Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ مقدمة الكتاب الحديث، ولقي الصدر الأول من المشايخ مثل قتيبة بن سعيد، ومحمود بن غيلان، ومحمد بن بشار، وأحمد بن منيع، ومحمد بن المثنى، وسفيان بن وكيع، ومحمد بن إسماعيل البخاري وغير هؤلاء، وأخذ الحديث عن خلق كثير لا يحصون كثرة، انتهى. قال ابن كثير في ((البداية))(١): قد ذكرنا مشايخ الترمذي في ((التكميل))، انتهى. وقال الذهبي في ((التذكرة))(٢): سمع الترمذي قتيبة بن سعيد، وأبا مصعب، وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وإسماعيل بن موسى السدي، وسويد بن نصر، وعلي ابن حجر، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وعبد الله بن معاوية الجمحي وطبقتهم، وتفقه في الحديث بالبخاري، انتھی. قال ابن خلكان(٣): هو تلميذ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وشاركه في بعض شيوخه مثل قتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، وابن بشار وغيرهم. وقال شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز الدهلوي في ((بستان المحدثين)) (٤) ما نصه: «ترمذي شاگرد رشید بخاري است، وروش اورا آموخته، وأز مسلم وأبي داود وشیوخ ایشان نیز روایت دارد، ودر بصره، و کوفه، وواسط، وري، وخراسان، و حجاز سالها در طلب علم حدیث بسر برده، وترمدي را خلیفه بخاري گفته اند)) انتھی. وفي مقدمة ((التحفة))(٥): سمع الترمذي من الإمام مسلم صاحب الصحيح أيضاً، لكن لم يرو في جامعه عنه إلا حديثاً واحداً، كما قال الذهبي في ((التذكرة)) في (١) («البداية والنهاية)) (١١ / ٧٧). (٢) ((تذكرة الحفاظ)) (١٥٤/٢). (٣) ((وفيات الأعيان)) (٤/ ٢٧٨). (٤) (بستان المحدثين)) (ص: ١٦٤). (٥) ((مقدمة تحفة الأحوذي)) (ص: ٣٤٢). ٨٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ترجمة الإمام مسلم، وقال العراقي في شرح الترمذي: وهو حديث ((أحصوا هلال شعبان لرمضان))، انتهى. وأما الإمام البخاري فقد أكثر الإمام الترمذي في التخريج عنه في جامعه، وذلك على ما استقصاه بعض مشايخ الدرس في جامعة مظاهر علوم، أن تلك الروايات لا أقل من عشرين حديثاً، ولم أر من تعرض له من الشراح، نعم قد حكى الترمذي عن شيخه البخاري الكلام على الروايات وعلى الرواة جرحاً وتعديلاً في مواضع لا تحصى كثرة، وقد يختلف رأيه رأي شيخه الإمام البخاري في الكلام على الروايات كما لا يخفى على ناظر الكتاب، وهذا كما ترى في باب الاستنجاء بالحجرين فإنه أخرج فيه حديث ابن مسعود رضي الله عنه: ((التمس لي ثلاثة أحجار)) الحديث، ثم بعد بيان اختلاف طرقه رجح طريقاً غير الطريق التي اختارها البخاري في ((صحیحه)). وقد تقدم عن الشاه عبد العزيز - قدس سره - أن الإمام أبا داود من شيوخ الترمذي، وأما روايته عنه في ((جامعه)) فلم أر من تعرض له، وقد وجدت حديثاً واحداً أخرجه عنه قبيل أبواب المناقب وهو حديث أنس، قال: قال رسول الله تَّة: ((ليسأل أحدکم ربه حاجته کلها حتى يسأل شِسْع نعله إذا انقطع)»(١)، وقد وجدت ذكره من غیر رواية عنه في موضعين آخرين من ((جامع الترمذي)) فقال في («باب ما جاء في القنوت)»: سمعت أبا داود السجزي يعني سليمان بن الأشعث يقول: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فقال: أخوه عبد الله لا بأس به، انتهى. ثم أعاد الإمام الترمذي هذا الكلام بعينه في موضع آخر في ((باب ما جاء في الصائم يذرعه القيء)». وقال الشيخ أحمد شاكر في مقدمة تعليقه(٢) على ((جامع الترمذي)): وقدروى (١) ((سنن الترمذي)) (٣٦٠٤، م ٨). (٢) ((سنن الترمذي)) نسخة أحمد محمد شاكر (١/ ٨١). ٨٣ مقدمة الكتاب أرباب الصحاح الستة عن شيوخ كثيرين، فتفرد بعضهم بالرواية عن بعض الشيوخ، واشترك بعضهم مع غيره في الرواية عن آخرين، واشتركوا جميعاً في الرواية عن تسعة شيوخ، وهم: محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى أبو موسى، وزياد بن يحيى الحساني، وعباس بن عبد العظيم العنبري، وأبو سعيد الأشج عبد الله بن سعيد الكندي، وأبو حفص عمروبن علي الفلاس، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد ابن معمر القيسي البحراني، ونصر بن علي الجهضمي، وقال: وجدت حصر هؤلاء الشيوخ في ((مجموعة فوائد حديثية)) مخطوطة قديمة بخط أحد تلاميذ الحافظ أبي المعالي محمد بن رافع السلّامي، وأظن أنها بخط الحافظ ابن حجر العسقلاني، وقال أيضاً: وقد طاف أبو عيسى البلاد، ولكني لا أظنه دخل بغداد، إذ لو دخلها لسمع من سيد المحدثين وزعيمهم الإمام أحمد بن حنبل، ولترجم له الحافظ أبو بکر الخطیب في (تاریخ بغداد))، انتهى. تلاميذه: قال ابن كثير في (البداية))(١): روى عنه غير واحد من العلماء منهم محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح (٢)، والهيثم بن كليب الشاشي صاحب المسند، ومحمد بن محبوب المحبوبي راوي الجامع عنه، ومحمد بن المنذر، قال أبو يعلى الخليل القزويني في كتابه ((علوم الحديث)): روى عنه أبو محبوب والأجلاء، انتهى. وقال الذهبي في ((التذكرة))(٣): حدث عنه مكحول بن الفضل، ومحمد بن محمود بن عنبر(٤)، وحماد بن شاكر، وعبد بن محمد النسفيون (وذكر (١) ((البداية والنهاية)) (١١ / ٧٧). (٢) كذا في الأصل، وقد تقدم أن الإمام البخاري سمع من الإمام الترمذي حديثین، لكن لم يخرج البخاري عن الترمذي في صحيحه حديثاً، والله أعلم. (٣) ((تذكرة الحفاظ)) (١٥٤/٢). (٤) كذا في الأصل، وفي ((التهذيب)) بدله: نمير. ٨٤ الكوَكَبُ الدُّرِّي بعض من تقدم) وخلق سواهم، انتهى. ومنهم أحمد بن عبد الله بن داود المروزي التاجر وأحمد بن يوسف النسفي وأسد بن حمدويه وداود بن نصر بن سهيل البزدوي، ومحمود بن نمير، ومحمد بن مكي بن نوح وغيرهم كما في ((التهذيب))، قال ابن كثير: قال الحافظ محمد بن أحمد الغنجار في ((تاريخ بخارى)): محمد بن عیسی الترمذي الحافظ دخل بخاری وحدث بها، انتهى. الفائدة الرابعة: في مؤلفاته قال الحافظ ابن كثير (١): وله المصنفات المشهورة، منها: ((الجامع))، و((الشمائل))، و ((أسماء الصحابة)) وغير ذلك، وكتاب ((الجامع)) أحد الكتب الستة التي يرجع إليها العلماء في سائر الآفاق، انتهى. ومنها ((كتاب العلل)) وهما اثنان: الصغير وقد ألحقه في آخر الجامع، قال صاحب ((الإكمال)) (٢). وقد جمع فيه فوائد حسنة، لا يخفى قدرها على من وقف عليها، انتهى. و((العلل الكبير)) وهو كتاب معروف مستغن عن التوصيف، وفيه معظم النقل عن شيخه البخاري رحمه الله. وفي مقدمة ((التحفة): ومنها: ((شمائل النبي ◌َّة) وهو أحسن الكتب المؤلفة في هذا الباب كثير الميامن والبركات. قال الشيخ عبد الحق في ((أشعة اللمعات)): وخواندن آن برائ مهمات مجرب اکابر است، انتھی. وله كتاب جليل في التفسير، وله من التصانيف: ((التاريخ)) و((الزهد)) و((الأسماء والكنى)) كما في ((التدریب))، انتهى. وفي مقدمة ((اللامع)) (٣): وفي هامش ذيول ((التذكرة)): طالعت شرح ابن (١) ((البداية والنهاية)) (١١ / ٧٧). (٢) ((الإكمال مع لمعات التنقيح)) (٢٦٦/١٠). (٣) انظر: ((كنز المتواري)) (٢٤٦/١). ٨٥ مقدمة الكتاب رجب على علل الترمذي بخط الحافظ ناصر الدين بن رزيق، فوجدته غزير العلم جلیل الفوائد، لا يستغني عنه من یعنی بالعلل، انتھی. قال ابن كثير في ((البداية))(١): وكتاب العلل صنفه بسمرقند، وكان فراغه منه في يوم عيد الأضحى سنة سبعين ومائتين(٢)، انتهى. الفائدة الخامسة: في بيان مسلك الإمام الترمذي ومسلك باقي الأئمة من أصحاب الصحاح الستة بسط الكلام عليه في ((مقدمة اللامع))(٣) وفيه: اختلف أهل العلم في مسالك أئمة الحديث، فبعضهم عدوا كلهم من المجتهدين، وآخرون كلهم من المقلدين، والأوجه عندي أن فيهم تفصيلاً، فإن الإمام أبا داود عندي حنبلي متشدد في مسلك الحنابلة كالطحاوي في الحنفية، ولا يشك في ذلك من أمعن النظر في ((سنن أبي داود)) فإنه كثيراً ما أشار إلى ترجيح مسلكهم (أي: مسلك الحنابلة) على خلاف الروایات المعروفة، وله نظائر، ثم ذکرها. وفيه: وكذلك الإمام البخاري المعروف أنه شافعي، ولذا عدّوه في طبقات الشافعية، والأوجه عندي أنه مجتهد مستقل كما يظهر من إمعان النظر في (الصحيح))، فإن إيراداته على فروع الشافعية ليست بأقل من إيراداته على فروع الحنفية، وهذا على تقدير تسليم وجود المجتهد المطلق بعد الأئمة الأربعة، والمسألة خلافية شهيرة، ذكر شيئاً من الكلام عليها مولانا العلامة عبد الحي في رسالته ((النافع الكبير»، (١) ((البداية والنهاية)) (١١ / ٧٧). (٢) وكذا ذكره ابن نقطة في ((التقييد لمعرفة السنن والمسانيد)) (ص: ٩٩). (٣) ((لامع الدراري)) (١ / ٦٧). ٨٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وحكى عن بعض العلماء انقطاعه بعد الأئمة الأربعة، وقال ابن عابدين(١): القياس بعد الأربعمائة منقطع، فليس لأحد بعدها أن يقيس مسألة على مسألة، انتهى. نعم ليس الإمام البخاري من الأئمة المتبوعين، قال النووي في ((التقريب))(٢) في بيان وفيات أصحاب المذاهب المتبوعة: سفيان الثوري، وكان له المقلدون إلى بعد الخمسمائة، ثم ذكر بعده الأئمة الأربعة ووفياتهم، وقال السيوطي (٣): ومن أصحاب المذاهب المتبوعة الأوزاعي، وكان له مقلدون بالشام نحو من مائتي سنة، ومنهم إسحاق بن راهويه، وابن جرير الطبري، وداود الظاهري، انتهى. وذكر السيوطي وفياتهم، ولم يعد النووي في ((التقريب)) ولا السيوطي في ((التدريب)) الإمام البخاري من الأئمة المتبوعين. وبالجملة فليس لأحد أن يقلد الآن غير الأئمة الأربعة؛ لأن مسالكهم غير مدونة في الكتب، ولا يعلم مما نقل عن مسالكهم في الكتب هل هذا هو المرجوح عندهم أو الراجح بخلاف الأئمة الأربعة؛ فإن أقوالهم المتقدمة والمتأخرة كلها مضبوطة في كتب فروعهم، قال الشعراني في ((الميزان الكبرى)) (٤): إن الله تبارك وتعالى لما مَنّ عَليّ بالاطلاع على عين الشريعة، رأيت المذاهب كلها متصلة بها، ورأيت مذاهب الأئمة الأربعة تجري جداولها كلها، ورأيت جميع المذاهب التي اندرست قد استحالت حجارة، ورأيت أطول الأئمة الإمام أبا حنيفة، ويليه الإمام مالك، ويليه الإمام الشافعي، ويليه الإمام أحمد، وأقصرهم جدولاً مذهب الإمام (١) انظر: ((رد المحتار)) (٥٨٩/١). (٢) ((التقريب والتيسير)) للنووي (ص: ١١٨). (٣) ((تدريب الراوي)) (٢/ ٨٨٢). (٤) ((الميزان الكبرى)) للشعراني (٢٩/١). ٨٧ مقدمة الكتاب داود الظاهري، وقد انقرض في القرن الخامس، وأولت ذلك بطول زمن العمل بمذاهبهم وقصره، كما كان مذهب الإمام أبي حنيفة أول المذاهب المدونة تدويناً، فكذلك يكون آخرها انقراضاً، وبذلك قال أهل الکشف، انتهى. وقد أجاد مولانا عبد الرشيد النعماني في ((ما تمس إليه الحاجة لمن يطالع ابن ماجه))(١) الكلام على مسالك الأئمة الستة فقال: وفي ((فيض الباري)): اعلم أن الإمام البخاري مجتهد لا ريب فيه، وما اشتهر أنه شافعي فلموافقته إياه في المسائل المشهورة، وإلا فموافقته للإمام الأعظم ليس بأقل مما وافق فيه الشافعي، وأما الترمذي فهو شافعي المذهب، لم يخالفه صراحة إلا في مسألة الإبراد في صلاة الظهر، والنسائي وأبو داود حنبليان صرح به الحافظ ابن تيمية، وزعم آخرون أنهما شافعيان، وأما مسلم وابن ماجه فلا يعلم مذهبهما، وأما أبواب ((صحيح مسلم)) فلیست مما وضعها المصنف بنفسه لیستدل بها على مذهبه، انتهى. وقال العلامة إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف بن العلامة المخدوم محمد هاشم التتوي السندي في كتابه ((سحق الأغبياء من الطاعنين في كمل الأولياء))(٢). أما مسلم والترمذي فهما وإن كان المسموع للعوام أنهما شافعیان، لكن ليس معنى ذلك أنهما تقلَّدَا الإمام الشافعي، بل الظاهر أنهما مجتهدان مستنبطان، وافق فقهما فقه الشافعي، وأشار إلى اجتهاد مسلمٍ ابنُ حجر في (تقريبه))، وكذا في ((جامع الأصول))(٣)، وإلى اجتهاد الترمذي الإمام الذهبي الشافعي في ((ميزانه)) (٤)، ثم (١) ((الإمام ابن ماجه وكتابه السنن)) (ص: ١٢٢ - ١٢٣). (٢) انظر ((الإمام ابن ماجه وكتابه السنن)) (ص: ١٢٤). (٣) انظر: ((تقريب التهذيب)) (ص: ٥٢٩)، و((جامع الأصول)) (١ /١٨٧). (٤) أي ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال)). ٨٨ الكوكبُ الدُّرِّي اطلعت في ((إتحاف الأكابر))(١) على إشارة إلى أن الإمام مسلماً مالكي المذهب، وذلك أنه ساق السند المسلسل لمسلم بالمالكية، ولم يبين الغاية على عادته، والله تعالى أعلم، ثم وقفت في ((الإتحاف)) على التصريح بالغاية بقوله: إلى مسلم، فكان أدل دليل على أن الإمام مسلماً صاحب الصحيح مالكي المذهب، انتهى مختصراً. وقال الشاه ولي الله المحدث الدهلوي في ((الإنصاف في بيان سبب الاختلاف))(٢). وأما أبو داود والترمذي فهما مجتهدان منتسبان إلى أحمد وإسحاق، وكذلك ابن ماجه والدارمي فيما نرى، والله أعلم، انتهى. وقال الشيخ طاهر الجزائري في ((توجيه النظر))(٣): وقد سئل بعض البارعين في علم الأثر عن مذاهب المحدثين فأجاب: أما البخاري وأبو داود فإمامان في الفقه، وكانا من أهل الاجتهاد، وأما مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وأبو يعلى، والبزار ونحوهم، فهم على مذهب أهل الحديث ليسوا مقلدين لواحد من العلماء، ولا هم من الأئمة المجتهدين، بل يميلون إلى قول أئمة الحديث كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأمثالهم، وهم إلى مذهب أهل الحجاز أميل منهم إلى مذهب أهل العراق، انتهى مختصراً. وعندي أن الإمام البخاري وأبا داود أيضاً كبقية الأئمة المذكورين ليسا مقلدين لواحد بعينه، ولا من الأئمة المجتهدين على الإطلاق بل يميلان إلى أقوال أئمتهم، ولو كانا مجتهدين لنقلت أقوالهما مع أقوال سائر الأئمة من أهل الاجتهاد والفقه، ولكن نرى أن سائر الكتب التي دونت فيها أقوال المجتهدين خالية عن (١) يريد ((إتحاف الأكابر بمرويّات الشيخ عبد القادر)) لجدّه المخدوم محمد هاشم التتوي السندي. (٢) ((الإنصاف في بيان سبب الاختلاف)) (ص: ٨٦). (٣) ((توجيه النظر إلى أصول الأثر)) (٤٣٨/١). ٨٩ مقدمة الكتاب ذكر مذاهبهما، وهذا الترمذي مع أنه من خواص أصحاب البخاري لا يذكر في ((جامعه)) مذهب شيخه الذي يخرج به مع ذكر أكثر مذاهب المجتهدين كابن المبارك وإسحاق، ولو كان البخاري عند الترمذي من أئمة الفقه والاجتهاد لذكر مذهبه في كل باب، وإن كان لا ينكر أن أبا داود أفقه الستة، ولذا ذكره الشيرازي في ((طبقات الفقهاء)) دون غيره، انتهى ما في ((ما تمس إليه الحاجة)) مختصراً. وذكر صاحب ((كشف الظنون))(١) الإمام مسلماً شافعيًّا إذ قال: ((الجامع الصحيح)) للإمام مسلم الشافعي، وكذا في ((اليانع الجني))(٢) عدَّه شافعيًّا، والذي تحقق لي أن الإمام أبا داود حنبلي، لا ينكر ذلك من أمعن النظر في ((سننه))، والإمام البخاري عندي مجتهد، وهذا أيضاً ظاهر من ملاحظة تراجم أبوابه بدقة النظر لمن يعرف اختلاف الأئمة. وأما عدم نقل مذهبه كالأئمة المجتهدين المعروفين فلأنه لم يكن إماماً متبوعاً، ولم يقلده أحد مثل الأئمة الأخر، ولذا لم يشع مذهبه، وأما بقية الستة فلا يبعد أن يعدوا في الطبقة الثانية من الفقهاء، وهي طبقة المجتهدين في المذهب كأبي يوسف ومحمد في الفقهاء الحنفية، فإنهم يخالفون في الفروع لإمامهم، ويبنى على هذا ما ترى من التجاذب في ذكر مسالك هؤلاء الأئمة العظام مرة يعدون أحداً منهم شافعيًّا، ومرة أخرى حنبليًّا مثلاً، فإنهم يوافقون أحداً من الأئمة في بعض الفروع المعروفة فيعدهم الرائي من مقلديه، ولا يبعد أيضاً أن يكون ذلك مبنيًّا على اختلاف رأيهم باختلاف الزمان، فإن كثيراً من أهل العلم من السلف والخلف قد اختار مسلك واحد من الأئمة المجتهدين، ثم انتقل منه إلى مسلك إمام آخر، ولا ضير فيه إذ كانوا أهلاً لذلك لقوة (١) انظر: ((كشف الظنون)) (٥٥٥/١). (٢) ((اليانع الجني)) (ص: ٣٧). ٩٠ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي نظرهم ومبلغهم إلى هذه المرتبة من العلم، فإنهم كانوا أهل الرواية والدراية بخلاف أهل زماننا الذين منتهى علمهم النظر إلى الكتب العديدة المعروفة المختارة من ذخائر الحديث، وقد حكى الشعراني عن السيوطي جماعة من أهل العلم انتقلوا من مسلك إلى آخر، كما بسط في ((مقدمة اللامع))، فارجع إليه لو شئت، فأي مانع في هؤلاء أئمة الحديث أنهم مالوا أولاً إلى مسلك إمام، ثم لما وصلت عندهم الروايات الكثيرة التي توافق مسلك إمام آخر انتقلوا إلى مسلكه، والله أعلم، انتهى من ((مقدمة اللامع))(١). الفائدة السادسة: في ذكر الأشتات منها: ما يوجد في كتب الرجال والتاريخ، أن ابن حزم قال في الإمام الترمذي: إنه مجهول، قال الذهبي في ((الميزان))(٢): ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم فيه في الفرائض من ((كتاب الإيصال)): إنه مجهول، فإنه ما عرفه، ولا دری بوجود ((الجامع)) ولا (العلل)) [الذین] له، انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في ((التهذيب))(٣): وأما ابن حزم فإنه نادى على نفسه بعدم الاطلاع، فقال: محمد بن عيسى بن سورة مجهول، ولا يقولن قائل: لعله ما عرف الترمذي، ولا اطلع على حفظه، ولا على تصانيفه، فإن هذا الرجل قد أطلق هذه العبارة في خلق من المشهورين من الثقات الحفاظ كأبي القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد الصفار، وأبي العباس الأصم وغيرهم، والعجب أن الحافظ ابن الفرضي ذكره في كتابه ((المؤتلف والمختلف))، ونبّه على قدره، فكيف فات ابنَ حزم الوقوفُ علیه فیه، انتهى. (١) ((لا مع الدراري)) (١/ ٧٣). (٢) ((ميزان الاعتدال)) (٦٧٨/٣). (٣) ((تهذيب التهذيب)) (٣٨٨/٩). ٩١ مقدمة الكتاب قال الحافظ ابن كثير في ((البداية))(١): وجهالة ابن حزم لأبي عيسى الترمذي لا تضره حيث قال في ((محلاه)): ومن محمد بن عيسى بن سورة؟ فإن جهالته لا تضع من قدره عند أهل العلم، بل وضعت منزلة ابن حزم عند الحفاظ: وكيف يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل، انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر: وقد ذكر ابن حزم في (المحلى)) الحديث الذي في إسناده الترمذي وضعفه، ولکن لم یذکر مطعنا في الترمذي، انتهى. ومنها: ما اشتهر أنه لم يكن عند الإمام البيهقي ((جامع الترمذي)»، ففي ((مقدمة اللامع)): قال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) في ترجمة البيهقي: ولم يكن عنده (سنن النسائي)) ولا «جامع الترمذي)) ولا (سنن ابن ماجه))، بل كان عنده الحاكم فأکثر عنه، انتھی. وكذا ابن حزم لم ير ((جامع الترمذي)) كما تقدمت الإشارة إليه، ففي ((ما تمس إليه الحاجة)): قال الذهبي في ترجمة ابن حزم في ((سير أعلام النبلاء)): أنه ما ذكر ((سنن ابن ماجه))، ولا ((جامع الترمذي))، فإنه ما رآهما ولا أُدخلا إلى الأندلس إلا بعد موته، انتهى. نقله الشيخ عبد الحي في (التعليق الممجد)) (٢). ومنها: ما قيل: أن الإمام الترمذي مع إمامته وجلالته في علوم الحديث وكونه من أئمة هذا الشأن متساهل في تصحيح الأحاديث وتحسينها، ففي ((مقدمة التحفة))(٣): قال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني: قال ابن معين: ليس بشيء، وقال الشافعي وأبو داود: ركن من أركان الكذب، وقال الدار قطني وغيره: متروك، وقال النسائي: ليس بثقة، وغير ذلك من (١) ((البداية والنهاية)) (١١ / ٧٧). (٢) انظر: ((التعليق الممجمد)) (١ / ٧٦). (٣) ((مقدمة تحفة الأحوذي)) (ص: ٣٥٠-٣٥١). ٩٢ الكَوَكَبُ الدُّرِّي أقوال الأئمة في جرحه إلى أن قال: وأما الترمذي فروى من حديثه: ((الصلح جائز بين المسلمين))(١)، وصححه، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي، انتهى. وقال في ترجمة يحيى بن يمان بعد ذكر حديث ابن عباس: ((إن النبي ◌َّ دخل قبراً لیلاً فأسرج له السراج))، حسّنه الترمذي مع ضعف ثلاثة فیه، فلا يغتر بتحسین الترمذي، انتھی. وكذا تعقب الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) على تحسين الترمذي هذا الحديث، وقال: لأن مداره على الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، ولم يذكر سماعاً، انتهى. وقال الذهبي أيضاً في ترجمة محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني الكوفي: قال ابن معين: قد سمعنا منه ولم يكن بثقة، وقال مرة: كان يكذب، وقال أحمد: ما أراه يسوى شيئاً، وقال النسائي: متروك، وقال أبو داود: ضعيف، ثم قال بعد ذكر حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله مَثّ: ((يقول الرب تبارك وتعالى: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين))، الحديث: حسنه الترمذي فلم یحسن، انتهى. وكذا تساهل الحاكم أبي عبد الله مشهور في تصحيح الأحاديث وتحسينها، لكنهما ليسا بمتساويين في ذلك، ففي تخريج ((الهداية)): وتوثيق الحاكم لا يعارض ما ثبت في الصحيح خلافه، لما عرف من تساهله حتى قيل: إن تصحيحه دون تصحیح الترمذي والدار قطني، بل تصحیحه کتحسین الترمذي، وأحياناً يكون دونه، وأما ابن خزيمة وابن حبان فتصحيحهما أرجح من تصحيح الحاكم بلا نزاع، فكيف تصحیح البخاري ومسلم، انتهى. (١) ((سنن الترمذي)) (١٣٥٢). ٩٣ مقدمة الكتاب ومنها: ما في ((مقدمة التحفة))(١): المشهور بالترمذي من أئمة الحديث ثلاثة، الأول: ما نحن بصدد ترجمته أبو عيسى الترمذي صاحب ((الجامع)). والثاني: أبو الحسن أحمد بن الحسن المشهور بالترمذي الكبير، قال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ))(٢): الترمذي الكبير هو الحافظ العلم أبو الحسن أحمد ابن الحسن بن جنيدب الترمذي، سمع يعلى بن عبيد، وأبا النضر، وعبد الله بن موسى، وسعيد بن أبي مريم وطبقتهم، حدث عنه البخاريُّ وأبو عيسى الترمذيُّ، وابن ماجه، وغيرهم، وكان من أصحاب أحمد بن حنبل، ورواية البخاري عنه عن أحمد بن حنبل في المغازي من ((صحيحه))، توفي سنة بضع وأربعين ومائتين، انتهى. والثالث: الحكيم الترمذي، أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن بشر، الزاهد الحافظ المؤذن صاحب التصانيف، وهو مشهور بالحكيم الترمذي، قال الذهبي في ((التذكرة)) في ترجمته: روى عن أبيه وقتيبة بن سعيد والحسن بن عمر ابن شقیق وغیرهم، انتھی. وقال شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز في ((بستان المحدثين)) (٣): الحكيم الترمذي صاحب ((نوادر الأصول)) غير أبي عيسى الترمذي صاحب ((الجامع))، وهو يعني ((جامع الترمذي)) معدود في الصحاح الستة، وأما ((نوادر الأصول)) فأكثر أحاديثه ضعاف غير معتبرة، وأكثر الجهال يظنون أن حكيم الترمذي هو أبو عيسى الترمذي، ينسبون الأحاديث الواهية إلى أبي عيسى الترمذي ويزعمون أنها في ((جامع الترمذي))، انتهى معرباً. (١) ((مقدمة تحفة الأحوذي)) (ص: ٣٤٩). (٢) ((تذكرة الحفاظ)) (٢/ ٩١). (٣) ((بستان المحدثين)) الأردية (ص: ١٠١). ٩٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي الفصل الثاني فيما يتعلق بـ((جامع الترمذي)) وفيه فوائد: الفائدة الأولى: في بیان اسمه قال صاحب ((كشف الظنون))(١): قد اشتهر بالنسبة إلى مؤلفه فيقال: ((جامع الترمذي))، ويقال له: (السنن)) أيضاً، والأول أكثر، انتهى. وفي ((مقدمة التحفة))(٢): وقد أطلق الحاكم عليه ((الجامع الصحيح))، وأطلق الخطيب عليه، وعلى النسائي اسم ((الصحيح)) كما في ((التدريب)) (٣)، فإن قيل: كيف أطلق عليه اسم ((الصحيح))، وفيه الأحاديث الضعيفة أيضاً؟ قلت: أكثر أحاديثه صحيحة قابلة للاحتجاج، وأحاديثه الضعيفة قليلة بالنسبة إليها، فأطلق عليه اسم الصحيح على التغليب، كما قيل للكتب الستة المشهورة: ((الصحاح الستة)) مع أن في السنن الأربعة منها أقساماً من الأحاديث من الصحاح والحسان والضعاف، انتهى. قلت: وسماه المصنف بـ(المسند الصحيح)) إذ قال: صنفت هذا ((المسند الصحيح)) كما سيأتي في الفائدة الآتية، والمعروف أن المسند هو الكتاب الذي ذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة كـ((مسند أحمد)) وغيره من المسانيد، وقد يطلق (١) ((كشف الظنون)) (٥٥٩/١). (٢) ((مقدمة تحفة الأحوذي)) (ص: ٣٦٧). (٣) ((تدريب الراوي)) (١ /١٨٠). ٩٥ مقدمة الكتاب المسند على كتاب مرتب على أبواب لا على الصحابة لكون أحاديثه مسندة ومرفوعة، أو أسندت ورفعت إلى النبي ◌َّ كـ((صحيح البخاري)) فإنه يسمى بـ((المسند الصحيح))، وكذا ((صحيح مسلم))، كما في ((الرسالة المستطرفة)) (١) للكتاني بالبسط، والأشهر الأكثر في كتاب الترمذي إطلاق السنن أو الجامع، أما إطلاق السنن عليه فمن حيث إن ترتيبه على ترتيب أبواب الفقه من تقديم كتاب الطهارة، ثم الصلاة، ثم الزكاة، وهلم جراً، وأما إطلاق الجامع عليه، فلأجل اشتماله على الأبواب الثمانية للحديث على ما هو المعروف في تعريف الجامع، وقد بسط الكلام على أنواع كتب الحديث في ((مقدمة اللامع))(٢)، فقد ذكر فيه تسعة وعشرون نوعاً، فارجع إليه لو شئت التفصيل، وفي ((الرسالة المستطرفة))(٣) للكتاني: جامع أبي عيسى الترمذي، ويسمى بالسنن أيضاً، خلافاً لما ظن أنهما كتابان، ويسمى بـ((الجامع الكبير))، انتهى. الفائدة الثانية: في فضله ومرتبته من بين الكتب الستة قال ابن كثير (٤): قال ابن عطية: سمعت محمد بن طاهر المقدسي، سمعت أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري يقول: كتاب الترمذي عندي أنور من كتاب البخاري ومسلم، قلت: ولم؟ قال: لأنه لا يصل إلى الفائدة منهما، إلا من هو من أهل المعرفة التامة بهذا الفن، وكتاب الترمذي قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إليها كل واحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم، وروى ابن نقطة في ((تقييده))(٥) (١) ((الرسالة المستطرفة)) (ص: ٦٠). (٢) انظر: ((الكنز المتواري)) (٢٢٣/١). (٣) ((الرسالة المستطرفة)) (ص: ١١). (٤) ((البداية والنهاية)) (١١ / ٧٧- ٧٨). (٥) ((التقييد)) (ص: ٩٧ -٩٨). ٩٦ الكَوَكَبُ الدُّرِّي عن الترمذي أنه قال: صنفت هذا ((المسند الصحيح))، وعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم، وفي رواية ينطق، انتهى. وهكذا نقله الذهبي في ((التذكرة))، وابن حجر في ((التهذيب))(١) وطاش كبرى زاده في ((مفتاح السعادة)). وقال الشيخ أحمد شاكر في مقدمة تعليقه(٢): وللقاضي أبي بكر بن العربي في أول شرحه على الترمذي الذي سماه ((عارضة الأحوذي)) فصل نفيس في مدح كتاب الترمذي ووصفه، ولكن طابعيه حرفوه حتى لا يكاد يفهم، وسأنقله هاهنا بشيء من الاختصار والتصرف قال: اعلموا - أنار الله أفئدتكم - أن كتاب الجعفي هو الأصل الثاني في هذا الباب، و((الموطأ)) هو الأول واللباب، وعليهما بناء الجميع كالقشيري والترمذي، فمن دونهما، وليس فيهم مثل كتاب أبي عيسى حلاوة مقطع، ونفاسة منزع، وعذوبة مشرع، وفيه أربعة عشر علماً، وذلك أقرب إلى العمل وأسلم، أَسْنَدَ، وصحَّحَ، وضعَّف، وعدَّد الطرقَ وجرَح وعدَّل، وأسمى، وأكنى، ووصل، وقطع، وأوضح المعمول به والمتروك، وبيَّن اختلاف العلماء في الردِّ والقبول لآثاره، وذكر اختلافم في تأويله، وكلّ علم من هذه العلوم أصل في بابه، وفرد في نصابه، فالقارئ له لا يزال في رياض مونقة، وعلوم متفقة متَِّقَةٍ، وهذا شيء لا يعمه إلا العلم الغزير، والتوفيق الكثير، والفراغ والتدبير، انتهى. وقال الشاه عبد العزيز الدهلوي في ((بستان المحدثين))(٣): تصانيف الترمذي (١) ((تذكرة الحفاظ)) (١٥٤/٢)، و(تهذيب التهذيب)) (٣٨٩/٩). (٢) ((سنن الترمذي)) (٨٩/١). (٣) (بستان المحدثين)) (ص: ١٦٤). ٩٧ مقدمة الكتاب في هذا الفن كثيرة، وأحسنها هذا ((الجامع))، بل هو أحسن من جميع كتب الحديث من وجوه: الأول: من جهة حسن الترتيب وعدم التكرار، والثاني: من جهة ذكر مذاهب الفقهاء ووجوه الاستدلال لكل أحد من أهل المذاهب، والثالث: من جهة بيان أنواع الحديث من الصحيح والحسن والضعيف والغريب والمعلل، والرابع: من جهة بيان أسماء الرواة وألقابهم وكناهم، والفوائد الأخرى المتعلقة بعلم الرجال، انتهى معرباً. قال العلامة البيجوري في ((المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية))(١): وناهيك بجامعه الصحيح الجامع للفوائد الحديثية والفقهية والمذاهب السلفية والخلفیة، فهو کافٍ للمجتهدین، مغن للمقلد، انتھی. وقال الشيخ أحمد محمد شاكر(٢): والإمام الترمذي يُعنى كل العناية في كتابه بتعليل الحديث، فيذكر درجته من الصحة أو الضعف، ويفصِّل القول في التعليل والرجال تفصيلاً جيداً، وعن ذلك صار كتابه هذا كأنه تطبيق عملي لقواعد علوم الحديث، خصوصاً علمَ العلل، وصار أنفعَ كتاب للعالم والمتعلم، وللمستفيد والباحث في علوم الحديث، وهذا أمر لا تجده في شيء من كتب السنة الأصول الستة أو غيرها، انتهى. وقال أيضاً: ورأيت أن أجلّ خدمة لهذا الكتاب التوسع في تحقيق دقائق التعليل، تقريباً لها في أذهان القارئين، وإرشاداً للمستفيدين، وتسهيلاً للباحثین، انتھی. وأما مرتبته من بين الكتب الستة ففي ((مقدمة اللامع)) (٣): أولًا اعلم أنهم جعلوا (١) ((المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية)) (ص: ١٤). (٢) ((سنن الترمذي)) (١ / ٧٠). (٣) ((لا مع الدراري)) (١٢٨/١). ٩٨ الكَوَكَبُ الدُّرِّي كتب الحديث على خمس مراتب، أجملها شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز الدهلوي في رسالة وجيزة سماها بـ((ما يجب حفظه للناظر))، وهي في الحقيقة كاسمها، ينبغي حفظها لمن نظر في كتب الحديث، وفيه: أن كتب الحديث على مراتب خمس: أحدها: الكتب المجردة للصحاح، فلا يوجد فيها ما يحكم عليه بالضعف فضلا عن الوضع مثل ((الموطأ))، و((صحيح البخاري))، و((صحيح مسلم))، و((صحيح ابن حبان))، والحاكم، و((المختارة)) للضياء المقدسي، و((صحيح ابن خزيمة)) وأبي عوانة، و((صحيح ابن السكن)) و((المنتقى)) لابن جارود. وثانيها: الكتب التي لا تنزل أحاديثها من الصالح للأخذ، منها: ((سنن أبي داود)) و((جامع الترمذي))، و((مسند أحمد))، فإن الضعيف الذي يوجد فيها يقرب من الحسن، وكلام الأكثرين يدل على أن النسائي أيضاً من هذا القبيل. وثالثها: الكتب التي يوجد فيها كل نوع من الأحاديث: الحسن والصالح والمنكر، منها: ((سنن ابن ماجه))، و((مسند الطيالسي)) و ((مسند عبد الرزاق))، و((مسند سعيد بن منصور))، و(مصنف أبي بكر بن أبي شيبة)) - وذكر مسانيد أخر -، و((تفسير ابن مردويه))، وكذا سائر التفاسير والمعاجم الثلاثة للطبراني و((سنن الدار قطني)) و((الحلية)) لأبي نعيم، و((سنن البيهقي)). ورابعها: الكتب التي كل ما يوجد فيها الأحاديث يحكم عليه بالضعف، منها: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي، و((مسند الفردوس)) للديلمي، وكتب التاريخ كـ((تاريخ الخلفاء)) و((تاريخ ابن نجار)) وغيرهما. وخامسها: الكتب التي حيزت للموضوعات كـ((موضوعات ابن الجوزي)) و(تنزيه الشريعة)) وغيرهما، انتهى ما في الرسالة مختصراً. ٩٩ مقدمة الكتاب وبسط الشيخ - قدس سره - في رسالة له أخرى بالفارسية المسماة بـ((العجالة النافعة))، إلا أنه جعل الكتب فيها على أربع طبقات، كما بسط في ((مقدمة اللامع))، وفي آخرها: وهذا باعتبار إجمال الكلام على ترتيب كتب الحديث على العموم، وأما باعتبار التفصيل فيما بين الكتب الستة فأصحها عند الجمهور البخاري، قال النووي في ((التقريب))(١): أول مصنف في الصحيح المجرد ((صحيح البخاري))، ثم مسلم، وهما أصح الكتب بعد القرآن العزيز، والبخاري أصحهما، وقيل: مسلم أصح، والصواب الأول، وعليه الجمهور، وما روي عن الإمام الشافعي أنه قال: ما أعلم في الأرض كتاباً أکثر صواباً من کتاب مالك، فذلك قبل وجود الکتابین، انتهى. وقلت: وهو واضح فإن الإمام الشافعي توفي سنة: ٢٠٤ هـ، وكان البخاري إذ ذاك ابن عشر، ومسلم ولادته في هذه السنة، فأين وجود كتابيهما، وقال أيضاً: روي عن أبي علي النيسابوري شيخ الحاكم أنه قال: ما تحت أديم السماء كتاب أصح من ((صحيح مسلم). هذا وقول من فضل من شيوخ المغرب كتاب مسلم على كتاب البخاري إما مردود أو مؤول، قال شيخ الإسلام ابن حجر(٢): قول أبي علي ليس فيه ما يقتضي تصريحه بأن كتاب مسلم أصح من كتاب البخاري كما توهم، وإنما يقتضي نفي الأصحية عن غير كتاب مسلم عليه، وأما إثباتها له فلا؛ لأن إطلاقه يحتمل أن يريد بذلك، ويحتمل أن يريد المساواة، وقد رأيت في كلام أبي سعيد العلائي ما يشعر بأن أبا علي لم يقف على ((صحيح البخاري))، قال: وهذا عندي بعيد، والذي يظهر لي من كلام أبي علي أنه قدم (صحيح مسلم)) لمعنى آخر غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده من (١) ((التقريب والتيسير)) (ص: ٢٦). (٢) انظر: ((تدريب الراوي)) (١/ ١٠٠). ١٠٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي الشرائط المطلوبة في الصحة، بل لأن مسلماً صنَّف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ، ويتحرى في السياق، بخلاف البخاري فربما كتب الحديث من حفظه، ولم يميز ألفاظ رواته، ولهذا ربما يعرض له الشك، وقد صحّ عنه أنه قال: ربّ حديث سمعته بالبصرة فكتبته بالشام، ولم يتصد مسلم لما تصدى له البخاري من استنباط الأحكام وتقطيع الأحاديث، ولم يخرج الموقوفات، وأما ما نقل عن بعض المغاربة فمحمول على الأفضلية من حيث حسن الوضع وجودة الترتيب كما قاله عياض، وقال ابن الملقن: رأيت بعض المتأخرين أنه قال: إن الكتابين سواء، وهذا قول ثالث، ومال إليه القرطبي، انتهى ملخصاً من ((التدريب)) بتغير يسير. قلت: وما يستدل به على ترجيح البخاري على مسلم هو أن الروايات المتكلمة في البخاري أقل عدداً من الروايات المتكلم فيها في مسلم كما في الشعر المعروف: فدعد لجعفي وقاف لمسلم وبل لهما فاحفظ وقيت من الردى وبذلك جزم العراقي في ((ألفيته)) وتبعه السيوطي في ((ألفيته))، والجملة أن ((صحيح البخاري)) أعلى رتبة في الصحة عند الجمهور، ثم الصحيح للإمام مسلم، ثم السنن للإمام أبي داود عند هذا العبد الضعيف، وبذلك جزم صاحب ((مفتاح السعادة))، وكذا صاحب ((نيل الأماني))، وكلام ابن سيد الناس في شأن أبي داود يشير إلى أنه جعله في مرتبة مسلم كما بسطه السيوطي في ((التدريب))، وكفى للإمام أبي داود فخراً أن الترمذي والنسائي من تلامذته، ثم بعد ذلك مرتبة ((سنن النسائي))، وهو الراجح عند هذا العبد الضعيف لما قال ابن الأثير: سأله بعض الأمراء عن كتابه ((السنن الكبرى)»: أكله صحيح؟ فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح منه مجرداً، فلخَّص منها الصغرى، وسماه ((المجتبى)) بالموحدة أو النون، وقال أبو علي: للنسائي شرط في الرجال أشد من شرط مسلم، وكذلك الحاكم والخطيب يقولان: إنه صحيح، وإن