Indexed OCR Text

Pages 1-20

الحَمْعُ بَشَرِ الصَحَيَخِيَنِ
((البُخَارِيّ وَمُسْلِمٍ))
للإمَامِ المُحدّث
مُحمَد بن خُنوح الحميدي
(٤٨٨ هـ)
تحقيق
الدكتور عَلى حسَين البّابُ
الجزء الأوّل
(مسَانيد العشرة - مسَانيد المُقدمين بعد العشرة)
دار ابن حزم
٠
توزيع
دار الصميعي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاةُ والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه
أجمعين، أما بعد.
فقد عُني علماء المسلمين بأحاديث النبيّ وَّ، واجتهدوا كثيراً في روايتها
وجمعها وتنقيحها وتصنيفها، وكانت العناية بها تنطلق من كونها المصدر الثاني
للدين الإسلامي والتشريع بعد كتاب الله عزّ وجلّ.
وكان تمن جمع أحاديث النبيّ وَّر الإمامان الجليلان أبو عبد الله محمد بن
إسماعيل البخاريّ (١٩٦ - ٢٥٦هـ)، وأبو الحسين مسلم بن الحجّاج النيسابوريّ
(٢٠٤ - ٢٦١ هـ)(١) في كتابيهما الموسومين بالصحيح، وقد رتّباهما على الموضوعات
والكتب.
وقد أجمعت الأمة على أن كتابيهما أصحُّ ما جمع حديث رسول اللّه ◌َّر،
وأدقّ وأجود ما ألّف في هذا المجال، واتّفقوا على جلالة العالمين، وعلى أن
كتابيهما أولى الكتب بالعناية بعد القرآن الكريم. فوجّه العلماء أنظارهم للكتابین،
وسعَوا لخدمتهما: شرحًا، واختصارًا، وجمعًا بينهما، واستدراكًا، وحديثًا عن
رجالهما، وفهرسةً لهما، وغير ذلك من أعمال لاتكاد تُحصر، على مرّ العصور،
وهما بذلك جديران(٢).
وفي هذه الصفحات نقدّم لكتابٍ من الكتب التي جمعت صحيحي البخاري
ومسلم في كتاب واحد، وهو كتاب أبي عبد الله الحُميدي، وأسوق تعريفًا مختصراً
بالمؤلف فأقول:
(١) عقد الإمام الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء ترجمة واسعة للشيخين. انظر ٥٥٧،٣٩١/١٢ وما بعدهما.
وفي حواشي الصحيفتين مصادر كثيرة المترجمة.
(٢) ينظر في الكتب التي ألفت حول الصحيحين: تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين- قسم الحديث
٢٦٤،٢٢٩/١ وما بعدهما.
٥

مؤلف الكتاب(١) هو أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فُتوح بن عبد الله
الحُميدي (٢)، أصله من قرطبة. وُلُد في جزيرة ميورقه(٣) بالأندلس قبل سنة
عشرين وأربعمائة للهجرة النبوية، وسمع علماء عصره في الأندلس وأفاد منهم،
ثم ارتحل إلى المشرق سنة ثمان وأربعين، فتنقّل بين مصر ومكّة ودمشق، ثم استقرّ
ببغداد .
تلمذ أبو عبد الله في الأندلس وفي البلاد التي جابها لعدد كبير من علماء عصره
في مختلف مناطق العالم الإسلامي، وكان من أشهر الشيوخ الذين أفاد منهم: أبو
القاسم أصبغ بن راشد، وأبو عمر بن عبد البرّ، وابن حزم الظاهري الذي لازمه
الحميدي وأكثر عنه، وروى كتبه، كما أخذ عن أبي العباس العذري، والخطيب
البغدادي، وابن ماكولا، وأبي القاسم سعد بن على الزنجاني، وأبي جعفر بن
المسلمة، وأبي الغنائم محمد بن علي بن الدجاجي، ويحيى بن محمد بن الحسن
الواسطي، وأبي غالب بن بشران، وعبد العزيز بن الحسن الضرّاب، والمحدّثة
کريمة المروزیة، وغيرهم کثیر.
(١) للحميدي ترجمة في عدد كبير من المصادر، وقد اعتمدت في هذه الترجمة المختصرة على:
-الأنساب- للسمعاني ٢٦٢/٤ - ٢٦٣.
٥
-تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ١٥/ ٨٥٠-٨٥٢.
-الصلة لابن بشكوال ٢/ ٥٣٠.
-المنتظم- لابن الجوزي ٩٦/٩.
-بغية الملتمس - للضبي ١٢٣ . :
-معجم الأدباء- لیاقوت ٢٨٢/١٨-٢٨٥.
-الكامل- لابن الأثير ٢٥٤/١٠.
-وفيات الأعيان- لابن خلکان ٢٨٢/٤-٢٨٤.
-السير- للذهبي ١٩/ ١٢٠-١٢٧.
-المستفاد- لابن الدمياطي ٣٤-٣٦.
-الوافي بالوفيات- للصفدي ٤/ ٣١٧٠-٣١٨.
-البداية والنهاية- لابن كثير ٢/١٢.
- -نفح الطيب- للمقري ١١٢/٢-١١٥.
- شذرات الذهب لابن العماد ٣٩٢/٣. ونظر أيضاً مقدمة كتابه جذوة المقتبس
(٢) نسبة إلى ((حُميد)) أحد أجداده.
(٣) ينظر معجم البلدان ٢٤٦/٥ .
٦

ونال الحُميديّ شهرة في عصره، وصارت له مكانته، وسعى إليه الشيوخ
والطلاب، وشارك في الحياة العلمية وفي التأليف، وأخذ عن الحميدي عدد من
الشيوخ، منهم أبو عامر العبدري، ومحمد بن طرخان، وإسماعيل بن محمد
التَّيْمِيّ، وحمد بن على الجلابي، وأبو القاسم السمرقندي، ومحمد بن ناصر،
وأبو محمد بن الأكفاني، وصدقة بن السباق، وأبو عبد الله الحسين بن نصر
الموصلي، وغيرهم كثير. كما روى وحدَّثَ عنه شيخاه الخطيب البغدادي وابن
ماكولا .
وألّف أبو عبد الله كتبًا في الحديث، والآداب، والتاريخ، والتراجم، والأدب،
والعربية، ومن أشهر مؤلّفاته: أدب الأصدقاء، والأماني الصادقة، وتسهيل السبيل .
إلى تعليم الترسيل، وتفسير غريب ما في الصحيحين (مخطوط)، وجذوة المقتبس
في تاريخ الأندلس (مطبوع)، وجمل تاريخ الإسلام، وحفظ الجار، وذمّ النَّميمة،
والذهب المسبوك في وعظ الملوك، ومن ادّعى الأمان من أهل الإيمان، والمؤتلف
والمختلف، ووفيات الشيوخ. وأشهرُ مؤلّفاته الجمع بين الصحيحين الذي نمهِّد له.
وكان الحميدي شاعرًا، ذكرت المصادر أن له ديوانًا، وحفظَت لنا بعض الأبيات
والمقطوعات من شعره، ومنه:
وما صحَّتْ به الآثارُ ديني
كلامُ الله(١) عزَّ وجلَّ قولي
وعَودًا فهو عن حقِّ مُبينٍ
وما اتَّفَقَ الجميع عليه بدءًا
فكُنْ منها على عين اليقينِ
ودَعْ ما صدَّ عن هذا وهذا
وقال:
وتقوى الله تاليةُ الحقوقِ .
طريقُ الزُّهدِ أفضلُ ما طريق
يُعِنْكَ، وَدَعْ بُنَيَّاتِ الطريق
فثقْ بالله يكفكَ واسْتَعِنْهُ
مے
(١) ویروی (كتاب الله).
٧

وله:
كلُّ من قال في الصحابة سُوءاً
وأحقُّ الأنامِ بالعدلِ مَن لم
وإذا القلبُ كَان بالوُدِّ منهم
وقال :
لقاءُ النّاسٍ ليس يُفيد شيئًا
فأقْلِلْ من لقاءِ النّاسِ إلاّ
وله أيضًا في العلم:
فاتَّهِمْهُ في نفسِهِ وأبيهِ
:
يَنْتَقِصْهُمْ بمنْطِقٍ من فيهِ
دلَّ أنّ الهدى تَكاملَ فيه
سوى الهَذَيَانِ من قيلٍ وقالٍ
لأخذِ العلمِ أو إصلاحِ حالِ
أَرَجٌ، فإنّ بقاءَه كفنائه
وإذا انقضى أحياه حنُ ثنائِه
من لم يكن للعلم عند فنائه
بالعلمِ يحيا المرءُ طُولَ حياته
وقال الحميديّ:
أَلِفْتُ النََّّى حتى أَنِسْتُ بوَحشِها
وصِرْتُ بها- لا في الصَّابةِ- مولعا
i
فلم أُحْصٍ كم رافَقْتُه من مُرافقٍ
ولم أُحْصٍ كم يَمَّمْتُ(١) في الأرض موضعا
من بعد جَوْبِ الأرض شرقًا ومغربًا
فلا بُدَّلي من أن أُوافِيَ مَصْرَعا
وقال:
عندَ الحِجاجِ، وإلّ كان في ظُلَمِ
زينُ الفقيه حديثٌ يستضيءُ به
لاحَ الحديثُ له في الوقت كالعلمِ
إن تاه ذو مذهب في قَفر مشكلة
(١) ویروی (خَيَّمت)
٨

وآخر ما نذكرُ من شعره:
روضٌ، وأهلُ الحديثِ الماءُ والزَّهَرُ
النّاسُ نبتٌ، وأربابُ العلوم معًا
فلا شهودٌ له إلّ الأُولى ذُكِروا(١)
من كان قولُ رسولِ الله حاكمه
وهذه النماذج من شعره تعطي صورة عن شخصية الحميدي، وموضوعات
شعره، التي هي في الأخلاق والزهد والحثّ على العلم.
مكانة الحميدي:
نعت العلماء الحميدي بنعوت كثيرة طيبة، تتعلّق بدينه وسلوكه وخُلُقه وعلمه
وعمله، وأثنوا عيله ثناءً حسنًا .
فقد قال معاصره ابن ماكولا: («صديقنا أبو عبد الله الحميدي، من أهل العلم
والفضل والتيقّظ.)) وقال ((لم أرَ مثله في عفّتْه ونزاهته، وورعه، وتشاغله
بالعلم»(٢).
وقال السلماسي - أحد تلاميذه، وكان ممن لقي العلماء والأئمة: ((لم تر عيناي
مثل أبي عبد الله الحميدي في فضله ونبله، وغزارة علمه، ونزاهة نفسه، وحرصه
على نشر العلم وبتُّه في أهله. وكان ورعًا تقيّاً، إمامًا في علم الحديث وعلله،
ومعرفة فنونه ورُواته، محقّقًا في علم التحقيق والأصول على مذهب أصحاب
الحديث بموافقة الكتاب والسّنّة، فصيح العبارة، لطيف الإشارة، مُتَبَحِّراً فى علم
الأدب والعربية، والشعر، والرسائل»(٣).
وقال تلميذه أبو عامر العبدري-وقد سأله الحافظ السّلفي عن الحميدي: ((لا
يُرى مثلُه قطُّ، وعن مثله لا يُسأل، جمع بين الفقه والحديث والأدب، ورأى
علماء الأندلس)) (٤).
(١) لم يرد هذان البيتان واللذان قبلهما في مصادر ترجمته، وقد رواها القاضي عياض في الإلماع ٤٠.
(٢) تُقل هذا النص في عدد من مصادر الترجمة، ولم يذكره ابن ماكولا في ((الإكمال)).
(٣) تاريخ مدينة دمشق، والسير
(٤) السير.
٩

ونقل في النفح عن الحجاري: ((طرق ميورقه بعدما كانت عُطُلاً من هذا
الشأن، وترك لها فخراً تُباري به حواضر البلدان».
وقال ابن عساكر: ((وكان يواظب على سماع الحديث وكتابته، يخرّجه مع تحرير
وصیانه، وورع ودیانة .... ))
وصفه السمعاني بأنه من أهل الخير والفضل.
ونعته ابن الجوزي بالحفظ والدين والنزاهة والعفّة، وقال: ((وصنّف فأحسن
التصنيف، وقف كتبه على طلبة العلم، فنفع الله بها».
وقال الضّي: ((فقيه، عالم، محدِّث، عارف، حافظ ... له تواليف تدلّ على
معرفة وإتقان)) .
وجعله الذهبي من بقايا أصحاب الحديث، علماً وعملاً، وعقدًا وانقيادًا.
ومثل هذا كثير، ولا يخلو كتاب من الكتب التي ذكرنا في مصادر ترجمته من
عبارات المدح والثناء والتقدير، والإقرار له بالدين والفضل والورع والعلم.
أما كتاب الجمع، فقد تبوّاً مكانة خاصة في الحديث عن المؤلف، وعدّوه من
أشهر مؤلفاته، وارتبط ذكر المؤلف بالكتاب، فنعته أكثر المؤرخين بصاحب- أو
مؤلّف- الجمع بين الصحيحين.
قال تلميذه محمد بن طرخان: ((فاشتغل الحميدي بالصحيحين إلى أن مات))(١).
وقال ابن بشکوال في الصلة: ((ولأبي عبد الله كتاب حسن جمع بين صحيحي
البخاري ومسلم أخذه الناس عنها.
وقال الذهبي: «ورتّبه أحسن ترتيب)).
وسنذكر في حديثنا عن أثر الكتاب ما ناله من تقدير العلماء له، لكنّي أُشير هنا
إلى عبارة لابن الجوزي- وهو قد شرح مشكل الكتاب، فقال في تقديمه: ((فصار
(١) السير ١٢٥/١٩.
١٠

كتابُه لقدره في نفسه مقدّمًا على جميع جنسه)) وإلى قول لابن الأثير: «فإنه أحسنَ
في ذكر طرقه، واستقصى في إبراز رواياته، وإليه المنتهى في جمع هذين
الكتابین)»(١).
وأخيرًا، وبعد حياة حافلة بالعلم والعمل، والخير والصلاح، كان ما كتب الله
على كلّ نفس، فلقيَ ربّه في بغداد، في ذي الحجة عام ثمانية وثمانين وأربعمائة.
رحمه اللهُ وعلماءَ المسلمين أجمعين.
الجمع بين الصحيحين:
قبل الحديث المفصّل عن الكتاب، وعمل المؤلف فيه، نسوق بعض حديث
المؤلف من مقدمته، والتي أبان فيها عن غرضه، ومنهاجه:
فقد بدأ مقدمته بالحديث عن السّنّة ومكانتها، وعن جهود العلماء في جمع
الحديث، وعن الإمامين البخاري ومسلم وتقدَّمهما، وبيّن أنّه أراد: تجريد ما في
الكتابين من متون الأخبار، ونصوص الآثار .... وتلخيص ذلك في كتاب واحد
مع جمع مفترقهما، وحفظ تراجمهما.
ثمّ ذكر أهم الأسس التي قام عليها الكتاب: من تجريد الإسناد إلا ما تدعو
الضرورة إليه، وإضافته نُبذاً ممّا وقف عليه من كتب المتقدّمين، وأنه جمع حديث
كلّ صاحب على حدة، مُميّزاً بين ما اتّفق عليه الشيخان وما انفرد به كلُّ واحد
منهما. وأنّه قصد الانفراد بالمتون، وتتبّع زيادة كلّ راوٍ في كلِّ متنٍ، وأنّه اقتفى
آثار من تقدّم قبله من الأئمة المخرّجين على الصحيحين.
ونوضح هذه الأمور فنقول:
سعى الحميدي إلى جمع أحاديث الصحيحين في كتاب واحد مرتّب على
المسانيد بحيث يجمع أحاديث كلّ صحابيّ من الصحيحين في موضع واحد. وقد
قسّم المؤلف الكتاب خمسة أقسام:
. (١) ينظر ص٢٤ من هذه المقدّمة.
١١

الأول : مسانيد العشرة المبشرين بالجنّة، بدأه بمسند الصدّيق، ثمّ الخلفاء الثلاثة
بعده، ثمّ سائر العشرة، رضوان الله عليهم وعلى الصحابة أجمعين.
الثاني: مسانيد المقدَّمين بعد العشرة، بدأه بمسند عبد الله بن مسعود، وختمه
بمسند سلمة بن الأكوع، وعدد الصحابة في هذا القسم أربعة وستون.
وأما القسم الثالث: فهو لمسانيد المكثرين من الصّحابة، وهم ستة: عبد الله بن
عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن
مالك، وأبو هريرة. وهذا هو القسم الأكبر من الكتاب، وفيه ما يقرب من
نصفه(١).
:
والقسم الرابع: لمسانيد المقلّين، وفيه واحد وأربعون مسندًا.
وفي آخر هذا القسم ذكر مسانيد الصحابة الذين أخرج لهم البخاري دون
مسلم، وهم خمسة وثلاثون، ثم الذين أخرج لهم مسلم دون البخاري، وعددهم
خمسة وخمسون.
أما القسم الخامس: والأخير من الكتاب فهو لمسانيد النساء، بدأه بمسند عائشة أم
المؤمنين- أطول المسانيد، ثمّ بمسند فاطمة بنت رسول اللهێے، ثمّ مسانید سائر
أزواج النبي وَّه، ثمّ الصحابيات التي اتّفق الشيخان على الإخراج لهنّ، وعددهنّ
كلّهنّ أربع وعشرون، وبعد ذلك أورد الحميدي ستّ مسانيد للصحابيات اللاتي
انفرد بهّن البخاري دون مسلم، ثمّ سبع صحابيات أخرج لهنّ مسلم دون
البخاري. رضوان الله عليهنّ أجمعين.
وداخل كلّ مسند من المسانيد السابقة يبدأ المؤلف بذكر ما اتّفق عليه الإمامان،
ثمّ ما انفرد به البخاريّ، ثمّ ما انفرد به مسلم من ذلك المسند.
١) فيه ١٧٩٧ حديثًا من ٣٥٧٤.
١٢

وفي كلّ قسم من هذه الثلاثة يجعل الحميديُّ كلَّ معنى حديثًا- وإن اختلف في
بعض ألفاظه قليلاً أو كثيراً، سواء أكان ذلك الاختلاف بين الشيخين، أو بين
روايات الشيخ نفسه.
ويُعطي الحميدي لكلِّ حديث رقمًا مسلسلاً في القسم الخاصّ به من المسند.
وهو يراعي في ترتيب الأحاديث داخل القسم الخاصّ به أن يجمع أحاديث
الرّاوي عن الصحابي في مكان واحد (١)، وهو يرتّب الرّواة عن الصحابي حسب
مكانتهم، فيُقدُّم رواية الصحابي عن الصحابي، ثمّ رواية غيره عن الصحابيّ، في
ترتيب يرتضيه المؤلف ويلتزم به، فإذا قدّم رواية سالم عن عبد الله في المتّفق
عليه، قدّمها أيضًا في أفراد البخاري، وفي أفراد مسلم.
وإذا كانت أحاديث التابعي عن الصحابي كثيرة، فإنه يراعي في ذلك رواية
الرّاوي عنه، ويحاول جمعها في مكان واحد. وإذا کثرت هذه الأحاديث حاول
ترتيبها ترتيبًا موضوعيًا، وإن لم يلتزم بذلك دائمًا .
ويبدأ المؤلف في المتّفق عليه بما اتّفق عليها الشيخان في الرّاوي عن الصحابي،
ويأتي بعده بما اتفق عليه الشيخان عن الصحابي، مع اختلافهما في الرّوي،
ويسمّيه المتّفق عليه من ترجمتين.
والحميدي إذا نقل حديثًا عن الصحابي قدّم الرّواية التي للشيخين، أو التي
الاختلاف بينهما فيها قليل، وهو ينقل الحديث بلفظ أحد الشيخين إن اختلفا.
ويميل إلى الرواية الأتمّ، وقد ينبّه على صاحب الرّواية، ثمّ يُتبعها بعد ذلك بما جاء
في الحديث نفسه من الرّوايات الأُخر عن الرّاوي نفسه بزيادة أو نقصان أو
اختلاف، ثمّ ما جاء من الحديث عن رواة آخرين، ومع التنبيه إذا كانت الرّواية
لهما أو لأحدهما، ويسكت أحياناً.
(١) وقد خالف المؤلف ذلك أحيانًا. ينظر ٣٣٧٦،٣٣٦٩، ٣٤٠٩،٣٤٠٨.
.
١٣

وتمييز المؤلف بين الرّوايات هو الذي جعله يذكر في السّنَد غَيرَ التابعي، كالرّاوي
عن التابعي أو الرّاوي عنه، وقد يميّز بينهما بالشيخ الذي روى عنه البخاري أو
مسلم. وجمعُ المؤلف روايات حديث الصحابي، مع الاختلاف في بعض المعاني
والألفاظ، أو اختلاف الرواة عنه، جعله يختلف عن كتب الأطراف: ففي تحفة
الأشراف للمزّي مثلاً نزى الحديث الواحد يردُ في مواضع متعددة من المسند
الواحد، تبعًا للرُّواة عن صاحب المسند. فحديث لعائشة قد يرد في ترجمة عبد الله:
ابن عباس عن عائشة، وفي ترجمة عروة عنها، والأسود عنها .. وهكذا. ولكنّا
لا نجده في ((الجمع)) إلا في مكان واحد، فهو يجمعه في رواية ابن عباس عن
عائشة .
وهذا يعني أننا إذا وصلنا إلى أحاديث راوٍ أخّره الحميدي، قد لا نجد له إلاّ
حديثًا أو بضعة أحاديث في هذا المسند على الرغم من روايته لأحاديث كثيرة في
هذا المسند. والسبب في ذلك أن رواياته تكون قد مرّت في حديث راوٍ سابق،
ولم يُعد إلاّ ما انفرد به، أو ما شاركه فيه راوٍ متأخّر عنه في ترتيب الحميديّ.
وهذا أيضًا يعني أنّ عددَ الأحاديث في المسانيد أقَلُّ كثيرا مما هي عليه في
التحفة؛ لأن الروايات والمعاني- كما سبق- تُجعل حديثًا واحدًا.
ويُشار هنا إلى أن أنها لا يُشترط اتفاقُ عدد أحاديث صحابيٍّ عند الحميدي مع
غيره من يرقّمون الأحاديث، أو يجمعون المسانيد، فقد يجعلُ معاني متقاربة حديثًا
يعدّه غيرُه حديثين، أو يفرد جزءًا من حديث ولا يفعلُه غيره، وهذا أيضًا ينتج عنه
أن يُحكم على حديث بأنّه متّفق عليه، أو من أفراد أحدهما، ويكون الحكم عند
غيره مختلفًا.
ومنهاج أبي عبد الله في جمع المتون المتقاربة جعله يحذف كثيراً من الأحاديث
المكرّرة، أو المتقاربة الألفاظ، والتي لم يرَ فيها زيادةً تستحقَّ التنبيه. كما حمله هذا
المسلكُ على أن يجمع أحاديث طويلة جدًا في مكان واحد: كحديث السقيفة،
١٤

أ
وحديث اعتزال النبيّ وَّ نساءه، وحديث جابر والجمل، وحديث عائشة في الحجّ
والحيضة، وحديث الإفك، وحديث الهجرة(١) وغيرها ممّا شغلَ كلّ حديث منها
بضع صفحات.
وإذا كان الغرض الرئيس للكتاب والمؤلف جمع الصحيحين وترتيبهما، وهذا
عمل ليس باليسير، وفيه جهد كبير في تجميع الروايات وترتيبها وعرضها، إلا أن
للحميدي في الكتاب عملاً وجهودًا كثيرة، ولم يتوقف عند ما ذكرناه:
فهو يُورد رواية للحديث، ثم يقارنها بسائر الرّوايات، ويبيّن ما بينها من زيادات
أو اختلافات، أو مشابهة. وفي بعض عباراته وتعليقاته تلمح شخصية الجامع
ودقّته، قال:
كذا في حديث البخاري، وليس عند مسلم فيه ذكر النهي عن الوشم، وقد
انفرد البخاري به من هذا الوجه (٢٤٥٠).
وليس له عند البخاريِّ إلّ إسنادٌ واحد، ولم يُخرجه إلاّ في موضع
واحد (٨٢٦).
ولا لمسلم فیه غیر إسناد واحد(٨٣٧).
ولم يُخرِجِ البخاري قول سعيد الموقوف عليه إلاّ من حديث مالك، وليس فيه
ذكر أبي بكر، وليس هو في كتاب ((الصلاة)) للبخاري. وقد أخرج البرقانيّ هذا
الفصل من حديث إبراهيم بن سعد عن الزُّهريّ متصلاً بالحديث، ولم يذكر سعيد
ابن المسيّب(٧٧٥).
ولم يُخرجه البخاري في هذه الترجمة إلا من حديث مالك بن أنس (١٧٩٠).
ويقول: انفرد أبو معاوية بما في حديث ... وفى سائر الرّوايات عن
هشام .. (٣١٧١) .
ومن حديث روح بن القاسم ... وهذا أيضًا معنى آخر ينبغي أن يُفُردَ إن كان
صحّ ضبطُ الراوي له (٢٦٢٠).
(١) ينظر الأحاديث ٢٧،٢٦، ١٥٤٦، ٣١٤٦، ٠٣٣٣٢،٣٢٣١
١٥

ونقل حديث عروة عن عائشة: أنّها لم تسمع النبيّ وَ ◌ّر أمر بقتل الوزغ. ثم
قال: وقد سُمع ذلك ... ثمّ ذكر من سُمعَ منه ذلك من الصحابة (٣١٩٦).
وقال عن حديث في أفراد البخاري : وعند مسلم طرفٌ من ذلك من حديث
حمّاد بن سلمة ... (٢٠٨١).
وقال في حديث: لما نهى النبيّ ◌َّر عن الأسقية ... قال: ولعلّه نقص: عن
النبيذ في الأسقية (٢٩٣٩). وقد نقل ابن حجر (الفتح ١٠/ ٦٠) هذه العبارة،
ومال إلیھا .
والمؤلف ينبه على الأحاديث المسندة، والمعلّقة، والمرسلة، وغير ذلك، يقول:
وقد أخرجه البخاريَّ تعليقًا من حديث ... وقد أخرجه الحسن بن مسلم عن
مجاهد عن محاضر: أن رسول ◌َل﴾. مرسلاً (٩٩٧).
ومن حديث إبراهيم بن طهمان تعليقًا .. (٢٠٧٩).
وقد أخرجه البخاريّ تعليقًا من حديث ... (٢٤٥٠).
وأخرجه البخاريّ من حديث مجاهد عن طاووس تعليقًا في الغُسل فقط،
وأخرجه بالإسناد من حديث ... (٢٣٥٣).
وأخرجه أيضًا من حديث عمر بن الحكم عن أبي هريرة. قوله موقوف(٢٥٣٧).
قال: وقال فيه عبد الوهاب عن أيوب عن عكرمة عن النبي
مرسل. (١١٦٠).
وفي حديث ابن مهدي عن سفيان عن كريب: أنه أمره ... مرسل. (١٢٠٣).
وقال: ومنهم من رواه مرسلاً. (٢٥٩٨). ومثل ذلك كثير(١).
والجميدي وإن صنّف الحديث في أحد المسانيد، إلاّ أنّه لا يُغْفِلُ الاختلاف فيه،
وما يحتمله الحديثُ- أو بعضه من إيراد في مسند آخر:
(١) ينظر ١٢٨٦،١١٧٣، ١٨٠٦.
١٦

فقد أورد في المسند الأول- مسند الصدّيق- أحاديث، وعلّق على بعضها
بقوله:
جعله بعض الرّواة في مسند عبد الله بن عمرو، لأنه قال فيه: عنه: أن أبا
بكر .... (١)
ويدخل هذا الحديث في مسند عمر، بقوله فيه ... (٥).
وهذا الحديث أيضًا يُذكر في مسند عمر لقوله فيه ... (٧).
وأورد أحاديث في مسند الفاروق، وعلّق عليها: وقال بعض الرّواة فيه: إن
عمر ... جعله في مسند ابن عمر (٧٩، ٨٠).
وأورد حديثًا في مسند الحِبر وقال: ذكرنا هذا في مسند ابن عباس على ما ذكره
أبو مسعود، وقد نقله البرقاني إلى مسند عائشة (١٠٨٥).
وفيه أيضًا: أهدى الصَّعب بن جثّامة ... قال: وقد جعله بعضهم في مسند
الصّعب بن جثّامة، ورواه الزُّهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن
عباس ... (١٢١١).
وقال: هذا الفصل وحده في ليلة القدر في مسند ابن عمر، وماقبله يصلحُ أن
يكون في مسند حفصة. وقد خرّج ذلك كلَّه أبو مسعود هاهنا (١٣٨٠).
وقال الحميدي: وأخرج أبو مسعود حديث مسلم في أفراده من هذا المسند
وأخرجه أيضًا في مسند أُسيد، وهو عندي أحقُّ بمسند أُسيد بن حضير، وأن يكون
متّفقًا عليه في ذلك المسند (١٨٠٦).
الحديث هكذا فيما عندنا من كتاب مسلم: أن أم سليم حدّثت ... وهو على
هذا يقع في مسند أم سليم، لكن قد أخرجه أبو مسعود في مسند أنس ... وهكذا
أخرجه البرقاني(١)(٢١٠٠).
(١) ينظر أيضاً: ١٢٢٣، ١٢٦٨، ١٢٨٣، ١٣٨١، ٢٥٩٦، ٣٤٩٠، ٣٥٢٥، ٠٠٠٣٥٢٦
١٧

ويضاف إلى هذا ما تراه كثيراً من إحالة المؤلف على المسانيد التي ورد فيها
الحديث، أو قريبًا منه.
ومن عمل أبي عبد الله في ((الجمع)) التنبيه على انفراد راوٍ عن الصحابي
بحديث أو حديثين في الصحيحين، أو في أحدهما، فمن ذلك:
ليس لأبي بكر عن أبي مسعود في الصحيحين غير هذا الحديث الواحد(٧٩٠).
ليس في الصحيح لطاوس عن زيد بن أرقم غير هذا الحديث الواحد (٨٣٧).
وليس لأبي عثمان النهدي عن أبي برزة في الصحيح غير هذا الحديث :
الواحد(٩٤٣).
ليس لسالم بن عجلان عن سعيد بن جبير في مسند ابن عباس من الصحيح غير
حديثين هذا أحدهما (١٠٨٦).
وفي أفراد البخاري من مسند جابر، ذكر أحاديث سعيد بن الحارث عنه، ثم
قال: ولم يخرج مسلم لسعيد بن الحارث شيئًا.
وهذه كثيرة جدًا في الكتاب(١).
** *
ومما يبدو جلياً في الكتاب تصَّرِفُ الحميديّ في الأعلام الواردة في الصحيحين،
وهذا ما نبَّه عليه في المقدمة: ((أو بيان لاسم أو نسب)). فكثير من الأسماء التي تردُ
في أسانيد الكتابين يخالف الحميدي في سوقها وذكرها، فقد يكون المذكور فيهما
اسمًا أو كنية أو لقبًا، فيغيّره المؤلّف، وقد يكون مختصراً فتمّه، وقد يكون غیر
مذکور فیذکره، فمن ذلك:
(١) ينظر الأحاديث: ١٠٣٦، ١١٢١، ١١٩٣، ١٢١٦، ١٢١٨، ١٢٣٢، ١٢٧٠، ١٤٥٦، ٢٦٥٨، ٢٦٥٩،
٣٤٩١، ٣٤٩٢، ٣٤٩٣، ٣٥٢٥ ... هذا وقد أغفل المؤلف التنبيه على أشياء من ذلك ..
١٨

ما نراه في البخاري : أبو سهيل عن أبيه. فيذكره الحميدي: للبخاري من
حديث مالك بن أبي عامر. (٣١٩٢) وهو والد أبي سهيل.
ومن ذلك ما نجد عند مسلم: ابن أبي حازم، وفي الحميدي: عبد العزيز أبي
حازم (٢٦٥٨).
ومنه : أخبرنا عبد الصمد، سمعت أبي يحدث عن سعيد، والحميدي يورده:
عن عبد الوارث عن سعيد (٣١٢٧).
وقال مسلم: أبو يحيى، فذكره الحميدي: مصدع الأعرج (٢٩٣٦). وهو نفسه.
وفي مسلم : عن أبي العلاء. وهو عند الحميدي : أبو العلاء يزيد بن عبد الله
ابن الشِّخِير (٣١٢٣).
ومثل ذلك كثير عند الحميدي مما يتعلّق بنتمة الأسماء، وتوضيحها، وسوقها
على وجه يخالف ما في المصدرين.
ومن أكثر ما يُميّز كتاب الحميدي إتمامه لأحاديث جاءت مختصرة في الكتابین،
أو جاءت محمولة، أو مدرجة كما يقول المؤلف- على أحاديث قبلها. فكثيراً ما
نجد البخاري يقول: وتابعه .... ونجد مسلمًا يقول بعد سوق السند: بنحو
حديث .. وفي هذه الأحوال يسعى الحميدي إلى إتمام الحديث أو إيراد روايته،
بالسند الذي جاء مختصراً أو مدرجًا. وقد رجع الحميدي في ذلك إلى كتب
المستخرج على الصحيحين للإسماعيلي، والبرقاني، وخلف، وأبي مسعود وغيرهم
من المحدّثين، ويمتلىء کتابه بأمثلة ذلك، منها:
أخرج البخاري طرفًا منه عن ... لم يزد على هذا. قال الحميدي: وهو بتمامه
عند البرقاني من حديث ... وذكره (٧٠٧).
١٩

وقال بعد أن أورد حديثًا للبخاري: وأخرجه البرقاني من حديث يوسف بن
عدي الذي أخرجه البخاري عنه بأنَّم ألفاظًا .. ونقل الحديث في صفحات. ثم
قال: وهكذا رواه يعقوب بن يوسف في تأريخه عن يوسف بن عدي كما رواه
البرقاني، وإنما يختلفان في ألفاظ (١١٢٧).
وقال: وأخرجه أبو بكر البرقاني بأطول من هذا ... (١٧٣٩).
وتمامه في كتاب أبي بكر البرقاني بالإسناد المذكور ... (١٨٠٨).
وقال: وفي هذا الحديث زيادة مشهورة لم يذكرها البخاري أصلاً في طريقي
هذا الحديث، ولعلها لم تقع إليه منهما، وأخرجها أبو بكر البرقاني، وأبو بكر
الإسماعيلي قبله، وفي هذا الحديث عندهما ... (١٧٩٤).
وفي مسلم: ومن حديث بسر بن سعيد بهذا المعنى. قال الحميدي: وبيّن أبو
مسعود لفظ بسر عن ابن عمر ... (١٢٤٧).
وقال: حذف مسلم خصال النهي، وقد وقع لنا الحديث بطوله، وهذه خصال :
النھی(٢٤٨٧).
وقال: وقد أدرج مسلم هذه الأحاديث على ما قبلها، ولم يبيّن من اختلاف
ألفاظها إلا ما أوردنا، وقد أخرج أبو بكر البرقاني الأحاديث في كتابه، وبیّن بعض
ذلك .. (٢٥٨٦).
وقال: كذا فيما رأينا من كتاب مسلم، وأخرجه أبو بكر البرقاني في كتابه.
وهكذا أخرجه أبو مسعود في كتابه(٢٦٢١).
وأشير هنا أيضًا إلى أن كثيرًا من الروايات التي ذكرها الحميدي تختلف عما في
طبعتي البخاري ومسلم، كما أنه يشير كثيراً إلى الخلاف في الروايات، وقد يكون
بعضها المثبتَ في الصحيحين عندنا.
٢٠