Indexed OCR Text

Pages 21-40

ابن خنيس : فتعجب القوم فقال سفيان: مِمّ تعجبون ؟ أليس الله يقول: ﴿لا
خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح
بين الناس﴾(59). وقال: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون
إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا﴾(60).
قال أبو عمر :
مما يبين لك أن الكلام بالخير والذكر أفضل من الصمت : أن فضائل
الذكر الثابتة في الأحاديث عن النبي - مَ ◌ّم - لا يستحقها الصامت.
روى شعبة عن الحكم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال :
قال رسول الله - عزلته - من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير - مائة مرة إذا أصبح، ومائة مرة
إذا أمسى لم يجئ أحد بأفضل من عمله إلا من قال أفضل من ذلك.
حديث سادس لسمي
مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبي صالح
السمان، عن أبي هريرة - أن رسول الله - شمال} - قال: من اغتسل يوم
الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة،
ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة
59) الآية : 114 - سورة النساء ..
60) الآية : 38 - سورة النبأ.
- 21-

الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما
قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا
خرج الإمام، طويت الصحف وحضرت الملائكة يستمعون الذكر (67).
قال أبو عمر :
الذكر ههنا الخطبة وما فيها من ذكر الله وتلاوة القرآن؛ واختلف العلماء
في تأويل هذا الحديث : فقالت طائفة: أراد ساعات النهار من أوله، واحتجوا
بظاهر هذا الحديث وقالوا : لا بأس بالمسير إلى الجمعة مع طلوع الشمس،
وهو أفضل عندهم على هذا الحديث؛ وكان مالك يكره البكور إلى الجمعة
غدوة وضحى، ويستحب التهجير على قدر إلا من كان منزله بعيدا عن المسجد
فليخرج قدر ما يأتي المسجد فيدرك الصلاة والخطبة.
وقال الشافعي وأبو حنيفة ودواد : يستحب البكور إلى الجمعة، قال
الشافعي : البكور بعد الفجر إلى الزوال.
وذكر الأثرم قال : قيل لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل: كان
مالك بن أنس يقول : لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكرا، فقال : هذا خلاف
حديث النبي - صَلّ - وأنكره، وقال : سبحان الله إلى أي شيء ذهب في هذا
والنبي - ◌َُّّ - يقول: كالمُهْدِي جزورا وكالمُهْدِي كذا.
وكان ابن حبيب يميل إلى هذا القول وينكر قول مالك، وقال : هو
تحريف في تأويل الحديث ومحال من وجوه؛ قال : وذلك أنه لا تكون ساعات
في ساعة واحدة، قال : والشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار، وهو
وقت الآذان وخروج الإمام إلى الخطبة، فدل ذلك على أن الساعات المذكورة
61) الموطأ رواية يحيى ص : 77 - حديث (223) - والحديث أخرجه البخاري ومسلم عن مالك به
- انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 209.
- 22 -

في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات، فبدأ بأول ساعات اليوم (62)
فقال : من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ثم قال في الخامة بيضة،
ثم انقطع التهجير وحان وقت الأذان؛ قال : فشرح الحديث بين في لفظه،
ولكنه حرف عن وجهه، وشرح بالخلف من القول وبما لا يتكون؛ وزهد شارحه
الناس فيما رغبهم فيه رسول الله - صَّةٍ - من التهجير في أول النهار، وزعم أن
ذلك كله إنما يجتمع في ساعة واحدة عند زوال الشمس؛ قال: وقد جاءت
الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار، وقد سقنا من ذلك في موضعه من
كتاب واضح السنن ما فيه بيان وكفاية - هذا كله قول ابن حبيب.
قال أبو عمر :
هذا منه تحامل على مالك - رضي الله عنه - فهو الذي قال القول الذي
أنكره ابن حبيب، وجعله خلفا من القول وتحريفا من التأويل؛ والذي قاله
مالك هو الذي تشهد له الآثار الصحاح الثابتة من رواية الفقهاء الأئمة مع ما
صحبه عنده من عمل العلماء ببلده، لأن مثل هذا(63) يصح فيه الاحتجاج
بالعمل، لأن مالكا كان مجالا لعلماء المدينة ومشاهداً لوقت حركتهم
وخروجهم إلى الجمعة، وكان أشد الفقهاء اتباعا لسلفه؛ ولو رآهم يبكرون إلى
الجمعة ويخرجون إليها مع طلوع الشمس، ما أنكر ذلك مع حرصه على اتباعهم.
قال أحمد بن حنبل : مالك عندي أتبع من سفيان - يريد أشد اتباعا -
لسلفه - والله أعلم.
قال يحيى بن عمر عن حرملة أنه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات،
أهو الغدو من أول الساعات النهار أو إنما أراد بهذه الساعات ساعة الرواح، فقال
ابن وهب : سألت مالكا عن هذا فقال : أما الذي يقع في قلبي فإنه إنما أراد
62) اليوم : أ، النهار : ك.
63) يصح: أ، لا يصح: ك - ولعله تحريف.
- 23 -
أ

ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات من راح في أول تلك الساعة أو الثانية أو
الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، ولو لم تكن كذلك(64) ما صليت الجمعة حتى
يكون النهار تسع ساعات في وقت العصر أو قريب من ذلك.
قال أبو عمر :
فهذا قول مالك الذي أنكره ابن حبيب، وأما الآثار التي تشهد لصحة ما
ذهب إليه مالك في ذلك، فأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال
حدثنا محمد بن یحیی بن عمر أبو جعفر، قال حدثنا علي بن حرب، قال حدثنا
سفيان، عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة يبلغ به النبي - مح له
قال : إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة
يكتبون الناس الأول فالأول، المُهَجِّر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه
كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي كبشا - حتى ذكر الدجاجة والبيضة، فإذا
جلس الإمام طويت الصحف، واستمعوا الخطبة. (65) ألا ترى إلى ما في هذا
الحديث أنه قال : يكتبون الناس - الأول فالأول - المهجر إلى الجمعة كالمهدي
بدنة، ثم الذي يليه - الحديث. فجعل الأول مهجراً وهذه اللفظة إنما هي
مأخوذة من الهاجرة والهجر، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة، وليس ذلك عند
طلوع الشمس؛ لأن ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا هجير - والله أعلم.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا حامد بن يحيى، قال حدثنا سفيان، عن الزهري، وحفظته
منه عن سعيدبن المسيب أنه أخبره عن أبي هريرة قال : قال رسول الله
- ◌ُ ◌ّ - : إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من المسجد ملائكة يكتبون
64) تكن كذلك : أ، يكن ذلك كذلك - بزيادة (ذلك) : ك.
65) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 1 / 421 - 422.
- 24 -

الناس على منازلهم - الأول، فالأول؛ فإذا خرج الإمام، طويت الصحف واستمعوا
الخطبة؛ فالمهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم
الذي يليه كالمهدي كبشا، حتى ذكر الدجاجة والبيضة؛ قيل لسفيان: يقولون
هذا عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال : ما سمعت الزهري ذكر الأعرج قط، ما
سمعته يقول إلا عن سعيد أنه أخبره عن أبي هريرة.
قال أبو عمر :
ففي هذا الحديث : المھجر- کما تری ۔ ثم الذي یلیه، ثم الذي یلیه، ثم
الذي يليه - لم يذكر الساعات.
ورواه ابن أبي ذئب عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة - بنحوه :
حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا عبد الله بن روح، قال حدثنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا محمد بن عبد
الرحمان بن أبي ذئب، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي
- مَّةٍ - قال: المتعجل إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم
كالمهدي شاة، ثم كالمهدي طائرا . . هكذا قال ابن أبي ذئب : المتعجل - ولم
يقل المهجر ولا ذكر الساعات المذكورة في حديث سي.
وروى هذا الحديث سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن ابن
شهاب، عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب وأبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة،
عن النبي - عَ لَقّ - أنه قال: المهجر إلى الصلاة كالذي يهدي بدنة، ثم كالذي
يهدي بقرة، ثم كالذي يهدي كبشا، ثم كالذي يهدي دجاجة؛ قال : وحسبت أنه
قال كالذي يهدي بيضة - حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان، قالا
حدثنا قاسم، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس،
قال حدثني أخي، عن سليمان بن بلال.
- 25-

وروى إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن الأغر أبي عبد الله، عن أبي
هريرة - نحو هذا الحديث مختصرا.
وقد روى ابن عجلان حديث سي - فلم يذكر فيه الساعات التي ذكر
مالك، وجاء بلفظ هو نحو حديث ابن شهاب.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو
إسماعيل الترمذي، قال حدثنا أبو صالح، قال حدثني الليث، قال حدثني محمد
ابن العجلان، عن سي مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة،
عن رسول الله - ماتم - أنه قال: تقعد ملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد
يكتبون الناس - على منازلهم، فالناس فيها كرجل قدم بدنة، وكرجل قدم بقرة،
وكرجل قدم شاة، وكرجل قدم دجاجة، وكرجل قدم عصفورا، وكرجل قدم
بيضة. قال : وحدثني العجلان مثلا بمثل إلا أنه لم يضعف(66)
ورواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - بمثل حديث
بن شهاب، إلا أنه قال : المتعجل ولم يقل المهجر :
حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال
حدثنا إسحاق بن أبي حسان، قال: حدثنا هشام بن عمار، قال حدثنا عبد
الحمید ابن حبيب، قال حدثنا الأوزاعي،قال: حدثني يحي بن أبي کثیر، قال حدثني
أبو سلمة، قال حدثني أبو هريرة، عن رسول الله - مائةٍ - أنه قال: المتعجل
إلى الجمعة كالمهدي جزورا، والذي يليه كالمهدي بقرة، والذي يليه كالمهدي
شاة، والذي يليه كالمهدي الطير؛ فإذا جلس الإمام على المنبر، ختمت
الصحف. فهكذا أحاديث الأئمةالفقهاء مثل (حديث)(67) سعيد بن المسيب،
66) المصدر السابق 3 / 265.
67) لفظة (حديث) ساقطة في أ، ثابتة في : ك.
- 26-

وأبي سلمة، إنما فيها المهجر والمتعجل والذي يليه، والذي يليه، والذي يليه -
ليس فيها ساعات؛ وهذه الآثار كلها تدل على ما ذهب إليه مالك - والله أعلم.
ورواه العلاء بن عبد الرحمان، عن أبيه، عن أبي هريرة - فلم يذكر فيه
الساعات أيضا - حدثناه يونس بن عبد الله، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال
حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، قال حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال
حدثنا خالد بن مخلد، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا العلاء بن عبد
الرحمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - عَرائعٍ - : لا تطلع
الشمس على يوم أفضل من يوم الجمعة، وما من دابة إلا وهي تفزع ليوم الجمعة
إلا هذين الثقلين : الجن والإنس، على باب من أبواب المسجد ملكان يكتبان
الأول فالأول، كرجل قدم بدنة، وكرجل قدم بقرة، وكرجل قدم شاة، وكرجل
قدم طيرا، وكرجل قدم بيضة؛ فإذا قعد الإمام، طويت الصحف.
قال أبو عمر :
لم أجد ذكر الساعات إلا في حديث مالك عن سي، وفي حديث علي
ابن زيد، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة عن النبي - عظام - قال: إن
الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد، يكتبون الناس على منازلهم جاء فلان
من ساعة كذا، جاء فلان من ساعة كذا، جاء فلان من ساعة كذا، جاء فلان -
والإمام يخطب، جاء فلان وقد أدرك الصلاة، جاء فلان ولم يدرك الجمعة إذا
لم يدرك الخطبة؛ حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال حدثنا جعفر بن محمد، قال حدثنا عفان، حدثنا حماد بن
سلمة، أخبرنا علي بن زيد.
وأحبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا إبراهيم بن موسى، قال أخبرنا عيسى - يعني ابن يونس، قال أخبرنا
عبد الرحمان بن يزيد بن جابر، قال حدثني عطاء الخراساني، عن مولى امرأته
- 27 -

م عثمان - يعني ابن عطاء، قال : سمعت عليا على منبر الكوفة يقول : إذا
كان يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق، فيرمون الناس بالترابيث،
ويبطئونهم عن الجمعة، وتغدو الملائكة فيجلون على باب المسجد فيكتبون
الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام؛ فإذا جلس الرجل
مجلسا يستمكن فيه من الاستماع والنظر والصمت - ولم يَلْغُ، كان له كِفْلآن من
الأجر، وإن جلس مجلسا يستمكن فيه من الاستماع والنظر فلغا - ولم ينصت،
كان له كفل من وِزْر، ومن قال لصاحبه يوم الجمعة: صّه فقد لغا، ومن لغا
فليس له في جمعته تلك شيء؛ ثم يقول في آخر ذلك : سمعت رسول الله
وَ تَّى يقول ذلك(68).
قال أبو دواد: رواه الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، قال : بالترابيث(69)،
وقال : مولى امرأته أم عثمان بن عطاء.
قال أبو عمر :
ففي هذه الأحاديث وجدنا ذكر الساعات - فالله أعلم؛ وكان الشافعي -
رحمه الله - يقول : أحب التبكير إلى الجمعة وأن لا تؤتى إلا مشيا، وفي
قوله التبكير دليل على أنه الاستعجال في أول النهار، وقد جاء في كثير من
هذه الأحاديث المهجر، وجاء فيها المتعجل؛ وقال بعض أصحاب الشافعي :
ليس في قوله المهجر ما يدل على أنه من وقت الهجير والهاجرة، قال: وإنما
68) انظر سنن أبي داود 1 / 242.
69) كذا في النسختين، والذي في سنن أبي داود (بالترابيث) أو (بالربائث) على الشك من الراوي،
يقال : ربئه عن الأمر: حبه وثبطه.
انظر عون المعبود 1 / 406.
:
-28-

هو من التهجير الذي يراد به البدار والاستعجال وترك الحاجات واطراح
الأشغال؛ ومن ذلك. قيل المهاجر لمن ترك أهله ووطنه وبادر إلى صحبة
محمد - آل} ..
قال أبو عمر :
وقد استدل بحديث سمي المذكور في هذا الباب الشافعي وأصحابه ومن
قال بقولهم في تفضيل البُدْنِ في الضحايا على الكباش، وهذا موضع اختلف فيه
الفقهاء : فقال مالك وأصحابه : أفضل الضحايا الفحول من الضأن، وإناث الضأن
خير من فحول المعز، وفحول المعز خير من إناثها، وإناث المعز خير من الإبل
والبقر؛ وحجة من ذهب هذا المذهب قول الله - عز وجل -: ﴿وفديناه بذبح
عظيم﴾(79) وذلك كبش لا جمل ولا بقرة.
وروى مجاهد وغيره عن ابن عباس أنه سأله رجل فقال : إني نذرت أن
أنحر نفسي، فقال يجزيك كبش سمين، ثم قرأ: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾.
وقال بعضهم : لو علم الله حيوانا أفضل من الكبش لفدى به إسحاق،
وضحى رسول الله - ماتز - بكبشين أملحين، وأكثر ما ضحی به الكباش.
وذكر ابن أبي شيبة عن ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، قال: الذبح
العظيم : الشاة.
حدثنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا أحمد بن دحيم، قال حدثنا أبو جعفر
محمد بن الحسين بن زيد، قال حدثنا فهد بن سليمان، قال حدثنا إسحاق بن
إبراهيم بن يونس الحنيني، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن
يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - وَالٍ -: نزل علي جبريل في
70) الآية : 7 سورة الصافات.
٠
- 29 -

يوم عيد، فقال له النبي - ﴿يّ -: يا جبريل، كيف رأيت عيدنا؟ فقال :
يا محمد، لقد تباهى به أهل السماء، وقال : يا محمد، اعلمْ أن الجذع من الضأن
خير من السيد من البقر، والجذع من الضأن خير من السيد من البقر، والجذع
من الضأن، خير من السيد من الإبل، ولو علم الله ذبحا هو خير منه لقدى به
إبراهيم ابنه.
قال أبو عمر :
هذا الحديث عندهم ليس بالقوي. والحنيني عنده مناكير(71).
وقال الشافعي : الإبل أحب إلي أن يضحى بها من البقر، والبقر أحب
إلي من الغنم، والضأن أحب إلي من المعز.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : الجَزُور في الأضحية أفضل ما ضحي به، ثم
يتلوه البقر في ذلك، ثم تتلوه الشاة؛ وحجة من ذهب إلى هذا المذهب قوله
مَلتح: المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم
الذي يليه كالمهدي شاة؛ فبان بهذا الحديث أن التقرب إلى الله - عز وجل -
بالإبل أفضل من التقرب إليه بالبقر، ثم بالغنم على ما في هذا الحديث. وقد
أجمعوا على أن أفضل الهدايا الإبل، واختلفوا في الضحايا، فكان ما أجمعوا
عليه في الهدي قاضيا على ما اختلفوا فيه في الأضاحي، لأنه قربان كله؛ وقد
أجمعوا على أنه ما استيسر من الهدي شاة، فدل على (72) نقصان ذلك عن مرتبة
غيره؛ وقال رسول الله - ◌َ ◌ّ -: أفضل الرقاب أغلاها ثمنا، وأنفسها عند
أهلها.(73) ومعلوم أن الإبل أكثر ثمنا من الغنم، فوجب أن تكون أفضل .
استدلالا بهذا الحديث.
71) أنظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٦ / 222 - 223.
72) على نقصان : أ، على أن نقصان: ك.
73) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 2 / 35.
~ 30-
١

وأما الذبح العظيم الذي فدي به الذبيح، فجائز أن يطلق عليه عظيم لما
ذكر ابن عباس أنه كبش رعى في الجنة أربعين خريفا، وأنه الذي قربه ابن آدم
فتقبل منه ورفع إلى الجنة.
قال أبو عمر :
لو لم يكن فضل الكبش إلا أنه أول قربان تقرب به إلى الله في الدنيا
فتقبله، وأنه فدي به نبي كريم من الذبح، قال الله فيه ﴿بذبح عظيم﴾.
ذكر عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد
الرحمان بن ثوبان، قال: مر النعمان بن أبي قطبة على النبي - مَ ◌ّ - بكبش
أعين أقرن فقال النبي - تر - : ما أشبه هذا الكبش بالكبش الذي ذبحه
إبراهيم، فاشترى معاذ بن عفراء كبشا أقرن أعين وأهداه إلى النبي - عُ ق -
فضحی به(74).
حديث سابع لسمي
مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبي صالح
السمان، عن أبي هريرة - أن رسول الله - بلح - قال: إذا قال الإمام :
سمع الله لمن حمده، فقولوا : (75)اللهم ربنا (76)ولك الحمد، فإنه من
وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه(77).
74) انظر مصنف عبد الرزاق 4 / 379 - 380.
75) اللهم ربنا : أ، ربنا - بإسقاط (اللهم): ك.
76) ولك: أ، لك: ك - وهو الموجود في أكثر نسخ الموطأ - والرواية جاءت بالوجهين.
77) الموطأ رواية يحيى ص 69 - حديث (194) - والحديث أخرجه البخاري ومسلم عن يحيى عن
مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 182 - 183.
- 3] -

وهذا الحديث يوجب أن يقتصر الإمام على قول سمع الله لمن حمده، (78)
وألا يقول معها ربنا(79) ولك الحمد، ويقتصر المأموم على ربنا لك الحمد، ولا
يقول معها : سمع الله لمن حمده. وقد ذكرنا اختلاف العلماء في ذلك وفي
سائر معاني هذا الباب في باب ابن شهاب عن أنس وسعيد من هذا الكتاب، فلا
معنى لتكرير ذلك ههنا.
.... ومعنى: سمع الله لمن حمده، تقبل الله حمد من حمده؛ ومنه قولهم:
سمع الله دعاءك، أي أجابه الله وتقبله.
وأما قوله في هذا الحديث : فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما
تقدم من ذنبه، فقد مضى في باب ابن شهاب في معنى التأمين ما يدل على
معنى هذا الباب - إن شاء الله؛ والوجه عندي في هذا - والله أعلم - تعظيم
فضل الذكر، وأنه يحط الأوزار ويغفر الذنوب؛ وقد أخبر الله عن الملائكة أنهم
يستغفرون للذين آمنوا، ويقولون : ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما،
فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك﴾(80)؛ فمن كان منه من القول مثل هذا
یاخلاص واجتهاد، ونية صادقة، وتوبة صحیحة، غفرت ذنوبه - إن شاء الله؛
ومثل هذه الأحاديث المشكلة المعاني، البعيدة التأويل عن مخارج لفظها -
واجب ردها إلى الأصول المجتمع عليها - وبالله التوفيق.
وقد روي عن عكرمة ما يدل على أن أهل السماء يصلون في حين صلاة
أهل الأرض على نحو صلاة أهل الأرض ويؤمنون أيضا، فمن وافق ذلك منهم،
غفر له - والله أعلم؛ وكل ذلكُ ندب إلى الخير وإرشاد إلى البر - وبالله
التوفيق.
78) وألا : أ، ولا : ك.
79) ولك: أ، لك : ك - ومرت - أنفا - الإشارة إلى ذلك.
80) الآية : 7 - سورة غافر.
- 32-

حديث ثامن لسمي
مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة
أن رسول الله - ٣ - قال: السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم
نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته(81) من وجهه، فليعجل
إلى أهله(82).
هذا حديث انفرد به مالك عن سي لا يصح لغيره عنه، وأنفرد به سي
" أيضا، فلا يحفظ عن غيره.
٠
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا محمد بن عبد الرحمان، حدثنا أحمد بن
عبد الجبار البغدادي، حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا مالك عن سمي، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ◌َ ◌ّ - قال : السفر قطعة من العذاب، يمنع
الرجل طعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره، فليعجل الرجوع إلى
أهله.
وهكذا هو في الموطأ عند جماعة الرواة بهذا الإسناد، ورواه ابن مهدي،
وبشر بن عمر، عن مالك قال: قال رسول الله- صلى الله -: الفر قطعة من العذاب
- الحديث مرسلا. وكان وكيع يحدث به عن مالك - هكذا أيضا - مرسلا حينا،
وحينا يسنده كما في الموطأ عن سي عن أبي صالح، عن أبي هريرة . - وهذا
إنما هو من نشاط المحدث وكله - أحيانا ينشط فيند، وأحيانا يكسل فيرسل
على حسب المذاكرة؛ والحديث مند صحيح ثابت، احتاج الناس فيه إلى
مالك، وليس له غير هذا الإسناد من وجه صحيح.
81) النهمة - بفتح النون وسكون الهاء - : الحاجة.
82) الموطأ رواية يحيى ص 694 - حديث (1792) - والحديث أخرجه البخاري ومسلم عن جماعة
عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 4 / 395.
- 33 -
التمهيدج٢٢

روى عبيد الله بن المنتاب، عن سليمان بن إسحاق المكلحي، عن هارون
الفروي، عن عبد الملك بن الماجشون، قال : قال مالك : ما بال أهل العراق
يسألوني عن حديث السفر قطعة من العذاب ؟ قيل له : لم يروه أحد غيرك؛
فقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت به.
وقد رواه عصام(83) بن رواد بن الجراح، عن أبيه، عن مالك، عن ربيعة،
عن القاسم، عن عائشة؛ وعن مالك عن سي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن
أبي هريرة، قالا: قال رسول الله - رائع - السفر قطعة من العذاب، يمنع
أحدكم (طعامه وشرابه ولذته، فإذا قضى أحدكم)(84) حاجته، فليعجل إلى أهله.
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا محمد بن جعفر غندر، حدثنا محمد بن
خالد بن يزيد بمكة، حدثنا عصام بن رواد بن الجراح، حدثنا أبي، حدثنا
مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمان، عن القاسم، عن عائشة؛ وعن سمي، عن
أبي صالح، عن أبي هريرة.
قال أبو عمر :
الإسناد الأول لمالك عن ربيعة، عن القاسم، عن عائشة، غير محفوظ، لا
أعلم رواه عن مالك غير رواد هذا - والله أعلم؛ وهو خطأ وليس رواد بن
الجراح ممن يحتج به ولا يعول عليه:(85) والإسناد الثاني صحيح، وقد رواه
خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر الوركاني، عن مالك، عن سهيل بن أبي
83) عصام : أ، عاصم: ك - وهو تحريف، انظر ترجمة عصام بن رواد في لسان الميزان 4 / 167.
84) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في ك . والمعنى يقتضيه والرواية تصححه، ولذا أثبته في
الصلب.
85) هو أبو عاصم رواد بن الجراح العسقلاني، ضعفه غير واحد.
انظر تهذيب التهذيب 3 / 288 - 290.
- 34 -

صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - مُ ◌ّ . - ولا يصح لمالك عن سهيل
والله أعلم، وإنما هو المالك عن سي لا عن سهيل؛ إلا أنه لا يبعد أن يكون
عن سهيل أيضا، وليس بمعروف لمالك عنه.
وروي عن عتيق بن يعقوب الزبيري؛ عن مالك، عن أبي النضر مولى عمر
ابن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - عادة -:
السفر قطعة من العذاب - الحديث. ولا يصح هذا الإسناد أيضا - عندي - وهو
خطأ، وإنما هو المالك عن سي، لا عن سهيل، ولا عن ربيعة، ولا عن أبي
النضر - والله أعلم.
وقد زاد فيه بعض الضعفاء عن مالك : وليتخذ لأهله هدية، وإن لم يجد
إلا حجرا فليلقه في مخلاته؛ قال : والحجارة يومئذ تضرب بها القداح، وهذه
زيادة منكرة لا تصح، والصحيح ما في الموطأ بإسناده ولفظه - والله أعلم.
وقد رواه ابن سمعان قاضي المدينة عن زيد بن أسلم، عن جهان، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله - ◌َ الله -: إن السفر قطعة من العذاب يمنع
أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره، فليعجل إلى
أهله. وابن سمعان هذا هو عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان - قاضي
المدينة، كان مالك يرميه بالكذب(86)، حدثه عن ابن قحطان بقية بن الوليد؛
وقد رويناه عن الدراوردي، عن سهيل بإسناد صالح، لكنه لا تقوى الحجة به :
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثني أبي، قال حدثنا أبو
عمرو عثمان بن عبد الرحمان، قال حدثنا إبراهيم بن قاسم، قال حدثنا أبو
المصعب أحمد بن أبي بكر بن الحرث، بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمان
ابن عوف، قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن سهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - أن رسول الله - صَ ◌ّةٍ - قال: السفر قطعة من
86) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 5 / 219.
- 35 -

العذاب، فإذا فرغ أحدكم من مخرجه أو من سفره، فليعجل الكرة إلى أهله، وإذا
عرستم فتجنبوا الطريق، فإنها مأوى الهوام والدواب.
وفي هذا الحديث دليل على أن طول التغرب عن الأهل لغير حاجة
وكيدة من دين أو دنيا لا يصلح ولا يجوز، وأن من انقضت حاجته، لزمه
الاستعجال إلى أهله الذين يمونهم ويقوتهم مخافة ما يحدثه الله بعده فيهم؛ قال
رسول الله - 24 - : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت(87).
وقد روينا عن مالك من حديث سي حديثاً يدخل في هذا الباب،
حدثناه خلف بن قاسم، قال حدثنا أبو القاسم عثمان بن محمد بن عثمان
البغدادي الدباغ، حدثنا أحمد بن يوسف المنيجي، (88) حدثنا حاجب بن
سليمان، حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا مالك بن أنس، عن سمي مولى أبي
بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -تع الى -: لو
يعلم الناس ما للمسافر، لأصبحوا على ظهر سفر، إن الله لينظر إلى الغريب
في كل يوم مرتين . - وهذا حديث غريب لا أصل له في حديث مالك ولا في
غيره - والله أعلم.
ومما يدخل في هذا الباب أيضا من رواية مالك وغيره : سافروا
تصحوا(89)، وقد ظنه قوم معارضا لحديث السفر كقطعة من العذاب - وليس
كذلك، لاحتماله أن يكون العذاب هو التعب، والتعب ههنا مستديما للصحة.
87) رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 5 / 4.
88) انظر ترجمته في لسان الميزان 1 / 328.
89) رواه ابن السني وأبو نعيم من حديث أبي سعيد، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير
.81 / 4
- 36 -

وحدثنا خلف بن قاسم، قال: حدثنا أبو محمد أحمد س محمد بن عبيد بن
آدم بن أبي إياس، قال حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العقلاني، قال حدثنا
عبد الله بن عيسى المدني الأصم، قال حدثنا مطرف بن عبد الله، قال حدثنا
مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - محمد - قال : سافروا تصحوا وتسلموا.
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا الحسن بن إسماعيل بن القاسم، حدثنا
أحمد بن إسماعيل بن القاسم وعلي بن أحمد بن إسحاق، والفضل بن عبيد الله
الهاشمي، قالوا: حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، قال: حدثنا أبو علقمة الفروي
عبد الله بن عيسى الأصم، قال حدثنا مطرف، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن
ابن عمر، عن النبي - صَلّ - قال: سافروا تصحوا وتسلموا.
وحدثنا عبد الله، حدثنا الحسن، حدثنا محمد بن موسى بن هارون
الزهري، حدثنا محمد بن إبراهيم بن حماد، حدثنا محمد بن سنان العوفي،
حدثنا محمد بن عبد الرحمان بن زرارة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر
قال: قال رسول الله - صَ لّه -: سافروا تصحوا وتغنموا (90).
وحدثنا عبد الله، حدثنا الحسن، حدثنا محمد بن سعد، حدثنا موسى بن
عيسى الحتلي، حدثنا داود بن رشيد، حدثنا بسطام بن حبيب، قال حدثنا القاسم
ابن عبد الرحمان، عن أبي حازم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ينية .
سافروا تصحوا وترزقوا (91).
90) أخرجه الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 4 / 82.
91) أخرجه البيهقي، المرجع السابق.
- 37 -
:

حديث تاسع لسمي
مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبي صالح
السمان، عن أبي هريرة، أن رسول الله - رجال - قال: العمرة إلى العمرة
كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (92).
هذا حديث انفرد به سي ليس يرويه غيره، واحتاج الناس إليه فيه،
سمي عن أبيه أبي صالح.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال حدثنا جعفر بن عمر، قال حدثنا
شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن
رسول الله - ◌َ - قال: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، والعمرة إلى
العمرة تكفر ما بينهما.
وحدثنا أحمد بن فتح، قال : حدثنا حمزة بن محمد بن علي، قال :
حدثنا بكر بن محمد بن عبد الوهاب البصري، قال حدثنا محمد بن عبد الملك،
قال حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل، عن سمي، عن أبي صالح، عن
أبي هريرة، عن النبي - مَّة - قال: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة،
والعمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما.
قال أبو عمر :
قوله العمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما، مثل قوله : الجمعة إلى الجمعة
كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر، وقد مضى القول في هذا المعنى مجودا في
باب زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن الصنابحي من هذا الكتاب.
92) الموطأ رواية يحيى ص 237 - حديث (771) - والحديث أخرجه البخاري ومسلم عن يحيى عن
مالك به. انظر الزرقاني على الموطأ 2 / 162.
- 38-

وأما الحج المبرور، فقيل(93) هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث فيه
ولا فسوق، ویکون بمال حلال - والله أعلم وبالله التوفيق.
حديث عاشر لسمي
مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحرث بن
هشام - أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمان بن الحرث بن هشام يقول :
كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم - وهو أمير المدينة، فذكر له أن
أبا هريرة يقول : من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم. فقال مروان :
أقسمت عليك ياعبد الرحمان لتذهبن إلى أم المؤمنين عائشة وأم
سلمة، فلتسأ لنهما عن ذلك؛ فذهب عبد الرحمان وذهبت معه حتى
دخلنا على عائشة فسلم عليها ثم قال : يا أم المومنين، إنا كنا عند
مروان - فذكر له أن أبا هريرة يقول : من أصبح جنبا أفطر ذلك
اليوم؛ قالت عائشة : ليس كما قال أبو هريرة يا عبد الرحمان،
أترغب عما كان رسول الله - ◌َ ◌ّ - يصنع؟ قال عبد الرحمان: لا
والله، قالت عائشة: فأشهد على رسول الله - ◌َ لّ - أنه كان يصبح
جنبا من جماع غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم؛ قال : ثم خرجنا
حتى دخلنا على أم سلمة فسألها عن ذلك، فقالت مثل ما قالت
عائشة؛ قال : فخرجنا حتى جئنا مروان بن الحكم، فذكر له عبد
الرحمان ما قالتا؛ فقال مروان : أقسمت عليك يا أبا محمد لتركبن
(93) فقيل : أ، فقالوا : ك.
- 39 -

دابتي فإنها بالباب، فلتذهبن إلى أبي هريرة، فإنه بأرضه بالعراق،
فلتخبرنه ذلك؛ فركب عبد الرحمان وركبت معه حتى أتينا أبا
هريرة، فتحدث معه عبد الرحمان ساعة ثم ذكر له ذلك، فقال أبو
هريرة : لا علم لي بذلك، إنما أخبرنيه مخبر (94).
هذا الإسناد أثبت أسانيد هذا الحديث، وهو حديث جاء(95) من وجوه
كثيرة متواترة صحاح. في هذا الحديث دخول الفقهاء على السلطان ومذاكرتهم
له بالعلم، وفيه ما كان عليه مروان من الاهتبال بالعلم ومسائل الدين، مع ما
كان فيه من الدنيا. ومروان - عندهم - أحد العلماء، وكذلك ابنه عبد الملك.
وفيه ما يدل على أن الشيء إذا تنوزع (فيه)، (96) رد إلى من يظن به أنه
يوجد عنده علم منه؛ وذلك أن أزواج رسول الله - ق - أعلم الناس بهذا
المعنى بعده من أجله - عام.
وفيه أن من كان عنده علم في شيء وسمع خلافه، كان عليه إنكاره من
ثقة سمع ذلك أو غير ثقة حتى يتبين له صحة خلاف ما عنده.
وفيه أن الحجة القاطعة عند الاختلاف فيما لا نص فيه من الكتاب : سنة
رسول الله - ملح -
وفيه إثبات الحجة في العمل بخبر الواحد العدل، وأن المرأة في ذلك
كالرجل سواء؛ وأن طريق الإخبار في هذا غير طريق الشهادات.
94) الموطأ رواية يحيى ص 196 - حديث (644) - والحديث أخرجه البخاري عن اسماعيل عن مالك
به. انظر الزرفاني على الموطأ 2 / 162.
95) جاء : أ، روى : ك.
96) كلمة (فيه) ساقطة في أ، ثابتة في ك - والمعنى يقتضيها.
- 40-