Indexed OCR Text
Pages 241-260
الإعادة في الرجيع، قال : وكذلك في دم الحيض لا يعيد، وقال في البول يعيد في الوقت، فإذا مضى الوقت، فلا إعادة عليه. قال أبو عمر : أقاويل الأوزاعي في هذا الباب مضطربة لا يضبطها أصل، وقال الليث : في البول والروث والدم وبول الدابة ودم الحيض والمني: يعيد - فات الوقت أو لم يفت؛ وقال في يسير الدم في الثوب : لا يعيد في الوقت ولا بعده؛ قال : وسمعت الناس لا يرون في يسير الدم يصلى به وهو في الثوب - بأسا، ويرون أن تعاد الصلاة في الوقت من الدم الكثير، قال : والقيح مثل الدم. قال أبو عمر : هذا أصح عن الليث مما قدمنا عنه، وقد أوردنا في هذا الباب أقاويل الفقهاء وأهل الفتيا مجملة ومفسرة بعد إيراد الأصل الذي منه تفرعت أقوالهم من الكتاب والسنة والإجماع، والذي أقول به أن الاحتياط للصلاة واجب، وليس المرء على يقين من أدائها إلا في ثوب طاهر، وبدن طاهر من النجاسة، وموضع طاهر على حدودها، فلينظر المؤمن لنفسه ويجتهد. وأما الفتوى بالإِعادة لمن صلى وحده وجاء مستفتيا فلا - إذا كان ساهيا ناسيا، لأن إيجاب الإعادة فرضا يحتاج إلى دليل لا تنازع فيه، وليس ذلك موجودا في هذه المسألة. وقد روي عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وسالم، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والشعبي، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري - في الذي يصلي بالثوب النجس وهو لا يعلم، ثم علم بعد الصلاة أنه لا إعادة عليه، وبهذا قال إسحاق، واحتج بحديث أبي سعيد المذكور في هذا الباب. ~ 241 - قال أبو عمر : والحديث حدثناه عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة العدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: بينما رسول الله - ◌َجّ - يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره؛ فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم؛ فلما قضى رسول الله - جائز - صلاته، قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم ؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا؛ فقال رسول الله - سجق - : إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهماقذرا. وقال : إذا جاء أحدكم المسجد، فلينظر: فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسح وليصل فيهما،(343) وهكذا رواه أبو الوليد الطيالي، ويزيد بن هارون، وعفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة یاسناده مثله. ورواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي نضرة - مرسلا. ورواه أبان عن قتادة عن بكر المزني عن النبي - عَجائر - مثله.(344) ففي هذا الحديث ما يدل على جواز صلاة من صلى وفي ثوبه نجاسة - إذا كان ساهيا عنها غير عالم بها على ما ذهب إليه هؤلاء من التابعين وغيرهم، وفي ذلك دليل على أن غسل النجاسات ليس بفرض - والله أعلم. وقد احتج بعض أصحابنا بحديث ابن مسعود أن رسول الله - وافق - لما وضع عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره وهو يصلي، فلم يقطع لذلك صلاته؛ كان ذلك دليلا على أن النجاسة ليس بفرض غسلها، ولوسلم له ظاهر هذا الحديث بأن يكون السلا من جزور غير مذكى، لما كان غسل النجاسات سنة ولا فرضا؛ وقد أجمعوا أن من شرط الصلاة طهارة الثياب والماء والبدن، فدل على نسخ هذا الخبر. 343) انظر سنن أبي داود 1 / 151. 344) نفس المصدر. -242 - وقد روي عن ابن مسعود في ذلك نحو حديث أبي سعيد الخدري. : حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو غسان خالد بن اسماعيل النمري، عن زهير بن معاوية، قال أخبرنا أبو ضرة، عن إبراهيم بن يزيد، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: خلع النبي - وَاجٌ - نعليه وهو يصلي، فخلع من خلفه فقال : ما حملكم على خلع نعالكم ؟ قالوا، يارسول الله، رأيناك خلعت فخلعنا؛ قال : إن جبريل أخبرني أن في إحداهما قذرا، فإنما خلعتهما لذلك، ١ فلا تخلعوا نعالكم. وأما قول من قال بالإعادة في الوقت لمن صلى بثوب نجس، فإنما ذلك استحباب واستحسان لتدرك فضل السنة والكمال في الوقت على ما تقدم ذكرنا له.(345) وروى حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، والأشعث الحمراني - أن الحسن كان يقول : إذا رأى في ثوبه دما بعدما صلى، أنه يعيد ما كان في الوقت؛ وإن كان في جلده، أعاد وإن ذهب الوقت. قال حماد : وقال هشام : إذا رأى دما أو جنابة أو نجسا، أعاد وإن ذهب الوقت، وقاله أبو قلابة؛ وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، والطبري؛ لأن الإعادة إذا وجبت لم يسقطها خروج الوقت، ولا فرق في القياس بين البدن والثوب، وقد تقدمت الحجة في هذا الباب لكلا القولين؛ وأما قول من راعى (346) في النجاسات قدر الدرهم، فقول لا أصل له ولا معنى يصح؛ لأن التحديد لا يثبت إلا من جهة التوقيف لا من جهة الرأي،(347) والذي يصح - عندي - في مذهب مالك بما أقطع على صحته عنه فيما دل عليه عظم مذهبه في أجوبته، أنه من صلى بثوب 345) ذکرنا له : أ، ي، ذكره : و. 346) رأی : أ، راعى : و، ي - وهي أنسب. 347) تكرر في نسخة أقول المؤلف : (وأما قوله من راعى ... من جهة الرأي). : - 243 - نجس فيه نجاسة ظاهرة لاتخفى، فإنه يعيد أبدا، كمن صلى بماء قد ظهرت فيه النجاسة فغيرته، أو تيمم على موضع النجاسة فيه ظاهرة غالبة؛ ومن صلى بثوب قداستيقن فيه نجاسة، إلا أنها غير ظاهرة فيه أعاد في الوقت، وعليه أن يغسله كله لما يستقبل؛ كمن توضأ بماء لم تغيره النجاسة، أو تيمم على موضع لم تظهر فيه نجاسة؛ هذا - عندي - أصح ما يجئ على مذهب مالك، وما أستوحش ممن خالفني عنه في ذلك، وبالله العصمة والتوفيق لا شريك له. وقياسهم ذلك على حلقة الدبر في الاستنجاء، مع إقرارهم أن ذلك موضع مخصوص بالأحجار، لأنها لا تزيل النجاسة إزالة صحيحة كالماء؛ وان ماعدا المخرج لا يطهره إلا الماء، أو ما يعمل عمل الماء عندهم في إزالة عين النجاسة؛ قياسا على غير نظير ولا علة معلولة وبالله التوفيق. وأما قوله : ثم تنضحه بالماء ثم لتصل فيه، فيحتمل أن يكون النضح ههنا الغسل على ما بينا في غير موضع من كتابنا هذا، ويحتمل أن يكون النضح الرش لما شك فيه ولا يرى، فيقطع بذلك الوسوسة، إذ الأصل في الثوب الطهارة حتى تستيقن النجاسة؛ فإذا استوقنت، لزم الغسل والتطهير. وأما الرش، فلا يزيل نجاسة في النظر، وقد بينا أيضا هذا المعنى في مواضع من هذا الكتاب؛ ولولا أن السلف جاء عنهم النضح ما قلنا بشيء منه، ولكن قد جاء عن عمر حين أجنب في ثوبه : أغسل ما رأيت. وأنضح ما لم أره، وعن أبي هريرة وغيره مثل ذلك، وذلك عندي والله أعلم قطع لحزازات النفوس، ووسارس الشيطان. روى الأوزاعي عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت : (348) إذا حاضت المرأة في الثوب ثم طهرت، فلتتبع ما أصاب ثوبها من الدم فلتغسله وتنضح باقيه ثم تصلي فيه. 348) قال : أ، قالت : و، ي - وهي أنسب. - 244 - وفي هذا الحديث وحديث أسماء المذكور في هذا الباب، دليل على أن قليل الماء يطهر النجاسة إذا غلب عليها واستهلكها، ومعلوم أن دم الحيض في ذلك الثوب قد طهره ما دون القلتين، وقد بينا الصحيح عندنا في الماء من مذاهب العلماء في باب إسحاق بن أبي طلحة - والحمد لله. حديث خامس وثلاثون لهشام مالك، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، أنها قالت : أتيت عائشة حين خسفت الشمس، فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلي، فقلت : ما للناس ؟ فأشارت(349) (بيدها) نحو السماء وقالت : سبحان الله ! فقلت : آية، فأشارت برأسها أن نعم؛ قالت : فقمت حتى تجلاني الغشي، وجعلت أصب فوق رأسي الماء؛ فحمد الله رسول الله - ماتحمل - وأثنى عليه، ثم قال : ما من شيء كنت لم أر» إلا وعد(350) رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار، ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبا من فتنة الدجال، لا أدري أيتهما قالت أسماء : يؤتى أحدكم فيقال له : ما علمك بهذا الرجل ؟ فأما المؤمن أو الموقن لا أدري أي ذلك قالت أسماء ؟ فيقول : هو محمد: رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا، فيقال له : نم صالحا، قد علمنا إن كنت 349) في ي ومثله في الموطأ : (فأشارت بيدها) بزيادة (بيدها). 350) في الموطأ (قد). - 245 - لمومنا؛ وأما المنافق أو المرتاب - لا أدري أيهما قالت أسماء - فيقول : لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.(351) قد مضى معنى الكسوف والخسوف في اللغة فيما تقدم من حديث هشام، ومضت معاني صلاة الكسوف في باب زيد بن أسلم؛ وفي هذا الحديث من الفقه أن الشمس إذا كسفت بأقل شيء منها، وجبت الصلاة لذلك على سنتها؛ ألا ترى إلى قول أسماء : ما للناس ؟ فأشارت لها عائشة إلى السماء، فلو كان كسوفا بينا ما خفي على أسماء ولا غيرها حتى تحتاج أن يشار إلى السماء؛ وقالت طائفة من أصحابنا وغيرهم :(352) إن الشمس لا يصلى لها حتى تسود بالكسوف أو يسود أكثرها، لما روى في حديث الكسوف : إن الشمس كف بها وصارت كأنها تنومة : أي ذهب ضوؤها واسودت، والتنوم نبات أسود ! وهذا القول ليس بشيء، لأن رسول الله - على - لم يقل: لا يصلى لكسوفها حتى تسود، بل صلى(353) لها في كلتا الحالتين، وليس في إحداهما ما يدفع الأخرى، وليس ما ذكر في الصحة كحديث أسماء. وفيه أيضا من الفقه دليل على أن خوف الشمس يصلى لها في جماعة، وهذا المعنى - وإن قام دليله من هذا الحديث، فقد جاء منصوصا في غيره . والحمد لله. وهو أمر لا خلاف(354) فيه، وإنما الاختلاف في كيفية تلك الصلاة. وفيه دليل على أن صلاة خسوف الشمس لا يجهر فيها بالقراءة، وقد ذكرنا الحجة في أن القراءة في الكسوف سرا، واختلاف العلماء في ذلك ووجوه أقوالهم في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب. 351) الموطأ رواية يحيى ص 128 - حديث (447) والحديث أخرجه البخاري عن اسماعيل، وعبد الله بن يوسف، كلاهما عن مالك به. انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 383. 352) كلمة (ان) ساقطة في و. 353) صلى لها : أ، ي، صلاها : و. 354) خلاف : أ، ي، اختلاف : و. ~ 246- وفيه أن المصلي إذا كلم أشار ولم يتكلم، لأن الكلام ممنوع منه في الصلاة. وفيه أن النساء يسبحن إذا نابهن شيء في الصلاة، لقول عائشة حين سألتها أسماء : ما للناس ؟ فقالت : سبحان الله، وأشارت بيدها ولم تصفق، وفي هذا(355) حجة لمالك في قوله : إن النساء والرجال في هذا المعنى سواء، من نابه منهم شيء في صلاته سبح، ولم يصفق رجلا كان أو امرأة؛ وقد ذكرنا ما في هذه المسألة من الآثار واختلافها، وما للعلماء من المذاهب فيها في باب أبي حازم من كتابنا هذا والحمد لله. وفيه أن الإشارة باليد وبالرأس لا تضر المصلي ولا بأس بها، وأما قولها : فقمت حتى تجلاني الغشي، فمعناه : أنها قامت حتى غشي عليها، أو كاد أن يغشى عليها من طول القيام؛ وفي هذا دليل على طول القيام في صلاة الکسوف. وأما قوله : فحمد الله وأثنى عليه، فذلك كان بعد الفراغ من الصلاة، وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء في الخطبة بعد الكسوف فيما تقدم من حديث هشام بن عروة في هذا الكتاب. وأما رؤيته - ◌َطفل - للجنة والنار، فذلك ثابت عنه في كثير من الآثار، ونحن لا نکیف ذلك ولا نحده. وأما قوله : أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم، فإنه أراد فتنة الملكين: منكر ونكير حين يسألان العبد : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ والآثار في هذا متواترة، وأهل السنة والجماعة كلهم على الإيمان بذلك، ولا ينكره إلا أهل البدع؛ وفي قوله : مثل أو قريب من فتنة الدجال، دليل على أنهم كانوا يراعون الألفاظ في الحديث المسند وهذا في طائفة من أهل العلم، وطائفة 355) هنا : أ، ي، هذه : و. - 247 - يجيزون الحديث بالمعاني، وهذا إنما يصح لمن يعرف المعاني ومذاهب العرب؛ وهو مذهب ابن شهاب، وعطاء، والحسن، وجماعة غيرهم؛ وكان مالك لا يجيز الإخبار بالمعاني في حديث رسول - ◌َ ◌ّ - لمن قدر على الإتيان بألفاظه: حدثنا خلف بن أحمد، قال حدثنا أحمد بن مطرف، قال حدثنا أحمد بن خالد، قال حدثنا يحيى بن عمر، قال حدثنا الحرث بن مسكين، أخبرنا يوسف ابن عمرو، عن ابن وهب، قال : سمعت مالكا - وسئل عن المسائل إذا كان المعنى واحدا، والكلام مختلف؛ فقال : لا بأس به إلا الأحاديث التي عن رسول الله - ے ۔ حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر، قال حدثنا ابن أبي دليم، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا زيد بن البشر، قال : سمعت ابن وهب يقول : سأل مالكا رجل فقال : الكتاب يعرض عليك فينقلب به صاحبه فيبيت عنده، أيجوز أن أحدث به ؟ قال : نعم .. قال أبو عمر : هذا خلاف رواية أشهب، لأن أشهب روى في مثل هذا المعنى : أخشى أن يزاد في كتبه بالليل، ومحمل الروايتين - عندي - على أن الثقة جائز أن يعار الكتب ثم يحدث بما استعار من ذلك؛ وأما غير الثقة المأمون عليها فلا. وأما الفتنة فلها في كلام العرب وجوه كثيرة منها أن يفتن الرجل في دينه ببلوى من سلطان غالب، أو بهوى يصرفه عن الصواب في الدين أو بحب يشغل قلبه حتى يركب ما لا يحل له؛ فهذه فتنة تشربها القلوب كما أشرب بنو إسرائيل حب العجل وفتنوا به؛ والفتنة : الحرق بالنار، وللفتنة وجوه كثيرة. معاني الفتنة العرب وأما قوله - ◌َ ◌ّ - : إنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال أو قريب منها، فالفتنة ههنا معناها : الابتلاء والامتحان والاختبار، ومن ذلك قول الله - 248 - - عز وجل - لموسى: ﴿وفتَنَّاك فتونا﴾.(356) أي ابتليناك ابتلاء واختبرناك اختبارا. وفي عذاب القبر نزلت : ﴿يثَبَّتُ الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾.(357) حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا اسماعيل بن إسحاق القاضي، قال حدثنا عمرو بن مرزوق، قال أخبرنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن البراء بن محارب، عن النبي - عَ اتّ - قال: ((يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)). قال: في القبر إذا سئل : من ربك وما دينك ومن نبيك. ورواه غندر وغيره هكذا عن شعبة بإسناده مثله. وروى أبو معاوية عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن البراء، مثله موقوفا. وذكر بقي قال حدثنا إسحاق بن أبي اسرائيل قال حدثنا هشام بن يوسف عن ابن جريح: ((يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا)»: لا إله إلا الله، وفي الآخرة المسألة في القبر. أخبرنيه ابن طاوس عن أبيه. وروى الأعمش ويونس بن خباب عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسوله الله - ◌َ ◌ّ - في جنازة، فذكر الحديث الطويل بتمامه، وفيه في صفة المومن ثم يعاد روحه إلى جسده، وأنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه، ويدخل عليه ملكان فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : الله، فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : الإسلام، فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : وأي رجل ؟ فيقولان : محمد رسول الله - ◌َا} - فيقول: أشهد أنه رسول الله، قال: فينتهرانه ويقولان له: وما 356) الآية : 40 - سورة طه. 357) الآية : 27 - سورة ابراهيم. -249 - يدريك ؟ فيقول: إني قرأت كتاب الله فصدقت به وآمنت، قال: فهي آخر فتنة تعرض على المومن، وذلك قول الله - عز وجل: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. قال: وينادي مناد من السماء : أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وأروه مقعده من الجنة؛ فيأتيه من طيبها . - وساق الحديث إلى صفة المنافق والمرتاب، قال: فيدخل عليه ملكان فيقولان له : اجلس، قال : وانه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه، قال : فيجلس فيقولان له : من ربك ؟ وما (358) دينك؟ ومن نبيك ؟ ففي رواية يونس بن خباب، فيقول : ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد - ميتغ؛ فينتهرانه انتهارا شديدا ويقولان : من ربك وما دينك ومن نبيك ؟ فيقول : لا أدري، فيقولان : لا دريت ولا تليت.(359) ٠٢ وقال الأعمش في حديثه : فيقولان : من ربك وما دينك، فيقول : لا أدري، فيقولان: ما(360) تقول في هذا الرجل، فيقول : وأي رجل، فيقولان : محمد، فيقول : لا أدري ؟ سمعت الناس قالوا : قولا، فقلت كما يقول الناس؛ قال : فينادي مناد من السماء : أن كذب عبدي فأفرشوه من النار، وأروه مقعده من النار، ويضيق عليه قبره(361) حتى تختلف أضلاعه . - وساقا الحديث إلى آخره.(362) وروينا عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أصحابه وعن معمر، عن عمرو ابن دينار، وعن سعد بن ابراهيم، عن عطاء بن يسار، دخل حديث بعضهم في بعض - والمعنى واحد: أن رسول الله - سجق - قال لعمر: كيف بك يا عمر إذا 358) ما : أي، وما : و. 359) أخرجه البخاري ومسلم، انظر الترغيب والترهيب 4 / 362. 360) ما تقول : أ، ي، فما تقول : و. 367) قبره : أ، ي، قبره : و. 362) رواه أبو داود، انظر الترغيب والترهيب 4 / 366. - 250- جاءك منكر ونكير إذا مت وانطلق بك قومك فقاموا ثلاثة أذرع وشبرا في ذراع وشبر، ثم غسلوك وكفنوك وحنطوك واحتملوك فوضعوك فيه، ثم أهالوا عليك التراب؛ فإذا انصرفوا عنك، أتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، يجران شعورهما معهما مرزبة، لو اجتمع عليها أهل الأرض لم يقلوها.(363) فقال : عمر: إن فرقنا، فنحن أحق أن نفرق، أنبعث على ما نحن عليه ؟ قال: نعم - إن شاء الله، قال: إذن أكفيكهما. وذكر سنيد عن اسماعيل بن علية، عن عباد بن إسحاق، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - مَّافة -: إذا مات المسلم أو المومن أتاه ملكان أزرقان أسودان يقال لأحدهما منكر والآخر نكير، فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : ما كان يقول في الدنيا ؟ هو عبد الله ورسوله جاء بالحق، فيقال له : قد كنت تقول هذا، ثم يفتح له في قبره سبعين ذراعا في سبعين، (364) وينور له عنده نور، ويقال له : نم صالحا، فيقول : أرجع إلى أهلي فأخبرهم ؟ فيقال له : نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب الناس إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك؛ وإن كان منافقا قال :(365) سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيقال : قد كنت تقول ذلك، قال : ثم تؤمر الأرض فتلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال كذلك معذبا حتى يبعثه الله.(366) والآثار في عذاب القبر لا يحوط بها كتاب، وإنما ذكرنا منها ههنا ما في معنى حديثنا، وما رجونا أن يكون تفسيرا له، والآثار المرفوعة كلها في هذا المعنى تدل على أن الفتنة - والله أعلم - مرة واحدة. 363) من أقل الشيء يقله: إذا رفعه وحمله، ومنه حديث العباس، انظر النهاية 4 / 104. 364) سبعين : أ، ي، تسعين: و - والرواية (سبعين) - بالباء الموحدة. 365) قال : أ، ي، فيقول : و. 366) رواه الترمذي وقال فيه حديث حسن غريب، وابن حبان في صحيحه. انظر الترغيب والترهيب 4 / 371. - 251 - وكان عبيد بن عمير فيما ذكر ابن جريج عن الحرث بن أبي الحرث عنه يقول : يفتن رجلان : مومن، ومنافق، فأما المومن، فيفتن سبعا، وأما المنافق، فيفتن أربعين صباحا. قال أبو عمر : الآثار الثابتة في هذا الباب إنما تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون الا لمومن أو منافق، ممن كان في الدنيا منسوبا إلى أهل القبلة ودين الإسلام ممن حقن دمه بظاهر الشهادة، وأما الكافر الجاحد المبطل، فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام - والله أعلم - ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ - الآية. وأما ما جاء من الآثار في أن اليهود تعذب في قبورها، ففي حديث أنس أن رسول الله - فلفل - مر مع بلال على البقيع فقال: ألا تسمع ما أسمع يا بلال ؟ قال : لا والله يا رسول الله ما أسمع، قال: أما تسمع أهل القبور يعذبون - يعني قبور الجاهلية ؟ فهذا - والله أعلم - عذاب غير الفتنة والابتلاء الذي يعرض المومن، وإنما هذا عذاب واصب للكفار إلى أن تقوم الساعة فيصيرون إلى النار؛ ألا ترى إلى قول الله - عز وجل - : ﴿وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب﴾.(367) وجائز أن يكون عذاب القبر غير فتنة القبر. وقد ثبت عن النبي - صل - أنه كان يستعيذ من فتنة القبر، وعذاب القبر، وعذاب النار في حديث واحد، وذلك دليل على أن عذاب القبر غير فتنة القبر - والله أعلم، لأن الفتنة قد تكون فيها النجاة، وقد يعذب الكافر في قبره على كفره دون أن يسأل - والله أعلم. 367) الآية : 45 - سورة غافر. - 252 - أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا حمزة بن محمد، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك، قال حدثنا أبو أسامة، قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت : كان رسول الله - وقٍ - كثيرا ما يدعو بهؤلاء الكلمات : اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب القبر، وشر فتنة المسيح الدجال، ومن شر فتنة القبر، ومن شر فتنة الغنى، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، وأنق قلبي من الخطايا، كما أنقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم أني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم. (368) أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا حمزة بن محمد، قال حدثنا أحمد ابن شعيب، قال أخبرنا إسحاق بن ابراهيم، قال أخبرنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله - صَ لّ - يقول: اللهم إني أعوذبك من عذاب النار، وفتنة النار، وعذاب القبر، وفتنة القبر، ومن شر فتنة المسيح الدجال، ومن شر الغنى وشر فتنة الفقر، اللهم اغسل خطاياي - وذكر تمام الحديث، بمعنى ما تقدم سواء.(369) فهذا الحديث يدل على أن فتنة القبر. غير عذاب القبر، لأن الواو تفصل بين ذلك، هذا ما توجبه اللغة - وهو الظاهر في الخطاب - والله أعلم. وقد تقدم عن عبيد بن عمير أنه قال : إنما يفتن رجلان : مؤمن ومنافق، وهو معنى ما قلنا، وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي - ◌َ ةٍ - أنه قال : إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، ومنهم من يرويه : تسأل في قبورها، وهذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصت بذلك، وهو أمر لا يقطع عليه - والله أعلم. 368) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. انظر الفتح الكبير 1 / 240 - 241. 369) لم يذكر النسائي الحديثين في المجتبى (الصغرى)، ولعله أخرجهما في الكبرى - وهي مخطوطة لم تنشر بعد. - 258 - وحديث زيد بن ثابت هذا رواه عنه أبو سعيد الخدري، ذكره سنید، وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا حدثنا اسماعيل بن علية، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال حدثنا زيد بن ثابت أن رسول الله - لغ - قال : إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، وقال ابن أبي شيبة : تسأل في قبروها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع.(370) وقد يجوز أن يتأول متأول في هذا الحديث وسياقته على ما ذكره ابن أبي شيبة فيه : أن فتنة القبر والسؤال فيه هو عذاب القبر، ولكن ما ذكرنا أظهر في المعنى، وأحكام الآخرة لا مدخل فيها للقياس والاجتهاد، ولا للنظر والاحتجاج، والله يفعل ما يشاء لا شريك له. وقد ذكر سنيد عن اسماعيل بن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال : ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث، ثلث من البول، وثلث من الغيبة، وثلث من النميمة، وهذا لا حجة فيه، لأنه ليس بمسند ولا متصل؛ ولا يحتج بمثله، على أنه يحتمل أن يكون عذاب القبر ههنا للمرتاب بعد السؤال الذي هو الفتنة وسببها - والله أعلم -. ويحتمل أن يكون قوله : عذاب القبر - بمعنى فتنة القبر، فإنها تؤول إلى العذاب وفيها عذاب - والله أعلم بحقيقة(371) (ذلك) لا شريك له. حديث سادس وثلاثون لهشام بن عروة مالك، عن هشام بن عروة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير - " أن عائشة زوج النبي - يتم - أخبرته أنها سمعت رسول الله - بلغ - 370) انظر مصنف أبي بكر بن أبي شيبة 3 / 373. 371) بالحقيقة: أ، بحقيقته : و، بحقيقة ذلك : ي. - 254 - قبل أن يموت - وهو مستند إلى صدرها وأصغت إليه يقول : اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق (الأعلى).(372) قال أبو عمر : إذا كان رسول الله - R - وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - يدعو بالرحمة والمغفرة، فغيره أولى أن لا يفتر من الاستغفار وسؤال الرحمة من العزيز الغفار. ألهمنا الله لدعائه وسؤاله، والله لا يخيب من دعاه ولا يحرم سائله، ولقد أحسن القائل - وهو عبيد : من يسألّ الناس تحرموه وسائل الله لا یخیب وأما قوله في هذا الحديث : وألحقني بالرفيق، فقيل : الرفيق أعلى الجنة، وقيل : الرفيق : الملائكة والأنبياء والصالحون، من قوله - عز وجل - ﴿وحسُنَ أولئك رفيقا﴾.(373) قال أهل اللغة : رفيقا ههنا بمعنى رفقاء، كما يقال : صديق بمعنى أصدقاء، وعدو بمعنى أعداء. حديث سابع وثلاثون لهشام - وهو أول المراسيل مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال . وهو يطوف بالبيت للركن الأسود : إنما أنت حجر، ولولا أني رأيت رسول الله - ◌َ ◌ّ - قبلك ما قبلتك، ثم قبله.(374) 372) كلمة (الأعلى) ساقطة في النخ الثلاث، والرواية على إثباتها. 373) الآية : 69 - سورة النساء. 374) الموطأ رواية يحيى ص 252 - حديث (821). - 255 - هذا الحديث مرسل في الموطأ هكذا لم يختلف فيه، وهو يستند من وجوه صحاح ثابتة. ذكر ابن وهب في موطئه قال : أخبرني يونس، وعمرو بن الحرث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أنه حدثه قال : قبل عمر الحجر ثم قال : أما والله لقد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله - ے - يقبلك ما قبلتك. قال عمرو بن الحرث : وحدثني بمثلها زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر. قال أبو عمر : زعم أبو بكر البزار أن هذا الحديث رواه عن عمر مسندا أربعة عشر رجلا. قال أبو عمر : أفضلها وأثبتها وإن كانت كلها ثابتة - حديث الزهري عن سالم، عن أبيه. وحدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا وجيه بن الحسن قال حدثنا بكار بن قتيبة، قال حدثنا مؤمل، قال حدثنا سفيان، عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس، قال : رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر ويقول : إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولكن رأيت رسول الله - ◌َ} - يقبلك فأنا أقبلك. .وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن اسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان بن عيينة، وحدثنا عبد الوارث ابن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ. قال حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا حماد بن زيد، قالا حدثنا عاصم الأحول، قال : سمعت عبد الله بن سرجس، قال: رأيت الأصلع عمر بن الخطاب - رحمة الله عليه - أتى - 256 - الركن الأسود فقبله ثم قال والله إني أعلم أنك حجر لا نصر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صَ لّ - يقبلك ما قبلتك.(375) أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا ابن كثير، قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن ابراهيم عن عائش بن ربيعة عن عمر أنه جاء إلى الحجر فقبله فقال: إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله - جي - يقبلك ما قبلتك.(376) وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، قال حدثنا محمد بن سابق، قال حدثنا اسرائيل عن ابراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة قال : رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر ويقول :(377) إني لأعلم أنك حجر، ولكني رأيت أبا القاسم - التّ - بك حفيا. قال أبو عمر : لا يختلفون أن تقبيل الحجر الأسود في الطواف من سنن الحج لمن قدر على ذلك، ومن لم يقدر على تقبيله، وضع يده عليه ورفعها إلى فيه، فإن لم يقدر على ذلك أيضا للزحام كبر إذا قابله، فمن لم يفعل فلا حرج عليه، ولا ينبغي لمن قدر على ذلك أن يتركه تأسيا برسول الله - شائعٍ - وأصحابه بعده. أخبرنا محمد بن خليفة، قال حدثنا محمد بن نافع المكي، قال حدثنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، قال حدثنا محمد بن علي، قال حدثنا سعيد بن منصور، قال حدثنا أبو عوانة، عن عامر بن أبي سلمة، عن أبيه، أن عبد الرحمان ابن عوف ان إذا أتی الرکن فوجدهم یزدحمون علیه، استقبله و کبر ودعا ثم طاف، فإذا رأى خلوة استلمه. 375) انظر سنن الحميدي 1 / 7 - حديث (9). 376) انظر سنن أبي داود 1 / 433. 377) وهو يقول : أ، ويقول : وي. - 257 - التمهيدج٢٢ حديث ثامن وثلاثون لهشام بن عروة مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال : قال رسول الله - موز - لعبد الرحمان بن عوف: كيف صنعت يا أبا محمد في استلام الركن ؟ فقال عبد الرحمان: استلمت وتركت. فقال رسول الله - ◌َع - : أصبت.(378) قال أبو عمر : كان ابن وضاح يقول في موطأ يحيى : (379) إنما الحديث كيف صنعت يا أبا محمد في استلام الركن الأسود، وزعم أن يحيى(380) سقط له من كتابه الأسود، وأمر ابن وضاح بإلحاق الأسود في كتاب يحيى، ولم يرو يحيى الأسود، ولكنه رواه ابن القاسم وابن وهب والقعنبي وجماعة، وقد روى أبو مصعب وغيره كما روى يحيى - لم يذكروا الأسود؛ وكذلك رواه ابن عيينة، وغيره، عن هشام بن عروة، عن أبيه - لم يذكروا الأسود كما روى يحيى، وهو أمر محتمل جائز في الوجهين جميعا. ورواه الثوري، عن هشام، عن أبيه، فقال فيه : كيف صنعت في استلامك الحجز، وسنذكر في آخر هذا الباب بعض ما ذكرنا من أسانيد هذا الحديث - إن شاء الله. 378) الموطأ رواية يحيى ص : 252 - حديث (819). 379) موطأ يحيى : أ، موطأ مالك : و. 380) أن يحيى : أ، هذا الحديث : و. - 258 - وقد صنع ابن وضاح مثل هذا أيضا في موطأ يحيى في قول مالك : سمعت بعض أهل العلم يستحب إذا رفع الذي يطوف بالبيت يده عن الركن اليماني أن يضعها على فيه، فأمر ابن وضاح بطرح اليماني من رواية يحيى، وهذا مما تسور فيه على رواية يحيى وهي (381) أصوب(382) من رواية يحيى ومن تابعه في هذا الموضع وكذلك روى ابن وهب، وابن القاسم، وابن بكير، وأبو المصعب وجماعة في هذا الموضع عن مالك أنه سمع بعض أهل العلم يستحب إذا رفع الذي يطوف بالبيت يده عن الركن اليماني أن يضعها على فيه، زاد ابن وهب : من غير تقبيل، وقالوا كلهم : الركن اليماني، والعجب من ابن وضاح، وقد روى موطأ ابن القاسم : وفيه اليماني كيف أنكره. وقد روى القعنبي عن مالك في ذلك قال : سمعت بعض أهل العلم يستحبون إذا رفع الذي يطوف بالبيت يده عن الركن الأسود أن يضعها على فيه. هكذا قال القعنبي : الركن الأسود، وأظن ابن وضاح إنما أنكر اليماني في رواية يحيى، لأنه رأى رواية القعنبي، أو من تابع القعنبي على قوله الأسود، فمن هناك أنكر اليماني، على أن ابن وضاح لم يرو موطأ القعنبي وروى موطأ ابن القاسم وموطأ ابن وهب وفيهما جميعا اليماني كما روى يحيى وهي بأيدي أهل بلدنا في الشهرة كرواية يحيى، ولكن الغلظ لا يسلم منه أحد، وأما إدخاله في حديث عبد الرحمان بن عوف : الأسود، فكذلك رواه أكثر رواة الموطأ، فابن وضاح في هذا معذور، ولكنه(383) لم يكن ينبغي له أن يزيد في رواية الرجل ولا يردها إلى رواية غيره، ففي ذلك من الإحالة ما لا يرضاه أهل الحديث، وهذا المعنى في الفقه كله جائز عند أهل العلم لا نكير فيه، فجائز عندهم أن يستلم الركن اليماني والركن الأسود لا يختلفون في شيء من ذلك، 381) وهو : أ، وهي : وي - وهي أنسب. 382) صواب : أو، أصوب: ي - وهي أنسب. 383) ولكنه : أ، ولكن : وي. - 259 - وإنما الذي فرقوا بينهما فيه التقبيل لا غير، فرأوا تقبيل الركن الأسود والحجر، ولم يروا تقبيل اليماني، وأما استلامهما جميعا فأمر مجتمع عليه، وإنما اختلفوا في استلام الركنين الآخرين وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك في مواضع من کتابنا ۔ والحمد لله. ء وقد كان عروة بن الزبير وهو راوية هذا الحديث يستلم الأركان كلها، ذكر مالك في الموطأ عن هشام بن عروة أن أباه كان إذا طاف بالبيت يستلم الأركان كلها، وكان لا يدع الركن اليماني إلا أن يغلب عليه. (384) وذكر ابن وهب في موطأ مالك عن مالك قال : سمعت بعض أهل العلم يستحب إذا رفع الذي يطوف يده على الركن اليماني أن يضعها على فيه من غير تقبيل ولا يقبل إلا الركن الأسود، يقبل ويستلم باليد وتوضع على الفم، ولا يقبل اليد فيهما جميعا. قال أبو عمر : فهذا كله من قول مالك في موطئه من رواية ابن وهب وغيره يبين ما بینا وبالله توفيقنا. وفي استلام الركنين الأسود واليماني آثار ثابتة مسندة، أحسنها: حديث ابن شهابٍ عن سالم عن ابن عمر قال: لم أر رسول الله - وَجُلٌ - يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين، قال : وأخبر ابن عمر بقول عائشة أن الحجر من البيت، فقال: إن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله - وَائل - إني لأظن(385) رسول الله - واقع - لم يترك استلامهما إلا أنهما ليسا على قواعد إبراهيم - عَز-، ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك.(386) 384) الموطأ ص 252 - حديث (820). 385) لأظن: أي، لا أظن: و- والرواية على ما في نسخة أي. 386) انظر سنن أبي داود 1 / 433. - 260 -