصلاة إلا كما صلى، ولذلك ظن بقوله ◌َّله: ((صلّ فإنك لم تصل)) أنه ترك من هذه
الأركان المعلومة له شيئاً، ولم يعلم به، فلذلك عاد وأعاد صلاته، لكنه اجتهد شيئاً
في أن لا يترك شيئاً مما يعلمه أنه منها، فعاد وعاد قوله عليه الصلاة والسلام فيه، فعاد
إعادته الصلاة حتى إذا ثَلَّثَ صلاته سأل النبيِ وَليّ أن يعلِّمه الصلاةَ؛ لأنه علم أن
الصلاة المعلومة له ليست بصلاة حقيقة، وإلا لم يحكم النبي ◌ُّل عليه بقوله: ((صل
فإنك لم تصل))، فحمل النفيَ على نفي الذات وأصل الصلاة، كما حملته الصحابة
على ذلك، فعافوا[١] وكرهوا أن يكون الذي أخفّ في صلاته فكأنه لم يصل.
[١] يعني أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين لما حملوا قولَه ◌َّ على نفي الصلاة ونفي الذات
كرهوا التخفيفَ، وظنوا أن الذي أخف في صلاته كأنه لم يصلِّ.
(١) زاد في بعض النسخ: ((فعل ذلك)).
(٢) عاف الشيء: إذا كرهه، وفي بعض النسخ: ((فخاف)).
(٣) في نسخة: ((وأما)) مصحح عليه.
(٤) في بعض النسخ: ((وأقم)) بدل ((فأقم أيضاً).
٧٣
أبْوَابُ الصَّلَة
انْتَقَصْتَ مِنْهُ شَيْئًا انْتَقَصْتَ مِنْ صَلَاتِكَ)) قَالَ: وَكَانَ هَذَا أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ مِنَ
الْأُولِى (١) أَنَّهُ مَن انْتَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا انْتَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَمْ تَذْهَبْ كُلُّهَا.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسٍِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ حَدِيثٌ حَسَنُّ(٢). وَقَدْ رُوِيَ عَنْ
رِفَاعَةَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
لكن لا يذهب عليك أن التخفيف الذي نهى النبي مَله إنما هو التخفيف(٣) قبل
إكمال السنن والواجبات، والذي أمر به بقوله: ((إذا أَمّكم الناسَ [١] فليخَفِّفْ))، وما عُرِفَ
من تخفيفه ◌ِّي فيما ورد: ((كان رسول الله ◌َ لل أخفَّ الناس صلاة في تمام)» (٤)؛ فإنما هو
التخفيف بعده، فالأول مكروه منهي عنه، والثاني مندوب مأمور به عند الضرورة.
ثم الوارد في كل الحديث صيغ الأمر، فما عُلِمَ بقرينة خارجية أنه ليس
للوجوب خرج عن اقتضاء الوجوب، ومالم يكن كذلك بقي على أصله، فمن القسم
الأول قوله عليه السلام: ((تَشَهَّدْ فأقم أيضاً))؛ إذ المراد بالتشهد هاهنا الأذان لا غير،
[١] كذا في الأصل، ولفظ الحديث كما في ((جمع الفوائد))(٥) عن الستة: ((إذا صلى أحدكم
الناس فليخفف)»، الحديث.
(١) في بعض النسخ: ((الأول)).
(٢) زاد في نسخة: ((صحيح)).
(٣) ويدل عليه ما أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٣٨٩) عن النعمان بن مُرّة مرسلاً أن رسول الله له
قال: ((أسوأ السرقة الذي يسرق صلاته))، قالوا: وكيف يسرق صلاته يا رسول الله؟ قال: ((لا
یتم ركوعها ولا سجودها».
(٤) أخرجه الترمذي في ((سننه)) (٢٣٧).
(٥) ((جمع الفوائد)) (١٧٠٣).
٧٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٣٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَايَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، نَا عُبَيْدُ الله بْنُ
عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَبِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ
دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلُ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِّ ◌َلِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ
السَّلَامَ فَقَالَ: ((ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ))، فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ
صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ بَّهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ(١)، فَقَالَ لَهُ(٢): ((ارْجِعْ
فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ))، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ(٣)، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وَالَّذِي
بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، فَعَلِّمْنِي. فَقَالَ: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ،
ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى
فنزلا إلى السنية [١] لما ثبت في غير هذا المقام، ومن ذلك (٢) قوله عليه السلام:
((فتوضأ كما أمرك الله))، وقوله عليه السلام: ((فإن كان معك قرآن فاقرأ))؛ فإن هذين
الأمرين على هذه الرواية خرجا عن الظنية، ودخلا في القطعية، عملاً بقوله تعالى:
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وبقوله تعالى: ﴿فَأَقْرَءُواْ مَا يَّيَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾
[المزمل: ٢٠]، وكذلك الأمرُ في أمر السجود والركوع.
[١] ومن ذلك أمْرُ تكبيرات الانتقال والتسميع، والأمرُ بوضع اليدين على الركبتين، والأمرُ
بالافتراش في الجلوس، وغير ذلك من الأوامر الواردة في هذا الحديث عند أبي داود وغيره.
[٢] أي: من الأمور التي خرج فيها الأمر عن الوجوب لقرينة خارجية؛ فإن هذين الأمرين خرجا
عن الوجوب المصطلح، ودخلا في الفرضية لقرينة خارجية.
[٣٠٣] خ: ٧٥٧، م: ٣٩٧، د: ٨٥٦، ن: ٨٨٤، تحفة: ١٤٣٠٤.
(١) زاد في بعض النسخ: ((السلام)).
(٢) زاد في نسخة: ((رسول الله وَلّ)).
(٣) في نسخة: ((مرات)).
٧٥
أَبْوَابُ الصَّلاَة
تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَظْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا،
وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَرَوَى(١) ابْنُ نُمَيْرِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدٍ
الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ فِهِ: عَنْ أَبِيِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً وَرِوَايَةُ
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ أَصَحُّ. وَسَعِيدُ الْمَقْبُرِيُّ قَدْ سَمِعَ مِنْ
أَبِي هُرَيْرَةً، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ اسْمُهُ:
كَيْسَانُ، وَسَعِيدُ الْمَقْبُرِيُّ يُكْنَى: أَبَا سَعْدٍ (٢).
٣٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: نَايَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ
وأما أمرُ الطمأنينة [١] فلم يتأيد بقرينة تُخْرِجه من الوجوب، بل تأيد بقرينة تأيد
بها وجوبُه، وهو قوله عليه السلام: ((وإن انتقصتَ منه شيئاً انتقصت من صلاتك)»،
[١] والمسألة خلافية بين الأئمة، كما بُسِطَتْ في ((الأوجز))(٣)، فقال الشافعي وأبو يوسف
وأحمد: إنه فرض، وقال أبو حنيفة ومحمد: إنه واجب، واختلف أصحاب مالك: هل ظاهر
مذهبه يقتضي أن يكون سنة أو واجباً؛ إذلم يُنْقَلْ عنه نص في ذلك، قاله ابن رشد (٤). قلت:
ووجوب الطمأنينة هو المرجَّح عندنا، كما حققه ابن عابدين(٥)، خلافاً لما قيل: من سنية
الاعتدال في القومة والجلسة؛ فإنه مرجوح.
[٣٠٤] خ: ٨٢٨، د: ٧٠، ن: ١٠٣٩، جه: ١٠٦١، تحفة: ١١٨٩٧.
(١) في نسخة: ((قال: وقد روى)).
(٢) زاد في نسخة: ((وكيسان كان مكاتباً لبعضهم)».
(٣) ((أوجز المسالك)) (٣/ ٤٧٢ - ٤٧٣).
(٤) ((بداية المجتهد)) (١ / ١٣٥).
(٥) ((رد المحتار)) (١٥٧/٢ - ١٥٨).
٧٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
الْقَظَّانُ، نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، نَامُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِوبْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أپِی حُمَيْدٍ
، أَحَدُهُمْ أَبُو قَتَادَةَ
السَّاعِدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُهُ وَهُوَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّ
ابْنُ رِبْعِيٍّ يَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَهِ، قَالُوا: مَا كُنْتَ أَقْدَمَنَا لَهُ
صُحْبَةً، وَلَا أَكْثَرَنَا لَهُ إِثْيَانًا؟ قَالَ: بَلَى، قَالُوا: فَاعْرِضْ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ الله
إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، فَإِذَا
أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (الله أَكْبَرُ)) وَرَكَعَ،
ثُمَّ اعْتَدَلَ، فَلَمْ يُصَوِّبْ(١) رَأْسَهُ وَلَمْ يُقْنِعْ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ
مُعْتَدِلًا، ثُمَّ هَوَى(٢) إِلَى الأَرْضِ سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ: ((الله أَكْبَرُ))، ثُمَّ جَافَى عَضُدَيْهِ
فَعُلِمَ أن الطمأنينة ليست من الفرائض، وإنما هي واجبة يورث نقصُها نقصاناً في
الصلاة، ولا تبطل الصلاةُ بعدمها؛ لما يلزم بذلك تقييدُ مطلقٍ الكتاب بالحديث؛
والحديث بتسليم شهرته غيرُ مثبتٍ أيضاً لمدعى الخصم، وهذا الذي فهمه الإمام
من قول النبي ◌ََّ فهمه[١] الصحابةُ الكرامُ كما قال: وكان هذا أهون عليهم إلخ،
فعلموا ساعة قوله هذا أن نفي صلاته في قوله: ((صل فإنك لم تصل)) إنما كان نفي
تمام وكمال، لا نفي الذات والحقيقة.
قوله: (بلى) أي: سلّم عدم كونه أكثرهم إتياناً وأقدمهم صحبة، لكنه لم يُتْرَكْ
[١] يعني الذي فهمه الإمام من قوله مخ لل هو الذي فهمه الصحابة الكرام بعينه، كما يدل عليه قوله:
((هذا أهون عليهم من الأولى))، فإن قوله {َّ الأول: ((ارجع فصل فإنك لم تصل)) يوهم أن
ينفي الصلاة برأسها، وقوله م ◌ّ هذا يدل على النقص، وأن الصلاة لم تذهب كلها.
(١) في نسخة: ((فلم يصبّ)).
(٢) في نسخة: ((أهوى)).
٧٧
أبْوَابُ الصَّلاَة
عَنْ إِبْطَيْهِ، وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَيْهَا، ثُمَّ اعْتَدَلَ
حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ هَوَى(١) سَاجِدًا ثُمَّ قَالَ: ((الله أَكْبَرُ))
ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ وَقَّعَدَ(٢)، وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظِيمٍ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ نَهَضَ، ثُمَّ
صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنٍ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ
حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، كَمَا صَنَعَ حِينَ افْتَتَعَ الصَّلاةَ، ثُمَّ صَنَعَ كَذَلِكَ حَتَّی
كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَنْقَضِي فِيهَا صَلَاتُهُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَى شِقِّهِ
مُتَوَرَّكًا، ثُمَّ سَلَّمَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
دعوته[١] في أن علمه بصلاته عليه السلام ليس بقليل نسبة إلى علمهم بها؛ لما أن
المرء مع أنه لا يكثر الإتيان والصحبة قد يعلم شيئاً أكثر ممن هو قديمُ الصحبة كثيرُ
الدور، إذا تفكر وبالغ في حفظه وإتقانه، وتلحج في إجادته وإحسانه، وهذا کثیر.
قوله: (فتخ) بالفاء، ثم التاء، بعدها خاء معجمة: أرخاها لِتُثْني وتتعطف
فتستقبل إلى القبلة. (ثم صنع في الركعة الثانية) هذا تقديم موضعه بعد قوله:
حتی إذا قام من السجدتین گبَّر ورفع یدیه حتی یحاذي بهما منکبیه، وبعده: ثم
صنع في الركعة الثانية إلخ، ومثل هذا كثير في الكلام، فلا حاجة إلى ما أجاب به
[١] قال المجد(٣): ادّعى كذا: زعم [أنه] له حقًّا، والاسم: الدّعوة والدّعاوَة، ويُكْسَرَانِ.
(١) زاد في نسخة: ((إلى الأرض)).
(٢) زاد في نسخة: ((عليها)).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٧٩).
٧٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ((إِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ)) (١) يَعْنِي إِذَا قَامَ مِنَ
الرَّكْعَتَيْنِ.
٣٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ (٢)
قَالُوا: نَا أَبُو عَاصِمٍ(٣)، نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِوبْنِ عَطَاءٍ
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدِ السَّاعِدِيَّ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّلَهُ فِيهِمْ(٤) أَبُو
الترمذي من أن المراد بالسجدتين الركعتان، وإنما اضطُوَّ[١] إلى الجواب لأن ظاهر
العبارة يقتضي أن يكون بعد تمام ركعتين سجدتان، مع أن السجدات إذاً أربعة، فلما
حمل [٢] السجدة على الركعة، وهذا کثیر، فإن الركعة إنما سميت ركعة لكون الركوع
فيها؛ فلا غرو في تسمية الركعة بالسجدة تسمية للكل باسم جزئه.
[١] هذا محتمل، والظاهر أن المصنف إنما احتاج إلى بيان هذا المعنى لما ورد في الروايات:
((من الركعتين)) محل (السجدتين))، ففي أبي داود(٥): ثم يصنع في الأخرى مثلَ ذلك، ثم إذا
قام من الركعتين كبر ورفع يديه، الحديث، وهكذا في ابن ماجه والطحاوي وغيرهما، وهذه
الروايات تدل على أن لا احتياج إلى توجيه التقديم والتأخير.
[٢] لم يذكر في الكلام جزاءه، أي: فلا إشكال إذاً، ويقال: إن قوله: ((فلا غرو إلخ)) دال على
الجزاء قام مقامه.
[٣٠٥] خ: ٨٢٨، د: ٧٣٠، ن: ١١٨١، جه: ١٠٦١، تحفة: ١١٨٩٧.
(١) في نسخة: ((ومعنى قوله: ورفع يديه إذا قام من السجدتين)).
(٢) في نسخة: ((حدثنا محمد بن بشار والحسن بن علي الخلال وسلمة بن شبيب وغير واحد)).
(٣) زاد في بعض النسخ: ((النبيل)).
(٤) في نسخة: ((منهم)).
(٥) ((سنن أبي داود)) (٧٣٠) و((سنن ابن ماجه)) (١٠٦١) و((شرح معاني الآثار)) (٢٢٣/١).
٧٩
أبْوَابُ الصَّلاَة
قَتَادَةَ بْنُ رِبْعِيٌّ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ يَحْیَى بْنِ سَعِيدٍ بِمَعْنَاهُ وَزَادَ فِيهِ أَبُو
عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ هَذَا الْحَرْفَ: قَالُوا: صَدَقْتَ، هَكَذَا صَلَّى
النَّبِيُّ لِلّهِ.
ثم اعلم أن الشافعي تمسّك بهذا الحديث في إثبات رفع اليدين في الموضعين
اللذين سَلَّمهما، أي: قبل الركوع وبعده، وأنت تعلم أن الثابت بهذا الحديث هو الرفع
في الموضع الثالث(١) أيضاً، والشافعي لا يسلمه، وهو الرفع بعد القيام إلى الثالثة،
فالذي يستدل به على نسخ هذا الثالث فهو المستَدَلَّ لنا، مع ملاحظة ما سبق في باب
الرفع، وأيضاً تمسك بهذا في إثبات جلسة الاستراحة، والتورك في القعدة الأخيرة،
وجوابهُما ما مرّ من أنهما لم تكونا عزيمتين، بل رخصة لما بَدَّنَ رسولُ الله ◌َِلَةِ، فكيف
السبيل إلى تشريعهما؟! وما قال الشافعي من أن الواقعة متأخرة فغيرُ منكَرٍ؛ إذ سلمنا
لكن حملناه على العذر، وأما في رفع اليدين فغير مسلّم؛ إذ لا بد للشافعي أيضاً من
ناسخ له في رفع اليدين إذا شرع في الركعة الثانية أو الثالثة، فهو نفسه غير متقرر على
تأخر الحديث، وإلا أضره ذلك.
وقولهم: (صدقتَ، هكذا صلى النبي (وَلّ) لا يستلزم ولا يقتضي استقرارَ
الأمر على ذلك، وأيضاً فلم يلق محمدُ بنُ عمروٍ أبا حميد فتكون الرواية منقطعة،
وأنتم لا تعتبرون بها.
[١] يعني على توجيه الإمام الترمذي، أما على توجيه الشيخ إذ حمله على التقديم والتأخير فلا
يدل على الرفع بعد الركعتين، بل على الرفع في مبدأ الركعة الثانية.
٨٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
(١١٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي القِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ(١)
٣٠٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا وَكِيعُ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ،
عَنْ عَمِّهِ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ: ﴿ وَالنَّخْلَ
بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةً، وَعَبْدِ الله بْنِ
السَّائِبِ، وَأَبِي بَرْزَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّبَّهِ أَنَّهُ قَرَّأَ فِي الصُّبْحِ بِالْوَاقِعَةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ
[١١٢ - باب ما جاء في القراءة في الصبح (٢)]
قوله: (والنخل باسقات) أي: السورة[١] التي فيها هذه الآية، لا الآية فقط كما
توهمه بعضهم.
[١] أي: سورة ((ق))، يؤيد كلامَ الشيخ ما في بعض روايات مسلم (٣) فقرأ: ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾.
[٣٠٦] م: ٤٥٧، ن: ٩٥٠، جه: ٨١٦، تحفة: ١١٠٨٧.
(١) في بعض النسخ: ((صلاة الصبح)).
(٢) الغرض من هذه الأبواب بيان ما روي في تقدير القراءة بعد الفاتحة في الصلوات، وجملة
القول فيها: أن ضم السورة، أو ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة واجب في ركعتي الفرض
عند أبي حنيفة، وسنة عند الجمهور، وفي الأخريين أو ثالثة المغرب فلا يسنّ عند أبي
حنيفة ومالك وأحمد، ويسنّ عند الشافعي في المشهور، («معارف السنن)) (١٧٠/٣).
(٣) (صحيح مسلم)) (٤٥٧، ٤٥٨).