Indexed OCR Text

Pages 101-120

واختلف عن زفر في التيمم بغير نية، فروي عنه مثل قول الحسن بن
حي والأوزاعي، وروي عنه مثل قول أبي حنيفة والثوري في الفرق بين الوضوء
والتيمم؛ وحجة من أسقط النية ولم يراعها في الوضوء بالماء : أن الوضوء ليس
فيه فرض ونافلة فيحتاج المتوضئ فيه إلى نية، قالوا : وإنما يحتاج إلى النية
فيما فيه من الأعمال فرض ونقل، ليفرق بالنية بين ذلك؛ وأما الوضوء فهو فرض
للنافلة والفريضة، ولا يصنعه أحد إلا لذلك، فاستغنى عن النية؛ قالوا: وأما
التيمم فهو بدل من الوضوء، فلا بد فيه من النية، ومن جمع في ذلك بين التيمم
والوضوء، فحجته في ذلك واحدة؛ ومن حجتهم أيضا : الإجماع على إزالة
النجاسات من الأبدان والثياب بغير نية، وهي طهارة واجبة فرضا عندهم،
قالوا : فكذلك الوضوء.
ـهة عباد
قال أبو عمر :
القول الصحيح قول من قال: لا تجزئ طهارة إلا بنية وفقد، لأن
المفروضات لا تؤدى إلا بقصد أدائها، ولا يسمى الفاعل على الحقيقة فاعلاً إلاّ
بقصد منه إلى الفعل؛ ومحال أن يتأدى عن المرء ما لم يقصد إلى أدائه وينويه
بفعله، وأي تقرب يكون من غير متقرب ولا قاصد، والأمر في هذا واضح لمن
ألهم رشده ولم تمل به عصبيته.
واختلف الفقهاء فيمن اغتل للجمعة - وهو جنب ولم يذكر جنابته :
فقالت طائفة : تجزيه، لأنه اغتل للصلاة وإستباحتها - وليس عليه مراعاة
الحدث ونوعه، كما ليس عليه أن يراعي حدث البول من الغائط من الريح
وغير ذلك من الأحداث؛ وإنما عليه أن يتوضأ للصلاة، فكذلك الغسل للصلاة
يوم الجمعة تجزيه من الجنابة؛ وإلى هذا ذهب المزني صاحب الشافعي، فهو
قول جماعة من أصحاب مالك، منهم : أشهب وابن وهب وابن كنانة ومطرف
وعبد الملك ومحمد بن مسلمة؛ وقال آخرون : لا يجزئ الجنب الغسل للجمعة
- 101 -

إذا لم يذكر جنابته، ولا يجزيه عن الجنابة إلا الغسل الذي يعتد به لها بقصد
منه إلى ذلك ونية ورفع لجنابته بإرادة ذلك وذكره لها، لأن الفرائض لا تؤدى
إلا بذلك، ولأن الغسل للجمعة سنة واستحباب، ومحال أن تجزئ سنة عن فرض،
كما لا تجزئ ذلك في شيء من الصلاة، وسائر الأعمال التي فيها الفرض والنفل؛
وهذا القول صح في النظر، وهو قول مالك والشافعي وداود بن علي وأحمد بن
حتيل، وإليه ذهب ابن القاسم صاحب مالك، وابن عبد الحكم، وروياه عن
مالك.
وأما حديث مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة : كنت أغتسل
أنا ورسول الله - ◌َّةٍ - من إناء واحد - فليس عند يحيى في الموطأ، ولذلك لم
يذكره مهنا، وعنده في ذلك حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة؛ وقد تقدم
تكره وما فيه من الأحكام في باب ابن شهاب من هذا الكتاب، وقد جمعهما ابن
كبير وغيره : حديث هشام وحديث ابن شهاب؛ ورواه القعنبي عن مالك، عن
حتام أو ابن شهاب - على الشك، ولم يقل لفظهما.
حديث ثان لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - أنها قالت :
قالت فاطمة ابنة أبي حبيش: يا رسول الله، إني لا(29) أطهر، أفادع
الصلاة ؟ فقال لها رسول الله - جي -: إنما ذلك عرق وليس(30)
(29) في الأصل (لا طهر) - وهو تحريف شاهر.
(3) كذا في الأصل، ومثله في شرح الزرقاني على الموطأ، والذي في التقصي وباقي نسخ الموطأ
(وليست) بتاء التأنيث.
-102 -

بالحيضة؛ فإذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة؛ فإذا ذهب قدرها،
فاغسلي عنك الدم وصلي(31).
هكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة رواة الموطأ فيما علمت، لم
يختلفوا في إسناده ولفظه، وكذلك لم يختلف الرواة عن هشام في إسناده،
واختلفوا عنه في بعض ألفاظه؛ وممن رواه عن هشام بهذا الإسناد - حماد بن
زيد وأبو حنيفة، وأبو معاوية وابن عيينة، وحماد بن سلمة، ومحمد بن كناسة؛
وبعضهم يذكر فيه ألفاظا لا يذكرها غيره منهم، وربما أوجبت تلك الألفاظ
أحكاما؛ فرواية حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن فاطمة
بنت أبي حبيش استفتت النبي - صّ ◌َّ - فقالت: يا رسول الله، إني أستحاض
فلا أطهر، أفأدع الصلاة ؟ فقال : إنما ذلك عرق وليست بالحيضة؛ فإذا أقبلت
الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغلي عنك أثر الدم - وتوضئي؛ فإنما ذلك
عرق، وليست بالحيضة. فقيل لحماد : فالغل، فقال : ومن يشك في ذلك
غسلا واحدا بعد الحيضة.
وأما رواية أبي حنيفة، فحدثنا خلف بن قاسم بن سهل الحافظ، قال حدثنا
محمد بن الحسين بن صالح السبيعي، قال حدثنا محمد بن الحسين بن ساعة،
قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، واسم دكين عمرو - قال : حدثنا أبو
حنيفة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - أن فاطمة بنت أبي حبيش
قالت: يا رسول الله، إني أحيض في الشهر والشهرين، فقال النبي - صلّ - هذا
عرق من دمك؛ فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتلي
لطهرك.
31) الموطأ رواية يحيى ص: 51 - حديث (132) - والحديث أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي
والنسائي عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 122.
- 108 -

وأما رواية أبي معاوية، فحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى، قال حدثنا عمر
ابن إبراهيم، قال حدثني الحسن بن إسماعيل المحاملي، قال حدثنا يعقوب بن
إبراهيم الدورقي، قال حدثنا أبو معاوية، قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - صَ لّ - فقالت:
يا رسول الله، إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة ؟ قال: لا، إنما ذلك
عرق وليس بالحيضة؛ فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغلي
عنك الدم ثم اغتسلي. قال هشام أي : ثم توضئي لكل صلاة حتى يجئ ذلك
الوقت.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال
حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة - أن فاطمة ابنة أبي حبيش الأسدية
كانت تستحاض، فسألت رسول الله - عز - فقال لها: إنما ذلك عرق وليس
بالحيضة؛ فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي، أو
قال : اغسلي عنك الدم وصلي، قالت عائشة - وهي إحدى نسائنا.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
جعفر بن محمد الصائغ، قال حدثنا عفان، قال حدثنا حماد بن سلمة، قال
أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة - أن فاطمة قالت : يا رسول الله،
إني مستحاضة، أفأترك الصلاة ؟ قال: إنما ذلك عرق وليس بالحيضة؛ فإذا
أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا ذهب وقتها، فاغلي عنك الدم ثم تطهري
وصلي. قال هشام : كان عروة يقول : الغسل الأول ثم الطهر بعد.
وحدثنا أحمد بن قاسم، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة، وأحمد بن سعيد الجمال، قالا حدثنا
محمد بن كناسة، قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت : أتت
- 104 -

فاطمة بنت أبي حبيش النبي - ◌َّ - فقالت : إني أستحاض فلا أطهر، أفادع
الصلاة ؟ قال : إنما ذلك ليس بحيض، ولكنه عرق؛ فإذا أقبلت الحيضة فدعي
الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي.
ورواه یحیی بن هاشم، عن هشام بن عروة - پاسناده مثله - وقال فيه - إذا
أدبرت، فأغسلي عنك الدم وتوضئي عند كل صلاة وصلي.
ورواه الزهري عن عروة فاختلف فيه عليه اختلافا كثيرا، قال فيه
الأوزاعي عن الزهري عن عروة وعمرة أن عائشة قالت : استحيضت أم حبيبة
بنت جحش - وهي تحت عبد الرحمان بن عوف سبع سنين، فأمرها النبي
- عَالَّم - : إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي.
قال أبو داود : ولم يذكر هذا الكلام أحد من أصحاب الزهري غير
الأوزاعي، رواه عن الزهري عمرو بن الحرث، ويونس بن يزيد، والليث، وابن
أبي ذئب، ومعمر، وإبراهيم بن سعد، وسليمان بن كثير، وابن إسحاق وابن عيينة
- ولم يذكروا هذا الكلام، وإنما هذا لفظ حديث هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة. قال أبو داود : وزاد ابن عيينة فيه : أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها -
وهو وهم من ابن عيينة، قال : وحديث محمد بن عمرو عن الزهري فيه شيء
يقرب من الذي روى الأوزاعي في حديثه(32)
حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد بن عمرو،
قال حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش - أنها
كانت تستحاض، فقال لها النبي - ◌َ ◌ّم - : إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود
يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي،
فإنما ذلك عرق(33)
32) انظر سنن أبي داود 1 / 66
33) المصدر السابق.
- 105 -

قال أبو داود : قال ابن المثنى : هكذا حدثنا به ابن أبي عدي من كتابه،
ثم حدثنا بعد حفظا فقال : حدثنا محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن
عائشة - أن فاطمة كانت تستحاض - فذكره(34)
قال أبو عمر :
روى هذا الحديث - سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة بن
الزبير، قال : حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش أو أسماء حدثتني أن فاطمة - فلم
یقم الحدیث.
وقال فيه: إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عمرة بنت عبد الرحمان
أنها سمعت عائشة تقول: جاءت أم حبيبة بنت جحش إلى رسول الله - صلّ -
وكانت قد استحيضت سبع سنين، فاشتكت ذلك إليه واستفتته فقال لها : إن
هذا ليس بالحيضة، وإنما هو عرق فاغتسلي ثم صلي. قالت عائشة : فكانت أم
حبيبة تغتسل لكل صلاة وتصلي.
وقال فيه عمرو بن الحرث عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة، عن عائشة -
أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله - فلفل - وتحت عبد الرحمان بن
عوف استحيضت سبع سنين، فقال لها رسول الله - ◌َ ◌ّم - : إن هذه ليست
بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي؛ وقد ذكرنا الآثار وما لعلماء الأمصار
من المذاهب في هذا الباب ممهدا في باب نافع من هذا الكتاب - والحمد لله.
وأما حديث مالك عن هشام، ففيه من الفقه أن الحيض يمنع المرأة
الحائض من الصلاة وأن من الدم الخارج من الرحم دما لا تمتنع معه المرأة من
الصلاة، وهو العرق الذي قال رسول الله - مؤاته - ومعنى قوله: إنما ذلك عرق -
يريد عرق انفجر أو انقطع - وهي الاستحاضة؛ ولهذا سألته فاطمة إذ أشكل
34) نفس المصدر.
--- 106 -

عليها ذلك فأجابها بجواب يدل على أنها كانت تميز انفصال دم حيضها من دم
استحاضتها؛ فلهذا قال لها : إذا أقبلت الحيضة، فأتركي الصلاة؛ فإذا ذهب
قدرها، فاغتسلي وصلي؛ وهذا نص صحيح في أن الحائض تترك الصلاة، ليس عن النبي
- عَّ - في هذا الباب أثبت منه من جهة نقل الآحاد العدول، والأمة مجمعة
على ذلك، وعلى أن الحائض بعد طهرها لا تقضي صلاة أيام حيضتها؛ لا خلاف
في ذلك بين علماء المسلمين، فلزمت حجته وارتفع القول فيه.
وقد روى أبو قلابة وقتادة - جميعا عن معاذة العدوية، عن عائشة - أن
امرأة سألتها : أتقضي الحائض الصلاة ؟ فقالت لها عائشة : أحرورية أنت ؟ قد
كنا نحيض على عهد رسول الله - عَ ◌ّم - ثم نطهر، فلا نؤمر بقضاء الصلاة؛ وزاد
بعضهم : ونؤمر بقضاء الصوم. وهذا إجماع أن الحائض لا تصوم في أيام
حيضتها، وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؛ لا خلاف في شيء من ذلك - والحمد
لله.
وما أجمع المسلمون عليه فهو الحق، والخبر القاطع للعذر؛ وقال الله - عز
وجل -: ﴿ويتبع غير سبيل المومنين نوله ما تولى ونصله
جهنم وساءت مصيرا﴾(35) . - والمومنون هنا الإجماع، لأن الخلاف لا يكون
معه اتباع غير سبيل المؤمنين، لأن بعض المؤمنين مؤمنون، وقد اتبع المتبع
سبيلهم؛ وهذا واضح يغني عن القول فيه. وأما قوله : فإذا أدبرت الحيضة
فاغسلي عنك الدم. وصلي - في رواية مالك، فقد فسره غيره ممن ذكرنا روايته
ههنا - وهو أن تغتَّل عند إدبار حيضتها، وإقبال دم استحاضتها؛ كما تغتسل
الحائض عند رؤية طهرها - سواء، لأن المستحاضة طاهر، ودمها دم عرق كدم
جرح سواء، فيلزمها عند انقطاع دم حيضتها الاغتال، كما يلزم الطاهر التي
تری دما.
35) الآية : 115 - سورة النساء.
- 107-

وفي هذا الحديث دليل على أن المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل،
لأن رسول الله - ◌َ اتٍ - لم يأمرها بغيره. وفيه رد لقول من رأى عليها الغسل
لكل صلاة، ورد لقول من رأى عليها الجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد،
والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للصبح، لأن رسول الله - صلى - لم
يأمرها بشيء من ذلك في هذا الحديث؛ وهو أصح حديث روي في هذا الباب،
وهو رد لقول من قال بالاستظهار يومين أو ثلاثا أو أقل أو أكثر، وقد استدل
بعض من يرى الاستظهار من أصحابنا بقوله - عليه السلام - في هذا الحديث :
فإذا ذهب قدرها، قال : لأن قدر الحيض قد يزيد مرة وينقص أخرى؛ فلهذا
رأى مالك الاستظهار ثلاثة أيام ليستبين فيها انقضاء دم الحيض من دم
الاستحاضة، واقتصر على القضاء ثلاثة أيام استدلالاً بحديث المصراة، (36) إذ حد
فيه رسول الله - ٣ - ثلاثة أيام في انفصال اللبن (37).
وقال غيره ممن يخالفه في الاستظهار : معنى قوله : فإذا ذهب قدرها،
تقول : إذا ذهبت وأدبرت وخرج وقتها - ولم يكن في تقديرك أنه بقي شيء
منه، فاغتسلي حينئذ ولا تمكثي وأنت غير حائض دون غسل ودون صلاة؛
قال: ومحال أن يأمرها رسول الله - ◌َ التّ - وهي قد ذهبت حيضتها - أن تترك
الصلاة ثلاثة أيام لانتظار حيض يجئ أو لا يجيء.
ومعنى قوله: فإذا ذهب قدرها - : لا يخلو من أن يكون أراد انقضاء أيام
حيضتها أو انفصال دم حيضتها من دم استخاضتها، وأي ذلك كان، فقد أمرها أن
تغتسل وتصلي؛ ولم يأمرها باستظهار، ولو كان واجبا عليها، لأمرها به؛ قالوا :
والسنة تنفي الاستظهار، لأن دم نجاسة جائز أن يكون استحاضة، وجائز أن
يكون حيضا؛ والصلاة فرض بيقين، فلا يجوز لأمرأة أن تدع الصلاة حتى
تستيقن أنها حائض.
36) الشاة التي يصر لبنها ويحبس أياما، فإذا حلبها المشتري استغزرها.
37) انظر حديث المصراة في صحيح مسلم 5 / 6 - وليس فيها الحد بثلاثة أيام - كما لا يخفى.
~108 -

وذكروا أن مالكا وغيره من العلماء قد جاء عنهم أنهم قالوا : لأن تصلي
المستحاضة وليس عليها ذلك خير من أن تدع الصلاة - وهي واجبة عليها.
وفي هذا الحديث أيضا رد على من أوجب الوضوء على المستحاضة لكل
صلاة، لأن رسول الله - ◌َاقٍ - قال لها: إذا ذهبت الحيضة فاغتسلي وصلي،
ولم يقل توضئي لكل صلاة.
وقد ذكرنا القائلين بها في باب الوضوء عليها لكل صلاة، والقائلين
بإيجاب الغسل، ووجه قول كل واحد منهم مبسوطا ممهدا في باب نافع عن
سليمان بن يسار - والحمد لله.
قال أبو عمر :
إذا أحدثت المستحاضة حدثا معروفا معتادا، لزمها له الوضوء؛ وأما دم
استحاضتها فلا يوجب وضوءا، لأنه كدم الجرح السائل، وكيف يجب من أجله
وضوء - وهو لا ينقطع؛ ومن كانت هذه حاله من سلس البول والمذي
والاستحاضة، لا يرفع بوضوئه حدثا، لأنه لا يتمه إلا وقد حصل ذلك الحدث
في الأغلب؛ وإلى هذا المذهب ذهب مالك وأصحابه، وهو ظاهر حديث هشام
ابن عروة هذا في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، إلا أن عروة كان يفتي بأن
المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، وذلك عند مالك على الاستحباب لا على
الإيجاب؛ وقد ذكرنا ما في هذا الباب من الآثار المرفوعة وغيرها على
اختلافها وذكرنا من تعلق بها وذهب إليها من علماء الصحابة والتابعين، وفقهاء
المسلمين؛ وذكرنا اختلافهم في ذلك، وأصل كل واحد منهم في الحيض والطهر
والاستحاضة - ممهدا مبسوطا في باب نافع عن سليمان من هذا الكتاب، فلا
وجه لإعادة ذلك ههنا - والحمد لله.
- 109 -

روى مالك في موطئه عن هشام بن عروة، عن أبيه - أنه قال: ليس على
المستحاضة إلا أن تغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة (38). قال
مالك : الأمر عندنا على حديث هشام بن عروة، عن أبيه - وهو أحب ما سمعت
إلي(39). ومن معاني هذا الحديث وجه آخر أخرنا القول فيه في ذلك الباب إلى
هذا الموضع، وهو قول العلماء في المرأة التي لم تحض قط، فحاضت يوما
وطهرت يوما، أو حاضت يومين، وطهرت يوما أو يومين، ونحو هذا.
فأما مالك وأصحابه، فقالوا : تجمع أيام الدم بعضها إلى بعض وتطرخ أيام
التطهر، وتغتسل عند كل يوم ترى فيه الطهر أول ما تراه وتصلي ما دامت
طاهرا؛ وتكف عن الصلاة في أيام الدم اليوم واليومين، وتحصي ذلك؛ فإذا كان
ما اجتمع لهما من أيام الدم خمسة عشر يوما، اغتسلت وصلت؛ وإن زاد على
خمسة عشر يوما، فهي مستحاضة؛ وإن كانت خمسة عشر يوما أو أقل، فهي
حيضة تقطعت؛ هذه رواية المدنيين عن مالك.
وروى ابن القاسم وغيره عنه أنها تضم أيام الدم بعضها إلى بعض، فإن دام
بها ذلك أيام عادتها، استظهرت ثلاثة أيام على أيام حيضتها؛ فإن رأت في
خلال أيام الاستظهار أيضا طهرا، ألغته حتى تجعل ثلاثة أيام للاستظهار وأيام
الطهر، وتصلي وتصوم، ويأتيها زوجها؛ ويكون ما جمعت من أيام الدم بعضه
إلى بعض حيضة واحدة، ولا تعد أيام الطهر في عدة من طلاق؛ فإذا استظهرت
بثلاثة أيام بعد أيام حيضتها، توضأت لكل صلاة وتغتسل كل يوم من أيام
الطهر عند انقطاع الدم؛ وإنما أمرت بالغسل، لأنها لا تدري لعل الدم لا يرجع
إليها.
38) الموطأ رواية يحيى ص 152 - حديث (136).
39) المصدر السابق.
-110-

ورواية الربيع عن الشافعي مثل رواية المدنيين عن مالك في هذه
المسألة - اعتبارا لخمسة عشر يوما بلا استظهار، وكذلك قال محمد بن مسلمة،
ولم يختلف مالك والشافعي إذا كان تقطع حيضتها يوما كاملا أو يوما وليلة،
أنها في يوم الحيض حائض لا مستحاضة، وفي يوم الطهر طاهر أو هي حيضة
متقطعة. وقال محمد بن مسلمة : إذا كان طهرها يوما وحيضها يوما، فطهرها
أقل الطهر، وحيضها أكثر الحيض؛ فكأنها قد حاضت خمسة عشر يوما متوالية،
وطهرت خمسة عشر؛ فحال حيضتها لا يضرها، واجتماع الأيام وافتراقها سواء
ولا يكون مستحاضة.
وأما أبو حنيفة وأصحابه، فمذهبهم في هذه المسألة : اعتبار أقل الطهر
وأقل الحيض؛ فأما أبو يوسف فاعتبر أقل الطهر خمسة عشر يوما، وجعله كدم
متصل؛ وأما محمد بن الحسن، فاعتبر مقدار الدم والطهر؛ فإذا كان بين الدمين
من الطهر أقل من ثلاثة أيام؛ فإن ذلك كله كدم متصل - سواء كان الحيض
أكثر أو الطهر أكثر؛ نحو أن ترى يوما حيضا أو يومين، ويومين طهرا وساعة
دما، فيكون جميع ذلك حيضا؛ وقال أبو جعفر الطحاوي : قد اتفقوا أنه لو
انقطع ساعة أو نحوها - أنه كدم متصل، فكذلك اليوم واليومين، لأنه لا يعتد به
من طلاق؛ وقد قال أبو الفرج : ليس بنكير أن تحيض يوما وتطهر يوما
فتتقطع الحيضة عليها، كما لا ينكر أن يتأخر حيضها عن وقته؛ لأن تأخير
بعضه عن اتصاله، كتأخيره كله؛ فمن أجل ذلك، كانت بالقليل أيضا؛ ثم لم
يكن القليل حيضة، لأن الحيضة لا تكون إلا بأن يقضى لها وقت تام وطهر تام،
أقله فيما روى عبد الملك خمسة أيام؛ قال : ولو أن قلة الدم يخرجه من أن
يكون حيضا، لا أخرجته من أن تكون استحاضة؛ لأن الدم العرق هو الكثير
الزائد على ما يعرف.
- ١١١ -

قال أبو عمر :
راعى عبد الملك وأحمد بن المعذل في هذه المسألة ما أمضّلاه في أقل
الطهر خمسة أيام، وراعى محمد بن مسلمة خمسة عشر طهرا، وجعل كل ما
يأتي من الدم قبل تمام الطهر عرقا لا تترك فيه الصلاة؛ وكذلك يلزم كل من
أصل في أقل الطهر أصلا بعدة معلومة - أن يعتبرها في هذه المسألة؛ وقد
ناقض الكوفيون، لأنهم قالوا في هذه المسألة بمراعاة ثلاثة أيام طهرا، وقولهم
في أقل الطهر إنه خمسة عشر يوما، وقد ذكرنا في باب نافع من أصول العلماء
وأكثرهما، واختلاف العلماء في ذلك في باب نافع من هذا الكتاب - والحمد
لله.
قال أبو عمر :
إنما أجرينا هذه المسألة ههنا وإن كانت قد مرت في باب نافع، لأنها
داخلة في معنى قول رسول الله - وَ ائل -: إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة،
فإذا ذهب قدرها وأدبرت فاغتسلي وصلي، وقد ذكرنا حكم أقل الحيض والطهر
وأكثرهما، واختلاف العلماء في ذلك في باب نافع من هذا الكتاب - والحمد لله.
حديث ثالث لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - أن الحرث بن
هشام سأل رسول الله - زاز - كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله
جو - : أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، - وهو أشده علي،
- 112-

فيفصم عني - وقد وعيت ما قال؛ وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا
فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عليه في
اليوم الشديد البرد فيفصم عنه - وإن جبينه ليتفصد عرقا (40).
في هذا الحديث دليل على أن أصحاب رسول الله - معرفةٍ - كانوا يسألونه
- عليه السلام - عن كثير من المعاني، وكان رسول الله - عَ لَّم - يجيبهم
ويعلمهم؛ وكانت طائفة تسأل، وطائفة تحفظ وتؤدي وتبلغ حتى اكتمل الله
دينه - والحمد لله.
وفي هذا الحديث نوعان أو ثلاثة من صفة نزول الوحي عليه وكيفية
ذلك، وقد ورد في غير ما أثر ضروب من صفة الوحي حتى الرؤيا؛ فرؤيا
الأنبياء وحي أيضا، ولكن المقصد بهذا الحديث إلى نزول القرآن - والله أعلم.
وقد بينا معنى هذا الحديث وشبهه في باب إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة
من هذا الكتاب(41) - والحمد لله.
وأما قوله : صلصلة الجرس : فإنه أراد في مثل صوت الجرس، والصلصلة
الصوت، يقال : صلصلة الطست، وصلصلة الجرس، وصلصلة الفخار. وقد روى
حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - أنه
قال : كان الوحي إذا نزل، سمعت الملائكة صوت مرار أو إمرار السللة على
الصفا. وفي حديث حنين أنهم سمعوا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد
على الطست الجديد. وروي عن مجاهد في قول الله تعالى : ﴿وما كان لبشر
أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾(42): قال: موسى حين
40) الموطأ رواية يحيى ص 136 - حديث (475) - والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن
يوسف عن مالك به - انظر الزرقاني على الموطأ 2 / 15.
41) انظرج 1 / 279 - 288.
42) الآية : 51 - سورة الشورى.
- 119 -

كلمه الله، أو ((يرسل رسولا)) قال: جبريل إلى محمد - صلى الله عليهما وسلم -
وأشباهه من الرسل.
وروى ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب - أنه سئل عن هذه الآية :
﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب، أو يرسل
رسولا، فيوحي بإذنه ما يشاء، إنه علي (43) حكيم﴾؟ قال : نرى هذه
الآية تعد من أوحى الله إليه من البشر، فالكلام : ما كلم الله بن موسى من وراء
حجاب، والوحي : ما يوحي الله إلى النبي من الهداية، فيثبت الله ما أراد من
وحيه في قلب النبي، فيتكلم به النبي - مُ ◌ّ - ويكتبه، فهو كلام الله ووحيه؛
ومنه ما يكون بين الله وبين رسله، لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدا من الناس،
ولكنه يكون سر غيب بين الله وبين رسله؛ ومنه ما يتكلم به الأنبياء، ولا
يكتبونه ولكنهم يحدثون به الناس ويأمرونهم ببيانه؛ ويبينون لهم أن الله
أمرهم أن يبينوه للناس ويعلموهم إياه.
ومن الوحي ما يرسل الله من يشاء من ملائكته فيوحيه وحيا في قلوب
من يشاء من رسله، وقد بين لنا في كتابه أنه كان يرسل جبريل إلى محمد .
عليهما السلام - فقال في كتابه : ﴿قل: من كان عدوا لجبريل، فإنه نزله
على قلبك بإذن الله﴾(44)، وقال - عز وجل -: ﴿وإنه لتنزيل رب
العالمين، نزل به الروح الأمين على اقلبك﴾ - إلى قوله : ﴿بلسان
عربي مبين﴾(45).
وأما قوله : فيفصم عني، فمعناه : ينفرج عني ويذهب، كما تفهم
الخلخال إذا فصته لتخرجه من الرجل، وكل عقدة حللتها فقد فصمتها؛ قال الله -
عز وجل -: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع
43) في الأصل (عليم) - والتلاوة (علي).
44) الآية : 97 - سورة البقرة.
45) الآية : 194 - سورة الشورى.
- 114 -

عليم)(40). وانفصام العروة أن تفك عن موضعها، وأصل الفصم عند العرب أن
يفك الخلخال ولا يبين كسره؛ فإذا كسرته، فقد قصمته - بالقاف. قال ذو الرمة :
كأنه دملج من فضة نبه في ملعب من عذارى الحي مفصوم (47)
حديث رابع لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - أنها قالت :
خسفت الشمس في عهد رسول الله - صَ لّ - فصلى رسول الله - ط 2 -
بالناس، فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع؛ ثم قام فأطال
القیام - وهو دون القیام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون
الركوع الأول، ثم رفع فسجد، ثم فعل في الركعة الآخرة مثل ذلك؛
ثم انصرف - وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى
عليه ثم قال : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان
لموت أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك، فاذكروا الله وكبروا
وتصدقوا، ثم قال : يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن
يزني عبده، أو تزني أمته؛ يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم
لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا.(48)
46) الآية : 256 - سورة البقرة.
47) نبه - بالتحريك - ضالة توجد عن غفلة، شبه الغزال - وهو نائم - بدملج قد طرح ونسي انظر
تاج العروس (فعم)، (نبه) ج 9 ص 12 - وص 415.
48) الموطأ رواية يحيى ص 126 - حديث (444) - والحديث أخرجه البخاري عن القعنبي، وملم
عن قتيبة بن سعيد، كلاهما عن مالك به.
-115 -

قال أهل اللغة : خسفت : إذا ذهب ضوؤها ولونها، وكسفت : إذا تغير
لونها؛ يقال : بئر خسيف، إذا ذهب ماؤها، وفلان كاسف اللون أي متغير اللون؛
ومنهم من يجعل الخسوف والكسوف واحدا، والأول أولى - والله أعلم.
وقد تقدم القول في معاني هذا الحديث وما للعلماء في صلاة الخسوف
من المذاهب والمعاني ممهدا في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب(49)، فلا
معنى لإعادة ذلك ههنا.
وفي هذا الحديث حجة الشافعي في قوله : إن الإمام يخطب في
الكسوف بعد الصلاة كالعيدين والاستسقاء، ألا ترى إلى قوله في هذا الحديث :
ثم انصرف - وقد تجلت - فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وهو قول
الطبري.
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما : لا خطبة في الخسوف، والحجة لهم :
أن خطبة رسول الله - رائع - يومئذ إنما كانت لأن الناس كانوا
يقولون: كسفت الشمس لموت إبراهيم ابن النبي - صَ لّه - فخطبهم ليعلمهم بأنه
ليس كذلك، وأن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخفان لموت أحد ولا
لحياته.
واحتج الشافعي ومن قال بقوله في أن القمر يصلى لكوفه، كما يصلى
في كسوف الشمس، سواء في جماعة وعلى هيئتها بقوله - مَ له -: إن الشمس
والقمر آيتان من آيات الله، لا يخفان لموت أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك
فصلوا؛ فندب رسول الله - صَ ◌ّ - إلى الصلاة عند خسوفهما، ولم يخص إحداهما
دون الأخرى بشيء؛ وصلى عند كسوف الشمس، فكان القمر في حكم ذلك عند
كسوفه، إذ لم ينقل عنه خلاف ذلك - مع - في القمر.
49) انظر ج 3 / 301 _ 313.
- 116 -

وقال مالك وأبو حنيفة : يصلي الناس عند كسوف القمر وحدانا ركعتين
ركعتين ركعتين، ولا يصلون جماعة، وكذلك القول عند أبي حنيفة في كسوف
الشمس في هيئة الصلاة.
وقال الليث وعبد العزيز بن أبي سلمة : لا يجمع فيها، ولكن يصلونها
منفردين على هيئة الصلاة في كسوف الشمس.
وقال الشافعي وأصحابه والطبري : الصلاة في خسوف الشمس والقمر سواء
على هيئة واحدة ركعتان، في كل ركعة ركوعان - جماعة. وروي ذلك عن
عثمان بن عفان، وابن عباس، وقد مضت هذه الآثار مهذبة في باب زيد بن
أسلم من هذا الكتاب(50) - والحمد لله.
حديث خامس لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - أن رسول الله
- عَائَةٍ - قال : إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد حتى يذهب عنه
النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر
فيسب نفسه (51).
في هذا الحديث دليل على أن الصلاة لا ينبغي أن يقربها من لا يعقلها
ويعقل حدودها، وقد قال الضحاك بن مزاحم في قول الله - عز وجل - : ﴿لا
تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾(52): قال : من النوم. وأما معنى هذا
50) نفس الجزء ص 314 - 317.
51) الموطأ رواية يحيى ص 86 - 87 - حديث (255) - والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله
بن يوسف، ومسلم عن قتيبة عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 242 - 243.
52) الآية : 45 - سورة النساء.
- 117 -

الحديث فبين لا مدخل للقول فيه، إلا أن الاستدلال منه بأن النعاس والنوم
اليسير لا ينقض الصلاة - استدلال صحيح، وإذا لم ينقض الصلاة لم ينقض
الوضوء، وقد مضى القول في أحكام النوم في باب أبي الزناد - والحمد لله.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن ما شغل القلب عن الصلاة وعن
خشوعها وتمام ما يجب فيها، فواجب تركه، وواجب أن لا يصلي المرء إلا
وقلبه متفرغ لصلاته ليكون متيقظا فيها مقبلا عليها. وبالله التوفيق.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا موسى بن معاوية، قال حدثنا وكيع عن سلمة، عن الضحاك .
في قوله: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ - قال: سكر النوم، ولا أعلم
أحدا قال ذلك غير الضحاك.
وأما عكرمة، فقال: نسختها: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا
وجوهكم﴾(53) _ الآية.
وقال مجاهد : كانوا يصلون وهم سكارى قبل نزول تحريم الخمر، فنزلت
﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ ثم نسخها
تحريم الخمر.
وقال قتادة : كانوا يحتسون الخمر ثم يصلون، ثم نزل تحريم الخمر.
وقال ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، قال : نزلت هذه الآية قبل
تحريم الخمر، فكانوا يجتنبونها عند الصلاة، ثم نزل تحريم الخمر بعد ذلك في
المائدة.
53) الآية : 6 - سورة المائدة.
- 118 -

حديث سادس لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت : كان
رسول الله - ◌َ ق - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ثم ينصرف،
فإذا سمع النداء بالصبح ركع ركعتين خفيفتين (54)
ذكر قوم من رواة هذا الحديث عن هشام بن عروة أنه كان لا يجلس في
شيء من الخمس ركعات إلا في آخرهن. رواه حماد بن سلمة، وأبو عوانة،
ووهيب، وغيرهم؛ وذكروا أنه كان لا يسلم بينهن، وذلك كله لا يثبت؛ لأنه قد
عارضه عن عائشة ما هو أثبت منه، وأكثر الحفاظ رووا هذا الحديث عن هشام
كما رواه مالك؛ والأصول تعضد رواية مالك، لأنه قد ثبت عنه - وافق - أنه
قال : صلاة الليل مثنى مثنى(55). وهذا من الأحاديث التي لم يختلف في
إسنادها ولا في متنها، وهو حديث ثابت مجتمع على صحته، وهو قاض في
هذا الباب على ما كان ظاهره خلافه؛ وقد أوضحنا هذا المعنى في غير موضع
من كتابنا، وذكرنا ما للعلماء في ذلك من التنازع، وأخبرنا بالوجه المختار
الصحیح عندنا - والحمد لله، ولا وجه لتكرار ذلك ههنا.
قال أبو عمر :
الرواية المخالفة فى حديث هشام بن عروة هذا لرواية مالك فيه إنما
حدث به عن عشام أهل العراق، وما حدث به هشام بالمدينة قبل خروجه إلى
العراق أصح عندهم؛ ولقد حكى علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان
54) الموطأ رواية يحيى ص 39 - حديث (262) - والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله ..
يوسف، وأبو داود عن القعنبي عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 248.
55) رواه الجماعة من حديث ابن عمر.

قال : رأيت مالك بن أنس في النوم فسألته عن هشام بن عروة، فقال : أما ما
حدث به عندنا - يعني بالمدينة قبل خروجه، فكأنه يصححه؛ وأما ما حدث به
- بعد ما خرج من عندنا، فكأنه يوهنه؛ وفي هذا الحديث دليل على أن ركعتي
الفجر مما كان رسول الله - ش مر - يواظب عليهما، وهما عندنا من مؤكدات
السنن - وإن كان بعض أصحابنا يخالف في ذلك؛ وقد بينا الوجه فيه في باب
شريك بن أبي نمر وغيره من هذا الكتاب - والحمد لله.
وفي هذا الحديث من الفقه المواظبة على صلاة الليل، وأن صلاة الليل
آخرها الوتر إما بواحدة وإما بثلاث؛ وقد قيل غير ذلك على حسبما أوضحناه
في باب سعيد بن أبي سعيد، وباب نافع - والحمد لله. وفيه النداء للصبح بعد
الفجر وتخفيف ركعتي الفجر، وقد استدل به من زعم أن النداء بالصبح لا
يكون إلا بعد الفجر؛ وقد مضى القول في ذلك في باب ابن شهاب عن سالم -
والحمد لله وبه التوفيق.
حديث سابع لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كان أحب
العمل إلى رسول الله - ◌َّ - الذي يدوم عليه صاحبه (56).
ومعنى هذا الحديث مفهوم، لأن العمل الدائم يتصل أجره وحسناته، وما
انقطع انقطع أجره وحسناته.
وفي هذا الحديث - عندي - دليل على أن قليل العمل إذا دام عليه
صاحبه أزكى له، والله يحب الرفق في الأمر كله ويرضاه، ولا يرضى العنف .
وبالله التوفيق.
56) الموطأ رواية يحيى ص 120 - حديث (420) - والحديث أخرجه أحمد والبخاري ومسلم انظر
الجامع الصغير بشرح فيض القدير 1 / 165 - 166.
- 120-