Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
١ - كتاب الطهارة
أَبي هُرَيرةَ، عنِ الَّبيِّ نَّهِ قال: ((لاَ يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضْأُ مِنْهُ).
لم تدر ما جزع عليك فتجزع.
وفي حديث الباب الوجه الثالث في الرفع، وفي الرواية لم يثبت إلا الرفع، وذكر النووي الرفع
والنصب والجزم، وذكر شيئاً عن شيخه ابن مالك صاحب الألفية مع أن المروي الرفع فقط، وزعم
البعض في حديث الباب الوجه الأول للرفع، وزعم أن الغرض نفي كليهما، واشتبه عليه الأمر، وزعم
أنه منهي عن الجمع ويجوز أحد الأمرين، وقال: يجوز البول في الماء الراكد، وليس كذلك فإنه نفي
الأول والثاني أولاً وثانياً لا نفي الجمع، وقال الطيبي في شرح المشكاة: إنّ (ثم يتوضأ) موقع
الاستبعاد وهذا عندي لطيف شرحاً والعجب من نقل الحافظ عبارة القرطبي: شارح مسلم ثم الرد
عليه، قال القرطبي: إنه إشارة إلى كمال الحال مثل حديث ((لا يضرب أحدكم زوجته ضرب العبد ثم
يضاجعها)) فالنهي عن الأول والثاني موقع الاستبعاد.
حديث الباب حجة لنا، وأجاب ابن التيمية(١): مختار مذهب مالك بن أنس بأن الغرض النهي
عن الاعتياد فإن الماء لا ينجس إلا بعد التغير، ولا ينجس في الحالة الراهنة وأتى بالنظائر منها نهى
الشارع عن البول تحت الظّل وفي الشارع العام والمورد، فإن الغرض ثمة النهي عن الاعتياد، أقول:
إنه من رأيه رآه، فإن في حديث الباب: ((ثم يتوضأ منه))، والمتبادر منه أنه يحتاج إلى التوضئ في
الحالة الراهنة، وكذلك تدل طرق الحديث منها ما في معاني الآثار ص(٨) عن عطاء بن ميناء عن أبي
هريرة رُه يغتسل منه ويشرب الخ، أخرجه البيهقي ومالك في مدونته، فإن العاقل يزعم أن الشرب
في الحالة الراهنة لا بعد زمان كثير وتغيير الماء، وكذلك تدل فتوى أبي هريرة وهو راوي الحديث،
أخرجه في معاني الآثار ص(١٠): سئل عن رجل يمر على غدير أيبول فيه؟ قال: (لا، لعله أخوه
المسلم يمر عليه فيغتسل منه أو يشرب) على أن المنع باعتبار التوضئ في الحالة الراهنة، قال ابن
التيمية(٢) في موضع آخر: إن البول مائع وإذا اختلط بالماء فلا يتميز، فالنجاسة بسبب الاختلاط فلا
يتعدى الحكم إلى الخثي والروثة اليابسة، فإنها إذا وقعت في الماء فلا يتنجس الماء إذا لم يختلط،
وروي عن أحمد بن حنبل الفرق بين النجاسة الرطبة واليابسة أقول: إن مُدَّعانا أيضاً إثبات نجاسة الماء
كما اعترفت، وأما القول بأن النجاسة بسبب الاختلاط وبالعرض وإلا فالماء طاهر والنجاسة المختلطة
هي النجسة فتفلسف وأدلتنا في في مسألة المياه حديث المستيقظ من النوم، وحديث ولوغ الكلب،
وحديث، الباب، وفي الثلاثة الأنجاس مما من أفعالنا واختيارنا، ونعلمها قطعاً، وفي الثلاثة الأنجاس
غير مرئية، ولم يذكر الأنجاس المرئية فإن حكم النجاسة المرئية كافٍ في الحكم فإنا نحكم(٣) بنجاسة
الماء إلى موضع سرى إليه أثر النجاسة.
(١) الصواب: (ابن تيمية).
(٢) هكذا في الأصل، والصواب: (ابن تيمية).
(٣) في الأصل بياض موضع هذه الكلمة، ولعلها كذلك.

١٠٢
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قال أبو عیسی: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفي البابِ عَنْ جَابِرٍ .
(دقيقة): لقد نهى(١) الشريعة الغراء عن النفخ والبصاق في الماء، وعن إدخال اليد فيه بعد
اليقظة، فكيف يجوز استعمال الماء الذي يقع فيه لحوم الكلاب والحِيَض والنتن على ما زعم
الخصوم؟ والحاصل عندي أن الشريعة لم تحكم بنجاسة ماء بير بضاعة وماء الفلاة فإن الناس لم
يشاهدوا النجاسة، وجرت فيها الأوهام والوساوس، وأما الموضع الذي ليس فيه طريق الوهم فليس
شأنه هذا، فإن الشريعة تنهى عن استعمال الإناء الذي ولغ فيه الكلب قبل الغسل، وأيضاً أمرت
بالغسل عن سؤر الهرة، وفي معاني الآثار ص (١٢) عن ابن عمر: النهي عن سؤر الحمار، وفي مجمع
الزوائد: أن ابن عباس ردف النبي ◌َّلّ على الحمار فأمرهّالتَّل بالاغتسال، وفي سنده راو مختلف
فيه، ففي ما ذكر وأخواته مشاهدة سبب النهي عن استعمال الماء ولا مشاهدة في ماء الفلاة وماء بير
بضاعة، فعومل فيها بأسلوب الحكيم، فالحاصل أن فيها مدخل الأوهام لا المشاهدة بخلاف غيرهما
مما ذكرنا وأخواته فتفرق شأن الأجوبة في الطائفتين، نقل البيهقي في معرفة الآثار والسنن لفظ (ترِدُه
السباع والكلاب) في حديث القلتين ثم علله البيهقي بأن الراوي متفرد، وأقول: إنه معلول في الواقع
فإن ابن عمر راوي حديث القلتين يفتي بنجاسة سؤر الكلب كما في معاني الآثار ص (١٢) فلا يكون
فيه لفظ الكلاب، وكذلك في الصحيحين: ((أن الإناء الذي ولغ فيه الكلب يغسل سبع مرات، فعلم أن
لفظ الكلاب ليس في حديث القلتين، ولو سلم ففي ماء الفلاة ليست المشاهدة بل فيه طريق الوهم،
وفيما روينا طريق القطع واليقين فافترقا.
(اطلاع): يقول الشوافع(٢) أسآر السباع طاهرة إلا الكلب والخنزير، ونقول: إن حديث القلتين
دال على نجاسة أسارها، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يجب الصحابة بأن أسارها طاهرة، بل أجاب
بأن الماء إذا كان قلتين لم يحمل الخبث، وأيضاً دال على أن الماء إذا كان أقل من القلتين يتنجس
بأسآر السباع فهذا إلزام على ما قال الشوافع(٣) فتدبر، ويقول الشوافع: إن من دأب الدواب السباع
البول حين شرب الماء، ونقول: إنا نتمشى على ما ذكرنا في الحديث، وأماما في المشكاة: ((لها ما
أخذت في بطونها، ولنا ما بقي))، فضعيف بجميع طرقه بإقرار البيهقي، وتصدى ابن الحجر(٤) المكي
الشافعي إلى تحسينه بأن تعدد الطرق دال على أن له أصلاً، وأقول: إن فيه أيضاً أسلوب الحكيم فإنا
لا نشاهد السباع يشربون الماء، فالمدار على الأوهام فلا يتنجس الماء بالشك وأما مذاهب السلف في
الماء فالجزئيات المروية عنهم قريبة إلى قول أبي حنيفة، فإن أكثرهم يعتبر بالعلم وبعضهم يأخذ
التغير، ونحن أيضاً، نحن نأخذ التغير في بعض الأحيان، أخرج في معاني الآثار ص (١٠) بسند
(١) هكذا في الأصل، والصواب (نهت).
(٢) (٣) الصواب الجمع على (شافعية).
(٤) هكذا في الأصل، والصواب: (ابن حجر).

١٠٣
١ - كتاب الطهارة
٥٢ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي مَاء الْبَحْرِ أَنَّهُ طَهُورٌ
٦٩ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ عن مَالِكِ، ح، وحدَّثنا الأنْصَارِيُّ، إسْحَاقُ بنُ مُوسَىَ، حدَّثنا مَعَنٌ،
حدَّثنا مَالِكٌ، عنْ صَفْوَانَ بن سُلَيْم، عنْ سَعيدٍ بن سَلمَةً مِنْ آلِ ابن الأزْرَقِ، أنَّ المُغِيرَةَ بن أبي
بُرْدَةَ - وهوَ مِنْ بَنِي عبد الدَّار - أَخْبَرَهُ: أنّهُ سَمِعَ أبا هريْرةٍ يَقولُ: سأَلَ رجلٌ رسولَ الله وَرَ،
فقالَ: يا رسول الله! إنّا نَرْكَبُ الْبِخْرَ ونَحْمِلُ مَعَنا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنا،
أُفَنَتَوَضّأُ مِنْ مَاءِ البَحْرِ؟ فقال رسول الله وَّ: ((هوَ الطََّّورُ مَاؤُهُ،
صحيح فتوى ابن الزبير وابن عباس: ينزح تمام ما في البير حين وقوع الغلام الحبشي فيها، وأيضاً إذا
وقع حيوان في الماء يفتي أكثرهم بنزح الماء حتى يطيب الماء كما في معاني الآثار، قال الشوافع(١)
في قصة وقوع الحبشي في البير: إن سفيان بن عيينة قال: أقمت بمكة سبعين سنة ولم أسمع هذه
القصة، وقال ابن الهمام: إن سفيان بعد عهد ابن الزبير فكيف يرى الواقعة، فعدم علمه ليست بحجة
علينا، ثم أجاب الشوافع(٢) بأن الحبشي لعله سال دمه فتغير الماء وغلب على الماء، نقول: إن هذا
الاحتمال بعيد وخلاف المشاهدة، ونقول: إن الكوفة لم تكن خالية عن الصحابة قال الأزرقي: كان
خمسمائة وألف رجل من الصحابة في الكوفة، أقول: إن عمر اتخذ مجتمع العسكر بكوفة كما في
مسلم، وكان آلاف من الصحابة في حروب القادسية، فلعل في قول الأزرقي قيداً، وكان ستمائة رجل
منهم في قرية قرقية في حوالي كوفة، ثم أقول: إن عُمُر سفيان سبعون سنة وأقام خمسة وثلاثين سنة
في كوفة فيتأول في كلامه بأنه حج سبعين مرة قال الشيخ ابن الهمام في الفتح: إن حديث البول في
الماء الراكد، وحديث المستيقظ ليستا بحجتين لنا فإن فيهما كراهة نعم حديث ولوغ الكلب دليل لنا،
فإن فيه لفظ (طهور إناء أحدكم .. الخ) أقول: لو كان الأمر كذلك فالطهور أيضاً يأتي بمعنى النظافة
لما في الحديث: ((إن السواك مطهرة للفم)) فلا يكون حديث ولوغ الكلب أيضاً دليلنا ولكن الحق
متجاوز عنه، وأقول أيضاً: إن الكراهة ليست حكماً مستقلاً في الماء بل من فروع النجاسة، فإن
الموضع الذي يحتمل النجاسة نحكم فيه بالكراهة فرجع الأمر إلى النجاسة، فتكون الأحاديث الثلاثة
أدلتنا، وأن مذهب أبي حنيفة في المياه راجح إن شاء الله تعالى.
(٥٢) باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور
أكثر أرباب اللغة أن البحر هو مالح، وقع في بعض الروايات أن السائل في هذا الحديث رجل
من بني مدلج.
قوله: (هو الطهور ماءه) ماءه فاعل الصفة المشبهة، وكذلك في الحل ميتته، اللام في الطهور
ليس للقصر بل لتعريف المبتدأ بحال الخبر، كما قال عبد القاهر الجرجاني: إن تعريف الخبر قد يكون
ليعرف به المبتدأ مثل آية: ((أولئك هم المفلحون)) كذلك في:
(١) (٢) الصواب: (الشافعية).

١٠٤
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)).
قال: وفي البابِ عن جَابِرٍ، والفِراسِيِّ.
قال أبو عيسى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وهُوَ قَوْلُ أَكْثَر الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَِّ، مِنْهُمْ: أبو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وابن عبَّاسٍ: لَمْ
يَرَوْا بَأْساً بِمَاءِ الْبَحْرِ .
فإني ذلك الرجل
وإن قَتَل الهوى رجلاً
تكلم العلماء في منشأ سؤال الصحابة: فقيل: إن منشأه حديث ((إن تحت البحر ناراً))، وفي
الملل والنحل لابن حزم الأندلسي، قيل لعلي رَبُه: إن فلاناً اليهودي يقول: إن جهنم في البحر، قال
علي رَّه ما أراه إلا أن صدق.
ومراد هذا الحديث قيل: إن جهنم يوضع موضع البحر وإن ماءه يستعمل في جهنم، وقيل: إن
منشأ السؤال موت الحيوانات في البحر، وأقوال أخر فيه.
قوله: (الحل ميتته) في حيوانات البحر أقوال للشوافع(١)، في قول: إن جميع ما في البحر
حلال، وفي قول: جميع ما فيه حلال إلا الضفدع والتمساح، وفي قول: حلال البر، حلال في
البحر، وحرام البر حرام في البحر ومالا نظير له في البر أيضاً حلال.
ومذهب الأحناف: أن الحلال من حيواناته السمك فقط .
ثم لأهل المذهبين كلام في آية ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] قالوا: إن الصيد بمعنى
المصيد، وقلنا: إنه مصدر على حاله، والقرينة أن القرآن يبحث عن الفعل من المُحرِم بأنه هل يوجب
الجزاء أم لا؟ وأما الحديث فأحسن ما قيل في حديث الباب ما قال مولانا أستاذ الزمن محمود حسن
مد ظله العالي على رؤوس المسترشدين: إن الحل بمعنى الطاهر وثبت الحل بمعنى الطهارة، كما في
قصة صفية بنت حيي: حلت بالصهباء أي، طهرت من الحيض، وأيضاً حديث آخر دال على أن الحل
قد يكون بمعنى الطاهر إلا أنه ضعيف السند، أخرجه الزيلعي والشيخ في الفتح ومعناه أن موت ما
يعيش في الماء لا يفسده، ودليلنا ((أحُل لنا ميتتان: السمك والجراد)) أخرجه الحافظ في تلخيص الحبير
مرفوعاً وموقوفاً وصحح سند الموقوف، وأيضاً لم يثبت من أحد من الصحابة أكل ما سوى السمك،
قال الشوافع(٢): أكل الصحابة العنبر وهو غير السمك، ونقول: إن العنبر غير السمك كما وقع في
بعض الألفاظ لفظ الحوت على المنبر صراحة، فلا يصلح حجة لهم، والمراد بالميتة غير المذبوح فلا
يدل على حل الطافي، والمراد في الآية بصيد البحر فعل الاصطياد وبطعامه هو السمك، فهو
تخصيص، وأثر أبي بكر الصديق في الطافي مضطرب اللفظ.
(١) (٢) الصواب: (الشافعية).

١٠٥
١ - كتاب الطهارة
وقَذْ كَرِهَ بَعْضُ أصْحابِ النَّبِيِّ وَِّ الوُضُوءَ بِمَاءِ الْبَحْرِ، مِنْهُمْ: ابن عْمَرَ، وعَبْدُ الله بن
عَمْرِو. وقالَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرو: هوَ نَارٌ.
٥٣ - بَاب: مَا جَاءَ في التَّشْدِيدِ فِي الْبَوْلِ
٧٠ - حَدَّثَنَا هَنَّدٌ وَقُتَيْبَةُ وأبو كُرَيْبٍ، قالُوا: حدّثنا وكيعُ، عَنِ الأَعمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ
مُجَاهِداً يُحَدِّثُ عَنْ طاوُسٍ، عَن ابنِ عَبَّاسِ: أنَّ النَّبِيَّ نََّ مَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: ((إنَّهُما
يُعَذَّبَانِ، ومَا يُعذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ: أمَّا هُذَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وأمَّا هُذَا فَكَانَ يَمْشي
بِالثَّميمِةِ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفِي الْبابِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي مُوسَى، وعَبْدِ الرَّحْمُنِ بنِ حَسَنَةً،
وَزَيْدِ بن ثابت، وأبِي بَكرَةً .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ورَوىَ مَنْصُورٌ هَذَا الْحَديثَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاس، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ (عَنْ طاوسٍ).
ورِوايَةُ الأُعْمَشِ أُصَحُ.
(٥٣) باب ما جاء في التشديد في البول
غرض الباب ذكر الاستنزاه عن البول.
قوله: (وما يعذبان في كبير) في بعض الروايات نعم أي كبيران، فتعارض جزءا الكلام، فالدفع
أنهما كبيران عقاباً وليسا بكبيرين فعلاً، فإن تركهما سهل.
قوله: (لا يستتر) في بعض الروايات (لا يستنزه) وفي بعضها: (لا يستبرئ).
والنميمة نقل كلام الغير بقصد الإضرار.
قيل: إن الرشاش ليس بكبيرة فأجيب بأنه لعله يصلي بذلك الثوب الذي أصابه الرشاش فصارت
كبيرة وقيل: إن الإصرار على الصغيرة كبيرة، قال حافظ الدنيا: إن واقعة الباب واقعة الرجلين
المسلمين، وما في آخر صحيح مسلم واقعة الكافرين، فلا يختلط الأمر بسطح الحديثين، فإن معرفة
اتحاد الواقعة وتعددها عسير جداً، أقول: قد صح أن عامة عذاب القبر من البول، وأما نكتة هذا فخفية
لم تحصل لي، إلا أنه في الكفاية شرح الهداية: إن أوّل الفرائض بعد الإيمان وستر العورة الصلاة
ومقدمتها الطهارة، والقبر أيضاً أول مراحل المحشر، فيليق المقدمة للمقدمة والله أعلم، ثم سخ(١) أن
الأثر للنجاسة، وهم كانوا يتهاونون في أمر البول فخصه بالذكر، وإلا فالأمر عام في النجاسات.
(١) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: (صح).

١٠٦
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قال: وسَمِعْتُ أبا بَكْرٍ مُحمَّدَ بن أبانَ البَلْخِيَّ مُسْتَمْلِي وكِيعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ وكِيعاً يَقولُ:
الأَعْمَشُ أحْفَظُ لإسْنادِ إِبُرهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ .
٥٤ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي نَضْحِ بَوْل الْغُلاَمِ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ
٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وأحْمَدُ بنُ مَنِيع، قالا: حدَّثَنَا سفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ
عُبَيْدِ الله بن عبد الله بن عُثْبَةَ، عَنْ أُمْ قَّيْسٍ بِنْتِ مِخصَنٍ، قَالَتْ: دَخلْتُ بابٍ لِي عَلَى
النَّبِّ وََّ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعامَ، فَبَال عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَّاءٍ فَرَشَّهُ عَلَيْهِ .
قال: وفِي الْبابِ عَنْ عَلِيّ، وعَائِشَةَ وزَيْنَبَ، ولُبابةَ بِنْتِ الْحارثِ، وهِي أُمُّ الفَضْلِ بنِ
عَبَّاسٍ بن عَبْدِ المُطْلِبِ، وَأَبِي السَّمْحِ وَعَبْدِ الله بن عَمْرٍو، وأَبِي لَيْلَى، وابن عبَّاسٍ.
(٥٤) باب ما جاء في نضح بول الغلام إلخ
قال أتباع المذاهب الأربعة: إن بول الغلام نجس، والاختلاف في وجه التطهير؛ قلنا: إن في
تطهيره تخفيفاً كما في موطأ محمد بن حسن ص (٦٤) أن فيه رخصة أي تخفيفاً، وللشوافع(١)
وجهان :
في وجه: يجب تغليب الماء فقط، وفي وجه: يجب التقاطر أيضاً، ذكرها النووي في شرحٍ
مسلم، والوجه الأوّل مختار إمام الحرمين، وألزم بعض الموالك (٢) طهارة بول الغلام على الشوافع(٣)
لذلك لم يشترطوا التقاطر في وجه فكيف الطهارة، وفي عارضة الأحوذي لأبي بكر بن العربي،
والإحياء للغزالي، وكذلك قال ابن التيمية(٤): إن الماء محيل أو مستهلك فإنه إذا غلب على البول
يحيله إلى الطهارة، كما قال الأحناف: إن الحمار إذا وقع في الملح وصار ملحاً طهر، أقول: إن
حكم الإحالة في الفور مستبعد بخلاف ما قلنا من طهارة الحمار، فإنه بعد زمان بعيد.
تمشى الشوافع(٥) على ظاهر حديث نضح بول الغلام ونحن حملنا النضح على الغسل الخفيف،
وهو صب الماء شيئاً فشيئاً، وقد ثبت كثير من الألفاظ في بول الغلام، منها الرش والنضح والصب
وإتباع الماء، وقال النووي: إن الأحاديث الصحيحة ترد على أبي حنيفة ولعله لم يلتفت إلى ما بين
يديه من روايات مسلم منها ما فيه: ((أنه أتبعه الماء))، ومنها ((أنه لم يغسل غسلاً أي غسلاً شديداً، فإن
المفعول المطلق يكون للتأكيد، وذكر ابن عصفور في حاشية كتاب سيبويه أن للتأكيد أنواعاً ومنها:
(١) الصواب: (الشافعية).
(٢) الصواب: (المالكية).
(٣) الصواب: (الشافعية).
(٤) الصواب: (ابن تيمية).
(٥) الصواب: (الشافعية).

١٠٧
١ - كتاب الطهارة
قَالَ أَبُو عِيسَى: وهُوَ قَوْلُ غَيْرٍ واحِدٍ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحابِ النَّبِيِّ نَّهِ والتَّابِعِينَ ومَنْ
بَعْدَهُم، مِثْلِ: أحْمَد وإِسْحَاقَ، قَالُوا: يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلاَمِ، ويُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيّةِ.
وهذا ما لَمْ يَطْعَما، فَإِذَا طَعِما غُسِلاَ جَمِيعاً.
٥٥ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي بَوْل مَا يُؤْكلُ لَحْمُهُ
٧٢ - حَدَّثْنا الْحَسَنُ بْنُ مُحمَّدِ الزَّعفَرَانيُّ، حَدَّثَنَا عفانُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنا حَمَّادُ بنُ
سَلمَةَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، وقَتَادةُ، وثابِتٌ، عَنْ أنسٍ: أنّ ناساً مِنْ عُرَيْنَةَ قَدمُواَ المدينَةَ فَاجْتَوَوْها،
فَبَعَثَهُم رَسُولُ اللهِ وَّرِ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ: ((اشْرَبُوا مِنْ الْبَانِها وأبْوَالِهاَ)). فَقَتَلوا رَاعِيَ
رَسُولِ اللهِ وَُّ، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسلاَمِ، فَأَتِيَ بِهِمُ النَّبِيُّ نََّ، فَقَطَعَ أَيْدِيهُمْ
وأرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ، وَسَمَرَ أَغْيُنَهُم،
تأكيد الفعل، فإنه إذا قال: ضُرب زيدٌ، فيتوهم التجوز فيقول: ضُرب زيدُ ضَرباً للتأكيد، وقد ثبت
النضح بمعنى الغسل الشديد أيضاً، فكيف الغسل الخفيف كما ثبت في الترمذي ص (١٧) باب في
المذي يصيب الثوب، وكذلك نضح ثوب أصابه دم الحيضة كما في مسلم ص (١٤١)، وقد استعمل
الرش في ثوب أصابه دم الحيض كما في الترمذي ص (٢٠) باب غسل دم الحيض من الثوب، وكذلك
في مسلم ص (١٤٠)، ثم قيل علينا: ما الفرق بين الصغيرة؟ والصغير فإن الحديث تعرض إلى بول
الصغيرة والحال أنكم تقولون بغسل بولها، لأن الشوافع تقول: إن في بول الصغيرة لُزُوجة لا في بول
الصغير وأيضاً يؤتى بالصغير، في المجالس لا الصغيرة، وأقوال أخر وأقول.
(٥٥) باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه
بول ما يؤكل لحمه طاهر عند مالك، وكذلك مذهب أحمد ومذهب محمد وزفر، ونجس عند
أبي حنيفة والشافعي وأبي يوسف، وفي طهارة أزبال ما يؤكل لحمه رواية شاذة عن محمد بن حسن،
وهو مذهب مالك، ولابن التيمية(١) كلام مطنب في فتاواه.
قوله: (من عرينة) في الروايات أن ثلاثة كانوا من عكل وأربعة من عرينة.
قوله: (راعي رسول الله) قيل: يسار مولى رسول الله بَّ، وقيل: ابن أبي ذر الغفاري.
قوله: (سَمّروا أعينهم) قال الشوافع(٢): إن هذه مماثلة في القصاص كما هو مذهب الشوافع(٣)
إلا في عمل قوم لوط وفيمن أحرق وجوههم، وعند أبي حنيفة: لا قود إلا بالسيف، أخرجه في سنن
ابن ماجه، وأكثر تفردات ابن ماجه ضعيفة، وتصدى الشيخ علاء الدين المارديني في الجوهر النقي إلى
(١) الصواب: (ابن تيمية).
(٢) (٣) الصواب: (الشافعية).

١٠٨
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
وَأَلَقَاهُمْ بِالْحَرَّةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَكُنْتُ أَرَى أَحدَهُمْ يَكدُّ الأَرْضَ بِفِيهِ، حَتَّى مَاتُوا. ورُبَّما قالَ
حَمَّادٌ: يَكْدُمُ الأرْضَ بِفِيهِ، حتَّى مَاتُوا .
قَالَ أبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أنْسٍ .
وهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ قالُوا: لاَ بَأْسَ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَّلُ لَحْمُهُ.
٧٣ - حَكَّتْنا الفَضْلُ بنُ سَهْلِ الأَعْرِجُ الْبَغْدَادِيُّ، حدَّثَنَا يَحْيَى بِنُ غَيْلاَن قالَ: حدَّثنا يَزِيدُ
بِنُ زِرَيْع، حدَّثَنا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكِ قالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ نَّرَ أَعْيُنَهُمْ لِأَنَّهُمْ
سَمِلُوا أَعْيُنَ الرُّعاةِ .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حدِيثٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْلَمُ أحَداً ذَكْرَهُ غَيْرَ هَذَا الشّيْخِ، عَنْ يَزِيدَ بنِ
زُرَيْعٍ.
تقوية حديث: (لاقود إلا بالسيف)، وأما حديث الباب ففي جوابه وجهان: إما حمله على السياسة،
وإما حمله على أنه منسوخ، كما روى الترمذي عن ابن سيرين ((أنه قبل أن تنزل الحدود، وكذلك في
النسائي في المجلد الثاني ص (١٦٨) يقول الراوي: ما سمعت خطبة بعد هذا إلا نهى النبي الكريم عن
المثلة، وحث على الصدقة، وقال الطحاوي: إن المنتهب في البلدة يقتل، وللشوافع(١) فيه أقوال.
قوله: (ألقاهم بالحرة) وجه إلقائهم بالحرة ما في كتب السير: أن لقاحاً له عليه الصلاة والسلام
كانت في تلك الإبل ويؤتى اللبن لأهل بيته عمليَّل، فلما ذهب بها العرنيون عطشوا فدعا عليهم
النبي ◌َّ ((اللهم عطّش من عطّش آل محمد)) وكذلك في النسائي المجلد الثاني ص (١٦٢) وجواب
حديث الباب من حيث طهارة الأبوال فبأنه محمول على التداوي، وفي قانون ابن سينا: أن لبن الإبل
يفيد الاستسقاء، وفي كلام بعض الأطباء: إن رائحة بول الإبل يفيد لمرض الاستسقاء، وحسَّن ابن
حزم الأندلسي هذا الجواب، ذكره في عمدة القاريء، ويستدل عليه بأن مرض العرنيين وشفاءهم
مروي في الروايات، فلم لا نقول بالتداوي؟ وهو عن النخعي عند الطحاوي، وعن الزهري عند
البخاري فتحولت المسألة إلى التداوي بالمحرم، فقال الطحاوي وتبعه البيهقي: يجوز التداوي بغير
المسكر لا به، ولم ينسبه الطحاوي إلى أحد من أئمتنا الثلاثة وأما أهل مذهبنا فمضطربون؛ ففي رضاع
البحر: أن أصل مذهبنا عدم جواز التداوي بالمحرم، وجوزه مشائخنا بقيود، قال في الفتح: يجوز
بالمسكر وغيره، ونقل في المصفى الجواز اتفاقاً، وأقول: إن قول البحر مجمل، فإنه روى عن أبي
يوسف عن أبي حنيفة: من كان في أصبعه جرح وألقى فيه المرارة يجوز له، وروى الطحاوي عن أبي
حنيفة جواز شد السن بالذهب، ويذكر في كتبنا جواز لبس الحرير للحكة، فلعل في أصل المذهب
(١) الصواب: (الشافعية).

١٠٩
١ - كتاب الطهارة
وهُوَ مَعْنَى قَوْلهِ تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة الآية: ٤٥] وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ
سِيرِينَ قالَ: إِنَّما فَعَلَ بِهِمُ النَّبِيُّ وََّ هَذَا قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ.
تفصيلاً أخرجه المشائخ، وفي حديث مرفوع بسند قوي: أنه عليه الصلاة والسلام دخل بيت أم سلمة،
وكان النبيذ يغلى فقال: ما في هذا؟ قالت: تتداوى به الجارية، قال: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما
حرم) فقصره الطحاوي والبيهقي على المسكر، والأقرب عندي إهمال الألفاظ عامة على حالها
وتخصيص الوقت، أي لا يجوز به التداوي حالة الاختيار، وأن الشفاء يطلق في الأمور المباركة، وأما
في غيرها فكقوله تعالى: ﴿فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] ففي المحرم منفعة لا شفاء،
وفي كلام ابن حزم: أن التداوي بالمحرم جائز حالة الاضطرار قطعاً فإن القرآن يجوِّز أكل الميتة
والخنزير حالة الاضطرار(١)، وأدلتنا في نجاسة الأبوال والأزبال محفوظة عندي، منها ما سيأتي في
الترمذي نهى النبي الكريم عن ركوب الجلالة وألبانها وفي القاموس أن الجلة البعرة، فسبب النهي أكل
البعرة، وفي الحديث: ((من دخل المسجد فليميط الأذى عن نعليه))، وقصره على عذرة الإنسان
مستبعد جداً، ونقول أيضاً: إن واقعة العرنيين متقدمة، كما ادعى ابن حزم النسخ حين مر على ما روي
عن ابن عمر: كنت أنام(٢) في المسجد وكانت الكلاب تدخل المسجد، فقال: إن هذا قبل نُزول حكم
الأنجاس، ويمكن لأحد ادعاء أنه من قبيل (ع):
علفتها تبناً وماءاً بارداً
فيدل على استعمال البول لا على شربه، وأيضاً في معاني الآثار ص (٦٤): قال حميد: يروينا
قتادة لفظ الأبوال وما سمعنا عن شيخنا، وكذلك أخرج في النسائي ص(١٦٧)، وفي طريق غير طريق
أنس في النسائي ليس ذكر الأبوال أصلاً، واستدل الأصوليون بحديث: (استنزهوا من البول)، أقول:
إن المتبادر منه بول البشر أولاً، ويلحق به سائر الأبوال ثانياً، وأما ما ذكر في حاشية نور الأنوار عن
مستدرك الحاكم قصة معاذ أنه كان يرعى الشياه فسنده ضعيف فلا يصح حجة لنا.
قوله: (والجروح قصاص) هذا عندنا فيما يمكن فيه القصاص من الأطراف لا في النفس ويقول
الشوافع(٣): إنه في النفس أيضاً.
(١) قال تعالى: ﴿ فَمَنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاخٍ وَلَا عَادٍ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهُ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقال سبحانه: ﴿فَمَنِ أُضْطُرَّ فِي مَخْبَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ
لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
(٢) في الأصل: (أنوم)، والصواب ما أثبت.
(٣) الصواب: (الشافعية).

١١٠
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
٥٦ - بَابُ: مَا جَاء فِي الْوُضُوءِ مِنَ الرِّيحِ
٧٤ - حدثنَا قُتَيْبَة، وهَنَّادٌ قَالاَ: حَدَّثنا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بنِ أبي صالِحٍ، عَنْ
أبِيهِ، عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((لاَ وُضُوءَ إلاَّ مِنْ صَوْتٍ أوْ رِيحٍ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
٧٥ - حدَّثْنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثْنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلٍ بنِ أبي صالِحٍ، عَنْ أبيه،
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قالَ: ((إذَا كانَ أحَدُكُمْ في المسْجِدِ فَوَجَدَ رِيحاً بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ،
فَلاَ يَخْرُجْ حتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أوْ يَجدَ رِیحاً)).
قالَ: وفي الْبابِ، عَنْ عَبْدِ الله بنْ زَيْدٍ، وَعَلِيٍّ بنِ طلْقٍ، وَعائِشةً، وابنٍ عَبَّاسٍ، وَابنٍ
مَسْعُودٍ، وأبي سَعِيدٍ .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَماءِ: أنْ لا يجِبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إلاَّ مِنْ حَدَثٍ: يَسْمَعُ صوتاً، أوْ يَجِدُ
رِیحاً.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ: إِذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ حتَّى يَسْتَيْقِنَ
اسْتِيقاناً يَقْدِرُ أن يَخْلِفَ عَلَيْهِ. وَقَالَ: إذَا خَرَجَ مِنْ قُبُلِ المرأةِ الرِّيحُ وَجَبَ عَلَيْها الْوُضُوءُ. وَهُوَ
قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ.
(٥٦) باب ما جاء في الوضوء من الريح
أي لزوم الوضوء من الريح.
قوله: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح) كناية عن تيقن الحدث، فالكناية واسطة بين الحقيقة
والمجاز عند صاحب التلخيص والعلامة التفتازاني، وعند الحذاق إنها عين الحقيقة والمجاز المتعارف
عند الناس ينكره الحذاق.
واعلم أنه إذا استعمل اللفظ فله مدلول وغرض، والغرض قد يكون أعم من المدلول وقد يكون
أخص وقد يكون مساوياً له، والحقيقة: استعمال اللفظ فيما وضع له، والغرض قد يكون من توابع
المدلول وردائفه، والكناية تستعمل في مدلولها، والمكنى به مدلول اللفظ وغرض المتكلم مكنّ عنه،
ففيما نحن فيه تيقن الحدث مكنّ عنه والصوت والريح مكنّ به، والبحث عن الغرض كان متهماً به،
ولم يتعرض إليه إلا علماء المعاني حين ذكر المعاني الأُوَل، أي مدلولات الألفاظ، والمعاني الثواني،
أي أغراض المتكلمين، وعلماء الأصول حين ذكروا عبارة النص وإشارته فما يكون مسوقاً له وعبارة

١١١
١ - كتاب الطهارة
٧٦ - حدَثَنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثَنَا عَبْدُ الرَزَاق، أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَام بن مُنَبِّهِ،
عَنْ أبي هُرَيرَةً، عنِ النَّبي ◌َّ قالَ: ((إن الله لاَ يَقَبَلُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إذا أحْدَثَ حتَّى يَتَوَضَا)) .
قَالَ أَبُو عِيسَى هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
٥٧ - بَابُ: مَا جاءَ فِي الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ
٧٧ - حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى - كُوفِيٍّ - وَهَنَّاد، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْد المُحَارِبِيُّ، الْمَعنَى
وَاحِدٌ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ حَرْبِ المُلاَئِيُّ، عَنْ أَبِي خَالِدِ الدَّالاَنِيِّ، عَنْ قَتَادَةً، عَنْ
أَبِي الْعَالِيةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيِّ وََّ نَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ، حَتَّى غَطَّ أَوْ نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ
يُصلِّي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّكَ قَدْ نِمْتَ؟ قَالَ: ((إنَّ الْوُضُوءَ لاَ يَجِبُ إلَّ عَلَى مَنْ نَامَ
مُضْطَجِعاً، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَأبَو خَالِدِ اسْمُهُ: يَزِيدُ بنُ عبد الرَّحْمُنِ.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةً.
٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيِىَ بِنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَ لَهُ: يَنَامُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ، وَلاَ يَتَوَضَّؤونَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ صَالِحَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: سَأَلْتُ عَبْدَ الله بْنَ الْمَبَارَكِ عَمَّنْ نَامَ قَاعِداً
مُعْتَمِداً؟ فَقَالَ: لاَ وُضُوءَ عَلَيْهِ.
النص فهو غرض، وأما القصر المفهوم من حديث الباب فقصر إضافي، فإن أبا هريرة كان يذكر: أن
انتظار الصلاة بعد الصلاة كالصلاة ما لم يحدث فقيل: ما الحدث؟ قال: صوت أو ريح، فإن المتحقق
في المسجد حدثاً هو الصوت أو الريح وخرج الحديث مخرج المبالغة ورفع الوساوس وعدم اعتبارها.
(٥٧) باب ما جاء في الوضوء مِنَ النوم
أصل مذهبنا أن النوم الذي فيه تمكن المقعد على الأرض لا ينقض الوضوء وفي الذي فيه
تجافي المقعد عن الأرض ينقض ثم فصل القدوري تبعاً للطحاوي من صورة الاتكاء والاستلقاء
والاضطجاع وغيرها، قال ابن الهمام: يجب التفصيل فإن أهل الزمان أكّالون، ثم في كتبنا أن النوم في
الصلاة غير ناقص، وفي بعض الكتب قيد أن النوم في الصلاة غير مفسد لو كان على الهيأة المسنونة،
وأما ما ذكر من التمكن أو التجافي فهو في خارج الصلاة، حديث الباب أعلَّه بعض المحدثين مثل أبي
داود ص(٣٧)، وصححه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار.

١١٢
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَوَى حَدِيث ابْنِ عَبَّاس سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ، عَنْ فَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا الْعَالِيَةِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ: فَرَأى أكْثَرُهُمْ أنْ لاَ يَجِبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إِذَا نَامَ
قَاعِداً أوْ قَائِماً حَتَّى يَنَامَ مُضْطَجِعاً. وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ.
قالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا نَامَ حَتَّى غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ وجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَبِهِ يَقُولُ
إِسْحَاقُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ نَامَ قَاعِداً فَرَأى رُؤْيَا أَوْ زَالَتْ مَفْعَدَتُهُ لِوَسَنِ النَّوْمِ: فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ.
٥٨ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ
٧٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ أبِي عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن عَمْرٍو، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَلَوْ مِنْ ثَوْرِ
أُقِطِ)). قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَّاس: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الدُّهْنِ؟ أَنْتَوَضَأُ مِنَ الْحَمِيم؟ قَالَ:
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا ابْنَ أَخي، إذَا سَمِعْتَ حَدِيثَاً عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ لَه فَلاَ تَضْرِبْ لَهُ مَثَلاً.
ووجه إعلالهم: أن سؤال ابن عباس كان عن نومه عليه الصلاة والسلام، وكان حق الجواب
قول: إن، نوم الأنبياء ليس بناقض، وأقول: إن هذا لا يصلح وجهاً لإسقاط الحديث فإنهم لنَّارُ اختار
أحد وجو، الجواب، وأيضاً كان الأنسب جواباً لابن عباس ما ذكر في الحديث، فإن عدم نقض
الوضوء بالنوم من خصائص الأنبياء، فبالجملة الحديث قوي.
(٥٨) باب ما جاء في الوضوء مما غيرت النار
قال الجمهور: إنه كان ثم نسخ، والآن قريب من الإجماع على أنه ليس بناقض، وروى مالك
في موطأه عن الخلفاء الثلاثة عدم الوضوء، وقال بعض المتأخرين مثل الشاه ولي الله رحمه الله في
ترجمة الموطأ: إنه باقٍ الآن، وأنه مستحب للخواص، ومستحب الخواص ليس وظيفة الفقهاء،
وقال: قائل إن المراد منه تزكية النفس والتشبه بالملائكة، وكنت أزعم أن حديث الباب يفيد القصر فإن
المسند إليه معرف، والمسند مشتمل على معين القصر فيشكل الأمر، وقال بعض المحشِّيين(١): إن
القصر إضافي أي الوضوء مما دخل مما غيرت النار، وفي حديث: ((الوضوء مما خرج، والفطر مما
دخل)) أخرجه في مسند أبي حنيفة، ومسند أبي يعلى، وأعلى مسانيد أبي حنيفة مسند أبي بكر بن
المقري .
(١) أي كتّا الحواشي.

١١٣
١ - كتاب الطهارة
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ حَبِيبةَ، وَأُمْ سَلمَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَأَبِي أَيُّوبَ،
وَأَبِي مُوسَى.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوُضُوءَ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ العِلمِ مِنْ
أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّةِ وَالتَّابِعِينَ ومَنْ بَعْدَهُمْ: عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرتِ النَّارُ.
٥٩ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي تَرْدِ، الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ
٨٠ - حَلَّثَنَا ابنُ أَبِي عُمَرَ، حدَّثنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحمَّدٍ أْنِ
عَقِيلِ سَمِعَ جَابِراً، قال سُفْيانُ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُتْكَدِرِ، عن جَابِرٍ قال: خَرَجَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾
وَأَنَّا مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأنْصَارِ، فَذَبَحَتْ لَهُ شَاةً فَأَكَلَ، وَأَتَتْهُ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ فَأَكلَ
مِنْه، ثمَّ تَوَضَّأَ للظُهْرِ وَصَلَّى، ثمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَتْهُ بِعُلاَلَةٍ مِنْ عُلالةِ الشَّاةِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ صَلَى الْعَصْرَ
وَلَمْ يَتَوَضَّأُ.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وابنٍ عَبَّاسٍ، وأَبِي هريرةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأَّبِي
رَافِعٍ، وأَمْ الْحَكَمِ، وَعَمْرِو بْنِ أَمَيَّةَ، وَأَمِّ عَامٍِ، وَسُوَيدِ بِنَ الثُّعْمَانِ، وَأُمُّ سَلَمَةً.
اطلاع: جمع أبو عَرُوبة الحراني أحاديث أبي يوسف، وأكثر أسانيد أبي يوسف معروفة. وظني
أن القصر إنما يكون في الجملة الاسمية أصالة، وأما إذا كانت معدولة عن الفعلية فلا قصر، وجملة
حديث الباب معدولة عن الفعلية والقرينة عليه بعض ألفاظ الحديث: ((توضؤوا مما مست النار)) بصيغة
الأمر، ولم أجد النقل في هذا من أرباب اللغة، ويرد على قصر جملة (الحمد لله) اتفاقاً مع كونها
معدولة من الفعلية، فأقول: إن المعدولة لو كانت فيها شائبة الفعلية فلا قصر وإلا ففيها قصر، وأيضاً
(الحمد لله) لا يفيد القصر عند من يقول: إنها إنشائية، فإذن انحل الإشكال الذي عجز عنه الزمخشري
من أن مقتضى الضابطة أن يكون جملة السَّلام عليكم ذات قصر، ولم يقل به أحد فإن هذه معدولة عن
الفعلية وفيها شائبة الفعلية .
(٥٩) باب ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت النار
واعلم أن لفظ الشاة والغنم عام يطلق على ذات الوبر والشعر مذكرة كانت أو مؤنثة، وأنه بمنزلة
(كوسيند) في الفارسية، والمغز يطلق على المذكر والمؤنث من ذات الشعر، ولفظ الضّأن يطلق على
المذكر والمؤنث من ذات الوَبَر، والتاء في الشاة ونحوها ليست للتأنيث، وفي الكشاف والمدارك عن
أبي حنيفة ما يدل على أن التاء للتأنيث في قصة نملة سليمان غالتَّل، فتتبعت الكتب فوجدت عن ابن
السكيت والمبرد ما يوافق أبا حنيفة فإن في كامل المبرد أن مثل الشاة والنملة إذا نسب إليه الفعل
يراعى فيها المورد والواقعة باعتبار تذكير الفعل وتأنيثه .

١١٤
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قال أبو عيسى: وَلاَ يَصِحُ حديثُ أَبِي بَكْرٍ في هذَا البابِ مِنْ قِبَلِ إسْنَادِهِ، إِنَّمَا رَوَاهُ حُسامُ
بْنُ مِصَكٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عنْ أبي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، عَنِ النَّبِيَّ وَّهُ. وَالصَّحيح
إِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّهِ. هَكَذَا رَوَى الْحُفَّاظُ وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ ابْنِ
سِيرِينٍ، عَنِ ابْنِ عِبَّاسٍ، عَنِ النَّبي ◌ََّ. وَرَوَاهُ عَطَاءُ بن يَسَارٍ، وَعِكْرَمَةُ، وَمُحمدُ بن عَمْرو بن
عَطَاءٍ، وَعَلِيُّ بن عَبْدِ الله بن عبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا
فِيهِ: عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وَهَذَا أُصَحُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: والعَمَلُ عَلَى هُذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلمِ منْ أصِحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَالتَّابِعِينَ
وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مثْلٍ: سفيان الثَّوْرِيُّ، وابْنِ المُبارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ: رَأَوْا تَرْكَ
الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
وَهَذَا آخِرُ الأمْرَيْنِ منْ رسول الله وَّرَ. وَكَأَنَّ هذَا الْحَديثَ نَاسِخٌ لِلْحَديثِ الأوَّلِ: حَديثِ
الوضوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
٦٠ - بابُ: مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءُ مِنْ لُحُومِ الإبلِ
٨١ - حدّثنا هَنَّادٌ، حدثنا أَبو مُعَاوِيَةً، عنِ الأعمَشِ، عَنْ عَبْدِ الله بن عَبْدِ اللهِ الرَّازِي،
عَنْ عَبْد الرَّحْمُنِ بنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ، قاَل سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وََّ عَنِ الْوُضُوء مِنْ
لُحُوم الإبلِ؟ فقَالَ: ((توَضَّئُوا مِنْهَا)). وَسُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَم؟ فَقَالَ: ((لاَ تَتَوَضئوا
منھَا».
قوله: (كان آخر الأمرين) هذا اللفظ مروي عن جابر بن عبد الله فيكون مرفوعاً فعلاً وزعم
الناس أن هذا حكم كلي، وضابطة، والحال أنها واقعةُ يوم، كما نبه عليه أبو داود ص٢٨ . ف واعلم
أن النسخ عند المتقدمين يطلق على تخصيص العام أو تقييد المطلق أو تفسير المجمل أيضاً، ونسْخُ
المتأخرين ما هو مذكور في كتب الأصول، والنسخ عند أبي جعفر الطحاوي ثبوت أمر بعد تعلم
غيره، وإن كان الأمران باقيين على الحال ومحكمين، والأكثر عنه غافلون.
(٦٠) باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل
مذهب أحمد بن حنبل أن أكل لحم الإبل ناقض الوضوء، وقال أصحابه: ولو كان نياً: وقالوا:
إن حديث نقض الوضوء من لحم الإبل مستقل ليس بمندرج تحت حديث الوضوء مما مست النار
ليلزم نسخه، وقال أحمد: صح الحديثان في المسألة، وأطنب ابن التيمية(١)، وقال: لا عذر
لخصومنا .
(١) الصواب: (ابن تيمية).

١١٥
١ - كتاب الطهارة
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً، وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْر .
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَوَى الْحَجَّاجُ بُنُ أَرْطَاةَ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ
عَبْد الرَّحْمْنِ بْنِ أُبِي لَيْلى، عَنِ البراءِ بْنِ عَازِبٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَ إِسْحَاقَ. وَرَوَى عُبَيْدَةُ
الضبيُّ، عن عبد الله الرازِيِّ، عن عبد الرحمن بن أَبِي لَيْلَى، عن ذي الْغُرَّةِ الْجُهَنِيِّ.
وَرَوَى حَمَّدُ بْنِ سَلَمَةَ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، فَأَخْطَأَ فِيهِ، وَقَالَ فِيهِ: عَنْ
عَبْدِ الله ابْنِ عَبْدِ الرَّحمُن بِنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَّيْر: والصَّحِيحُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسيْدِ بنِ حُضَيْرٍ .
وَالصَّحِيحُ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ اللهِ الرَّازِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بنِ
عازِبٍ.
قَالَ إِسْحَاقُ: صَحَّ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَانٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ: حَدِيثُ الْبَرَاءِ، وَحَدِيثُ
جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً.
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضٍ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُمْ لَمْ
يَرَوُا الْوُضُوءَ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ. وَهُوَ قَوْلُ سِفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ.
وقال أهل المذاهب الثلاثة: إن المراد من الوضوء المضمضة، ولما كان في لحم الإبل دسومة
خلاف الغنم ففرق الشارع بين الإبل والغنم قال ابن تيمية لم يثبت معنى الوضوء في عرف الحديث
سوى وضوء الصلاة. أقول: إن للوضوء معان في عرف الشرع وقد يكون بمعنى المضمضة كما في
الترمذي من الجزء الثاني ص(٨) بسند ضعيف، وأخرجه أبو بشر الدولابي الحنفي في كتاب الأسماء
والكنى، وفي الكنز ص(٢٩)، إلا أن يكون لبن الإبل إذا شربتموه فتمضمضوا بالماء طب، وأيضاً عن
أبي أمامة، والأقرب عندي قول: إنه مستحب للخواص، وذكر الشاه ولي الله ((في حجة الله البالغة)) إن
يعقوب غَالَل حرم لحم الإبل على نفسه نذراً حين ابتلي بمرض عرق النساء فتركه بنوه ثم أنزل الله
حرمته في التوراة، ثم أنزل الله حلته في شريعتنا، فلعل الاستحباب الخصوصي لحرمته في التوراة والله
أعلم .
قوله (ذي الغرة) بالغين المعجمة والراء المهملة، قيل: إنه لقب البراء بن عازب، وقيل: اسمه
يعيش.

١١٦
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
٦١ - بَابُ: الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذََّرِ
٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيدِ الْقَطَّانُ، عَنْ هِشَام بنِ
عُزْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ: أُنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلاَ يُصلِّ
حَتَّى يَتَوَضَّا)).
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمُّ حَبِيبَةَ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَزْوَى ابْنَةٍ أُنَيْسٍ، وَعَئِشَةَ،
وَجَابٍِ ، وَزَيْدِ بنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَالَ: هُكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلَ هَذَا، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بُسْرَةَ.
٨٣ - وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
مَرْوَانَ، عَنْ بُسْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ نَحْوَهُ. حَدَّثَنَا بِذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ بِهَذَا
٨٤ - وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ بُسْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ. حَدَّثَنَا بِذَلِكَ
عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حدَّثَنَا عَبْدُ الرّحْمُنِ بنُ أَبي الزْنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ بُسْرَةَ، عَنِ
النَبِيِّ وَِّ نَحْوَهُ.
(٦١) باب الوضوء من مس الذكر
مذهب مالك رحمه الله والشافعي رحمه الله وأحمد رحمه الله نقض الوضوء بمس الذكر بكف
اليد بدون حائل، وفي رواية عن مالك أن الوضوء من مس الذكر مستحب، ومذهب أبي حنيفة وسفيان
الثوري وبعض السلف عدم الانتقاض به، وفي الباب حديثان قويان: أحدهما لنا، والثاني للحجازيين،
وقلنا بأنه مستحب الخواص فلا رد علينا، وتصدى الحجازيون إلى إسقاط حديثنا، ولكنه لا يمكن
إسقاطه، وقال ابن الهمام: إن المراد من مس الذكر البول كناية، ولعل الاختلاف مبني على اختلاف
أصول نواقض الوضوء، قال الحجازيون: إن لنواقض الوضوء أصلين: الاتيان من الغائط، ونقحوا
مناطه بأن المراد الخارج من السبيلين، والأصل الثاني: لمس النساء ومن لواحقه مس الذكر، لصحة
الحديث وفي كليهما شهوة، وعند أبي حنيفة أصل واحد: وهو الاتيان من الغائط، وتنقيح مناطه
خروج نجس من البدن والمراد من ﴿لَمَسْتُ النِّسَآءَ﴾ [النساء: ٤٣] النساء الجماع فرجع إلى الأصل
الأوّل، وأقول: إن أبا حنيفة أيضاً يقول بالأصلين والمراد من ﴿لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ [النساء: ٤٣] ما يعم
الجماع ومس المرأة وهو المباشرة الفاحشة فلم يدخل تحت الاتيان من الغائط، وفي كليهما إن
الحديث الأصغر والأكبر تيمم على صفة واحدة، وقال صاحب الهداية: إن في المباشرة الفاحشة مظنة
الخروج فغرضه إدخاله تحت الأصل الأوّل وقال الشيخ ابن الهمام أن عبرة المظنة فيما لا يكون في
المئنة، فرجح قول محمد بن حسن بأن النقض من المباشرة إذا خرج شيء وإلا فلا، وأقول: الترجيح

١١٧
١ - كتاب الطهارة
وهوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َِّ وَالتَّابَعِينَ، وَبِهِ بِقُولُ الأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ،
وَأَحْمِدُ، وَإِسْحَاقُ .
قَالَ مُحمَّدٌ: وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةً.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: حَدِيثُ أُمْ حَبِيبَةَ فِي هذَا الْبَابِ صَحِيحٌ، وَهُوَ حَدِيثُ العَلاَءِ بنِ
الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بنِ أَبِي سِفْيَانَ، عَنْ أُمْ حَبِبَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَمْ يَسْمَعْ مَكْحُولٌ مِنْ عَنْبَسَةَ بنِ أَبِي سِفْيَانَ. وَرَوَى مَكْحولٌ، عَنْ رَجُلٍ،
عَنْ عَنْبَسَةَ غَيْرَ هَذَا الْحَديثِ.
وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ هذَا الْحَديثَ صَحِيحاً.
٦٢ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسَّ الََّرِ
٨٥ - حدّثنا هَنَّدٌ، حَدَّثَنَا مُلاَزِمُ بنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بِذْرٍ، عَنْ قَيْسٍ بِنِ طَلْقِ بنِ
عَلِيُّ هُو الْحَنفِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ نَّهِ قال: ((وَهَلْ هُوَ إلاّ مضْغَةٌ مِنّهُ؟)) أَوْ «بَضْعَةٌ مِنْهُ؟)) .
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عن أبي أُمَامَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رُوِي عَنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّ وَبَعْضِ التَّابِعِينَ: أَنَّهُمْ لَمْ
يَرَوُا الْوُضوء منْ مَسُ الذّكَرَ. وهو قَوْلُ أهْلِ الْكوفَةِ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ .
وهَذَا الْحَدِيثُ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوي فِي هذَا الْبَابِ.
وقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أيُّوبُ بنُ عُتْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بنُ جَابِرٍ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ .
وَقَدْ تَكَلَّم بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي مُحمَّدٍ بن جَابٍِ، وَأَيُّوبَ بن عُثْبَةً.
لما قال الشيخان، أي الناقض المباشرة الفاحشة خرج شيء أو لم يخرج وأنها داخلة في آية ﴿لَمَسْثُمُ
النِّسَآءَ﴾ [النساء: ٤٣].
قوله: (أبو زرعة الرازي) شيخ مسلم صاحب الصحيح ومعاصر البخاري صاحب المناقب
الكثيرة، غير أبي زرعة العراقي فإنه متأخر عنه.
(٦٢) باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر
هذا الحديث حديث العراقيين، والمذاهب مرت.
قوله: (محمد بن جابر وأيوب بن عتبة) هذان راويا الحديث في الطرق الأخر، نقل الطحاوي

١١٨
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
وَحَدِيثُ مُلاَزِمٍ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَدْرٍ أَصَحُ وَأَحْسَنُ.
٦٣ - بابُ: مَا جَاءَ فِي ترك الوضوء مِنَ القُبلة
٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَهِنَادٌ، وَأَبو كُرَيْبٍ، وَأَحْمَدُ بن مَنِيعٍ، وَمَحمودُ بنُ غَيلاَنَ، وأَبو
عَمَّارِ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قالوا: حدثنَا وَكِيعُ، عَنِ الأَغْمِشِ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أبي ثَابتٍ، عَنْ
عُزْوَةَ، عَنِ عَائِشَةَ: أنَّ النبي ◌ََّ قَبَّلَ بَعْضَ نِسِائِهِ، ثمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاَةَ وَلَّمْ يَتَوَضَّأُ. قال:
قُلْتُ: مَنْ هِيَ إلاّ أَنتِ؟ قالَ: فَضحكَتْ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رُوِي نَحْوُ هَذَا، عَنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَلـ
وَالتَّابعينَ. وَهُوَ قَولُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكوفَةِ، قالوا: لَيْسَ في الْقُبْلَّةِ وُضُوءٌ.
ص (١٦) عن علي بن المديني: أن حديث قيس أقوى من حديث بُسْرة، وذكر القاضي أبو بكر بن
العربي في شرح الترمذي بسنده: أنه اتفق بين ابن المديني وابن معين عند أحمد بن حنبل في موسم
الحج فتكلما في مسألة الباب فروى ابن المديني حديث ملازم، وروى ابن معين حديث بُسْرة، فقال
أحمد: كلا الحديثان صحيحان، فتوجها إلى الآثار، فروى ابن معين أثر ابن عمر، وروى ابن المديني
أثر ابن مسعود، فقال أحمد: الترجيح لأثر ابن مسعود.
(٦٣) باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة
مذهب مالك والشافعي وأحمد أن مس المرأة غير المحرمة بدون حائل ناقض وضوء اللامس،
وفي نقض وضوء الملموس وجهان للشوافع.
قوله: (يحيى بن سعيد) حنفي مذهباً كما في تاريخ ابن خلكان، وهو أول من صنف في الجرح
والتعديل كما ذكر الذهبي في الميزان، إلا أن تقليد السلف كان التقليد في الاجتهاديات التي لم يثبت
فيها المرفوع والموقوف لا كتقليدنا وهذا ظني.
قوله: (وحبيب بن ثابت لم يسمع الخ) في السند كلام بأن حبيباً لم يسمع عن عروة بن الزبير،
وسمع عن عروة المزني، وعروة المزني لم يسمع عن عائشة، وتكلم أبو داود ص (٢٤)، ولعل
رجحانه إلى سماع حبيب عن ابن الزبير، فإنه قال: روى حبيب عن ابن الزبير حديثاً صحيحاً ولكنه لم
يخرجه أبو داود، وأخرج الترمذي ذلك الحديث الصحيح ولكنه ضعفه في كتاب الدعوات، وظنى أن
للحبيب سماعاً عن ابن الزبير فارتفع الإيرادان، وفي مسند أحمد وابن ماجه بسند صحيح تصريح
عروة بن الزبير وابن أبو داود وروى عن عروة، أقول: عندي حديثان صحيحان لنا في عدم نقض
الوضوء بمس الذكر ولا أقل من كونهما حسنين لذاتهما، وأقول أيضاً: إن قول: إن هي إلا أنت أيضاً
قرينة أنه عروة بن الزبير.
(ف) ذكر السيوطي بالبسط والتفصيل أن إكثاره عليه الصلاة والسلام الأنكحة لم يكن لحظ

١١٩
١ - كتاب الطهارة
وَقَال مَالِكُ بْنُ أَنَسِ وَالأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وإِسْحَاقُ: فِي القُبْلَةِ وُضُوءٌ، وَهو
قَوْلُ غَيْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصحابِ النَّبِيِّ وَِّ والتَّابعينَ.
وَإِنَّمَا تَرَكَ أصْحَابنَا حَدِيثَ عَائِشَةً عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ فِي هَذَا؛ لأنّه لاَ يَصِحُ عِنْدَهُمْ، لِحَالٍ
الإِسْنَادِ.
قَالَ: وسَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ الْعَطَّارَ الْبَصْرِيَّ يَذْكُر عَنْ عَلِيِّ بْنِ المَدينيِّ قالَ. ضَعَّفَ يَحْيَى بن
سعيدِ الْقَطَّانُ هذَا الْحَدِيثَ جِدًّا، وَقال: هوَ شِبهُ لا شَيْءٍ.
قال: وَسَمِعْتُ مُحمَّدَ بنَ إِسمَاعِيلَ يُضَعِفُ هَذَا الْحَديثَ وَقالَ: حبِيبُ بن أَبِي ثَابتٍ لَمْ
يَسْمَعْ مِنْ عُرْوةً.
وَقَدْ رُوي، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيّ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبيَّ نَّهُ قَبَّلَهَا وَلَمْ يَتَوَضّأُ.
وَهَذَا لاَ يَصِحُ أَيْضاً، ولاَ تَعْرِفُ لإبراهيمَ التَّيْمِيِّ سَماعاً مِنْ عَائِشَةَ.
وليْسَ يَصِحُ عَنِ النَّبِّ وَّرَ فِي هذَا الْبَابِ شيْءٌ .
٦٤ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ مِنَ القَيْءِ وَالرُّعَافِ
٨٧ - حدّثنا أَبو عُبَيدَةَ بن أَبِي السَّفَرِ - وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْهَمْدَانِيُّ الْكوفيُّ -
وَإِسْحَاقُ بن مَنْصُورٍ، قال أَبو عُبَيْدَةَ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرنَا عبدُ الصَّمَدِ بن
عَبْدِ الْوَارِثِ، حدثَنِي أَبِي، عَنْ حُسَيْنِ المُعَلِّم، عَنْ يَخْيَى بْنِ كَثِيرٍ قال: حَدثَنِي عَبدُ الرَّحْمُنِ بن
عَمِرو الأوْزَاعِيُّ، عَنْ يَعيشَ بن الْوَلَيْدِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَعْدَانَ بن أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ
النفس بل لتعليم دين النسوان كما ذكر أن عائشة رَؤُها حصل عنها نصف الدين أو ثلثا الدين، ولم
ينكح النبي الكريم إلى ثلاث وخمسين سنة إلا خديجة رضيّا فإنه نكحها وهو ابن خمسة وعشرين،
ونكاحه إياها أيضاً كان بإصرار أبي طالب كما في كتب السير.
(٦٤) باب ما جاء في الوضوء من الزّعاف والقيء
القيء ملأ الفم ناقض الوضوء عند أبي حنيفة، خلافاً للثلاثة، وعن أحمد: إذا كان الرعاف كثيراً
فناقض الوضوء ويفيدنا ما روى الترمذي عن أحمد: أن القىء والرعاف ناقض الوضوء، وحديث الباب
لنا، وتعرض الحجازيون إلى إسقاطه وأجاب الشافعي رحمه الله بأن المراد من الوضوء المضمضة
وغسل الوجه، نقل العيني في شرح الهداية عن الخطابي: أن أكثر أهل العلم إلى أن الدم السائل الكثير
ناقض الوضوء، ولنا حديث آخر رواه صاحب الهداية: ((الوضوء من كل دم سائل))، وأخرجه الزيلعي

١٢٠
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
أَبِيِ الدَّرْدَاءِ: أَنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قَاءَ فَأَقْطَرَ فَتَوَضْأَ، فَلَقِيْتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَذَكَرْتُ ذِلكَ
له، فقال: صَدَقَ. أَنَا صَبَبْتُ له وَضُوءَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وقَال إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ : مَعْدَانُ بن طَلْحَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وابن أبي طلحةَ أَصَحُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعلم مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نََّ وَغيْرُهُمْ منَ
التّابعينَ: الْوُضُوءَ مِنَ الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ. وَهُوَ قوْلُ: سُفْيَانَ الثُّورِيِّ، وابنِ المُبَاركِ، وأَحْمَدَ،
وإسْحَاقَ.
وقال بعْضُ أَهلِ الْعِلْمِ: لَيْسَ فِي الْقَيْءِ والرُّعَافِ وُضُوءٌ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ جَوَّدَ حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ هَذَا الْحَدِيثَ.
وَحَديثُ حُسَيْنٍ أَصَحُّ شَيْءٍ في هذا الباب.
وَرَوَى مَعْمَرٌ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ يَحْيَى بن أَبِي كَثِيرٍ، فَأَخْطَأَ فِيهِ، فقال: عَنْ يَعِيشَ بنِ
الْوَلِيدِ، عَنْ خَالِدٍ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الأوزَاعَيَّ وقَال: عَنْ خَالِدٍ بن
مَعْدَانَ وَإِنَّمَا هُوَ: مَعْدَانُ بنُ أَبِي طَلْحَةً.
٦٥ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ بِالنَّبِيدِ
٨٨ - حدّثنا هَنَّدٌ، حدَّثنا شَرِيكُ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ، عَنْ أبي زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعودٍ
من كامل بن عدي، وفي التخريج سهو الكاتب فإنه كتب محمد بن سليمان بدل عمر بن سليمان،
ومحمد غير معروف وعمر معروف، .... وأكثر أسانيد التخريج مملوءة من سهو الكاتب، ولم يحكم
الزيلعي على حديث (الوضوء من كل دم سائل) بشيء، والحديث عندي قوي إلا أن في سنده
أحمد بن الفرج، وأخرج عنه أبو عوانة في صحيحه، وقد اشترط أن يخرج الصحاح في صحيحه
وحديث الباب لم يحكم عليه المصنف بشيء وصححه ابن مندة الأصبهاني، وللشوافع(١) وموافقيهم ما
أخرجه أبو داود موصولاً والبخاري معلقاً، وسيأتي جوابه في صحيح البخاري.
(٦٥) باب ما جاء في الوضوء بالنَّبيذ
النبيذ ما حلا وفيه حموضة، والنقيع ما حلا ولم يشتد شيئاً، إذا أسكر النبيذ لا يجوز الوضوء به
(١) الصواب: (الشافعية).