Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
٢ - كتاب الصلاة
عَنْ هِلال بن بِسافٍ، عَنْ عَمْرٍو بن رَاشِدٍ، عَنْ وَابِصَةَ بن مَعْبَدٍ: أنَّ رَجُلاً صلّى خَلْفَ الصفّ
وحدَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ وَّرِ أَنْ يُعِيدَ الصلاة .
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَسَمِعْتُ الْجَارُودَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعاً يَقُولُ: إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ خَلْفَ
الصَّفِّ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ.
١٧١ - بَابُ: مَا جَاء فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي وَمَعَهُ رَجُلٌ
٢٣٢ - حدَّثْنَا قُتَيْبَةُ، حدَّثنَا دَاوُدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْعَطَّارُ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن كُرَيْب
مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عن ابْنِ عَبَّاس قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عن يَسَارِهِ، فَأَخَذَ
رسول الله وَلِّهِ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عن يَمِينِهِ
قال أبو عيسى: وفي الباب عن أنس.
قال أبو عيسى: وحديث ابن عبّاس حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
والْعَمَلُ عَلَى هُذَا عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبي ◌ََّ وَمَنْ بَعْدهُمْ، قَالوا: إذَا كَانَ
الرَّجُلُ مَعَ الإِمَامِ، يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ .
١٧٢ - بَابُ: مَا جَاءَ في الرَّجُل يُصَلِّي مَع الرَّجُلَيْنِ
٢٣٣ - حدَّثنا بُنْدَارٌ مُحَمّدُ بن بَشّارٍ، حدَّثنا مُحَمّد بن أبي عَدِيٍّ قَال: أَنْبَأَنَا إِسْماعِيل بن
(١٧١) باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجل
مذهب الشيخين أن يكون قدما المقتدي حذاء قدمي الإمام، وقال محمد: يتأخر المقتدي بشيء
وعلى هذا العمل، حديث الباب طويل أخرجه البخاري في صحيحه، وفيه: ((أن النبي ◌َّ
وميمونة ﴿يا كانا نائمين على طول الوسادة وابن عباس على عرضها، وكان ابن عباس غير محتلم)).
قوله: (ذات ليلة) في الرضي أن موصوف ذات مقدّر، أي مدة ذات إلخ، وفعله عليه الصلاة
والسلام يدل على أن يدفع المكروه اللاحق في خلال الصلاة في خلالها، وفي كتبنا من سقطت عمامته
يجوز له أن يضعها على رأسه بيد واحدة، وفي شرح ابن الملك أيضاً تصريح جواز دفع المكروه في
الصلاة .
تنبيه واعلم أن الفتوى قد يكون على الأقوى دليلاً، وقد يكون على الأرفق بالناس، وقد يكون
على الموافق بعرف بلدة، وقد يكون على الأوفق بالحديث، وقد يكون على الموافق لإمام من الأئمة
المجتهدین .
(١٧٢) باب ما جاء فى الرجل يصلي مع الرجلين
المرأة الواحدة لا تدخل في صف الرجال، ويدل حديث الباب على أن يدخل الصبي الواحد في

٢٤٢
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عن سَمُرَةَ بن جُنْدُبِ قَال: أمَرَنَا رسول الله وَّهِ إِذَا كُنَّا ثَلاثَة، أنْ يَتَقَدّمَنَا
أحدناً .
قَالَ أَبُو عِيَسى: وَفِي الْبَابِ عن ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَأَنَسِ بْن مَالِكِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَحَدِيثُ سَمُرَةَ حديثٌ حسَنٌ غَرِيبٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هُذَا عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: إذَا كَانُوا ثَلاثَةٌ، قَامَ رَجُلاَنِ خَلْفَ الإمامِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ صَلّى بِعَلْقَمَةَ، وَالأسْوَدِ، فَأَقَامَ أحَدَهُمَا عن يَمِينِهِ، وَالآخَرَ
عَن يَسَارِهِ، وَرَوَاهُ عن النبيِ رَله .
وَقَدْ تَكَلّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَسْلِمِ الْمِكُيُّ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
١٧٣ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُصلِّي وَمَعَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ
٢٣٤ - حدَّثنا إسْحُقَ الأنْصَارِيُّ، حدَّثنا مَعْنٌ، حدَّثنا مَالِكُ بنُ أنَس، عن إسحاقَ بنِ
عَبْدِ الله ابنِ أبِي طَلْحَةً، عن أنَسٍ بن مَالِكِ: أنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَة، دَعَتْ رَسول الله وَّ لِطَعَام
صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ((قُومُوا فَلْنُصَلِّ بِكُمْ))، قَالَ أَنَسٌ. فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَذّ
صف الرجال وهو مذهبنا، وإذا كانا اثنين فصاعداً فيطلب الحكم من حديث: ((ليليني أولو الأحلام
والنهى منكم)) السابق، مذهب الطرفين أن الرجلين يتأخران عن الإمام، ونسب إلى أبي يوسف مثل ما
في هذا الباب عن ابن مسعود، كما في الدر المختار: إذا كانا رجلين يكره لهما القيام مع الإمام
تنزيهاً، وإذا كانوا ثلاثة فيكره تحريماً.
(ف) الحديث الساكت عن العذر لا يحمل على المعذور بدون ضيق.
قوله: (وقد روي عن ابن مسعود) قال بعض السفهاء: كما لم يبلغ ابن مسعود مسألة تأخير
المقتدين، ومسألة نسخ التطبيق في الركوع، كذلك لعله لم يبلغه مسألة رفع اليدين لأنه كان قصير
القد، أقول: إن هذا القول من غاية الجهل، ولا يصدر إلا ممن تم عليه الجهل، فإن رفع اليدين يعمل
في يوم وليلة مائة مرة بل أزيد، فهل يقول العاقل بما قاله السفهاء؟ وأما ما في حديث الباب فيقع قليلاً
ولعله تأسى فيه النبي ◌ّل في واقعة له قد مضت له معه وَ ال ولا يجعله سنة، وأما التطبيق فمروي عن
علي أيضاً بسند حسن بإقرار الحافظ، فلعلهما حملا النسخ على الرخصة في تلخيص الحبير: ((إذا قام
الرجل بالصلاة في الصحراء يقوم معه ملكان يميناً وشمالاً، وإذا أذن أيضاً فيصفون خلفه)).
قوله: (إسماعيل) هما اثنان عبدي وهو ثقة، ومكي وهو المذكور هاهنا وهو ساقط، وقد وثقه
المصنف في موضع.

٢٤٣
٢ - كتاب الصلاة
مِنْ طُول مَا لُبِسَ، فَتَضَحْتُهُ بِالْمَاءِ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسول اللهِ وَّهُ وَصَفَفْتُ عليهِ أنَا وَاليَتِيمُ وَرَاءَه،
والعجوزُ من ورائنا، فصلَّ بنا ركعتين ثم انصرف.
قال أبو عيسى: حديثُ أنسٍ صحيح، والعملُ عليه عندَ أكثر أهل العلم، قالوا: إذا كان
مع الإمامِ رَجُلٌ وامرأةٌ، قام الرجلُ عن يمين الإمامِ والمرأةُ خلفَهما.
وقد احتج بعضُ الناسِ بهذا الحديث في إجازة الصَّلاَةِ، إذا كان الرجلُ خلفَ الصفّ
وحدَه، وقالوا: إن الصَّبيَّ لم تكنْ لهُ صلاةٌ. وكأن أنساً كان خلفَ النَّبِيِّ بَّلَه وحدَه في
الصف .
وليسَ الأمرُ عَلَى ما ذَهُبُوا إليه؛ لأن النبي ◌ِّرَ أقامَه مع اليتيمِ خَلْفَه، فلولا أنَّ النبي
جعل لليتيم صلاة، لَمَا أَقَامَ اليتيمَ معه ولأَقَامَه عن يمينه.
وقد رُوِي عن موسى بن أنسٍ، عن أنسٍ، أنه صلى مع النبي ◌ََّ، فأقامَه عن يمينه.
وفي هذا الحديثِ دلالةٌ أنَّهُ إنما صلَّى تَطَوعاً، أراد إِدخالَ البركةِ عليهم.
١٧٤ - بابُ: من أحقُّ بالإمامةِ
٢٣٥ - حدَّثنا هنَّاد، حَدْثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأعمشِ قال وحَدثنا محمودُ بنُ غَيْلانَ،
حَدّثَنَا أبُو معاوية وابنُ نُمَيْرٍ عن الأعمشِ عن إسْمَاعِيلَ بنِ رجاءِ الزبيديِّ عَن أوسٍ بنٍ ضمعج
قال: سمعتُ أبا مسعودٍ الأنصَارِيَّ يقولُ: قالَ رسول اللهِ وَرَ: ((يَؤُمُّ الْقَوْمَ أقرؤُهُمْ لِكِتَابِ اللّه
فإنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءةِ سواءً، فأعلمهُم بالسنَّةِ، فإن كَانُوا فِي السَّةِ سواء فأَقدَمَهُم هجرَةً، فإن
(١٧٤) باب ما جاء في من أحق بالإمامة
الإمامة على قسمين صغرى وكبرى، والكبرى تولي أمور المسلمين أي الخلافة، واشترطوا لها
أن يكون قرشياً، وعن أبي حنيفة كما في التحرير المختار، واختار إمام الحرمين عدم اشتراطه.
والإمامة الصغرى كون الرجل ضامناً لصلاة من يقتدى خلفه، وكان الإمام الصغير والكبير واحداً
في السلف ثم افترقا آخر الزمان، وحديث الباب لم يخرجه البخاري إلا أنه أخذ المسألة، ومذهب أبي
حنيفة: أن الأعلم مقدم، ثم الأقرأ، وعن أبي يوسف رواية عكس هذا، وعند الشوافع(١) قولان،
والمشهور عندهم تقديم الأقرأ على الأعلم بالسنة، واحتج صاحب الهداية بحديث الباب الظاهر أنا
مجيبون عنه لا مستدلون به، وليعلم أن ((أقرأ)) الحديث غير ((أقرأ)) العرف فلا يكون حديث الباب وغيره
متعلقاً بما في الفقه، والأقرء في عرف الحديث هو الحافظ المقدار الزائد للقرآن، وفي العرف هو عالم
(١) الصواب: (الشافعية).

٢٤٤
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
كانوا في الهجرَة سواءَ فأكبرُهم سِنّاً، ولا يُؤَمُّ الرَّجلُ فِي سُلْطَانِهِ ولاَ يُجْلَسُ عَلَى تَكرمَتِهِ فِي
التجويد، وفي حديث قصة بير معونة وغزوة يمامة(١) استعمل لفظ القراء على ما قلت من عرف
الحديث، وأورد ابن الهمام على صاحب الهداية إيرادين أحدهما: أنه لو كان إقراء السلف أعلم أيضاً
كما قلت، يلزم تقديم من كان حافظاً لزيادة مقدار القرآن، ويعلم علم الكتاب، ولا يعلم الفقه إلا
القدر الضروري على من هو متبحر في الفقه، وعالم قدر القرآن الضروري، والحال أنه خلاف
تصريحات الفقهاء، أقول: إن إيراد الشيخ مندفع بالنظر إلى أحوال الصحابة، والإيراد الثاني على
صاحب الهداية: إن قوله خلاف نص الحديث فإن نص الحديث بالفرق بين الأعلم والأقرأ، ويلزم
التساوي بينهما على ما قلت، أقول: إن إيراد الشيخ مندفع فإنه مناقشة لفظية، فإنه مع التساوي في
القراءة يكون أحدهم أعلم بالسنة ولم يدَّع صاحب الهداية انحصار العلم في الأقرأ، فإن السلف كانوا
يتعلمون القرآن ومسائل الحديث أيضاً واستدل ابن الهمام على المسألة من تلقائه، وكنت متردداً فيه
حتى أن وجدت إليه إيماء البخاري، والاستدلال بأنه عليه الصلاة والسلام أخبر ((أقرؤكم أبي بن
كعب))(٢) ومع ذلك جعل الصدِّيق الأكبر إماماً لكونه أعلمهم، لما روي عن أبي سعيد الخدري أنه عليه
الصلاة والسلام خطب يوماً وقال: ((إن الله خير عبداً بين الدنيا والآخرة فاختار العبد الآخرة)) فبكى أبو
بكر الصديق فتعجبنا من بكائه، ثم علمنا أن ذلك العبد هو النبي وَلّ، فعلمنا أن أعلمنا أبو بكر
الصديق(٣)، وأشار البخاري إلى هذا، ثم إن قيل: كيف اعتبر الفقهاء الحسن أيضاً مرجح التقديم
للإمامة؟ نقول: إن الشريعة بوَّب (٤) على أن يُقدَّم ذو وقار والجميل أيضاً ذو وقار، فإنه عليه الصلاة
والسلام كان يرسل دحية الكلبي إلى الملوك لأنه كان جميلاً وذا وقار.
قوله: (ولا يؤم الرجل في سلطانه) السلطان مصدر أو صيغة صفة، وهاهنا مصدر، قال الفقهاء:
لو كان الزائر أحق بالإمامة فعلى إمام الحيِّ أن يقدمه، وأما الزائر فلا يتقدم بنفسه بدون الإذن، وشبيه
هذا ما في الحديث: ((لا تمنعو إماء الله من المساجد)) وحث النساء على الصلوات في قعر البيت لا في
المسجد، فإن مثل هذه الأمور يتقوم بالطرفين، فيأمر الشارع الطرفين بما يليق كل واحد منهما.
مسألة.
أقول: يجوز الاقتداء خلف المخالف من المذاهب الأربعة مطلقاً بدون كراهة وهو الظاهر،
ونقل ابن الهمام عن شيخه الشيخ سراج الدين قارئ الهداية، أن عدم جواز الاقتداء خلف المخالف
ليس بمروي عن المتقدمين، وكذا ذكره الشاه عبد العزيز في فتاواه، واعترض ابن الهمام بما في
الجامع الصغير في مسألة تحري القبلة، أقول: إن مبنى ما في الجامع الصغير ليس على ما زعم الشيخ
(١) هكذا في الأصل، والصواب: (اليمامة).
(٢) رواه ابن ماجه (١٥٤).
(٣) رواه البخاري (٤٥٤). ومسلم (٢٣٨٢).
(٤) هكذا في الأصل، والصواب: (بوَّبت).

٢٤٥
٢ - كتاب الصلاة
بَيْتِهِ إلاَّ بِذْنِهِ)). قَال مَحمُودُ بن غيلان: قالَ ابنُ نُمَيْرِ في حديثه: أقدَمُهم سِنّاً .
قال أبو عيسى: وَفِي الْبَابِ، عَنْ أبي سَعِيدٍ وَأَنْسٍ بنِ مَالِكِ ومالكِ بنِ الحُوَيرِثِ وَعمرو
بِنِ سَلِمَةً.
قال أبو عيسى: وحديثُ أبي مسعود حديثٌ حسَنّ صحيحٌ، والعَمَلُ عَلَى هذا عندَ أهلِ
العلم، قالوا: أحقُّ النَاسِ بالإمَامَةِ أقرؤُهم لكتابِ الله، وأعلمُهمْ بالسنةِ، وقالوا: صاحبُ
المنزل أحقُّ بالإمامةِ. وقالَ بعضهمُ: إذَا أذِنَ صاحبُ المنزلِ لِغَيْرِهِ فَلا بَأْسَ أنْ يُصَلِّيَ بِهِ،
وكَرِهَهُ بعضُهم. وقالوا: السُّنَّةُ أن يُصَلِّيَ صَاحبُ البَيْتِ. قال أحمدُ بنُ حَنبلٍ: وقولُ النَّبي ◌َّ:
((ولاَ يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ، ولاَ يُجْلسُ على تكْرِمَتِهِ في بيتِه إلاَّ بإذْنِهِ، فإذَا أذِنَ فأرجو أنّ
الإذنَ في الكُلِّ، ولَمْ يَرَ بِهِ بَأساً إِذَا أذِنَ لَهُ أن يُصَلِّيَ بِهِ».
١٧٥ - بابُ: مَا جَاءَ إذا أمَّ أحدُكُم الناسَ فَلْيُخَفِّفْ
٢٣٦ - حدَّثْنَا قُتَيْبَةُ، حدَّثنا المغيرةُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن
أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ النبي ◌َّرَ قال: ((إذَا أَمَّ أحدُكُمُ الناس فَلْيُخَفِّفْ، فإنَّ فيهمُ الصغيرَ والكبيرَ
والضعيفَ والمريضَ، فإذَا صَلَّى وَحدَه، فليصلِّ كَيفَ شَاءً)) .
ابن الهمام، فإنه خلاف المتابعة في داخل الصلاة، وأما الفتاوى ففي بعضها صحة الصلاة، وإن لم
يتحرز الإمام عن الخلافيات، وفي بعضها صحة الصلاة بشرط أن يتجنب الخلافيات، وفي بعض كتب
المذهبين عدم جواز الاقتداء بمشاهدة ما يرى المقتدى من نواقض الوضوء في الإمام، مثل أن يرى
المقتدي الشافعي مس المرأة والذكر من الإمام الحنفي، وتصح الصلاة لو لم يشاهدها، ولا يكلف
بالسؤال عن الإمام، أقول: قد اجتمع السلف عملاً على مسألة جواز الاقتداء بلا خلاف وتقييد فإنهم
كانوا مختلفين في الفروع وكانوا يقتدون خلف كل منهم بلا نكير، وسؤال من أنك توافقني في الفروع
أم لا؟ ثم قالت جماعة من أرباب الفتيا: إن العبرة في الخلافيات لرأي الإمام، وقيل: لرأي المقتدي،
والمتحقق ما حررت آنفاً، وليس خروجاً عن المذهب بل هو المذهب.
قوله: (إلا بإذنه) قيل: إنه يتعلق بجملتين، وقيل بواحدة.
(واقعة): في تاريخ ابن خلكان أن الدامغاني الحنفي مر بمسجد الأستاذ أبي إسحاق الشيرازي
عند المغرب، فحان وقت الصلاة فدخل المسجد، فأشار الأستاذ إلى المؤذن أن لا يرجع في الأذان،
فقدم الدامغاني على الصلاة فصلى بهم الدامغاني صلاة الشافعية.
(١٧٥) باب ما جاء إذا أم أحدكم فليخفف
ظهور التخفيف إنما يكون في القراءة لا في الركوع والسجود، وتعديل الأركان كما هو معلوم
من فعل صاحب الشريعة، وأما ختم القرآن مرة في رمضان فلا يترك وإن كسل القوم.

٢٤٦
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قال أبو عيسى: وفي البَاب، عن عديٍّ بن حاتم، وَأَنْسٍ، وَجَابِرِ بنِ سَمُرَةَ، وَمالك بنِ
عَبْدِ الله، وأبي وَاقِدٍ، وعثمانَ بنِ أبي العَاصِ وأبي مسعودٍ، وَجَابِرِ بنِ عَبْدِ الله وابنِ عباسٍ.
قَالَ أبو عيسى: حدِيثُ أبي هُرَيْرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهُوَ قولُ أكْثَرِ أهْلِ العلمِ:
اخْتَارُواَ أن لا يُطيلَ الإمامُ الصَّلاَةَ مَخَافَةَ المشقةِ عَلَى الضعيفِ والكبير والمريض.
قال أبو عيسى: وأبُو الزِّنَادِ اسمُه: عَبْدُ الله بنُ ذَكوَانَ، والأعرجُ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ
هُرمُزِ المدينِيُّ يُكْنَى: أبا داودَ.
٢٣٧ - حدَّثْنَا قُتَيْبَةُ، حدَّثنا أبو عَوانَةً، عن قَتَادَةَ، عن أنس قال: كان رَسُولُ اللهِوَلٍّ من
أخفُ النَّاسِ صَلاَةً فِي تَمَامِ .
قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسَنْ صحيحٌ. واسم أبو عوانة: وضاح.
قال أبو عيسى: سألت قتيبة، قلت: أبو عوانة ما اسمه؟ قَالَ: وضاحٌ. قلت: ابن من؟
قال: لا أدري كان عبداً لامرأة بالبصرة .
١٧٦ - بابُ: مَا جَاءَ في تحريمِ الصلاةِ وتَحْلِيلِهَا
٢٣٨ - حدّثنا سُفْيَانُ بنُ وَكيعٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ الفُضَيْلِ، عَن أبي سُفْيَانَ طريفٍ
السَّعديُّ، عن أبي نضرة، عن أبي سَعيدٍ قَالَ: قالَ رسولُ الله ◌ََّ: ((مفتَاحُ الصلاةِ الظُّهورُ،
وتَحْرِيمُهَا التَّكبيرُ، وتحليلُهَا التسلِيمُ، ولا صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرأْ بالحمدِ وسُورةٍ، في فَرِيضَةٍ أو
غَيرِهَا)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
وفي البابِ عَنْ عَلِيٍّ وَعائِشَة.
قال: وحَدِيثُ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ في هذا أجْودُ إِسْنَاداً وأصحُ مِن حديثِ أبي سعيدٍ .
(١٧٦) باب ماجاء في تحريم الصلاة وتحليلها
حديث الباب ليس بقوي، فإن أبا سفيان متكلم فيه ولو كان صحيحاً لأفادنا في وجوب ضم
السورة، وأما ما مر من حديث علي فكان قوياً، ولكنه خال عن هذه القطعة، وأما ما في الهداية: من
أحدث بعد التشهد فقد أجزأت صلاته، فالمراد صلاته مشتملة على أداء الأركان فإنه مصرح في كتبنا
أن يتوضأ ويسلم واجباً، ربما يطلق لفظ الصحة على ما يكون مشتملاً على الكراهة تحريماً، وفي كتب
المذاهب الأربعة أن الساجد قبل الإمام مرتكب الحرام، وصحت صلاته وأجزأت.

٢٤٧
٢ - كتاب الصلاة
وقد كَتَبْنَاهُ فِي أَوَّلُ ((كِتَابِ الوضُوءِ))، والعَملُ عَلَيْهِ عندَ أهلِ العلم من أصحابِ النبيِّ وَّهِ وَمَنْ
بَعْدَهُم. وَبِهِ يقولُ سُفْيَانُ الثَّورِيُّ وابنُ المُبَارَكِ والشَّافِعِيُّ وأحمدُ وإِسحَاقُ: إِنَّ تَحرِيمَ الصلاةِ
التّكبيرُ، ولاَ يكون الرَّجُلُ دَاخِلاَ فِي الصلاَةِ إلا بالتَّكبيرِ .
قال أبو عيسى: سمعتُ أبا بكرٍ محمدَ بنَ أبانٍ، مُسْتَمْليَ وَكيع يقولُ: سمعتُ
عَبْدَ الرَّحْمُنِ بنَ مهدِيّ يقولُ: لَوْ افتتحْ الرَّجُلُ الصلاةَ بِسبعِينَ اسماً مِنْ أسمَاءِ الله، ولم يكبِّرْ لَمْ
يُجْزِهِ، وإن أحدَثَ قبلَ أنْ يُسَلّمَ، أمرْتُهُ أنْ يَتَوَضَّأ ثم يرجعَ إلى مَكَانِهِ فَيُسَلِّم إنمَا الأمرُ على
وجهِهِ .
قال: وأبو نَضْرَةَ اسمه: المنذرُ بنُ مَالِكِ بنِ قُطَعَةً.
١٧٧ - بابُ: مَا جَاءَ في نشر الأصابِعِ عندَ التكبيرِ
٢٣٩ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ وأبو سعِيدِ الأشَجُّ قَالاً: حدَّثنا يَخْيَى بِنُ اليَمَانِ، عن ابن أبي ذِئبٍ،
عن سعِيدٍ بنِ سِمعَانَ، عن أَبِي هُرَيْرَةً قال: كَان رسولُ الله ◌َّهِ إِذَا كَبْرَ للصَّلاَةِ نَشَرَ أصابِعَهُ.
قال أبو عيسى: حديثُ أَبِي هريرة حسن. وقد روى غيرُ واحدٍ هذا الحديث عن ابنٍ أبي
ذِئبٍ، عن سعِيدِ بنِ سَمعَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ النبيَّ ◌ََّ كَانَ إذا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ رَفَعَ يدَيْهِ
مَدَّاً .
وهذا أصحّ من رواية يحيى بن اليمانِ، وأخطأ يحيى بن اليمان فِي هَذَا الحَديثِ.
٢٤٠ - قال: وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، أخبرنَا عُبَيْدَ الله بنُ عَبدِ المَجِيدِ الحَنَفِيُّ،
حدَّثنا ابن أبي ذئبٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ سَمْعَانَ قال: سمعتُ أبا هريرَةَ يقولُ: كَان رسولُ اللهِ وَّة.
إذا قام إلى الصلاةِ رَفعَ یدیْه مَدًّا .
قال أبو عيسى: قال عبدُ الله بن عبد الرحمن: وهذا أصحُ من حديثٍ يحيى بنِ اليمان
وحديثُ يحيى بنِ اليمان خطأ.
(١٧٧) باب ما جاء في نشر الأصابع عند التكبير
ذكر الطحاوي السنة أن يمد أصابع يديه، ويستقبل بها القبلة، ويوجه الكف إلى القبلة، ولا يضم
كل الضم، ولا يفرج كل التفريج، ثم قال الشافعي: يرفع يديه إلى أذنيه، وفي رواية أن يرفع يديه إلى
منكبيه، وكلامه في مصر جامع لهما، وهو المختار عند الأحناف، أي يكون الكف حذاء المنكب
والأصابع حذاء الأذنين.

٢٤٨
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
١٧٨ - بابُ: ما جاء في فضل التكبيرة الأولى
٢٤١ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بنُ مُكْرَم، وَنَصْرُ بنُ عِليَّ الجهضمي قالاً: حَدّثَنَا أبو قُتَيْبَة سَلْمُ بن
قُتَيْبَةَ، عَنْ طُعْمَةَ بنِ عَمرٍو، عَن حبيبٍ بنِ أبي ثابتٍ، عن أنسٍ بنِ مالكِ قال: قال
رسول الله وَّه: ((مَنْ صَلَّى الله أَرْبعينَ يَوْماً فِيْ جَمَاعةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأَوْلَى كُتِبَت لهُ براءَتَان:
بَراءَةٌ مِنْ النَّارِ، وبراءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ)).
قال أبو عيسى: وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن أنسٍ موقوفاً، ولا أعلمُ أحداً رفعَهُ إلّ مَا
رَوَى سَلْمُ بِنُ قُتَيْئَةَ، عَنْ طُعْمَةَ بنِ عَمرٍو، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أنس. وإنما يُزْوَى هذا
الحديث عن حبيب بن أبي حبيبِ البَجَلِيِّ، عَنْ أْسٍ بِ مَالِكِ قولهُ:
٢٤١م - حَدّثَنَا بذلك هَنَّادُ، حذَّثنا وكيعُ، عَنْ خَالِد بن طَهْمَانَ، عَنْ حبيبٍ بنِ أبي
حبيبِ البَجَليِّ، عن أنسٍ نحوه. ولم يرفعهُ. وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيَّاشِ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ
عُمَارَةَ بنِ غَزِيَّةً، عن أنسٍ بنِ مالكِ، عن عُمرَ بنِ الخطّابِ، عن النبيّ ◌َّ نحوَ هذا.
وهذا حديثٌ غيرُ مَخْفوظٍ، وهو حديثٌ مرسلٌ. وعُمَارَةُ بنُ غَزِيَّةَ لَمْ يُذْرِكْ أنسَ بنَ
مَالِكِ.
قال محمد بن إسماعيل: حبيب بن أبي حبيب يكنى: أبا الكَشْوتَى ويقال: أبو عُمَيْرَة.
(١٧٨) باب ما جاء في فضل التكبيرة الأولى
عند أبي حنيفة واجد الركعة الأولى واجد فضل التحريمة، أي فضل التحريمة ممتد إلى الركوع،
وقال علماء المذاهب الأربعة: من أدرك الركوع أدرك الركعة، خلاف الضُّبعي تلميذ ابن خزيمة، وتقي
الدين السبكي، وقال الحافظ: ما نسب إلى ابن خزيمة ما وجدته في صحيحه، أقول: إنه كان منسوباً
إلى تلميذه فاختلط على البعض، ونسبوه إلى ابن خزيمة أيضاً، وكان يقول الشوكاني أولاً مثل قول
الضُّبعي، ثم رجع عنه في فتاواه.
قوله: (من صلى أربعين يوماً) اشتهر بين العوام: من صلى أربعين يوماً بالجماعة يعتاد الصلاة،
لعلهم أخذوا من هذا الحديث ولكنه ضعيف.
قوله: (عن أنس موقوفاً) أقول: لا مدخل للعقل في ذكر البراءتين، فلا بد من كونه مرفوعاً
حكماً.

٢٤٩
٢ - كتاب الصلاة
١٧٩ - بابُ: ما يقول عند افتتاحِ الصلاةِ
٢٤٢ - حدَّثنا محمدُ بنُ مُوسى البَصْرِيُّ، حَدثنَا جعفرُ بنُ سلميانَ الضُّبَعيُّ، عن عليٍّ بنِ
عَليِّ الرفاعيِّ، عن أبي المُتوكُلِ، عن أبي سعيدِ الخُذْرِيِّ قَالَ: كَان رسولُ الله ◌َّه إذا قام إلى
الصلاةِ بالليل كَبَّرَ ثم يقولُ: ((سُبحَانَكَ اللهُمَّ وَبحمدِكَ، وتَبَارَكَ اسمُكَ، وتَعَالَى جَدُّكَ، ولاَ
إله غيْرُكَ))، ثم يقول: ((الله أكبرُ كبيراً»، ثم يقولُ: أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطانِ
الرجيم، مِنْ هَمْزِهِ ونَفْخِهِ وَنَفْئِهِ .
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عليٍّ، وعَائِشَةَ، وعَبْدِ الله بن مسعودٍ، وجَابِرٍ، وجُبَيْرِ بن
مُطْعِمٍ، وَابْنِ عُمَرَ .
(١٧٩) باب ما يقول عند افتتاح الصلاة
قال الثلاثة باستحباب الذكر قبل الفاتحة، وقال مالك بن أنس بعدم استحبابه، وثبت كثير من
صيغ الثناء يجوز كلها في المذاهب، واختار الشافعية ما في الصحيحين، ومختار الأحناف والحنابلة
كما صرح به أحمد: ((سبحانك اللهم وبحمدك)) إلخ موقوفاً على عمر أخرجه مسلم ص (١٧٢)، ولنا
مرفوع أيضاً أخرجه في كتاب الدعوات، وأخرجه الزيلعي أيضاً بسند صحيح في كتاب، وفيه سؤال
أهل كوفةٍ عمر رَلُّه فعلمهم بالفعل وأجهر به ليتعلموا، وأما المرفوع الذي أخرجه الزيلعي من كتاب
الدعوات للطبراني ففي التخريج سهو الكاتب، فإنه كتب زحموية بالزاي(١) المعجمة بدل رحموية
بالراء المهملة، وثبت الأذكار منه عليه الصلاة والسلام في ستة مواضع عقب تكبيرة التحريمة، والركوع
والاعتدال منه، والسجود، وبين السجدتين، وقبل السلام، كذا في المواهب، وكان يدعو أيضاً في
القنوت، وإذا مر بآية رحمة وآية عذاب.
تنبيه ضروري: في الحلية للمحقق ابن أمير الحاج أن الأذكار الواردة في الأحاديث جائزة عندنا
في النافلة والمكتوبة بشرط أن لا يثقل على الناس، وأما عامة مصنفينا أهملوها ويزعم الناظر عدم
تعرض الأحناف إلى الأذكار، وأما ما ذكروا من الإتيان بالأذكار في النافلة فمداره على تثقيل القوم.
قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك .. إلخ) عندي اختصار من الجملتين؛ أي من سبحت
سبحانك، وحمدت الله حمداً فلا تكون واو (وبحمدك) زائدة وقال العلماء: إن بحمدك حال
وسبحانك مصدر سبح مجرداً، لا كما قال بعض المناطقة فإنهم عارون عن اللغة.
قوله: (همزه الخ) همزه وسواسه، ونفخه كبره، ونفثه السحر أو الشعر، وليُعلم أن حسنَ الشعر
وقبحّه بحسن ما فيه وقبحِه، ولكن أكثر الأشعار تكون قبيحة فذمته(٢) الشريعة، وثبت الأشعار عن
(١) في الأصل: (بالزاء).
(٢) في الأصل: (خذمه).

٢٥٠
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قال أبو عيسى: وحَديثُ أبي سعيدٍ أشْهَرُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَاب. وقدْ أخَذَ قَوْمٌ مِن أهْلِ
العِلم بهذَا الْحَدِيثِ. وأمَّا أكْثَرُ أهلِ العلم فقالوا: بما رُوي عَنِ النبي ◌ََّ أنه كَانَ يَقولُ:
((سُبحَانَكَ اللهُمَّ وَبحمدكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلا إله غَيْرُكَ)) وهكذَا رُوِيَ عنْ
عمرَ بنِ الخطّاب وعَبْدِ الله بنِ مسْعودٍ.
والعَملُ على هذا عند أكثرِ أهلِ العلمِ من التابعين وَغَيرِهم.
وَقَدْ تُكُلُّمَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ أبي سَعيدٍ، كَان يَحْيِى بنُ سعيدٍ يَتَكلَّمُ في عليٍّ بن عليٍّ
الرفاعي. وَقَالَ أحمدُ: لا يصِحُ هذَا الحديثُ.
٢٤٣ - حيَّثنا الحسَنُ بنُ عَرَفَةَ، وَيَحْيَى بنُ موسى قالا: حدَّثنا أبو معاويَةً، عن حارثةَ بنِ
أبي الرجالِ، عن عَمْرَةً، عن عائشةَ قالتْ: كان النبيُّ وَّرَ إذا افتتح الصلاةَ قَال: ((سُبحَانَكَ
اللهُمَّ وَبحمدكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلا إِله غَيْرُكَ)).
قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ لا نَعْرِفُه من حديث عائشة إلاَّ من هذا الوجهِ. وحَارثةُ قَدْ
تُكُلُّمَ فِيهِ منْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
وأبو الرِّجَالِ اسمهُ: محمدُ بنُ عبدِ الرحمْنِ المديني.
١٨٠ - باب: ما جاء في تركِ الجهرِ بـ ﴿يُسْمِ الَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ
٢٤٤ - حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنِيع، حَدّثَنَا إِسْمَاعِيلَ بنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدثنا سَعیدُ بن أبي إياس
الشافعي، والشيخ عبد القادر القرشي نسب شعرين إلى أبي حنيفة، وكذلك إلى البخاري، وأما أحمد
ومالك فلم أجد عنهما، وقد ثبت سماعه ◌َلَّلة الأشعار مائة شعر من قصيدة أمية بن أبي الصلت.
قوله: (وقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد) أقول: يمكن تحسين حديث أبي سعيد فإن
النسائي ص(١٤٣) أخرجه.
(١٨٠) باب ما جاء في ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم
التسمية من القرآن عند أبي حنيفة وليست جزء سورة، وفي رواية عنه أنها جزء الفاتحة، وعند
الشوافع جزء الفاتحة قطعاً، وفي جزئيتها لسائر السور قولان، وعند مالك إنما هي نازلة للفصل بين
السورتين، وقال الأحناف: يخفي ببسم الله، وقال الشوافع: يجهر به، ومالك وأحمد موافقان لنا،
وصنف الدارقطني رسالة في هذا، وحكي لما بلغ الدارقطني مصر استحلفه مالكي هل أتيت في الرسالة
بحديث صحيح؟ قال الدارقطني: لا، كذا نقله ابن تيمية، وزعم البعض أن مدار الجهر وتركه جزئية
الفاتحة وعدمها، أقول: إنه خطأ، فإن بعض القائلين بالجزئية قائلون بالإسرار، وقد ثبت الآثار في

٢٥١
٢ - كتاب الصلاة
الْجُرَيْرِيُّ، عن قيسٍ بن عَبَايَةَ، عن ابنِ عَبْدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ قال: سَمِعَنِي أبي وأنَا فِي الصلاةِ
ـِّ﴾ [الفَاتِحَة: الآية، ١] فقال لي: أيْ بُنَيَّ! مُحدَثٌ! إِيَّاكَ
أقولُ ﴿يِسْمِ اللَّهِ الََّرِ
والحَدَثَ، قال: ولم أرَ أحداً من أصحابِ رسولِ اللهِ وََّ كانَ أبْغَضَ إليهِ الحدثُ في الإسلام،
يَعْنِي: مِنْهُ، وقال: وقَدْ صَلَيتُ مع النبي ◌َّ، ومعَ أبي بكرٍ وعُمرَ، وعُثْمانَ، فَلَم أسمع أحداً
منهم يقولُها، فلاَ تَقُلْهَا، إذَا أنتَ صَلَّيتَ فَقُلْ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾ [الفَاتِحَة: الآية، ٢].
قال أبو عيسى: حديثُ عَبْدِ الله بنِ مُغَفِلٍ حديثٌ حسَنٌ، والعملُ عَلَيْهِ عِنْدَ أكثر أهلٍ
العلم من أصحابِ النبي ◌َّ منهم: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليُّ، وغيرُهُم وَمن بَعدَهم
جهر بسم الله ولم يصح مرفوع، وتعرض بعض المتأخرين إلى إثبات المرفوعات، مثل السيوطي في
الإتقان، ولكن كلها معلولة، وقال الزيلعي: وجه إكثار الرويات في الجهر إدخال الروافض في المسألة
وهم الملاعنة وضاعون، أقول: وإن لم يصح مرفوع سنداً ولكنه لا بد من ثبوته من صاحب الشريعة،
وإلا فكيف قال به الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، نعم استمراره عليه الصلاة والسلام على
الإخفاء، ونقول كان الجهر للتعليم أي تعليم ثبوت التسمية في الصلاة لا لتعليم الجهر بالتسمية كذا في
الهداية، وفي كتاب الآثار أن عمر ◌ُبه جهر بالتسمية لتعليم أهل كوفة، فنقول: إن جهره عليه الصلاة
والسلام كان للتعليم كما قال الشافعي رحمه الله في حديث التكبير على ختم الصلاة أخرجه مسلم عن
ابن عباس أنه للتعليم، ولم يقل أحد بسنية الجهر بالذكر بعد الصلاة إلا ابن حزم الأندلسي، وقد ثبت
الجهر في مواضع للتعليم، مثل ما روى السيوطي أنه عليه الصلاة والسلام جهر بالقراءة في صلاة
الظهر، وقال في آخرها: ((إنما جهرت لتعلموا)) ولكني لم أجد سنده، ولا يلزم سجدة السهو بجهر ما
يخافت أو عكسه عند الشافعي رحمه الله، وله آثار في مصنف ابن أبي شيبة، ويلزم سجدة السهو عند
أبي حنيفة وله أيضاً آثار، وكذلك ثبت جهر عمر بالثناء للتعليم كما في كتاب الآثار وقد ثبت جهر آية
في الظهر والعصر للتعليم كما في مسلم، وأما تسبيح الركوع فلم تكن حاجة إلى الجهر فإنه لما نزل:
((سبح اسم ربك العظيم)) قال النبي ◌َّر: ((اجعلوها في الركوع)) وقد ثبت جهر الدعاء في القومة كما
في سنن ابن ماجه ص(١٦٣)، وما أتى الحافظ بدليل مذهبه مرفوعاً إلا ما في النسائي ص (١٤٤) عن
أبي هريرة أنه فعل أشياء كثيرة وجهر ببسم الله أيضاً، وقال: إنا أشبه منكم بصلاة رسول الله وَل
ونقول ربما يعقل الصحابي أشياء كثيرة، ثم يقول: هكذا وجدت من النبي ◌َّ مع أن بعض الأشياء لا
تكون مرفوعة بل من اجتهاده.
قوله: (عن ابن عبد اللّه الخ) هاهنا راو مبهم استمد الحافظ في تعيينه بمسند الحارثي، وقال:
إنه يزيد بن عبد الله بن مغفل، وأخرج النسائي ص (١٤٤) حديث ابن عبد اللّه وفيه أيضاً مبهم.
(واقعة): في الأشباه والنظائر في النحو، أن العلماء كانوا مجتمعين في حضرة السلطان برسباتي
لختم البخاري، فأخذوا في مسألة الباب، وقالوا: إن المثبت المشتمل على زيادة الجزء مقدم على

٢٥٢
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
من التَّابعين. وبه يقولُ سفيانُ الثوريُّ، وابنُ المباركِ، وأحمدُ، وإسحاقُ، لا يَرَوْنَ أَنْ يَجْهَرَ
﴾ [الفَاتِحَة: الآية، ١]، قالوا: ويقولُها في نفسهِ.
بـ ﴿يَسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّمَـ
١٨١ - بابُ: مَن رأى الجهر بـ ﴿يَسْمِ الَّهِ الرََّنِ الرَّ
٢٤٥ - حدّثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضبّيّ، حدَّثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ قال: حدثني
إِسْمَاعِيلُ بن حمَّادٍ، عن أبي خالدٍ، عن ابن عباسٍ قال: كان النبيُّ وَِّ يَفْتَتْحُ صَلاَتَهُ
بـ ﴿يَسْمِ اللَّهِ الَّغَنِ الرّيَـ
﴾ [الفَاتِحَة: الآية، ١].
قال أبو عيسى: هذا حديث وليس إسنادُه بذاكَ. وقد قال بهذا عِدَّةٌ من أهل العلم من
أصحابِ النبي ◌ِِّ منهم: أبو هريرة، وابن عمرَ، وابن عباس، وابنُ الزبيرِ، ومَن بعدَهمَ منَ
[الفَاتِحَة: الآية، ١]. وبهِ يَقُولُ:
التابِعِينَ، رَأَوْا الجهرَ بـ ﴿بِسْمِ الَّهِ الرََّرِ الرَّحَزِ ﴾
الشافِعَيُّ، وإِسْمَاعِيلُ بنُ حمادٍ وهو ابن أبِي سُلَيْمانَ وأبو خالد، يقال: هو أبو خالد الوالِيُّ
واسمُهُ: هُزْمُز، وهو كوفيُّ.
١٨٢ - بابُ: ما جاء في افتتاح القراءةِ بـ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
٢
٢٤٦ - حَدّثَنَا قُتَيْبَةُ، حدَّثنا أبو عَوانَةَ، عن قتادَةَ، عن أنس قال: ((كَان رسول الله وَاتِ،
وأبو بكر، وعمرُ، وعثمانُ يَفْتَتِحُونَ القراءةَ بـ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفَاتِحَةِ: الآية، ٢])).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عند أهلِ العلمِ مِنْ
النافي المشتمل على قلة الجزء ونقصانه، وكان السلطان يستفتي ابن الهمام لتورعه، فاستفتاه فكتب
الشيخ رسالة في الجواب قبل ختمههم البخاري، وأرسلها بحضرة السلطان.
مسألة: قراءة التسمية في ابتداء كل ركعة سنة عندنا، وفي رواية واجبة وقال ابن وهبان في
نظمه :
فيسجد إذ إيجابها قال الأكثر
ولو لم يبسمل ساهيا كل ركعة
وعندي أن الأكثرين إلى السنية، ولعله أراد بالأكثر سائر الأئمة من الشافعي وأحمد ومالك،
واختار الوجوب الشيخ السيد محمد الآلوسي في تفسيره روح المعاني، وفي رواية عن محمد استحباب
التسمية بين السور والفاتحة، وقال الشيخان: بجوازها وإباحتها .
. (١٨٢) باب ما جاء في افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين
ظاهر حديث الباب يؤيد الأحناف والحنابلة والموالك، وقال الإمام الشافعي رحمه الله: إن
(الحمد لله رب العالمين) اسم سورة الفاتحة والتسمية جزء الفاتحة، فتدرج في الفاتحة، قال الزيلعي:

٢٥٣
٢ - كتاب الصلاة
أصحابِ النبي ◌َّ﴿ والتابعين ومَن بعدَهم، كانوا يستفتحون القراءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾ [الفَاتِحَة: الآية، ٢].
قال الشافعيُّ: إنما مَعْنى هذا الحديثِ أنَّ النبيِ وََّ، وأبا بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ كَانوا
يفتتحون القراءةَ بـ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفَاتِحَة: الآية، ٢]، معناهُ: أنهم كانوا يبدأون
بقراءَةِ فاتحة الكتاب قبلَ السورة، وليسَ معناه: أنهم كانوا لا يقرأون ﴿إِسْمِ اللَّهِ الرََّرِ
الرَّحِيمِ﴾ [الفَاتِحَة: الآية، ١].
[الفَاتِحَة: الآية، ١] وأنْ
وكان الشافعيُّ يَرَى أنْ يُبْدَأَ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الََِّ الرَّحَيَـ
يُجْهَر بها إذا جُهِرَ بالقراءَةِ .
١٨٣ - بابُ: ما جاء أنَّه لا صلاة إلا بفاتحةِ الكتابِ
٢٤٧ - حدَّثنا محمد بن يحيى بن أبي عمرَ المكي، أبو عبد الله العَدَنِي، وعليّ بن حُجْرٍ
إن اسم السورة (الحمد الله رب العالمين)، ولنا ما في مسلم: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي))، وفي
سنن أبي داود: ((كان النبي ◌َّر لا يفرق بين السور، فنزلت التسمية)) فعلم عدم كونها من الفاتحة،
فإنها نزلت مؤخرة عن بعض القرآن، وقال شمس الدين الجزري: أنزل القرآن على سبعة أحرف،
والتسمية جزء باعتبار بعض الأحرف، فيكون قوله جامعاً بين جميع المذاهب، وقد يختلف الحكم
باختلاف الأحرف كما في الدر المختار: أن في قوله تعالى ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ تشديداً وتخفيفاً اختلافاً في
محل السجدة، وبالاختلاف يختلف الحكم، ولعله كذلك الاختلاف في وحدة السجدة في سورة الحج
وتثنيتها، والله أعلم.
قوله: (وقال الشافعي الخ) أقول: كيف يقال بمثل هذا وقد وقع تصريح نفي الجهر ببسم الله في
مسلم ص(١٧٢) والنسائي ص (١٤٤) في رواية الباب؟
(حكاية): في بعض الكتب كالخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان رحمه الله: دخل
الشافعي بغداد وصلى ركعتين عند قبر أبي حنيفة ولم يجهر بالتسمية، فقيل: ولم تركت؟ قال: أدباً
لصاحب هذا القبر وقد صح هذا النقل، وقال الشافعية: لم يترك رفع اليدين، نقول: لعله كان عنده
جهر التسمية غیر أکید خلاف رفع اليدين.
(١٨٣) باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب
ههنا مسألتان: مسألة حكم الفاتحة فقال أبو حنيفة بوجوبها، وقال الثلاثة بركنيتها، وفي رواية
للمالكية وجوب الفاتحة كما في العيني، ونقل الوزير ابن هبيرة الحنبلي رواية عدم ركنيتها في
الأشراف، بمذاهب الأشراف، ورأيت مكتوباً عليه الإفصاح، ولكنه غلط الكاتب فإن الإفصاح عن
معاني الصحاح كتاب آخر للوزير ابن هبيرة، ولابن منذر أيضاً إشراف.

٢٥٤
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قالا: حدَّثنا سفيانُ بن عُيَيْنة، عن الزُّهْرِيِّ، عن محمودِ بن الرَّبيع، عن عُبَادَةَ بنِ الصامتِ، عن
النبي ◌َّ قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)).
قال: وفي البَابِ عن أبي هريرةَ، وعائشةً، وأنسٍ، وأبي قَتَادَةً، وعَبْدِ الله بن عمرٍو.
قال أبو عيسى: حديثُ عُبَادَةً حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ. والعملُ عليه عند أكثر أهل العلم
من أصحاب النبيِّ ◌َّ، منهم: عمرُ بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وجابرُ بنُ عَبْدِ الله،
وعُمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ، وغَيْرِهم، قالوا: لا تُجْزِئُ صلاةٌ إلا بقرَاءَةِ فاتحةِ الكتابِ. وقال علي بن
أبي طالب: كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمامٍ.
وبِهِ يقُولُ: ابنُ المُبَارِكِ، والشَّافِعِيُّ، وأحمدُ، وإِسْحَاقُ.
والمسألة الثانية: قراءة الفاتحة خلف الإمام، والمذكورة هاهنا الأولى، وأما الثانية فمذهب أبى
حنيفة وأحمد ومالك والجمهور نفي القراءة خلف الإمام في الجهرية، واختلفوا في السرية، قيل:
سنة، وقيل: مستحبة، وقيل: مباحة، وقال الشافعي بوجوبها في السرية والجهرية، وكان قول
الشافعي: القديم عدم وجوبها في الجهرية، وقوله الجديد وجوبها كما قال المزني في مختصره، بلغنا
من بعض أصحابنا أن الشافعي قال كذا، وقال الشافعية: إن ذلك المبلغ هو ربيع بن سليمان تلميذ
الشافعي، ولم يذكر الشافعي رحمه الله وجوبها في الجهرية في كتاب الأم، وأما المتقدمون مثل
صاحب المذهب فيذكرون القولين، وأما المتأخرون فلا يذكرون إلا الجديد.
قوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ) حديث الباب أخرجه أرباب الصحيحين لا القصة المذكورة،
أقول: إن حديث الباب ليس في حق الجماعة، بل في حق الجماعة حديث: ((من كان له إمام فقراءة
الإمام قراءة له))(١) وحديث ((إذا قرأ فانصتو))(٢) إلخ، وقال بعض الأحناف: إن النفي في ((لا صلاة))
نفي الكمال وعندي أنه مدخول فيه فإن الفاتحة واجبة عندنا، ويلزم على هذا نفي الوجوب، فإن ظني
الدلالة والثبوت لا يوجب الوجوب كما صرح به الأصوليون، والحق أن يبحث في ظنية الثبوت لا
الدلالة ولم يتعرض صاحب الهداية ص(٩٧) إلى الدلالة أصلاً، وأقول: إن تقدير لا صلاة كاملة أيضاً
غير فصيح عندي، قال حذاق النحاة: إنه يكفي في التقدير رائحة المقدر لا أن يقدر في العبارة
والنظم، وقالوا: إن متعلق الجار، وكذلك عامل الحال المستنبط من الإشارة أو التنبيه عامل معنوي،
وزعمه القاصرون، ذكره في نظم العبارة، وإني لا أقول بالتقدير فيما يتلفظ في نوعه، فلا أقول بالتقدير
في الظرف المستقر، نعم أقول بتقدير المبتدأ والخبر، وقال الرضي: من قال: زيد كائن في الدار خرج
من لغة العرب، فلا أقول بتقدير الكمال، نعم قد أقول بنفي الكمال إلا أنه بنفي الكمال في المصداق
(١) رواه ابن ماجه (٨٥)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ١٦٠).
(٢) رواه مسلم (٤٠٤).

٢٥٥
٢ - كتاب الصلاة
سمعت ابن أبي عمر يقول: اختلفت إلى ابن عيينة ثمانيةَ عَشَرَ سَنةً، وكان الحُميدي أكبر
منّي بسنةٍ وسمعتُ ابن أبي عمر يقول: حَجَجْتُ سبعين حجة ماشياً على قدمي.
١٨٤ - بابُ: ما جاء في التأمينِ
٢٤٨ - حدَّثنا بُنْدَارٌ محمد بن بشار، حدَّثنا يحيى بنُ سعِيدٍ وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهدِيٍّ
قالا: حدَّثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ، عِنِ حُجْرِ بنِ عَنْبَسٍ، عن وائلٍ بِنِ حُجْرٍ قال:
سمعتُ النبيَّ وََّ قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِينَ﴾ [الفَاتِحَة: الآية، ٧] فقال: ((آمين))، ومَدَّ بها
صَوْتَه
أي تنزيل الناقص منزلة المعدوم، واستعمال ما هو للمعدوم في الناقص لا في الدلالة والكلام كما قال
صحابي: ما أجزء منا أحد من أجزء فلان في قتل قزمان المشركين في غزوة خيبر كما في الصحيحين.
دقيقة: واعلم أن الباء الداخلة على ((بفاتحة الكتاب)) في حديث الباب ليست إلا للتعدية فإن
القراءة ونحوها من المسح والوتر كان متعدياً بنفسه في اللغة، ثم إذا نقل إلى الشريعة صار لازماً،
فعندي بالباء كما قال العلماء في ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونٌ﴾ [الزمر: ٩] أنه إما لازم وإما
متعدٍ، وكذلك أقول في باء ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ولم ينبه الأصوليون على هذه الضابطة،
ونبه عليها الزمخشري في المفصل، وكذلك أشار إليها في الكشاف في آية: ﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ يحِذْع
النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] أي افعلي فعل الهز، وكذلك أشار سيبويه حين قال: إن المزيد يدخل على
المجرد، مثل: قبرته وأقبرته، ومعنى أقبرته أدخلته في القبر، وكذلك أقول في أتتني صحيفة فلان
فقرأت بها، خلافَ، ما قال ابن هشام في المغني، معناه قرأت تبركاً بها، وأقول: الباء عندي للتعدية،
وقال الطيبي في شرح المشكاة بتضمين الابتداء في حديث الباب، أي لا صلاة لمن لم يبدأ بفاتحة
الكتاب، وهذا يفيدنا في وجوب ضم السورة، وعن مالك رحمه الله أيضاً وجوب ضم السورة كما في
الهداية ص (٩٤)، ولكني لم أرض بما قال الطيبي، وإن قيل: لقد تواتر العمل بقراءة الفاتحة فتكون
فرضاً لثبوتها بالقطع، نقول: إن التواتر عملاً في الإتيان بها لا على كونها ركناً كما ثبت التواتر عملاً
في بعض المستحبات .
(١٨٤) باب ماجاء في التأمين
قال مالك: يؤمن المقتدي فقط سراً وهكذا مروي عن أبي حنيفة في موطأ محمد ص (١٠٥)،
والرواية الثانية عن أبي حنيفة وهو مختار صاحبيه أن يأتي به الإمام والمقتدى سراً، والقول الجديد
للشافعي: أن يجهر الإمام ويسر القوم، وفي القديم جهرهما به، وبه قال أحمد بن حنبل، ولم أجد
تصريح الجهر عن الموالك(١)، بل صرح في المدونة بالإخفاء، وأما السلف الصالحون فإلى الطرفين،
(١) الصواب: (المالكية).

٢٥٦
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قال: وفي الباب عن عليٍّ، وأبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديثُ وائِلٍ بن حُجْرٍ حديثٌ حسَنٌ. وبه يقولُ غيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ العلم
مِنْ أصحابِ النبيِّ بَِّ والتابعين ومَن بعدَهم يَرَوْنَ أن الرجلَ يَرْفعَ صوتَه بالتأمين ولاَ يُخْفِيهَا.
وبه يقول: الشافعيُّ وأحمدُ، وإسحاقُ.
وَرَوَى شعبةُ هذا الحديثَ عن سلمةَ بن كُهَيْلِ، عن حُجْرِ أبِي العَنْبَسِ، عن عَلْقَمَةَ بِنِ
وَائِلٍ، عن أبيه أنَّ النبيَّ وَِّ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ [الفَاتِحَة: الآية، ٧] فقال:
((آمين)). وَخَفَضَ بها صَوْتَهُ.
والأكثر هو الإخفاء عند السلف، ذكره في الجوهر النقي ص (١٣٢ ج١) عن ابن جرير الطبري، فكان
هو السنة، والجهر جائز غير سنة، قيل: المراد مد الألف لارفع الصوت، والحال أن رفع الصوت
مصرح في الصحاح.
قوله: (وفي الباب الخ) رواية علي أخرجها ابن ماجه، ورواية أبي هريرة أخرجها الدارقطني في
سننه وحسنها، وأخرجها في علله وأعلها، وأخرجها في النسائي ص (١٤٤)، وحديث الباب لم يخرجه
أرباب الصحيحين للتأثر عن اختلاف شعبة وسفيان، ورجح المحدثون حديث سفيان، وقالوا: أخطأ
شعبة في مواضع منها، أنه قال أبو العنبس، وإنما هو ابن العنبس، فقال الأحناف: قد قال سفيان أيضاً
أبو العنبس في أبي داود ص (١٤١)، فلعل العنبس اسم الجد والحفيد، وأما ما قيل عن ذكر أبي
السكن فلعله أبو السكن أبو العنبس، وأما ما قيل من ذكر علقمة ففي مسند أبي داود الطيالسي، قال
شعبة: سمعت الحديث عن علقمة عن وائل، ثم سمعت من وائل بلا واسطة علقمة فلم يبق البحث
إلا في رفع الصوت وخفضه، وقال ابن الهمام جامعاً بين الحديثين: إن الرفع كان في ذاته والخفض
بالنسبة، وهذا عين مذهب الشافعي، وزعم البعض أن الشيخ يجعل الحديث للأحناف، والحال أن
تلميذه المحقق بن أمير الحاج صرح بأنه جمع بما يوافق الشافعية، وفي مجمع الزوائد لنور الدين
الهيثمي، وظاهر يؤيد الشافعية، وهو: ((أن اليهود ما حسدوا مثل حسدهم على ثلاثة أشياء، رد
السلام، وآمين، وإقامة الصفوف)) وهذا الحديث في واقعة بيت عائشة خيّا من مسند معاذ، وهو عن
عائشة أيضاً مع اضطراب، وفيه علي بن عاصم متكلم فيه، ونقول: إن في السنن الكبرى: ((أن اليهود
يسجدون على قول ربنا لك الحمد)) والحال أنه لا يقول أحد بجهره، فما هو جوابكم هاهنا فهو جوابنا
ثمة فما دل على الجهر، وأيضاً نقول: وقع في الخصائص الكبرى للسيوطي بطريق حارث بن أبي
أسامة ((أعطى(١) أمتي آمين، ولم يعط من قبلهم إلا موسى عليه الصلاة والسلام حين دعا وأمَّن أخوه
هارون))، فلعل اليهود علموا من الجهر، في خارج الصلاة مثل تأمين هارونَ لَّلُ فلا يثبت الجهر به
(١) في الأصل: (عطن).

٢٥٧
٢ - كتاب الصلاة
قال أبو عيسى: وسمعت محمداً يقول: حديثُ سفيانَ أصحُّ من حديثٍ شعبةً في هذا،
وأخطأ شعبةُ في مواضعَ مِنْ هذا الحديثِ فقال: عن حُجْرِ أبي العَنْبَسِ، وَإنما هو: حُجْرُ بنُ
العَنْبَس ويُكَنى: أَبًا السَّكنِ. وَزَادَ فيه عن عَلْقَمَةَ بنِ وَائِلٍ، وليس فيه عَنْ علقمةً.
وإنَّما هُوَ، عن حُجْرِ بنُ عَنْبَسٍ، عَنَ وَائِلٍ بِنِ حُجْرٍ وَقَالَ: وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَه وَإِنِما هُوَ
((مُدَّ بِهَا صَوْتَهُ)) .
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَسَأَلْتُ أُبَا زُرْعَةَ عن هذا الحديثِ فَقَالَ: حَدِيثُ سُفْيَانَ فِي هَذَا أَصَحُ
في داخل الصلاة، وأيضاً نقول: إن جهره عليه الصلاة والسلام كان للتعليم لما في أبي داود
ص (١٤٢): (حتى يسمع من يليه من الصف الأول) بطريق بشر بن رافع، وهو متكلم فيه، وقد ثبت
الجهر بالأدعية للتعليم لما روينا في ما سبق، كيف لا وقد صرح وائل بنفسه: (ما أراه إلا ليعلمنا)
إلخ، أخرجه أبو بشر الدولابي في كتاب الأسماء والكنى بسند يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو مختلف
فيه، وثقه الحاكم في المستدرك، ولكنه متساهل في حق الرواة في مستدركه، ووثقه ابن حبان فإنه
ذكره في كتاب الثقات، ولكنه ذكره في كتاب الضعفاء أيضاً، فتحيرت من هذا وربما يذكر راوياً في
الكتابين، فقيل: إنه يسهو عن ذكره في الكتاب الأول، وإني رأيت في كتاب الضعفاء تحت ترجمة
إبراهيم بن طهمان أن هذا له دخل في الضعاف والثقات، فذكرته في الكتابين فذهب ما أبرئ قلبي، ما
وقع عند ابن خزيمة، فإنه لما تكلم على مسألة وضع الركبتين بعد اليدين على الأرض نقل حديث
تقديم الركبتين بسند جيد ثم ذكر ناسخه، وقال: إن الأول منسوخ، وقد وقع يحيى بن مسلمة بن
كهيل في سند الناسخ، وضعف حديث سفيان بن قطان المغربي، ذكره الزيلعي في التخريج، ولكن
الجمهور يصححون حديث سفيان ويضعفون حديث شعبة، وقد صححهما القاضي عياض، وقد نقل
العيني تصحيح بعض أئمة الحديث، ولكنه لم يسمّهم، وقال ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار: إن
الحديثين صحيحان، واختار الإخفاء، فإن جمهور السلف إلى الإخفاء وأما بعد تسليم المحدثين فكيف
الجمع بينهما؟ ولعله يكون مثل ما قال الشيخ ابن الهمام، ويؤيدنا ما في أبي داود من مجيء وائل
بحضرته لَّل مرتين فلعله جهر للتعليم، ويدل على التعليم ما في معجم الطبراني عن وائل أنه عليه
الصلاة والسلام أمَّن ثلاث مرات، وقال الحافظ كما في شرح المواهب: تثليث آمين بتثليث الواقعة لا
أنه أمَّن ثلاثاً في واقعة واحدة، كما زعمه بعض الناس الجاهلون، فدل على التعليم، وفي معجم
الطبراني زيادة: (اللهم اغفر لي) قبل آمين والله أعلم، وفي سنن الدارقطني قال عبد الرحمن بن
مهدي: أشد شيء في حديث سفيان أن رجلاً وجه سفيان إلى نفسه، وتكلم معه في أثناء الحديث فما
أدركت ما قال سفيان كل الإدراك، ولنا أن مذهب سفيان إخفاء آمين مع أنه يروي جهره، ومر ابن
تيمية وابن القيم على مسألة الباب فقالا: إن الاختلاف في اختيار المباح ورجحا الجهر في بعض
المواضع، فعلم أن الخلاف ليس بشدید.
قوله: (حديث سفيان) في هذا أصح ما أتوا بالمتابعات لسفيان: مع أنه موجود في النسائي

٢٥٨
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
من حديث شعبة. قالَ: ورَوَى العَلاَءُ بنُ صَالحِ الأسَدِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ نَحوَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ.
٢٤٩ - قال أبو عيسى: حَدَثَنَا أَبُو بكرٍ مُحَمّدُ بنُ أبَانَ، حَدّثَنَا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ، حدَّثنا
العَلاَءِ بنِ صَالِحِ الأسديِّ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ، عَن حُجْرِ بنِ عَنْبَسٍ، عن وَائِلٍ بن حُجْرٍ، عَنْ
النبيِّ وَّ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ.
١٨٥ - بابُ: ما جاءَ في فَضلِ التأمِينِ
٢٥٠ - حدَّثنا أبو كرَيْبٍ مُحَمّدُ بنُ العلاَءِ، حَدَثَنَا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ قَالَ: حَدّثَنَي مالكُ ابنُ
ص (١٤٧) وفي مسنده عبد الجبار بن وائل، لكنه لم يسمع من أبيه، نعم صحيح للمتابعة بلا ريب
فإنه سمع عن أخيه علقمة فإنه يروي عن أخيه علقمة لرفع اليدين، ووضع اليدين عند الصدور
واعتمدوا عليه.
قوله: (العلاء بن صالح) هذا ضعيف، وذكر بعض الناقلين علي بن صالح وهو ثقة، ولكن
الصحيح علاء بن صالح، ولنا ما روى ابن جرير الطبري عمل جمهور الصحابة، ولنا ما في معاني
الآثار ص ١٢٠ عمل علي وعمر، وفي سنده أبو سعيد بن مرزبان البقال، وهو متكلم فيه، وفي
البعض أبو سعد بدل أبو سعيد وما في الطحاوي أخرجه ابن جرير الطبري وصححه وحسن الترمذي أبا
سعيد في بعض المواضع، وأخذ عنه في دية الذمى ص(٦٨)، وقال في العلل الكبرى: قال البخاري:
إنه متقارب الحديث فعلم توثيقه من البخاري، ويذكر جرح البخاري أيضاً، في كتب الجرح والتعديل،
والأكثرون يجرحون والبعض يوثقونه، وقد ثبت الإخفاء عن ابن مسعود وبسند صحيح والظاهر عندي
من جانب الأحناف تسليم صحة حديث سفيان، وتوفيق لفظ شعبة معه، والتمسك في المسألة بعمل
جمهور الصحابة، وحمل حديث سفيان على التعليم.
(١٨٥) باب ما جاء في فضل التأمين
حديث الباب أخرجه مسلم والبخاري، وتمسك البخاري بحديث الباب على جهر آمين، ووجه
التمسك أن الشريعة أحالت تأمين المقتدي على تأمين الإمام فلا يعلم تأمين الإمام إلا بجهره، ويكون
التأمينان مشاكلتين، نقول: في الصفحة اللاحقة في البخاري: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده،
فقولوا: ربنا ولك الحمد ولا يقول أحد بجهر: (ربنا ولك الحمد)، فلا يجب التشاكل، ولا يستنبط
جهر الإمام أيضاً فإن تأمينه يعلم بقوله: ((ولا الضالين)) كما في الحديث: (إذا قال الإمام ((ولا الضالين))
فقولوا: آمين)(١)، وأجاب الموالك(٢) عن حديث الباب بأن معنى: ((إذا أمن الإمام)) إلخ إذا بلغ آمين،
كما يقال: أنْجَدَ أي بلغ النجد، وأشأم أي بلغ الشام، وأعرق أي بلغ العراق، وظني أن اختلاف
(١) رواه البخاري (٤٢٠٥)، ومسلم (٤١٥).
(٢) الصواب: (المالكية).

٢٥٩
٢ - كتاب الصلاة
أَنَسٍ حَدّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعيدٍ بنِ المَسيَّبِ، وأبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ◌َّه قال:
((إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلاَئِكَةِ، غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذَتْبِهِ)) .
قَالَ أَبُو عِيَسى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةً. حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
الروايتين عن أبي حنيفة في تأمين الإمام للاختلاف في لفظ الحديثين، ولنا حديث السكتتين فإن السكتة
بعد ((ولا الضالين)» لقول: آمين، فعلم إخفاء تأمين الإمام، وأقر في حجة الله البالغة: بأن حديث
السكتتين لعله على ما قيل من إخفاء آمين، وحمل الشافعية حديث: ((إذا قال الإمام: ((ولا الضالين))،
فقولوا: آمين)) على حديث الباب، وحمل الموالك(١) حديث الباب على ذلك الحديث، وظني أن
الحديثين محمولان على ظاهرهما، فحديث: ((إذا أمَّن الإمام)) في ذكر نفس فضيلة التأمين لا في بيان
صفة الجهر أو الإخفاء، وحديث: ((وإذا قال: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) في بيان المسألة
الفقهية، وتعليم الصفة، وكذلك روي عن أبي حنيفة من اختلاف الروايتين، وفي معجم الطبراني عن
سمرة بن جندب: ((إذا قال الإمام: ((ولا الضالين)) قولوا: آمين يجبكم الله)).
قوله: (إذا أمن الإمام) قيل: إن الحديث عبارة في تأمين المأموم، وإشارة في تأمين الإمام،
واختلفوا في عبارة النص وإشارته، قال صدر الشريعة: إن العبارة ما سيق له الكلام، والإشارة غيره،
وقال ابن الهمام: المنطوق في العبارة كله عبارة النص سبق له أو لا .
(ف) استنبط أبو عمر بن عبد البر نفي القراءة خلف الإمام من حديث الباب، بأن حديث(٢) يدل
على أن المقتدي منتظر لتأمين الإمام والمنتظر لا يكون إلا صامتاً، ولا يكون قارئاً، وأقول: يؤيده ما
في بعض الروايات: ((إذا أمَّن القارئ فأمنوا)) أخرجه مسلم والبخاري في كتاب الدعوات، ويشكل على
الشوافع(٣) من سُبق ولَحِق في خلال فاتحة الإمام، فإذا قرأ المقتدي فإما أن يؤمن مع الإمام ثم يأتي
بباقي الفاتحة فيكون عكس الموضوع، فإن الوضع أن يكون آمين خاتم الفاتحة، لما في أبي داود ((أن
آمين طابع الفاتحة)). وإما أن يؤمن حين ختمه فيلزم خلاف حد الباب، فإنه يدل على أن الفضل في
المعية أي توافق آمين المقتدي والإمام والملائكة، والاحتمال الأول مذكور في المنهاج، أي يؤمن مع
الإمام ثم يأتي بباقي الفاتحة، وقال الغزالي: يأتي المقتدى بالفاتحة حين يثني الإمام، والحال أن نص
الحديث دال على أن الثناء للإمام والمقتدي والمنفرد وأما أصل مذهبهم فهو أن يأتي بها إذا سكت
الإمام بعد ((ولا الضالين)) قبل آمين، وينتظر الإمام فاتحة المقتدى ثم يؤمّنوا جميعاً، والحال أن هذه
السكتة الطويلة لا أصل لها من الشريعة الغراء، فإن السكتة قصيرة بحيث إن اختلف الصحابيان في
وجودها، وأيضاً نص الحديث أن هذه السكتة كانت ليتراد وإليه نَّفَّسُه، ويقولون: إنها لفاتحة المقتدى،
(١) الصواب: (المالكية).
(٢) هكذا في الأصل، والصواب: (الحديث).
(٣) الصواب (الشافعية).

٢٦٠
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
١٨٦ - بابُ: ما جاءَ في السَّكْتَتَيْنِ في الصلاة
٢٥١ - حَدّثَنَا أبو موسى مُحَمّدُ بنُ المُثَنَّى، حدَّثنا عَبدُ الأعلى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ،
عن الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: سَكْتَتَانٍ حَفِظْتُهُمَا عن رسول الله وَلَّهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمْرَانُ بنُ
حُصَيْنِ وقالَ: حَفِظْنَا سَكْتَةً، فَكَتَبْنَا إلى أُبيِّ بنِ كَعْبٍ بالمدِينَةِ، فَكَتَبَ أَبِيُّ أنْ: حَفِظَ سَمُرَةُ.
قَالِ سَعِيدٌ: فَقُلْنَا لِقَتَادَةَ: مَا هَاتَانَ السَّكْتَتَان؟ قال: إِذَا دَخَلَ فِي صَلاَتِهِ، وإذَا فَرَغَ من القراءةِ،
ثُمَّ قالَ بعدَ ذلك: وإذا قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفَاتِحَة: الآية، ٧] قال: وكان يُعْجِبُهُ إذا فرغَ من
القراءة أن يَسْكُتَ حتى يَتَرَادَّ إلَيْهِ نَفْسُهُ.
قال: وفي الباب عن أبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديثُ سَمُرَّةً حديثُ حسَنْ.
وهو قولُ غيرٍ واحدٍ من أهلِ العلمِ، يَسْتَحِبُّونَ للإمام أن يسكتَ بعدَما يَفَتَتِحُ الصلاَةَ،
وبعدَ الفراغ من القراءةِ.
وبه يقولُ: أحمدُ، وإسحاقُ، وأصحابُنا.
وغاية المسألة لهم ما في أبي داود ص (١٢٦) من أثر مكحول وسعيد بن جبير ولكنه تطرق فيه اجتهاد
ابن جبير والسكتات عند الشافعية أربعة، وأومأ عماد الدين بن كثير في تفسيره أن (آمين)) قائم مقام
فاتحة الإمام، فدل على نفي الفاتحة للمقتدي ويلزم على ما قال ابن كثير وجوب آمين للمقتدي لكونه
مقام الفاتحة، ولكنه لم يقل أحد بوجوب آمين إلا الظاهري، فالحاصل أن قول القراءة خلف الإمام في
الجهرية يوجب إشكالات كثيرة.
(ف) آمين قيل: عربي، وقيل: عبراني، ومعناه: استجب أو افعل، وفي كافي النسفي: أن آمين
معرب همين الفارسي، والله أعلم وعلمه أتم.
(١٨٦) باب ما جاء في السكتتين في الصلاة
اختلف الصحابيان في السكتة الثانية لقصرها، السكتات فى كتب الحنفية ثلاثة: بعد التحريمة،
وبعد (ولا الضّالين)، وبعد ختم القراءة، وعند الشافعية أربعة: بعد التحريمة، وبعد (ولا الضالين).
وبعد آمين، قبل ضم السورة، وبعد ختم القراءة، والحق أن الثالثة لا يليق بأن يعتد بها، وإلا لزم كثير
من السكتات في حديث أم سلمة.
قوله: (إذا قرأ: ولا الضالين) قيل: هذا تفسير لما قبله، وقيل: سكتة ثالثة، قال البيهقي: إن
الإنصات في آية ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] إلخ بمعنى الإخفاء، فلا تنفي الآية القراءة مثل
السكتة هاهنا فإن السكتة بمعنى الإخفاء فإنه يسكن ويقرأ في نفسه في سكتة الثناء، أقول: بين السكتة
والإنصات فرق لا سيما إذا اجتمع الاستماع والإنصات وسيأتي التفصيل.