Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
أبْوَابُ الطَّهَارَة
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةً وَأَّبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
وَأَنَسِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: قَالَ أَحْمَدُ(١): لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا لَهُ إِسْنَادُ
جَيِّدُ، وقَالَ إِسْحَاقُ: إِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا أَعَادَ الْوُضُوءَ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ
هي النية والقصد، وأيًّا ما كان فالنفي عندنا راجع إلى الكمال، فالطهارة صحيحة كافية
من غير نية وتسمية، وإن كان له في الإتيان بهما أجر كثير وفضل كبير. والوجه في
ذلك أن كلمة «لا» هذه تُستعمَل في نفي الذات، وهو حقيقة معناها، ولا تحتاج فيه
إلى قرينة، وفي نفي الكمال، وهو مجاز فيه، فإن الذي لم يأت على ما كان ينبغي له أن
یکون علیه، فکان وجوده كلا وجود، وهو کثیر في الكلام، سيما في الروايات، وهاهنا
كذلك، والقرينة عليه قوله[١] عليه الصلاة والسلام: ((من توضأ وذكر اسم الله كان
طهوراً لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله كان طهوراً لأعضاء وضوئه))، فهذا
= قلت: وكما في حديث ((لا أجر لمن لا حسبة له)) و((لا عمل إلا بنية))(٢)، و((لا صلاة بحضرة
طعام))(٣).
[١] الحديث أخرجه الدار قطني(٤) والبيهقي(٥) عن ابن عمر، وفيه أبو بكر الدابري(٦)، متروك
ومنسوب إلى الوضع، ورواه الدارقطني والبيهقي أيضاً من حديث أبي هريرة، وفيه =
(١) زاد في بعض النسخ: ((ابن حنبل)).
(٢) انظر: ((كنز العمال)) (٧٢٥٠-٧٢٥١) و(١٠٨٣).
(٣) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٥٦٠).
(٤) ((سنن الدار قطني)) (١ / ٧٤).
(٥) («السنن الكبرى)) (١/ ٤٤).
(٦) كذا في الأصل، والصواب: الداهري بالهاء المهملة بدل الباء المعجمة، كما في ((التلخيص))
(٢٧٥/١، ح: ٧١) و («الميزان)) (ت٤٢٧٦).

٢٢٢
الكوَكَبُ الدُّرِّي
يبين مراده ◌ُّثيّة بقوله: ((لا وضوء لمن لم يسم))، وأيّ قرينة أعظم من تصريح المتكلم
بمراده؟ فكان قوله هذا نظير قوله: ((لا إيمان لمن لا أمانة له))(١) وغير ذلك مما هو
أكثر من أن يحصى؛ مع أن حمل الرواية على حقيقة معناها الظاهر يوجب تخصيص
= مرداس بن محمد عن (٢) أبيه، وهما ضعيفان(٣)، ورواه البيهقي والدار قطني أيضاً من
حديث ابن مسعود، وفي إسناده يحيى بن هاشم السمسار وهو متروك، ورواه عبد الملك بن
حبيب، عن إسماعيل بن عياش، عن أبان، وهو مرسل ضعيف جداً. وقال أبو عبيد في ((كتاب
الطهور)): سمعت من خلف بن خليفة حديثاً يحدثه بإسناده إلى أبي بكر، فلا أجدني أحفظه،
وهذا مع إعضاله موقوف، كذا في ((التلخيص)) (٤).
وقال الشيخ في ((البذل)»(٥): ويؤيد ذلك حديث: «ذكرُ الله على قلب المؤمن سماه أو لم
يسم))(٦). وأما الجواب عن ضعف هذا الحديث فإنه تعاضد لكثرة طرقه واكتسب قوة، كما
قلنا في ضعف حديث الباب. واحتج البيهقي على عدم الوجوب بحديث: ((لا تتم صلاة
أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله))(٧)، واستدل الطحاوي بحديث مهاجر بن قنفذ:
أنه سلّم على رسول الله يَّ وهو يتوضأ، الحديث. وقد صرح ابن سيد الناس في ((شرح =
(١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٣٥٤).
(٢) هذا سبق قلم، فإن مرداس بن محمد لم یرو عن أبيه محمد بن عبد الله بن أبي بردة، بل یرویه مرداس
عن محمد بن أبان، وفي ((التلخيص)) (٢٥٨/١): وفيه مرداس بن محمد، ومحمد بن أبان إلخ.
(٣) قال الذهبي: مرداس بن محمد بن عبد الله، عن محمد بن أبان الواسطي لا أعرفه، وخبره
منكر في التسمية على الوضوء ((ميزان الاعتدال)) ت ٨٤١٤).
(٤) ((تلخيص الحبير)) (٢٥٧/١-٢٥٨ ح٧١).
(٥) ((بذل المجهود)) (٤٩٩/١).
(٦) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٢٤٠/٩) والدار قطني في ((سننه)) (٢٩٥/٤) بلفظ: ((اسم الله
علی کل مسلم)).
(٧) أخرجه أبو داود (٨٥٨) وابن ماجه (٤٦٠).

٢٢٣
أبْوَابُ الطَّهَارَة
مُتَأَوَّلَا أَجْزَأَهُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ
رَبَاجِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَرَبَاحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَدَّتِهِ عَنْ أَبِيهَا، وَأَبُوهَا
سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَأَبُو ثِقَالٍ الْمُرِّيُّ اسْمُهُ ثُمَامَةُ بْنُ حُصَيْنِ (٢)،
الآية الذي هو في حكم النسخ، وليس ذلك إلى خبر الواحد[١]. وإنما ذهب إسحاق
إلى فساد الوضوء بترك التسمية لما فيه من رفض الفريضة، وأما إذا نسي أو تأوّل
كما ذهب إليه من لم يوجب التسمية، فإنما أجزأه عنده؛ لأن اختلاف العلماء يورث
تخفيفاً، مع أن قوله مالية: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))(٣) محمول عند هؤلاء على
إجزاء الفعل وصحته إذا ترك شيئاً من الأركان بنسيانه.
قوله: (أحسن شيء) إلخ، هذا الحسن إضافي، فلا ينافي قولَ أحمد: ((لا
أعلم في هذا الباب حديثاً له إسناد جيد)) إذ المراد بالجودة بلوغه مرتبة الصحة.
الترمذي)» أنه قد ورد فى بعض الروايات فى حديث الباب ((لا وضوء كاملاً)) وقد استدل به
=
الرافعي، وقول الحافظ في ((التلخيص)): لم أره، ليس بحجة على من رآه من المتقدمين.
[١] لاسيما إذا كان ضعيفاً، فقد تقدم عن أحمد أنه قال: لا أعلم في هذا الباب حديثاً صحيحاً، وأما حديث
الباب فقال الدار قطني: اختلف فيه، ثم ذكر الاضطراب فيه، حكاه الحافظ في ((التلخيص)) (٤)، =
(١) كتب في هامش (م): قال العلامة ابن سيد الناس: قلت: لم يحكم الترمذي على هذا
الحديث بشيء، وما حكاه من البخاري لا يدل على أنه من باب الحسن، وإنما معنى كلام
البخاري أنه أحسن في الباب على علاته، انتهى.
(٢) في نسخة: ((ثمامة بن وائل بن حصين)).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) بلفظ: ((إن الله وضع عن أمتي ثلاثة: الخطأ، والنسيان، وما
استکرهوا علیه».
(٤) انظر: ((تلخيص الحبير)) (٢٥٤/١، عقب حديث ٧٠).

٢٢٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَرَبَاحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ حُوَيْطِبٍ، مِنْهُمْ مَنْ رَوَى هَذَا
الْحَدِيثَ فَقَالَ: عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حُوَيْطِبٍ، فَنَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ(١).
٢١- بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالإِسْتِنْشَاقِ
٢٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ(٢)، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَجَرِيرُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالٍ
ابْنِ يَسَافٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيٍْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ له: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَشِرْ،
٥
وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ)).
(٢١) باب ما جاء في المضمضة والاستنشاق
قوله: (إذا توضأت فانتثر، وإذا استجمرت فأوتر) أمران اقتضيا وجوباً؛
لأنه أصل فيه، وعارض الثاني فعلَه ◌ِّ المارَّ ذكرُه عن قريب، والأولُ إطلاقَ الآية،
فوجب حملهما على الاستحباب، ولا يمكن حمل فعله مَ ليل في رواية ابن عمر على
= وذكر عن أبي حاتم وأبي زرعة أنهما قالا: إن الحديث ليس بصحيح، أبو ثفال ورباح مجهولان(٣)،
وقال ابن القطان: الحديث ضعيف جداً، وقال البزار: أبو ثفال مشهور، ورباح وجدته لا نعلمهما
رَوَيَا إلا هذا الحديث، ولا حدث عن رباح إلا أبو ثفال، فالخبر من جهة النقل لا يثبت، انتهى.
[٢٧] جه: ٤٠٦، ن: ٤٣، حم: ١٨٨١٧، تحفة: ٤٥٥٦.
(١) زاد في بعض النسخ:
٢٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عِیَاضٍ، عَنْ
أَبِ ثِقَالِ المُرِّيِّ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حُوَيْطِبٍ، عَنْ جَدَّتِهِ بِنْتِ سَعِيدِ
ابْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ مِثْلَهُ.
لم يذكره المزي في ((تحفة الأشراف».
(٢) في نسخة: ((قتيبة بن سعيد)).
(٣) انظر: ((العلل)) لابن أبي حاتم (٥٢/١ ح: ١٢٩).

٢٢٥
أبْوَابُ الطَّهَارَة
وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ وَلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ وَابْنِ عَبَّاسِ وَالْمِقْدَامِ بْنِ
مَعْدِي كَرِبَ وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ تَرَكَ الْمَضْمَضَةَ وَالإِسْتِنْشَاقَ، فَقَالَتْ
طَائِفَةُ مِنْهُمْ: إِذَا تَرَكَهُمَا فِي الْوُضُوءِ حَتَّى صَلَّى(١) أَعَادَ، وَرَأَوْا ذَلِكَ فِي
الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ سَوَاءً، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَعَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ
وَإِسْحَاقُ، وقَالَ أَحْمَدُ: الإِسْتِنْشَاقُ أَوْكَدُ مِنَ الْمَضْمَضَةِ. قَالَ أَبُو عِيسَى(٢):
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ.
الخصوصية لعدم الضرورة إلى ذلك، مع أن تنقية الموضع ليس أمراً يختص به، هذا
ما اخترنا. وأما الآخرون[١] فمنهم من ذهب إلى وجوب المضمضة والاستنشاق
معاً، ومنهم من ذهب إلى كونهما مسنونين غير أن الاستنشاق آكد من المضمضة.
ثم إن تفرُّقَ أصحابنا الحنفيين رحمهم الله تعالى بين الوضوء والغسل فيهما
وجوباً وسنية مذكور في كتبنا بما لا مزيد للبيان عليه، وجملة الأمر أن القول بوجوبهما
[١] قال ابن العربي(٣): اختلف الفقهاء في المضمضة والاستنشاق في الطهر على أربعة أقوال:
الأول: أنهما سنتان في الطهارتين، قاله مالك والشافعي والأوزاعي وربيعة، الثاني: أنهما
واجبتان فيهما، قاله أحمد وإسحاق، الثالث: أن الاستنشاق واجب، والمضمضة سنة، قاله
أبو ثور، الرابع: أنهما واجبتان في الغُسل، سنتان في الوضوء، قاله الثوري وأبو حنيفة.
(١) زاد في نسخة: ((الصلاة).
(٢) قوله: ((أبو عيسى)) ثبت في النسخة الهندية.
(٣) ((عارضة الأحوذي)) (٤٤/١).

٢٢٦
الكَوْكَبُ الدُّرِي
مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُعِيدُ فِي الْجَنَابَةِ، وَلَا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ
وَبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَالَتْ طَائِفَةُ: لَا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ، وَلَا فِي الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُمَا
سُنَّةٌ مِنَ النَّبِيِّ بَهِ، فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى مَنْ تَرَكَّهُمَا فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي
الْجَنَابَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ (١).
في الوضوء يؤدي إلى نسخ الآية، فوجب القول بالسنية، ولا كذلك في الغُسل(١)،
لأنه مؤيّد بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦] حيث أورد فيه صيغة
المبالغة ولا يتصور المبالغة إلا بزيادة في الكم أو الكيف، أما الثاني فلم يثبت شرعاً
[١] على أنه قد روى الدارقطني والبيهقي من حديث بركة بن محمد الحلبي، عن يوسف بن
أسباط، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل:
((المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثاً فريضة))، قال القدوري في ((تجريده)): قولهم: بركة
الحلبي ضعيف، ليس بصحيح؛ لأن ابن معين أثنى عليه في كتبه الأخيرة، وقد روي الخبر
من غیر طريق مرسلاً.
وقال الشيخ تقي الدين في ((الإمام)»: قد روي هذا الحديث موصولاً من غير حديث بركة،
ثم أخرجه بسنده عن أبي هريرة مرفوعاً: ((المضمضة والاستنشاق ثلاثاً للجنب فريضة»، قال
الدار قطني: غريب، تفرد به سليمان عن همام، ثم ذكر الكلام على ضعفه، وأخرج البيهقي بسنده
عن ابن عباس، أنه سئل عمن نسي المضمضة والاستنشاقَ قال: لا يعيد إلا أن يكون جنباً.
فهذه الروايات كلها شاهدة على فرضيتهما، وضعفُ بعضها يرتفع بضم الآخر، وأخرج أبو
داود(٢) والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إن تحت كل شعر جنابة فاغسلوا
الشعر))، الحديث، وأنت خبير بأن في الأنف أيضاً شعراً، وأخرج أبو داود بمعناه عن علي مرفوعاً،
وسكت عليه، فهو صالح للاحتجاج على أنه مُخ ثيلة واظب عليهما في الغسل، كذا في ((الأوجز))(٣).
(١) زاد في بعض النسخ: ((في أخرة)).
(٢) أبو داود (٢٤٨) والترمذي (١٠٧) وابن ماجه (٥٩٧).
(٣) ((أوجز المسالك)) (١/ ٥٠٣-٥٠٤).

٢٢٧
أبْوَابُ الطَّهَارَة
ولا هو معقول، فوجب المصير إلى الأول، ويتحقق إما بزيادة في المرات، أو بزيادة في
المغسول، ولا سبيل إلى الأول لقوله مَثية: ((من نقص عن هذا أو زاد فقد تعدى وظلم))(١)
أو كما قال، فلم يبق إلا الزيادة في مقدار المغسول، ولا شيء وراء الجسم يُغسل في
الغُسل حتى يتحقق مقتضى المبالغة؛ فقلنا بوجوب المضمضة والاستنشاق معاً في
الغسل، حتى يُغْسَلَ فيه ما هو داخل في الوجه من وجه، وخارج منه من وجه، ولا
كذلك في الوضوء؛ فإن الوارد فيه الغسلُ مطلقاً فيتحقق بأدنى ما تناوله.
ثم إن الظاهر المبني على العادة كون مثل هذه الأمور واجباً لا سنة؛ فإن الثابت
بخبر الواحد يكون واجباً، إلا أنهم لم يذهبوا إلى الوجوب لثبوت وجود هذه الأمور
تارة، والتركِ أخرى؛ مع أن الواجب ما ورد على تركه الوعيدُ.
ثم إن المراد[١] بالانتثار والاستنشاق كليهما واحد، وهو إدخالُ الماء في الأنف ثم
إخراجُه، وإن كان المذكور أحدهما، وإنما اقتصر على ذكر أحدهما لما فيهما من الملازمة؛
فإن الاستنشاق لا يكون إلا للانتثار، وكذا الانتثار لا يكون إلا بعد الاستنشاق.
وللاستجمار ثلاثة معان كلها تصح هاهنا، لكن الأول أولى وأليق هاهنا من
الباقِيَيْنِ، والثاني من الثالث، الأول: طلب الجمرة لتنقية موضع الغائط، والثاني:
تجمير الأكفان، والثالث: رمي الجمار في الحج.
[١] أي: المقصود والمطلوب في الشرع مجموع الأمرين، وإلا فباعتبار اللغة مختلفان، كما
يظهر من آخر الكلام، ففي اللغة: الاستنشاق: إدخالُ الماء في الأنف، والاستنثار: إخراج
ما في الأنف من الماء وغيره.
(١) أخرجه أبو داود في ((سننه)) (١٣٥) بنحوه.

٢٢٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٢- بَابُ الْمَضْمَضَةِ وَالإِسْتِنْشَاقِ مِنْ كَفَّ وَاحِدٍ
٢٨- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى(١)، نَا خَالِدٌ(٢)،
صَلَى الله
وسيكم
عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ قَالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ
(٢٢) باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد
هذا جائز عندنا أيضاً، وغير مستحب عند الشافعي(١) رحمه الله تعالى أيضاً،
فلا وجه لبيان الاختلاف فيه بيننا وبينه، كما فعله بعض الأعلام إلا عدم الوقوف على
المذهب. وخالد ثقة، فكانت زيادته معتبرة؛ فإن زيادة الثقة معتبرة ما لم تقع منافية
لرواية أوثق منه، کما فیما نحن فيه [٢].
[١] يعني على ما حكاه الإمام الترمذي بنفسه، وإلا ففي العيني(٣) والنووي (٤) وغيرهما
أن للشافعية في ذلك خمسة أوجه، واختلف نص الإمام الشافعي أيضاً في ذلك، فنص
((الأم))(٥) والمزني أن الجمع أفضل، ونص البويطي (٦) أن الفصل أفضل، وهذا هو الذي
نقله الترمذي عن الإمام الشافعي.
[٢] يعني فلأجل ذلك صار حديثُ الوصل صالحاً للاستدلال لمن استدل به، وإلا فصارت
روايته ضعيفة، لكن بعد صحة الاستدلال أيضاً تبقى بياناً للجواز جمعاً بين الروايات، على =
[٢٨] خ: ١١٩، م: ٢٣٥، د: ١١٩، جه: ٤٠٥، حم: ٣٨/٤، تحفة: ٥٣٠٨.
(١) زاد في بعض النسخ: ((الرازي)).
(٢) زاد في نسخة: ((هو ابن عبد الله)).
(٣) انظر: ((عمدة القاري)) (٢/ ٣٧٥ عقب حديث ١٤٠).
(٤) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢ /١٠٨ عقب حديث ٢٢٦).
(٥) انظر: ((الأم)) (٢٤/١) و((مختصر المزني)) (ص: ٢).
(٦) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٤٤/٢) عقب حديث (١٥٩).

٢٢٩
أبْوَابُ الطّهَارَة
مَضْمَضَ(١) وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ (٢)، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ، وَقَدْ
رَوَى مَالِكٌّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى وَلَمْ
يَذْكُرُوا هَذَا الْحَرْفَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ لَّ مَضْمَضَ (٣) وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفِّ وَاحِدٍ (٤)،
وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ(٥)، وَخَالِدُ ثِقَةُ حَافِظٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ(٦): الْمَضْمَضَةُ وَالإِسْتِنْشَاقُ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ
أن روايات الفصل نص في الباب بخلاف روايات الكف الواحد؛ فإنها محتملة للاحتراز عن
=
الكفين واليدين، أو للاحتراز عن اليد اليسرى؛ لأن الاستنشاق في الأنف وهو موضع الأذى
مما لا يخفى، ورواية «بماء واحد)) رواية بالمعنى ضرورة.
(١) في نسخة: ((تمضمض)).
(٢) في نسخة: ((واحدة)).
(٣) في نسخة: ((تمضمض)).
(٤) في نسخة: ((واحدة)).
(٥) كتب في هامش (م): سليمان بن بلال تابع خالداً عند مسلم على زيادة: ((من كف واحد))،
فرواية سليمان بن بلال هذه تنفي عنه اسم الغرابة، وهو أجدر بأن يسمى عزيزاً، فإن
المعروف عندهم أن من اشتهر إذا انفرد الرجل عنه بالحديث يسمى غريباً، وإذا روى عنه
رجلان أو ثلاثة واشتركوا في حديث سمي عزيزاً، وإذا روى له الجماعة حديثاً يسمى
مشهوراً، وإطلاق الصحة على هذا هو الظاهر الآن لثبوته في صحيحي البخاري ومسلم،
ولعل متابعة سليمان لم يبلغ الترمذي. ((ابن سيد الناس)).
(٦) في نسخة: ((بعضهم)).

٢٣٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
يُجْزِئُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُفَرِّقُهُمَا (١) أَحَبُّ إِلَيْنَا.
وقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ جَمَعَهُمَا فِي كَفَّ وَاحِدٍ فَهُوَ جَائِزُ، وَإِنْ فَرَّقَهُمَا فَهُوَ
أَحَبُّ إِلَيْنَا.
٢٣- بَابٌ فِي تَخْلِيلِ اللَّحْيَةِ
٢٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ
أَبِي الْمُخَارِقِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ تَوَضَّأَ
فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ - أَوْ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَتُخَلِّلُ لِحْيَتَكَ؟ قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي،
وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَلَهُ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ.
قوله: (يفرقهما) مبتدأ[١] بتأويل تجريده عن النسبة إلى الفاعل والزمان،
فصلح للحكم عليه، أو بتقدير ((أن)) المصدرية.
(٢٣) باب في تخليل اللحية
تفرقت آراء الفقهاء [٢] الحنفيين في هذه المسألة، فمن قائلٍ بفرضية مسح
ربع اللحية؛ قياساً على مسح الرأس، فإنه لما سقط غَسل كله قام مسحُ الربع مقامَه،
[١] أو يقال: إن قوله: أحب، خبر مبتدأ محذوف فهما جملتان، وفي بعض النسخ: ((تفريقهما))،
فلا حاجة إلى التأويل.
[٢] ففي ((الدر المختار))(٢): غسل جميع اللحية فرض على المذهب الصحيح المفتى به المرجوع إليه،=
[٢٩] جه: ٤٢٩، تحفة: ١٠٣٤٦.
(١) في نسخة: ((تفريقهما)).
(٢) ((رد المحتار)) (٢١٥/١).

٢٣١
أبْوَابُ الطّهَارَة
٣٠- حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ النَّبِيِّوَلَّ مِثْلَهُ.
وَفِي الْبَابِ(١) عَنْ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ وَأَنَسِ وَابْنِ أَبِي أَوْقَى وَأَبِي أَيُّوبَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ
قَالَ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَسْمَعْ عَبْدُ الْكَرِيمِ مِنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ حَدِيثَ التَّخْلِيلِ.
فكذلك في اللحية، وأنت تعلم ما فيه، فإن القياس على الرأس إنما كان صحيحاً
لو کان الرأس مغسولاً کالذقن، ثم سقط غسله إلی مسح ربعه، وإذ لیس فليس.
ومن ذاهبٍ إلى وجوب غسلِ السطح الظاهر، ومسحٍ ما استرسل منها؛ والصحيح
أن غَسل ما يلاقي البشرة واجب، فإنه إذا سقط وجوب غسل الذقن ناب منابه غسل
ما يلاقي بشرة الوجه منها، وأما الشعر المسترسل منها فلا يجب غسله ولا مسحه،
ولكن لا خلاف في أن تخليلَ اللحية واستيعابَه بالمسح سنة، والله تعالى أعلم.
قوله: (لم يسمع عبد الكريم) لكن الرواية لما تعددت طرقها انجبر الضعف
الناشئ من سوء حفظه.
= وما عدا هذه الرواية مرجوع عنه، كما في ((البدائع))، ثم لا خلاف أن المسترسل لا يجب
غَسله ولا مسحه بل يسن، وأن الخفيفة التي تُرى بشرتُها يجب غسل ما تحتها، انتهى.
قال ابن عابدين: قوله: ((جميع اللحية)) ظاهر كلامهم أن المراد بها الشعر النابت على الخدين والذقن،
وقوله: ((ما عداه هذه الرواية)) أي: من رواية مسح الكل أو الربع أو الثلث، أو ما يلاقي البشرة،
أو غَسل الربع أو الثلث، أو عدم الغسل والمسح، فالمجموع ثمانية، قوله: ((ثم لا خلاف)) أي: بين
أهل المذهب على جميع الروايات، وقوله: ((المسترسل)) أي: الخارج عن دائرة الوجه، انتهى . =
[٣٠] تحفة: ١٠٣٤٦.
(١) زاد في نسخة: ((عن عثمان)).

٢٣٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٣١ - حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ مُوسَى، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَامِرٍ
ابْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ: أَنَّ النَّبِيِّ ◌َلَ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ عَامِرِ بْنِ
شَقِيقٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عُثْمَانَ. وَقَالَ بِهَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابٍ
النَّبِّلَهُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، رَأَوْا تَخْلِيلَ اللَّحْيَةِ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَحْمَدُ:
إِنْ سَهَا عَنِ التَّخْلِيلِ فَهُوَ جَائِزُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: إِنْ تَرَّكَهُ نَاسِيًّا أَوْ مُتَأَوَّلَا أَجْزَأَهُ،
وَإِنْ تَرَكَهُ عَامِدًا أَعَادَ.
= وقال ابن العربي(٢): اختلف العلماء في تخليلها على أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يستحب،
قاله مالك في ((العتبية))؛ الثاني: أنه يستحب، قاله ابن حبيب؛ الثالث: إن كانت خفيفة وجب
إيصال الماء إليها، وإن كانت كثيفة لم يجب، قاله مالك عن عبد الوهاب؛ الرابع: من علمائنا
من قال: يغسل ما قابل الذقن إيجاباً، وما وراءه استحباباً.
وفي تخليلها في الجنابة روايتان عن مالك، إحداهما: أنه واجب وإن كثفت، رواه ابن وهب،
وروى ابن القاسم وابن عبد الحكم: سنة؛ لأنها قد صارت في حکم الباطن، ووجه آخر وهو
قول أبي حنيفة والشافعي أن الفرض قد انتقل إلى الشعر بعد نباته، كشعر الرأس.
[٣١] د: ١١٠، جه: ٤٣٠، حم: ١ /٥٧، تحفة: ٩٨٠٩.
(١) وقع هنا التقديم والتأخير، فالحديث مؤخر في أصولنا الخطية، وقول البخاري مقدم،
وجُعلت عليهما علامة التقديم والتأخير.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (٤٩/١).

٢٣٣
أتْوَابُ الطّهَارَة
٢٤ - بَابِ مَا جَاءَ فِي مَسْجِ الرَّأْسِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ
٣٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، نَا مَعْنُ(١)، نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسِ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَيهِمَسَحَ
رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ
رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ وَعَائِشَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ
وَأَحْسَنُ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
[(٢٤) باب ما جاء في مسح الرأس إلخ]
قوله: (مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر) الإقبال: الإتيان إلى قبل الرأس،
والإدبار: الذهاب إلى دبره، فكان ابتداء الإقبال من خلف، وابتداء الإدبار من قدام.
ثم قوله: (بدأ بمقدم رأسه) دفع لما عسى أن يتوهم من تقديم ذكر الإقبال
أنه ابتدأ المسح من خلف، فدفعه بأن الواو في قوله: ((أقبل بهما وأدبر)) للجمع،
وليس تقديم ذكره للتقدم بالوجود، ولعل الوجه في تقديم ذكره الاكتفاءُ بالإقبال في
المسح، فناسب تأكده.
[٣٢] تحفة: ٥٣٠٨.
(١) زاد في نسخة: ((ابن عيسى القزاز)).

٢٣٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٥- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ
٣٣- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ(١)، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّدِ بْنِ عَفْرَاءَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَلَهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنٍ، بَدَأَ
بِمُؤَخَّرٍ رَأْسِهِ ثُمَّ بِعُقَدَّمِهِ وَبِأُذُنَيْهِ كِلْتَيْهِمَا(٢) ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ.
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَصَحُ مِنْ هَذَا وَأَجْوَدُ إِسْنَادًا.
[(٢٥) باب ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس]
[قوله]: (بدأ بمؤخر رأسه)[١] إنما فعل ذلك - والله تعالى أعلم- لئلا يذهب
بدوام ابتدائه بالمقدم إلى حرمة خلافه، أو عدم الإجزاء به في باب الطهارة، فأظهر
بهذا القلب إنما المقصود هو الإتيان بالمسح كيف كان، ولا يبعد أن يستنبط منه أن
الترتيب في غسل الأعضاء لا يشترط، فإن الوضوء هو مجموع تلك الأركان، فلما لم
يجب إتيان كل ركن حسب ما ثبت دوامه عليه من الكيفية لم يجب في كل الأركان
إتيانها كذلك، مع أن المسح في ذاته لزم أن يكون على تقدير وجوب الترتيب مرتباً
[١] قال ابن العربي(٣): لعله من تفسير الراوي لقول الآخر: فأدبر بهما، فحمله على البداءة
بالمؤخر، فذكره بذلك اللفظ، انتهى.
[٣٣] د: ١٢٦، جه: ٣٩٠، حم: ٣٥٨/٦، تحفة: ١٥٨٣٧.
(١) زاد في بعض النسخ: ((ابن سعيد)).
(٢) وقع في بعض النسخ: ((كلتاهما)) وهي لغة.
(٣) ((عارضة الأحوذي)) (١/ ٥٢).

٢٣٥
أبْوَابُ الطَّهَارَة
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ، مِنْهُمْ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ.
٢٦- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةً
٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَابَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ الله بْن
مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، أنَّهَا رَأْتِ النَّبِيَّ وَلَهِ يَتَوَضَّأَ،
قَالَتْ: مَسَحَ رَأْسَهُ (١) وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
بعضہعلی بعض، ویجب أن یکون مسحُ مقدمه مقدماً على مسح مؤخره، فإذا عکس
فيه علم أنه لا ترتيب، نعم يكون الترتيب سنة لدوام عمل النبي ◌َّ عليه، والله أعلم.
ثم المراد بقوله: (ذهب بعض أهل الكوفة) إن كان الحنفية، فمعنى العبارة
أنهم ذهبوا إلى جواز الوضوء بذلك، وقالوا بسقوط الواجب به، لا أنه سنة عندهم،
وإن كانوا قوماً آخرين فلا علم [١] لنا بهم.
[(٢٦) باب ما جاء أن مسح الرأس مرة]
قوله: (مرة واحدة) إما أن يقال في بيان معناه: أن الإقبال والإدبار کله مسح
واحد، وعلى هذا فمؤدى الروايتين واحد، أو يحمل على اختلاف الأحوال فيكون
[١] قال ابن العربي(٢): لا أعلم أحداً قال: إنه بدأ بمؤخر الرأس، إلا وكيع بن الجراح، كما ذكره أبو
عيسى، والصحيح البداية بالمقدَّم، وهي رواية الحفاظ كلهم، انتهى. قلت: وحكى العيني(٣) =
[٣٤] د: ١٢٩، تحفة: ١٥٨٣٨.
(١) في نسخة: ((برأسه)).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١/ ٥١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٢/ ٥٦٢) وفيه: الحسن بن حي.

٢٣٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَجَدِّ(١) طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرٍو.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ
غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ أَنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرٍ أَهْلِ
الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّوَ لَهُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَبِهِ يَقُولُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ رَأَوْا مَسْحَ الرّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ (٢) قَال: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: سَأَلْتُ
جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ مَسْجِ الرَّأْسِ أَيُجْزِئُ مَرَّةً؟ فَقَالَ: إِي والله.
كله سنة، تكرارُ المسح وتثليثُه وإفرادُه كلها سنة، وإنما الخلاف بيننا وبين الشافعي
رحمه الله تعالى في أخذ الماء الجديد هل يسن؟ قالوا: نعم، والعجب منهم جوَّزوا
شربَ المستعمل من الماء، والتطهرَ به، ولم يجوزوا المسحَ به، والعذر [١] أن الجواز
لا ينكر، وإنما الكلام في السنية، ولا تثبت إلا بفعله ◌َّة، والله أعلم.
= عن الحسن بن صالح أنه قال: يبدأ بمؤخر الرأس، وحكى صاحب ((السعاية))(٣) عن الحسن
البصري: السنة البداية من الهامة، يضع يده عليها ويمرّ بها إلى مقدم الرأس، ثم يعيدها إلى
القفا، انتھی. فهذا قول ثالث.
[١] يعني يمكن أن يجاب عن الشافعية بأنهم لا ينكرون الجواز، إذ الماء المستعمل طاهر عندهم،
وإنما أنكروا السنية، وهي لا تثبت إلا بفعله وَّة، وثبت عنه مَليّ عندهم تجديد الماء، فقالوا
به، فتأمل. ثم لا يذهب عليك أن ما حكاه الترمذي من مذهب الشافعي يخالف المشهورَ من =
(١) هو عمرو بن كعب اليمامي.
(٢) زاد في بعض النسخ: ((المكي)).
(٣) ((السعاية)) (١٣٢/١).

٢٣٧
أبْوَابُ الطّهَارَة
٢٧- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ يَأْخُذُ لِرَأْسِهِ مَاءَ جَدِيدًا
٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرٍَ، نَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، نَاعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ،
عَنْ حَبَّانَ بْنٍ وَاسِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َلَتَوَضَّأَ،
وَأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلٍ يَدَيْهِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ هَذَا الْحَدِيثَ
[(٢٧) باب ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماء جديداً]
قوله: (بماء غير فضل يديه) هذا وإن كان غلطاً من الراوي كما صرح به
المؤلف، إلا أنه يمكن تصحيحه بحسب المعنى بأن يقال: قوله: ((فضل يديه))، بدل
عن: ((ماء غير))، أو هو فاعل لقوله: ((غير))، أي بماء تركه فضلُ يديه، وإسناد الترك إلى
الفضل لا استبعاد فيه، فإن الماء لم يبق على اليد إلا لأجل كونه فاضلاً على اليد عن
حاجة الغَسل، فإن السائل والنازل من العضو الذي وقع على الأرض كان فضلاً
على القدر الضروري للغسل، وترك هذا الفضل ذلك البلل، ويحتمل كونه منصوباً
= مذهبه، وفي ((السعاية))(١): أن التثليث هو قول الشافعي، على ما حكاه النووي وابن حجر(٢)
وغيرهما، وهو المشهور في كتب مذهبه، لكن عدَّه الترمذي ممن رأوا المسح مرة واحدة،
ونقل العيني(٣) عن النووي أنه قال: لا أعلم أحداً من أصحابنا حكى هذا عن الشافعي، لكن
حكاه الرافعي وجهاً لأصحابنا، انتهى.
[٣٥] م: ٢٣٦، د: ١٢٠، تحفة: ٥٣٠٧.
(١) ((السعاية)) (١٣٣/١).
(٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٠٩/٢) و ((فتح الباري)) (٢٦٠/١).
(٣) انظر: ((البناية)) (٢٣٩/١).

٢٣٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
عَنْ حَبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيََّهْ تَوَضَّأَ، وَأَنَّهُ
مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرٍ(١) فَضْلٍ يَدَيْهِ.
وَرِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حَبَّنَ أَصَحُ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ
هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلَّهِأَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءَ جَدِيدًا.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرٍ أَهْلِ الْعِلْمِ رَأَوْا: أَنْ يَأْخُذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا.
بنزع الخافض أي: بماء بقي من فضل يديه، على أن يكون كلمة ((من)) هذه المقدرة
المنزوعة للبيان، والأول أولى وأسلم[١].
[١] قلت: هذا باعتبار اللفظ، وأما باعتبار الفقه فالمشهور على الألسن أن حديث عمرو بن الحارث
حجة على الحنفية، إذ قالوا بجواز المسح بالبلة الباقية على اليدين بعد غسل اليدين، قال
الحلبي(٢): لو توضأ ومسح بيلة بقيت على كفيه بعد الغسل يجوز مسحه؛ لأن البلة الباقية
بعد الغسل غير مستعملة، إذ المستعملة فيه ما سال على العضو وانفصل عنه، ولو مسح رأسه
ثم مسح خفيه بيلة بقيت بعد المسح لا يجوز مسحه على الخف؛ لأن البلة الباقية بعد المسح
مستعملة؛ لأن المستعمل فیه ما أصاب الممسوح، انتهى.
وأنت خبير بأن الحديث لا ينافي قولهم لأنهم لا ينكرون جواز المسح بالماء الجديد، بل
قالوا: بجواز الأمرين معاً، قال القاري(٣): وفي الحديث أنه عمل بأحد الجائزين عندنا،
انتهى. قال النووي (٤): معناه أنه مسح الرأس بماء جديد لا ببقية من ماء يديه، ولا يستدل
بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به؛ لأن هذا إخبار عن الإتيان بماء جديد
للرأس، ولا يلزم من ذلك اشتراطه، انتهى.
=
(١) في نسخة: ((بما غبر من فضل يديه))، وفي نسخة: ((بماء من غير فضل يديه)).
(٢) ((غنية المتملي)) (ص: ١١٠).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ١٢٢ عقب حديث ٤١٥).
(٤) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٢٦/٢، ح٢٣٦).

٢٣٩
أبْوَابُ الطّهَارَة
٢٨- بَابُ(١) مَسْجِ الْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا
٣٦ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا ابْنُ إِدْرِيسَ(٢)، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ(٣)، عَنْ زَيْدِ بْنِ
أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ النَّبِيَّ لَ﴿ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ
ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا.
وَفِي الْبَابِ عَنِ الرُّبَيِّع.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرٍ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ ظُهُورِهِمَا
وَبُطُونِهِمَا(٤).
على أن أصحية رواية عمرو عند المصنف لا تستلزم أن تكون رواية ابن لهيعة غير صحيحة
=
عنده فضلاً عند غيره، لا سيما إذ هي مؤيّدة بعدة روايات، فقد أخرج أبو داود(٥) من حديث
الربيع: أن النبي ◌َ مسح برأسه من فضل كان في يده، وسكت عليه فهو صالح للاحتجاج، قال
الحافظ(٦): وروى الدارقطني والبيهقي بلفظ ((مسح رأسه بماء فضل في يديه))، وفي رواية ((ببلل في
يده)) وإسناده حسن، انتهى. وقال ابن قدامة في ((المغني)»(٧): روي عن علي وابن عمر وأبي أمامة
فیمن نسي مسح رأسه إذا وجد بللاً في لحيته أجزاه أن يمسح رأسه بذلك البلل، انتهى.
[٣٦] خ: ١٤٠، د: ١٣٧، ن: ١٠٢، جه: ٤٠٣، حم: ٢٦٨/١، تحفة: ٥٩٧٨.
(١) في بعض النسخ: ((باب ما جاء في)).
(٢) في بعض النسخ: ((عبد الله بن إدريس)).
(٣) في بعض النسخ: ((محمد بن عجلان)).
(٤) قال صاحب ((البذل)) (٥٤٦/١): جمهور أهل العلم من أصحاب النبي بَ ثله ومن بعدهم
قالوا: إن الأذنين من الرأس، فيمسح ظاهرهما وباطنهما.
(٥) ((سنن أبي داود)) (١٣٠).
(٦) ((الدراية)) (٥٥/١).
(٧) («المغني)) (٣١/١).

٢٤٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٩- بَابِ مَا جَاءَ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ
٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ(١)، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ
حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِىُّ ◌َلَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا،
وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَقَالَ: ((الْأَذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)).
ـلا الله
قَالَ أَبُو عِيسَى: قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ حَمَّادُ: لَا أَدْرِي هَذَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ
أَوْ مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ(٢).
[(٢٩) باب ما جاء أن الأذنين من الرأس]
قوله: (لا أدري هذا من قول) إلخ، هذا انتصار لمذهبه[١]، وأنت تعلم ما فيه؛
فإنه مرفوع على تقدير تسليمه موقوفاً أيضاً لكونه ما لا يدرك بالقياس، والنبي وجَ لّ بُعِثَ
لبيان الحكم لا الخلقة، مع أنه على تقدير كونه بيانَ الخلقة غير صحيح أيضاً، فحاشاه
[١] وتوضيح ذلك أنهم اختلفوا في أن السنة لمسح الأذنين أخذُ الماء الجديد أو تُمسَحان بماء
الرأس؟ وبالأول قالت الأئمة الثلاثة مع اختلاف نقلة المذاهب في بيان مسالكهم، كما بينته
في ((أوجز المسالك))(٣).
ولم يختلفوا في أن الحنفية قالوا بالثاني مستدلا برواة الباب، وهو حديث مشهور روي من =
[٣٧] د: ١٣٤، جه: ٤٤٤، حم: ٢٦٤/٥، تحفة: ٤٨٨٧.
(١) في نسخة: ((قتيبة بن سعيد)).
(٢) قال ابن العربي (٥٩/١): الصحيح أن ذلك من قول أبي أمامة صدي بن عجلان لا من نفس
الحدیث.
(٣) (٤٣٠/١).