Indexed OCR Text

Pages 261-280

قال أبو عمر :
قوله الركنين اليمانيين يريد الركن الأسود واليماني، ولقد ذكرنا مراتبهما
والأحاديث فيهما واختلاف السلف في كيفية استلامهما؛ وأخبرنا بأن الفقهاء
على استلام الركنين خاصة على حديث ابن عمر وعائشة، وبسطنا ذلك كله في
حديث ابن شهاب وغيره من هذا الكتاب.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود
قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى بن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن
ابن عمر قال: كان رسول الله - وافق - لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر
في كل طوفة، قال : وكان عبد الله بن عمر يفعله(387)
قال أبو عمر :
هذا أفضل ما روي في هذا الباب وأولاه وأصحه، وقد روي عن مجاهد
وطاوس أنهما كانا يستحبان استلام الركنين الأسود واليماني في كل وتر من
الطواف، روي ذلك عنهما من طرق؛ وأما إنكار ابن وضاح لاستلام الركن
اليماني، فلا وجه له؛ اللهم إلا أن يكون أنكر اللفظة في حديث مالك عن
هشام عن أبيه في قصة عبد الرحمان بن عوف دون أن ينكر استلام الركن
اليماني، فإن استلامه لا خلاف بين العلماء فيه. روينا (388) عن مجاهد وعطاء:
من وضع يده على الركن اليماني ثم دعا استجيب له. وعن الزبير : (389) الركن
اليماني باب من أبواب الجنة، وفي الترغيب في استلامه آثار كثيرة، ذكره
الخزاعي في كتاب فضائل مكة الكتاب الكبير، وقد روى عبد الله بن مسلم بن
387) المصدر السابق.
388) روینا : أي، رویناه : و.
389) الزبير : أي، ابن الزبير : و.
- 261 -

هرمز عن مجاهد، عن بن عباس، قال: كان رسول الله - في - إذا استلم الركن
اليماني، قبله ووضع خده الأيمن عليه.
قال أبو عمر :
هذا لا يصح، وإنما المعروف قبل يده، وإنما يعرف تقبيل الحجر الأسود
ووضع الوجه عليه، وقد جاء هذا الحديث كما ترى، وليس يعرف بالمدينة
العمل به، فالله أعلم.
حدثنا محمد بن خليفة، قال حدثنا محمد بن نافع المكي، قال حدثنا
إسحاق بن أحمد الخزاعي، قال حدثنا محمد بن علي، قال حدثنا سعيد بن
منصور، قال حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، أن عبد الرحمان
ابن عوف، كان إذا أتى الركن فوجدهم يزدحمون عليه، استقبله وكبر ودعا ثم
طاف، فاذا وجد خلوة، استلمه.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا عبد
الله بن أحمد بن أبي مسرة، قال حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، قال أخبرنا
القاسم بن محمد بن عبد الرحمان الأنصاري من ولد أحيحة بن الجلاح، عن أبي
نجيح، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبيه - أن النبي - عمان - قال له :
ياأبا محمد، كيف صنعت حين طفت؟ قال: استلمت وتركت، قال: أصبت.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال حدثنا أبو العباس أحمد بن
إبراهيم بن محمد بن جامع السكري - قراءة عليه من كتابه سنة أربع وأربعين
وثلاثمائة وأنا أسمع، قال : حدثنا علي بن عبد العزيز، قال حدثنا أبو نعيم
الفضل بن دكين، قال حدثنا سفيان الثوري، عن هشام بن عروة عن عروة، عن
عبد الرحمان بن عوف، قال: قال لي رسول الله - ◌َ ◌ّ -: كيف صنعت في
استلامك الحجر ؟ قال : استلمت وتركت، قال : أصبت.
- 262 -

وعند هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي - علائم - طاف في حجة
الوداع حول الكعبة يستلم الركن بمحجن كراهية أن يصرف عنه الناس، وليس
هذا عند مالك عن هشام.
قال أبو عمر :
الاستلام الرجال دون النساء عن عائشة، وعطاء وغيرهما، وعليه جماعة
الفقهاء.
حديث تاسع وثلاثون لهشام
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه - أن صاحب هدي رسول
الله - ◌َ ◌ّ - قال: يارسول الله، كيف أصنع بما عطب من الهدي ؟
فقال رسول الله - جل -: كل بدنة عطبت من الهدي فانحرها ثم ألق
قلائدها في دمها، ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها. (390)
هذا حديث مرسل في الموطأ وهو في غير الموطأ مسند، لأن جماعة من
الحفاظ رووه عن هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية الأسلمي صاحب بدن رسول
الله - ◌َ ◌ّ - وغير نكير أن يسمع عنه عروة.
حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم، قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد
الرحمان، قال حدثنا الفضل بن الحباب القاضي بالبصرة أبو خليفة قال حدثنا
محمد بن كثير، قال حدثنا سفيان بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن
ناجية الأسلمي أن النبي - مخلل - بعث معه بهدي قال: إن عطب فانحره ثم
أصبغ نعله في دمه ثم خل بينه وبين الناس.
390) الموطأ رواية يحيى ص 262 - حديث (858).
- 269 -

,١
حدثنا أحمد بن عبد الله، قال حدثنا الميمون بن حمزة، قال حدثنا
الطحاوي، قال حدثنا المدني، قال حدثنا الشافعي، قال أخبرنا سفيان بن عيينة
عن هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية صاحب بدن رسول الله - من - أنه قال :
يارسول الله، كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ قال: اتحره ثم اغمس قلائدہ
في دمه ثم أضرب بها صفحة عنقه ثم خل بينه وبين الناس.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا موسى بن اسماعيل، قال حدثنا وهب بن خالد، قال
حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية صاحب هدي رسول الله - من - أنه
سأل رسول الله - في -: كيف يصنع بما عطب من الهدي، فأمره أن ينحر كل
بدنة عطبت ثم يلقي حبلها في دمها ويخلي بينها وبين الناس يأكلونها، كذا
وقع عنده حبلها في دمها، وإنما هو نعلها في دمها.
وناجية هذا هو ناجية بن جندب الأسلمي، وقد ذكرناه ورفعنا في نسبه
في كتاب الصحابة.(391)
وروى ابن عباس هذا الحديث عن النبي - مَ اق - وزاد فيه : ولا تأكل
منها أنت ولا أحد من رفقتك(392) وسنذكره ههنا إن شاء الله.
وفي هذا الحديث من الفقه أن الهدي يقلد، وأن التقليد من شأنه وسنته،
والتقليد أن يعلق في عنق البدن - نعل علامة ليعرف أنها هدي.
وروي أن رسول الله - اتز - قلد هديه نعلين، وكذلك كان ابن عمر
يفعل، وبه قال الشافعي واستحسنه، والنعل عندي تجزئ، وهو قول مالك
والزهري وجماعة العلماء كلهم لا يختلفون في تقليد الهدي؛ ويجزئ عند جميعهم
- نعل واحدة، والذي أجمعوا عليه من تقليد الهدي الإبل والبقر. واختلفوا في
391) انظر الاستيعاب 4 / 1522.
392) رفيقك : أ، رفيقك : وي - وهي أنسب.
- 264 -

تقليد الغنم، فكان مالك، وأبو حنيفة، وأصحابهم ينكرون تقليد الغنم، وأجاز
تقليده الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور لقول عائشة : كنت أقلد الغنم
لرسول الله - مخلل -، وهو قول عطاء، وجماعة؛ وقد مضى في هذا الكتاب في
باب عبد الله بن أبي بكر القول في تقليد الهدي هل يوجب على صاحبه أن
يكون مجرما لذلك أم لا والصحيح في ذلك حديث عائشة على ما ذكرناه
هناك من أحسن طرقه ما أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن
بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا يزيد بن خالد، وقتيبة بن سعيد - أن
الليث حدثهم عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمان - أن عائشة
قالت: كان رسول الله - مجزٍ - يهدي من المدينة فأقتل قلائد هديه ثم لا
يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم.(393)
وأما قوله : كيف أصنع بما عطب من الهدي - فجاوبه رسول الله - ◌َاع -
بما ذكر في حديث هشام هذا، فإن هذا محمله عند العلماء على الهدي
التطوع، وكذلك كان هدي رسول الله - صَ ل - تطوعا؛ لأنه كان في حجته
مفردا - والله أعلم، وقد ذكرنا الاختلاف عنه في ذلك في باب ابن شهاب
وغيره؛ والهدي التطوع لا يجوز لأحد ساقه أكل شيء منه إذا عطب قبل أن
يبلغ محله، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى أكل الهدي قبل محله من أجل أنه
تطوع، فينصرف من الناس من لم تصح نيته فيما أخرجوه لله ويعتلون بأنه
عطب.
ذكر أبو ثابت، وأسد، وسحنون، وابن أبي الغمر، عن ابن القاسم، قلت لابن
القاسم : أرأيت هدي التطوع إذا عطب كيف يصنع به صاحبه في قول مالك ؟
قال : قال مالك : يرمي بقلائده في دمه إذا نحره ويخلي بين الناس وبينه، ولا
يأمر أحدا أن يأكل منه فقيرا ولا غنيا، فإن أكل هو أو أمر أحدا من الناس
393) انظر سنن أبي داود 1 / 407.
- 265 -

بأكله أو حز شيئا من لحمه، كان عليه البدل. قال ابن القاسم : وقال مالك :
كل هدي مضمون إذا عطب فليأكل منه صاحبه وليطعم منه الأغنياء والفقراء
ومن أحب، ولا یبيع من لحمه ولا من جلده ولا من قلائدہ شیئا.
قال مالك : ومن الهدي المضمون ما إن عطب قبل أن يبلغ محله جاز له
أن يأكل منه، وهو ان بلغ محله لم يأكل منه، وهو جزاء الصيد وفدية الأذى
ونذر المساكين؛ فهذا إن عطب قبل محله، جاز له أن يأكل منه لأن عليه بدله؛
وإذا بلغ محله أجزأه عن الذي ساقه، ولا يجزيه أن يأكل منه.
قال إسماعيل بن إسحاق : لأن الهدي المضمون إذا عطب قبل أن يبلغ
محله كان عليه بدنة، وبذلك جاز له أن يأكل منه ولا يطعم؛ لأنه لما لم يكن
عليه بدله خيف أن يفعل ذلك بالهدي وينحر من غير أن يعطب، فاحتيط على
الناس، وبذلك مضى العمل في هدي التطوع إذا عطب في الطريق نحره
صاحبه وخلى بينه وبين الناس.
وذكر إسماعيل بن إسحاق حديث هشام هذا عن أبيه عن ناجية، وحديث
ابن عباس عن ذؤيب الخزاعي.
قال أبو عمر :
أما حديث ناجية، فقد تقدم ذكره، وأما حديث ابن عباس، فاختلف فيه
عنه : فطائفة روت عنه ما يدل على أن ناجية الأسلمي حدثه، وطائفة روت
عنه أن ذؤيبا الخزاعي حدثه، وذؤيب هذا هو والد قبيصة بن ذؤيب، وربما
بعث رسول الله - ملح - أيضا معه هديا، فسأله كما سأله ناجية، فالله أعلم.
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثنا الميمون بن حمزة، قال
حدثنا الطحاوي، قال حدثنا المزني، قال حدثنا الشافعي، قال أخبرنا إسماعيل
ابن إبراهيم، يعني ابن علية، قال حدثنا أبو التياح، عن موسى بن سلمة، عن ابن
عباس، أن رسول الله - عزوجل - بعث بثمان عشرة بدنة مع رجل، فأمره فيها
- 266-

بأمر، (394) فانطلق ثم رجع إليه فقال: أرأيت إن عطب منه شيء ؟ قال :
فانحرها ثم اصبغ نعلها في دمها، ثم اجعلها على صفحتها، ولا تأكل منها أنت
ولا أحد من أهل رفقتك.
أخبرنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إسماعيل بن
إسحاق، قال حدثنا سليمان بن حرب، قال حدثنا حماد بن زيد، قال حدثنا أبو
التياح عن موسى بن سلمة قال : خرجت أنا وسنان بن سلمة ومعنا بدنتان
فأزحفتا علينا بالطريق، فلما قدمنا مكة، أتينا ابن عباس فألناه فقال : على
الخبير سقطت بعث رسول الله - واترٍ - فلانا الأسلمي، وبعث معه بثمان عشرة
بدنة؛ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن أزحف علي منها شيء بالطريق، قال:
تنحرها وتصبغ نعلها، أو قال : تغمس نعلها في دمها فتضرب بها على صفحتها
ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك.
وروى شعبة وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سنان بن سلمة عن ابن
عباس أن ذؤيبا الخزاعي حدثه أن رسول الله - شرائح - كان يبعث معه بالبدن
ثم يقول : إذا عطب شيء منها فخشيت عليه موتا فانحره ثم أغمس نعله في
دمه، ثم اضرب صفحته ولا تطعم منها ولا أحد من أهل رفقتك.
قال أبو عمر:
(قوله) : (395) ولا أحد من أهل رفقتك لا يوجد إلا في حديث ابن عباس
هذا بهذا الاسناد عن موسى بن سلمة وسنان بن سلمة، وليس ذلك في حديث
هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية، وهذا عندنا أصح من حديث ابن عباس عن
ذؤيب، وعليه العمل عند الفقهاء، ومن جهة النظر أهل رفقته وغيرهم في ذلك
394) بأمر : أي، بأمره : و.
395) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في وي - والمعنى يقتضيه.
- 267 -

:
سواء، ويدخل في قوله - عليه السلام -: وخل بين الناس وبينه يأكلونه- أهل
رفقته وغيرهم. وإنما الضمان على من أكل من هديه التطوع وإن لم يكن
موجودا في الحديث المسند، فإن ذلك عن الصحابة والتابعين، وعليه جماعة
فقهاء الأمصار.
وروي عن عمر وعلي وابن مسعود إن أكل من الهدي التطوع غرم. وعن
ابن عباس: إن أكلت أو أمرت بأكله غرمت. وعن ابن المسيب مثله سواء من
رواية مالك عن ابن شهاب.
وروى ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن ابن المسيب قال : مضت السنة
إذا أصيبت البدنة تطوعا في الطريق أن ينحرها ويغمس قلائدها (في دمها) (396)
ثم لا يأكل منها ولا يطعم ولا يقسم، فإن فعل شيئا من ذلك ضمن.
وعن ابن عمر وابن عباس وعطاء والنخعي في الهدي الواجب يعطب،
قالوا : كل إن شئت إذا نحرته وعليك البدل.
:
وأما اختلاف الفقهاء في هذه المسألة، فقال مالك - : ما عطب من الهدي
قبل أن يبلغ محله، فإن كان واجبا أكل منه إن شاء وأبدله، وإن كان(397)
تطوعا نحره ثم صبغ قلائده في دمه، وخلى بين الناس وبينه، ولم يأكل ولم
يطعم ولم يتصدق، فإن أكل أو أطعم أو تصدق ضمن، وهو قول الشافعي
والأوزاعي والشوري؛ إلا أنهم قالوا: يضمن ما أكل أو أطعم أو تصدق، وليس
عليه البدل إلا لما أتلف؛ فإن أتلفه كله ضمنه كله. وكذلك قال أبو حنيفة أيضا،
إلا أنه قال : يتصدق بالهدي التطوع إذا عطب أفضل من أن يتركه فتأكله
السباع، قال: ولو أطعم منه غنيا ضمن، وقال في الهدي الواجب : لا بأس أن
396) جملة (في دمها) ساقطة في أ، ثابتة في وي - والمعنى يقتضيها.
397) وان : أُ، فان : و.
- 268 -

يبيع لحمه، وهو قول عطاء يستعين به في ثمن هدي، وهؤلاء لا يرون(398)
بيعه.
واختلفوا فيما يؤكل من الهدي إذا بلغ محله : فقال مالك : يؤكل من
الهدي كله إذا بلغ محله إلا جزاء الصيد ونسك الأذى وما نذر للمساكين. وقال
الشافعي : لا يؤكل من الهدي كله شيء إذا بلغ محله إلا بالتطوع وحده، فأما
الهدي الواجب فلا يأكل شيئا منه.
وقال أبو حنيفة : يؤكل من هدي المتعة والقران والتطوع ولا يؤكل مما
سواه.
وقال الثوري : يؤكل من هدي المتعة والإحصار والوصية والتطوع.
حديث موفي أربعين لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن مخنثا كان عند أم
سلمة زوج النبي - سجق - فقال لعبد الله بن أبي أمية ورسول
الله - شرح - يسمع: يا عبد الله، إن فتح الله عليكم الطائف غدا:
فإني أدلك على ابنة غيلان، فانها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال.
رسول الله - جل - لا يدخلن هؤلاء عليكم.(399)
هكذا روى هذا الحديث جمهور الرواة عن مالك مرسلا، ورواه سعيد بن
أبي مريم عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن أم سلمة، والصواب عن مالك ما
في الموطأ ولم يسمعه عروة من أم سلمة، وإنما رواه عن زينب ابنتها عنها،
كذلك قال ابن عيينة، وأبو معاوية عن هشام، فأما حديث ابن أبي مريم عن
398) وهؤلاء يرون: أ، وهؤلاء لا يرون - بزيادة (لا) - ولعلها أنسب.
399) الموطأ رواية يحيى ص 544 - حديث (1453).
~ 269 -

١٠.
مالك، فحدثناه أحمد بن محمد بن أحمد، قال حدثنا محمد بن عيسى، قال
حدثنا يحيى بن أيوب، قال حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال أخبرنا مالك، قال
حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة - أن النبي - جائز - كان عندها،
وكان مخنث عندهم جالسا، فقال المخنث لعبد الله ابن أبي أمية أخي أم
سلمة : إن فتح الله عليكم الطائف غدا، فأنا أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل
بأربع وتدبر بثمان، فقال رسول الله - وافق - : لا تدخلن هؤلاء عليكم.
وأما حديث ابن عيينة، فحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان،
قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة، عن أمها أم
سلمة، قالت: دخل علي رسول الله - ◌َ ◌ّ - وعندي مخنث، فسمعه يقول لعبد
الله بن أبي أمية: يا عبد الله، أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدا، فعليك
بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، قالت: فقال رسول الله - على -:
لا تدخلن هؤلاء عليكم قال سفيان: قال ابن جريح: اسمه هيت - يعني
المخنث.(400)
وأخبرنا محمد بن إبراهيم، وإبراهيم بن شاكر، قالا حدثنا محمد بن أحمد
ابن يحيى، قال حدثنا محمد بن أيوب بن حبيب الرقي، قال حدثنا أحمد بن
عمرو بن عبد الخالق، قال حدثنا أبو كريب، قال حدثنا أبو معاوية، عن هشام
ابن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة - فذكرا الحديث
بتمامه.
قال أبو عمر :
ذكر عبد الملك بن حبيب، عن حبيب - كاتب مالك : قلت لمالك : إن
سفيان زاد في حديث ابنة غيلان أن مخنثا يقال له هيت وليس في كتابك
400) انظر مسند الحميدي 1 / 142 - حديث (297).
- 270-

هيت، فقال مالك: صدق(401) وهو كذلك. وكان النبي - معرفة - غربه إلى
الحمى، وهو موضع من ذي الحليفة ذات الشمال من مسجدها؛ قال حبيب :
وقلت لمالك : وقال سفيان في الحديث : إذا قعدت تثنت، وإذا تكلمت
تغنت؛ قال مالك : صدق كذلك هو في الحديث. قال : وقلت لمالك : قال
سفيان في تفسير تقبل بأربع وتدبر بثمان - يعني مظلة الأعراب مقدمها أربع،
ومدبرها ثمان؛ فقال مالك : لم تصنع شيئا، إنما هي عكن أربع إذا أقبلت،
وثمان إذا أدبرت، وذلك أن الظهر لا تنكسر (402) فيه العكن.
قال أبو عمر :
كل ما ذكره حبيب كاتب مالك عن سفيان بن عيينة أنه قال في
الحديث - يعني حديث هشام بن عروة هذا - فغير معروف فيه عند أحد من
رواته عن هشام لا ابن عيينة ولا غيره، ولم يقل سفيان في نسق الحديث أن
مخنثا يدعى هيت، وإنما ذكره عن ابن جريج بعد تمام الحديث على ما
ذكرناه عن الحميدي عنه، وهو أثبت الناس في ابن عيينة؛ وكذلك قوله عن
سفيان أنه كان يقول في الحديث : إذا قعدت تثنت وإذا تكلمت تغنت، هذا ما
لم يقله سفيان ولا غيره فيما علمت في حديث هشام بن عروة، وهذا اللفظ لا
يحفظ إلا من رواية الواقدي؛ والعجب أنه يحكيه عن سفيان، ويحكي عن
مالك أنه كذلك؛ فصارت رواية عن مالك، ولم يرو ذلك عن مالك (احد)(403)
غير حبيب، ولا ذكره عن سفيان غيره أيضا والله أعلم: وحبيب كاتب مالك
٦
401) وهو : أ، هو : و.
402) تكسر : أ، تنكسر : وي - وهي أنسب.
403) كلمة (أحد) ساقطة في أ، ثابتة في وي - وهي الصواب.
- 271-

متروك الحديث ضعيف عند جمیعهم لا یکتب حديثه ولا يلتفت إلى ما
يجيء (404) به.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال حدثنا محمد بن أحمد بن
يحيى، قال حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي، قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبد
الجبار العطاردي، قال حدثنا يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه عن
زينب ابنة أم سلمة، عن أم سلمة قالت: كان عندي مخنث فقال لعبد الله
أخي : إن فتح الله عليكم الطائف غدا فإني أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل
بأربع وتدبر بثمان، فسمع رسول الله - ق - قوله فقال: لا يدخلن هؤلاء
علیکم.
قال : وحدثنا يونس بن بكير، عن أبي إسحاق قال : وقد كان مع رسول
الله - زنز - مولى لخالته فاخته ابنة عمرو بن عائذ مخنث يقال له مائع،
يدخل على نساء رسول الله - فلفل - ويكون في بيته، ولا يرى رسول
الله - لترٍ - أنه يفطن لشيء من أمر النساء مما يفطن إليه الرجال، ولا يرى أن
له في ذلك أربا؛ فسمعه وهو يقول لخالد بن الوليد: يا خالد، إن فتح رسول
الله - عَاعٍ - الطائف، فلا تنفلتن منك بادية ابنة غيلان بن سلمة، فإنها تقبل
بأربع وتدبر بثمان؛ فقال رسول الله - فلفل - حين سمع هذا منه: الا أرى
الخبيث يفطن لما أسمع، ثم قال لنسائه : لا يدخل عليكم، (405) فحجب عن بيت
رسول الله - طبع -.
وفي هذا الحديث من الفقه إباحة دخول المخنثين من الرجال على النساء
وإن لم يكونوا منهن بمحرم، والمخنث الذي لا بأس بدخوله على النساء هو
المعروف عندنا اليوم بالمؤنث، وهو الذي لا أرب له في النساء ولا يهتدي إلى
404) يجيء : أي، جاء : و.
405) عليكم : أ، عليكن: وي - وجاءت الرواية بهما معا.
- 272-

٦
شيء من أمورهن؛ فهذا هو المؤنث المخنث الذي لا بأس بدخوله على
النساء،(406) فأما إذا فهم معاني النساء والرجال كما فهم هذا المخنث وهو
المذكور في هذا الحديث،لم يجز للنساء أن يدخل عليهن، ولا جاز له الدخول
عليهن بوجه من الوجوه، لأنه حينئذ ليس من الذين قال الله - عز وجل -
فيهم : ﴿غير أولي الإربة من الرجال﴾. وليس المخنث الدي تعرف فيه
الفاحشة خاصة وتنسب إليه، وإنما المخنث شدة التأنيث في الخلقة حتى يشبه
المرأة في اللين والكلام والنظر والنغمة، وفي العقل والفعل؛ وسواء كانت فيه
عاهة الفاحشة أم لم(407) تكن، وأصل التخنث التكسر واللين؛ فإذا كان كما
وصفنا لك - ولم يكن له في النساء أرب، وكان ضعيف العقل لا يفطن الأمور
الناس أبله؛ فحينئذ يكون من غير أولي الإربة الذين أبيح لهم الدخول على
النساء، ألا ترى أن ذلك المخنث لما فهم من أمور النساء قصة بنت غيلان، بهى
رسول الله - الز - حينئذ عن دخوله على النساء، ونفاه إلى الحمى فيما روي.
واختلف العلماء في معنى قوله - عز وجل: ﴿أو التابعين غير أولي
الإربة من الرجال﴾، اختلافا متقارب المعنى لمن تدبر.
ذكر ابن أبي شيبة، قال حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن
﴿أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال﴾، قال: هم قوم طبعوا على
التخنيث، فكان الرجل منهم يتبع الرجل يخدمه ليطعمه وينفق عليه، لا
يستطيعون غشيان النساء ولا يشتهونه.
قال: وحدثنا ابن ادريس، عن ليث، عن مجاهد - في قوله: ﴿غير
أولي الإربة من الرجال﴾، قال: هو الأبله الذي لا يعرف أمر النساء.
406) فأما : أي، وأما : و.
407) أو لم : أ، أم لم : وي.
- 279 -

قال : وأخبرنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال : هو الذي لم يبلغ
أربه أن يطلع على عورات النساء. وذكر محمد بن ثور، وعبد الرزاق - جميعا .
عن معمر عن قتادة ﴿أو التابعين غير أولي الإربة﴾، قال : هو التابع الذي
يتبعك فيصيب من طعامك غیر أولي الإربة، يقول : لا أرب له ليس له في
النساء حاجة.
وعن علقمة قال : هو الأحمق الذي لا يريد النساء ولا يردنه.
وعن طاوس وعكرمة مثله.
وعن سعيد بن جبير: هو الأحمق الضعيف العقل.
وعن عكرمة أيضا : هو العنين.
ووكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : هو الذي يريد
الطعام ولا يريد النساء، ليس له هم إلا بطنه.
وعن الشعبي أيضا وعطاء، مثله.
وعن الضحاك : هو الأبله.
وقال الزهري : هو الأحمق الذي لا همة له في النساء ولا أرب.
وقيل : كل من لا حاجة له في النساء من الأتباع نحو الشيخ والهرم
والمجبوب والطفل والمعتوه والعنين.
قال أبو عمر :
هذه أقاويل متقاربة المعنى، ويجتمع في أنه لا فهم له ولا همة ينتبه بها
إلى أمر النساء، وبهذه الصفة كان ذلك المخنث عند رسول الله - خ -، فلما
سمع منه ما سمع من وصف محاسن الناء، (408) أمر بالاحتجاب منه.
408) النساء : أي، المرأة : و.
-274-

وذكر معمر، عن الزهري، وهشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، قالت :
كان رجل يدخل على أزواج النبي - واقع - مخنث، فكانوا يعدونه من غير
أولي الإربة، فدخل علينا النبي - مَاقٍّ - يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت
امرأة فقال : إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال : لأرى
هذا يعلم ما ههنا، لا يدخلن هذا عليكم، فحجبوه.
وأما قوله : تقبل بأربع وتدبر بثمان، فالذي ذكر حبيب عن مالك هو
كذلك أو قريب منه؛ وإنما وصف امرأة لها في بطنها أربع لكن، فإذا بلغت
خصريها صارت أطراف العكن ثمانيا، أربع من ههنا، وأربعا من ههنا؛ فإذا
أقبلت إليك واستقبلتك ببطنها، رأيت لها أربعا، فإذا أدبرت عنك صارت تلك
الأربع ثمانيا من جهة الأطراف المجتمعة؛ وهكذا فسره كل من تكلم في هذا
الحديث، واستشهد عليه بعضهم بقول النابغة في قوائم ناقته :
على هضبات بينما هن أربع أنخن لتعريس فعدن ثمانيا
يعني أن هذه الناقة إذا رفعت قوائمها أربع، فإذا انحنت قوائمها وانطوت
صارت ثمانیا.
وقد روي هذا الخبر عن سعد بن أبي وقاص بخلاف هذا اللفظ.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح،
قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا بكر بن عبد الرحمان، قال حدثنا
عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن عامر بن
سعد، عن سعد بن مالك - أنه خطب امرأة وهو بمكة مع رسول الله - علاج -
فقال : ليت عندي من رآها ومن يخبرني عنها، فقال رجل مخنث يدعى
هيت : أنا أنعتها لك، إذا أقبلت قلت تمشي على ست، وإذا أدبرت قلت تمشي
على أربع، فقال رسول الله - طفح - ما أرى هذا إلا منكرا، ما أراه إلا يعرف أمر
النساء؛ وكان يدخل على سودة، فنهاه أن يدخل عليها، فلما قدم المدينة نفاه،
- 275 -

فكان كذلك حتى أمر عمر فجلد فكان يرخص له يدخل المدينة يوم الجمعة
فيتصدق - يعني يسأل الناس - قاله ابن وضاح.
وأما الواقدي وابن الكلبي، فانهما قد ذكرا أن هيتا المخنث قال لعبد الله
إبن أبي أمية المخزومي - وهو أخو أم سلمة لأبيها، وأمه عاتكة عمة رسول
الله - ◌َ ◌ّ -؛ قال له - وهو في بيت أخته أم سلمة - ورسول الله - وقت -
يسمع : إن افتتحتم الطائف، فعليك ببادية ابنة غيلان بن سلمة الثقفي، فإنها
تقبل بأربع، وتدبر بثمان؛ مع ثغر كالأقحوان، إن جلست تثنت، وإن تكلمت
تغنت، بين رجليها مثل الإناء المكفو، وهي(409) كما قال قيس بن الحطيم :
كأنماشف وجهها نزف
تفترق الطرف وهي لاهية
قصدا فلا جبلة ولا قصف
بين شكول النساء خلقتها
قامت رويدا تكاد تنقصف
تنام عن كبر شأنها فإذا
فقال له النبي - سائق - : لقد غلغلت(410) النظر إليها يا عبد الله، ثم
أجلاه عن المدينة إلى الحمى؛ قال : فلما افتتحت الطائف، تزوجها عبد
الرحمان بن عوف، فولدت له بريهة في قول ابن الكلبي؛ قال : ولم يزل هيت
بذلك المكان حتى قبض النبي - مَّافة -، فلما ولي أبو بكر كلم فيه، فأبى أن
يرده؛ فلما ولي عمر كلم فيه فأبى، ثم كلم فيه بعد وقيل له إنه قد كبر
وضعف، فأذن له أن يدخل كل جمعة فيسأل(411) ويرجع إلى مكانه؛ قال :
وكان هيت مولى لعبد الله بن أبي أمية المخزومي وكان مونا له أيضا، فمن ثم
قيل الخنث.
409) وهي : أي، هي : و.
410) في بعض الروايات (حققت).
411) فيصلي : و.
- 276-

قال أبو عمر :
يقال بادية (412) ابنة غيلان بالياء، وبادنة بالنون، والصواب عندهم بالياء
بادية، وهو قول أكثرهم، وكذلك ذكره الزبير بالياء، فالله أعلم.
وأما قوله تغنت، فقالوا : إنه من الغنة لا من الغناء، أي كانت تتفنن في
كلامها من لينها ورخامة صوتها، يقال من هذه الكلمة : تغنّنَ الرجل وتغنىّ
مثل تظنن وتظنى.
قال ابن إسحاق : وممن استشهد يوم الطائف عبد الله بن أبي أمية بن
المغيرة أخو سلمة من زمعة.
حديث حاد وأربعون لهشام
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه - أن رسول الله - ◌َق -
قال : خمس فواسق يقتلن في الحرم : الفأرة والعقرب والغراب
والحدأة والكلب العقور.(413)
هذا حديث يتصل عن النبي - في - ويستند من حديث ابن عمر
وعائشة، وكلاهما قد سمع منه عروة.
وقد روى هذا الحديث وكيع عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة ولم يذكر فيه عائشة من رواة الموطأ أحد - فيما علمت - والله أعلم.
وهو محفوظ عن عائشة، وعن ابن عمر. فأما حديث ابن عمر، فقد ذكرناه في
412) بادية - بموحدة فألف فدال مهملة فياء، فهاء، وقيل ينون: بادنة، وهي صحابية تزوجت عبد
الرحمان بن عوف.
انظر الاصابة لابن حجر 8 / 26 - 27، وتاج العروس (بدی) 10 / 33.
413) الموطأ رواية يحيى ص : 245 - حديث (794).
- 277 -

باب نافع من هذا الكتاب، وذكرنا هناك ما فيه من الأحكام والمعاني، وما
(للعلماء)(474) في ذلك من المذاهب والحمد لله.
ويشبه أن يكون عروة أخذ هذا الحديث عن عائشة، لأنه راويتها وابن
أختها، وروايته عنها أكثر من روايته عن ابن عمر، فكيف وقد رواه الثقات، عن
هشام، عن أبيه، عن عائشة ؟
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثنا أبي، قال حدثنا أحمد بن
خالد، قال حدثنا علي بن عبد العزيز، قال حدثنا حجاج بن منهال، قال حدثنا
حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - أن رسول
الله - ◌َ - قال: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الكلب العقور
والفأرة والحدأة والعقرب والغراب.(415) قال: وسئل عروة عن لحم الغراب
فکرهه وقال : سماه رسول الله - مراتٍ - فاسقا.
وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال : كره رجال من أهل العلم
أكل الحدأة والغراب حيث ساعن رسول الله - ◌َتي - فواسق الدواب التي تقتل
في الحرم.
قال أبو عمر :
قد ذكرنا الاختلاف في أكلها، وأوضحنا الوجوه التي منها نزعوا في باب
نافع - وبالله التوفيق.
414) كلمة (العلماء) ساقطة في أ، ثابتة في وي - والمعنى يقتضيها.
415) أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه - وذكرت الحية - في بعضها - بدل (العقرب).
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 3 / 453 _ 454.
- 278-

حدیث ثان وأربعون لهشام
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه - أن رسول الله - صَغ -
قال : لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها، إلا أبدلها الله خيرا
منه.(416)
وهذا الحديث قد وصله معن بن عيسى، وأسنده عن مالك، عن هشام، عن
أبيه، عن عائشة، في الموطأ، ولم يسنده غيره في الموطأ - والله أعلم. وقد روي
من حديث أبي هريرة أيضا، وحديث جابر.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح،
قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا ابن نمير، عن هاشم بن هاشم، قال
حدثني أبو صالح مولى الساعدي، عن أبي هريرة، قال : قال رسول
الله - ◌َ - : إن رجالا يستنفرون(417) عشائرهم فيقولون : الخير الخير -
والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفس محمد بيده لا يصبر على وائها
وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة، والذي نفس محمد بيده
إنها لتنفي خبث أهلها، كما ينفي الكير خبث الحديد، والذي نفس محمد بيده
لا يخرج منها أحد رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى،
حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا أحمد بن عمرو البزار، حدثنا محمد بن المثنى
وعمرو بن علي، قالا حدثنا عبد الوهاب عن الجريري، عن أبي نضرة، عن
جابر قال: قال رسول الله - صَلفل -: لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا
أبدلها الله به خيرا منه، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.
416) الموطأ رواية يحيى ص 641 - حديث (1598).
417) يستنفرون : أي، يستفزون : و.
~ 279 -

معنى هذا - عندي - والله أعلم في حياته - فل-، وهذا في مثل
الأعرابي الذي قال: أقلني بيعتي، ومعلوم من رغب عن جوار النبي - عَ اقٍ -
أبدله الله خيرا منه.
وأما بعد وفاته - ق - فقد خرج منها جماعة من أصحابه ولم تعوض.
المدينة بخير منهم.
وروى شعبة قال حدثني يحيى بن هانئ بن عروة المرادي، قال : سمعت
نعيم بن دجاجة، قال سمعت عمر بن الخطاب يقول : لا هجرة بعد
النبي - جع ..
حديث ثالث وأربعون لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه - أن رسول الله - ◌َغ -
قال : من أحيى أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق. (418)
وهذا الحديث مرسل عند جماعة الرواة عن مالك، لا يختلفون في ذلك،
واختلف فيه على هشام : فروته عنه طائفة عن أبيه مرسلا - كما رواه مالك،
وهو أصح ما قيل فيه - إن شاء الله. وروته طائفة عن هشام، عن أبيه، عن
سعيد بن زيد. وروته طائفة عن هشام، عن وهب بن كيان، عن جابر. وروته
طائفة عن هشام، عن عبيد الله بن عبد الرحمان بن رافع، عن جابر. وبعضهم
يقول فيه عن هشام، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن جابر - وفيه اختلاف كثير.
ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام بن عروة قال: خاصم رجل إلى
عمر بن عبد العزيز في أرض حازها فقال عمر: من أحيا من ميت الأرض شيئا.
فهو له، فقال له عروة: قال رسول الله - حائل -: من أحيا شيئا من ميت
الأرض فهو له، وليس لعرق ظالم حق.
418) الموطأ رواية يحيى ص 528 - حديث (1421).
- 289 -