Indexed OCR Text

Pages 141-160

شاة شاة؛ قال : ثم كلما زادت مائة، ففيها شاة. وليس في الورق صدقة حتى تبلغ
مائتي درهم، فإذا بلغت مائتي درهم، ففيها خمسة دراهم؛ ثم في كل أربعين درهما زاد
على مائتي درهم درهم؛ وليس في الذهب صدقة حتى يبلغ صرفها مائي درهم، فإذا
بلغ صرفها مائتي درهم، ففيها خمسة دراهم؛ ثم في كل ما(10) يبلغ صرفه أربعين
درهما درهم - حتى تبلغ أربعين دينارا؛ فإذا بلغت أربعين دينارا، ففيها دينار؛ ثم
ما زاد على ذلك من الذهب؛ ففي صرف أربعين درهما درهم، وفي كل أربعين
دينارا دينار؛ وليس في السوائم (05) من الإبل والبقر، ولا بقر الحرث صدقة، من
أجل أنها سوائم(105) الزرع وعوامل الحرث؛ وفي كل ثلاثين بقرة تبيع ذكر، وفي كل
أربعين بقرة بقرة.
قال أبو عمر :
أما قوله في زكاة الذهب وبقر الحرث والسوائم (105) وعوامل الإبل، فليس
ذلك في شيء من الأحاديث المرفوعة إلا في هذا الحديث - وهو من رأي ابن
شهاب محفوظ؛ وكثيرا ما كان يدخل في أواخر الأحاديث رأيه، فيظن السامع أن
ذلك في الحديث؛ وكل ما في هذا الحديث فإجماع من العلماء، إلا في زكاة الذهب،
فإن الجمهور على خلاف ابن شهاب في ذلك؛ والخلاف فيه على ما نذكره بعد في
هذا الباب، وكذلك الخلاف في موضع واحد من زكاة الغنم، وفي زكاة العوامل من
الإبل والبقر.
فأما اختلافهم في زكاة الإبل العوامل والبقر العوامل، فذهب مالك إلى أن
الزكاة فيها واجبة كغير العوامل سواء؛ وهو قول مكحول وقتادة، ورواية عن
اللیث رواها ابن وهب عنه.
وقال الثوري، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، والشافعي، وأبو حنيفة
وأصحابها، والحسن بن صالح، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود،
(104) شيء : أ، ما : ق - وهي أنسب.
(105 - 105 - 105) في النسختين (السواني) ولعل الصواب ما أثبته
- 141 -

والطبري : ليس في العوامل من الإبل والبقر صدقة؛ وروي ذلك عن علي، ومعاذ،
وجابر بن عبد الله - ولا مخالف لهم من الصحابة.
وروى عبد الله بن صالح، عن الليث مثل ذلك، وهو قول جماعة التابعين
بالحجاز والعراق؛ وحجة من أوجب الزكاة في العوامل من الإبل والبقر، ظاهر
الأحاديث في الإبل والبقر في كل ثلاثين بقرة تبيع، وفي كل أربعين مسنة - لم
يخص عاملا عن غير عامل.
وحجة من أسقط عنها الزكاة : حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده؛
قال: سمعت رسول الله صَ لّ يقول: في كل إبل سائمة من كل أربعين بنت لبون -
الحديث(106). قالوا: والسائمة هي الراعية التي يطلب نماؤها في نسلها ورسلها.
قالوا : وفي ذكر(107) السائمة نفي للزكاة عن العاملة، وبين أصحاب مالك وبين
مخالفيهم في زكاة العوامل من جهة النظر والمقايسات ما رغبت عن ذكره.
قال أبو عمر :
وأما الموضع الذي اختلفوا فيه من زكاة الغنم، فهو إذا زادت على ثلاثمائة
شاة، فإن الحسن بن صالح بن حي قال : إذا كانت الغنم ثلاثمائة شاة وشاة، ففيها
أربع شياه؛ وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة، ففيها خمس شياه؛ ثم هكذا - كلما زادت
في كل مائة شاة. وروي عن منصور عن إبراهيم نحوه.
وقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وسائر الفقهاء : في مائتي
شاة وشاة ثلاث شياه؛ ثم لا شيء فيها زائدا إلى أربعمائة، فتكون فيها أربع شياه؛
ثم كلما زادت مائة، ففيها شاة - اتفاقا وإجماعا. والآثار المروية عن النبي صَ اتَّ كلها
تدل على ما قال مالك وسائر الفقهاء، دون ما قال الحسن بن حي؛ لأن في جميعها
في صدقة الغنم : فإذا زادت على ثلاثمائة، ففي كل مائة شاة؛ وهذا يقتضي ما قال
(106) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والدارمي.
(107) ذكر : أ، ذكره : ق.
- 142-

الفقهاء وجماعة العلماء، دون ما قال(108) الحسن بن حي؛ وهذه مسألة وهم فيها ابن
المنذر، وحكى فيها عن العلماء الخطأ، وغلط(109) وأكثر الغلط.
وأما قول رسول الله تعٍ في حديث هذا الباب: وليس فيما دون خمس
أواق صدقة، فإنه إجماع من أهل العلم أيضا؛ وفي هذا القول معنيان، أحدهما : نفي
الزكاة عما دون خمس أواق؛ والمعنى الثاني إيجابها في ذلك المقدار، وفيا زاد عليه
بحسابه؛ هذا ما يوجبه ظاهر هذا الحديث، لعدم النص عن العفو بعد الخمس
الأواقي حتى تبلغ مقدارا ما؛ فلما عدم النص في ذلك، وجب القول بإيجابها في
القليل والكثير؛ بدلالة العفو عما دون الخمس الأواقي، وعلى هذا أكثر العلماء؛
وسنذكر القائلين به، والخلاف فيه في هذا الباب بعد - إن شاء الله.
والأوقية عندهم: أربعون درهما كيلا، لا خلاف في ذلك؛ والأصل في
الأوقية ما ذكر أبو عبيد في كتاب الأموال قال : كانت الدراهم غير معلومة إلى
أيام عبد الملك بن مروان، فجمعها وجعل كل (116) عشرة من الدراهم وزن سبعة
مثاقيل؛ قال : وكانت الدراهم يومئذ (درهم) (٦١٦) من ثمانية دوانق زيف، ودرهم من
أربعة دوانق جيد؛ قال : فاجتمع رأي علماء ذلك الوقت لعبد الملك على أن
جمعوا (1) الأربعة الدوائق إلى الثمانية، فصارت اثني عشر دائقا، فجعلوا الدرهم(٢١)
ستة دوائق، وسموه كيلا؛ واجتمع لهم في ذلك أن في كل مائتي درهم زكاة، وأن
أربعین درهما أوقية؛ وأن في الخمس الأواقي التي قال رسول الله څے ليس فیا دونها
صدقة مائتي درهم لا زيادة، وهي نصاب الصدقة.
(108) قال : أُ، قول : ق.
(109) وغلط : أ، وخلط : ق.
(110) وجعل کل : أ، وجعل وزن كل : ق.
(111) كلمة (درهم) ساقطة في أ، ثابتة في ق - والمعنى يقتضيها.
(112) جمعوا : أ، أجمعوا : ق.
(113) الدرهم: ق، الدارم: أ - ولعله تحريف.
- 143 -

قال أبو عمر :
ما حكاه أبو عبيد يستحيل، لأن الأوقية على عهد رسول الله مَ ◌ّه لم يجز
أن تكون مجهولة المبلغ من الدارهم في الوزن، ثم يوجب الزكاة عليها - وهي
: لا يعلم مبلغ وزنها؛ ووزن الدينار درهمان أمر مجتمع عليه، معروف في الآفاق عند
جماعة أهل الإسلام؛ إلا أن الوزن عندنا بالأندلس مخالف لوزنهم، فالدرهم الكيل
عندهم هو عندنا بالأندلس درهم وأربعة أعشار درهم؛ لأن دراهمنا مبنية على دخل
أربعين ومائة في مائة كيلا؛ هكذا أجمع الأمراء والناس عليها عندنا بالأندلس في
جميع نواحيها، فعلى ما ذكرنا في الدرهم المعهود عندنا : أنه درهم وخمسان تكون
المائتا درهم كيلا مائتي درهم وثمانين درهما. وقيل(114): إن الدرهم المعهود بالمشرق
وهو الدرهم الكيل المذكور، هو بوزننا المعهود اليوم بالأندلس درهم ونصف،
وأظن ذلك بمصر وما والاها. وأما أوزان العراق، فعلى ما ذكرت لك لم يختلف
عليها(115) أن درهمهم درهم وأربعة أعشار درهم بوزننا. وقد حكى الأثرم عن أحمد
ابن حنبل، أنه ذكر اختلاف الدينار والدرهم باليمن وناحية عدن فقال : قد
اصطلح الناس على دراهمنا - وإن كان بينهم في ذلك اختلاف، قال : وأما
الدنانير، فليس فيها اختلاف؛ فجملة النصاب ومبلغه عندنا اليوم بوزننا، ودخلنا
على حسبما وصفنا : خمسة وثلاثون دينارا دراهم حساب الدينار ثمانية دراهم
بدراهمنا التي هي دخل أربعين ومائة في مائة كيلا؛ وهذا على حساب الدرم
الكيل درهم وأربعة أعشار درهم؛ وعلى حساب الدرهم درهم ونصف، يكون سبعة
وثلاثين دينارا دراهم وأربعة دراهم؛ فإذا ملك الحر المسلم وزن المائتي درهم المذكورة
من فضة - مضروبة أو غير مضروبة، وهي الخمس الأواقي المنصوصة في الحديث
حولا كاملا، فقد وجبت عليه صدقتها؛ وذلك ربع عشرها : خمسة دراهم للمساكين
والفقراء ومن ذكر في آية الصدقات؛ إلا المؤلفة قلوبهم، فإن الله قد أغنى الإسلام
(114) وقيل : أ، وقد قيل : ق.
(115) عليها : أ، علينا : ق.
- 144 -

وأهله اليوم عن أن يتألف عليه؛ وسائر الأصناف المذكورات من وضع زكاته في
صنف (116) منهم أجزأه، إلا العاملين على الصدقات، فإنما لهم بقدر عمالتهم؛ وقد
ذكرنا ما للعلماء في قسم(١٦) الصدقات على الأصناف المذكورين في الآية من
التنازع في غير هذا الموضع؛ وما ذكرت لك ههنا، فهو المعتمد عليه المعمول به؛ وما
زاد على المائتي درهم من الورق، فبحساب ذلك في كل شيء منه ربع عشره - قل
أو كثر؛ هذا قول مالك، والليث، والشافعي، وأكثر أصحاب أبي حنيفة، وابن أبي
ليلى، والثوري، والأوزاعي، وأحمد ابن حنبل، وأبي ثور، وإسحاق، وأبي عبيد،
وروي ذلك عن علي، وابن عمر.
وقالت طائفة من أهل العلم : لا شيء فيما زاد على المائتي درهم حتى تبلغ
الزيادة أربعين درهما، فإذا بلغتها، كان فيها درهم - وذلك ربع عشرها؛ هذا قول
سعيد بن المسيب، والحسن. وعطاء، وطاوس. والشعبي، وابن شهاب الزهري،
ومحكول، وعمرو بن دينار، والأوزاعي، وأبي حنيفة.
وأما زكاة الذهب فأجمع العلماء على أن الذهب إذا كان عشرون دينارا
قيمتها مائتا درهم فما زاد، أن الزكاة فيها واجبة؛ إلا رواية جاءت عن الحسن، وعن
الثوري، مال إليها بعض أصحاب داود بن علي - : أن الذهب لا زكاة فيه حتى
يبلغ أربعين دينارا؛ والدينار من الذهب هو المثقال الذي وزنه درهمان عددا
بدراهمنا لا كيلا، وهذا أمر مجتمع عليه لا خلاف فيه إلا ما كان من اختلاف
الأوزان بين أهل البلدان.
وقد روي عن جابر بن عبد الله بإسناد لا يصح - أن النبي ◌َ ◌ّ قال :
الدينار أربعة وعشرون قيراطا. وهذا الحديث - وإن لم يصح إسناده - ففي قول
جماعة العلماء به، وإجماع الناس على معناه - ما يغني عن الإسناد فيه؛ والقيراط
(116). صنف منهم : أ، صنف واحد منه : ق.
(117) قم : أ، قسمة : ق.
*
التمهيدج ٢٠
- 145 -

وزنه ثلاث حبات من حبوب الشعير الممتلئة غير الخارجة عن المعهود من مقادير
الحبوب - وذلك اثنتان وسبعون حبة، وزن جميعها درهمان بدراهمنا اليوم - والحمد
لله؛ وأجمعوا على أن لا زكاة فيا دون عشرين مثقالا إذا لم تبلغ قيمتها مائتي درهم،
واختلفوا في العشرين دينارا - إذا لم تبلغ قيمتها مائتي درهم؛ وفيا يساوي من
الذهب مائتي درهم - وإن لم يكن وزنه عشرين دينارا، فالذي عليه جمهور أهل
العلم، أن الذهب تجب فيه الزكاة على من ملكه حولا - إذا كان وزنه عشرين
دينارا فصاعدا، يجب فيه ربع عشره، وسواء ساوى مائتي درهم كيلا أم لم يساو؛
وما زاد عل العشرين مثقالا، فبحساب ذلك في القليل والكثير؛ وما نقص من
عشرين دينارا، فلا زكاة فيه - سواء كانت قيمته مائتي درهم أو أكثر، والمراعاة فيه
وزنه في نفسه من غير قيمة؛ هذا مذهب مالك، والشافعي، وأصحابها، والليث بن
سعد، والثوري - في أكثر الروايات عنه، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد،
وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعة من التابعين بالعراق، والحجاز؛
منهم : عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وابن سيرين، والنخعي، والحكم .
وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، إلا أن أبا حنيفة قال : لا شيء فيا زاد
على العشرين مثقالا - حتى يبلغ أربعة مثاقيل وهو قول الأوزاعي.
وقال آخرون : ليس في الذهب زكاة حتى يبلغ صرفها مائتي درهم، فإذا
بلغ صرفها مائتي درهم، ففيها ربع العشر - وإن كان وزنها أقل من عشرين
دينارا؛ ولو كانت عشرين دينارا أو أزيد - ولم يبلغ صرفها مائتي درهم - لم تجب
فيها زكاة حتى تبلغ أربعين دينارا؛ فإذا بلغت أربعين دينارا، ففيها دينار؛ ولا
يراعى فيها الصرف والقيمة إذا بلغت أربعين دينارا؛ هذا قول الزهري، وقد رواه
يونس عنه في الحديث المذكور عن سالم، وعبد الله ابني عبد الله بن عمر - في
ذلك الكتاب؛ والصحيح عندي والله أعلم - أنه من رأي ابن شهاب، كذلك ذكره
عنه معمر وغيره، وهو قول عطاء وطاوس، وبه قال أيوب السختياني، وسليمان بن
حرب.
- 146-

٥
وقالت طائفة : ليس في الذهب شيء حتى تبلغ أربعين دينارا، فإذا
بلغت أربعين دينارا، ففيها ربع عشرها - دينار؛ ثم ما زاد، فبحساب ذلك؛ هذا
قول الحسن ورواية عن الثوري، وبه قال أكثر أصحاب دواد بن علي؛ ولا خلاف
بين علماء المسلمين أن في كل أربعين دينار من الذهب دينار(118) يجب إخراجه
زكاة على مالكها حولا كاملا - تاجرا كان أو غير تاجر، مالم يكن حليا متخذا
للبس النساء؛ فإن كان حليا من ذهب، أو فضة قد اتخذ للبس النساء، أو كان
خاتم فضة لرجل، أو حلية سيف، أو مصحف من فضة لرجل، أو ما أبيح له
اتخاذه من غير الآنية، فإن العلماء اختلفوا في وجوب الزكاة فيه : فذهب مالك
وأصحابه إلى أن لا زكاة فيه، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وهو
قول الشافعي بالعراق، ووقف فيه بعد ذلك بمصر، وقال : أستخير الله فيه.
وروي عن ابن عمر، وعائشة، وأسماء، وجابر رضي الله عنهم، أن لا زكاة
في الحلي؛ وعن جماعة من التابعين بالمدينة والبصرة مثل ذلك.
وقال الثروي، وأبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي : في ذلك كله الزكاة.
وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعبد الله بن عمر؛ وهو
قول جماعة : ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والزهري؛ وروي عنه عليه السلام
بإسناد لا يحتج بمثله.
وقال الليث : ما كان منه يلبس ويعار فلا زكاة فيه، وما صنع(119) ليفر
به من الصدقة، ففيه الصدقة. وأما قوله تع ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة،
ففيه معنيان، أحدهما : نفي وجوب الزكاة عما كان دون هذا المقدار، كما أن قوله ؛
ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة قد نفى وجوب الزكاة فيما دون ذلك؛
والمعنى الآخر : وجوب الزكاة في هذا(120) المقدار فما فوقه. والوسق : ستون صاعا
(118) دينارا : ق، دينار: أ - وهو تحريف.
(119) صنع : أ، جعل : ق.
(120) هذا : أ، ذلك : ق.
- 147 -

بإجماع من العلماء بصاع النبي ◌َةٍ، والصاع أربعة أمداد بمده مع؛ ومده: زنته
رطل وثلث، وزيادة شيء، هذا قول عامة العلماء بالحجاز والعراق، فهي ألف مد
ومائتا مد؛ وهي(121) بالكيل القرطبي عندنا بالأندلس خمسة وعشرون قفيزا، على
حساب كل قفيز ثمانية وأربعون مدا؛ وإن كان القفيز اثنين وأربعين مدا - كما زم
جماعة من الشيوخ عندنا، فهي ثمانية وعشرون قفيزا ونصف ففيز، أو أربعة أسباع
قفيز؛ ووزن جميعها ثلاثة وخمسون ربعا وثلث ربع، كل ربع منها من ثلاثين
رطلا؛ فهذا هو المقدار الذي لا تجب الزكاة فيما دونه، وتجب فيه وفيما فوقه كيلا؛
لأن الحديث إنما نبه على الكيل، وهذا إجماع من العلماء أن الزكاة لا تجب فيا
دون خمسة أوسق - إلا أبا حنيفة وزفر، ورواية عن بعض التابعين، فإنهم قالوا :
الزكاة في كل ما أخرجته الأرض قليل ذلك وكثيره - إلا الطرفاء(122) والقصب
الفارسي، والحشيش، والحطب.
وخالفه أصحابه فصاروا إلى ما عليه جماعة العلماء من الصحابة والتابعين
وفقهاء المسلمين بالحجاز والعراق والشام ومصر - في اعتبار الخمسة الأوسق المذكورة
في هذا الحديث؛ وأجمع العلماء كلهم من السلف والخلف - على أن الزكاة واجبة في
الحنطة والشعير والتمر والزبيب، واختلفوا فيما سوى ذلك من الحبوب : فقال
مالك : الحبوب التي تجب فيها الزكاة : الحنطة، والشعير، والسلت، والذرة،
والدخن، والأرز، والحمص، والعدس، والجلبان، واللوبيا، وما أشبه ذلك من الحبوب
والقطاني كلها؛ قال : وفي الزيتون الزكاة.
وقال الشافعي : كل ما يزرعه الادميون، وييبس ويدخر، ويقتات
مأكولا خبزا وسويقا وطحينا وطبيخا(12) - ففيه الصدقة. قال : والقطاني كلها
(121) وهي : أ، وهو : ق.
(122) الطرفاء : شجر - وهي أصناف منها: الأثل.
(123) كلمة (وطبيخا) ساقطة في ق، ثابتة في أ.
- 148 -

فيها الصدقة، قال: وليس في الأبزار، والقت، والقثاء، ولا حبوب البقل، ولا
الشويفز صدقة. قال : ولا يؤخذ في شيء من ثمر الشجر صدقة، إلا في النخل
والعنب.
واختلف قوله في الزيتون، وآخر ما رجع إليه: أن لا زكاة فيه، لأنه
إدام. وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن : لا شيء فيما تخرجه الأرض إلا ما كان له
ثمرة باقية تبلغ مكيلتها خمسة أوسق، ولا تجب الزكاة فيا دون خمسة أوسق؛ وقال
الثوري، وابن أبي ليلى: ليس في شيء من الزرع والثمار زكاة - إلا التمر والزبيب
والبر والشعير - وهو قول الحسن بن حي.
وقول الطبري في هذا الباب كله كقول الشافعي، ولا زكاة عنده في
الزيتون. وقال أبو ثور: الزكاة في الحنطة والشعير والأرز والحمص والعدس
والذرة وجميع الحبوب مما يدخر ويؤكل.
قال : وفي السلت والدخن واللوبيا والقرطم وما أشبه ذلك الزكاة.
وقال عطاء : الصدقة في النخل والعنب والحبوب كلها - وهو قول أحمد.
وروي عن أحمد أيضا أن كان كل شيء يدخر ويبقى، ففيه الزكاة.
وقال إسحاق : كل ما وقع عليه اسم الحب - وهو مما يبقى في أيدي
الناس، ويصير في بعض الأزمنة عند الضرروة طعاما لقوم، فهو حب يؤخذ منه
العشر.
واختلفوا في ضم هذه الحبوب بعضها إلى بعض : فمذهب مالك : أن البر
والشعير والسلت صنف واحد يضم بعض ذلك إلى بعض في الزكاة، ولا يجوز فيها
التفاضل قال : وتضم القطاني كلها بعضها إلى بعض في الزكاة، وهي عنده أصناف
مختلفة في البيوع، يجوز فيها التفاضل دون النساء؛ والقطاني عنده : الفول والحمص
واللوبيا والجلبان والعدس؛ قال : وما يعرفه الناس من القطاني. فإذا بلغ جميع
- 149 -

ذلك خمسة أوسق، أخذ من كل واحد بحصته، والدخن عنده صنف على حدة،(124)
وكذلك الذرة صنف، والأرز صنف، ولا يضم شيء منها إلى صاحبه في الزكاة.
وقال الشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو يوسف ومحمد : لا يضم شعير
إلى حنطة، ولا يضم جنس ولا نوع إلى غيره - إذا خالفه في الاسم واللون؛ ولا
يضم من القطاني كلها وغيرها شيء إلى غيره، ويعتبر من كل واحد خمسة أوسق.
وذكر ابن وهب عن الليث قال : السلت والذرة والدخن والأرز والقمح
والشعير صنف واحد(12)، يضم بعضه إلى بعض، وتؤخذ منه الزكاة؛ ولا يباع(126)
صنف منه بالآخر إلا مثلا بمثل، يدا بيد؛ والقطاني كلها عنده صنف واحد في
الزكاة ومختلفة الأجناس في البيع.
وعن الحسن والزهري في ضم الأصناف بعضها إلى بعض في هذا الباب نحو
قول مالك.
وعن عطاء، ومحكول، والحسن بن صالح، وشريك في ذلك مثل قول
الشافعي؛ وبه قال أبو عبيد، وأحمد، وأبو ثور؛ وأجمعوا أنه لا يضاف التمر إلى
الزبيب؛ ولا إلى البر، ولا البر إلى الزبيب، ولا الإبل إلى البقر، ولا البقر إلى الغنم
والغنم الضأن، والمعز يضاف بعضها إلى بعض بإجماع (12)؛ واختلفوا في ضم الذهب
والورق بعضها إلى بعض في الزكاة : فقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه،
والثوري: يضم أحدهما إلى الآخر، فيكل به النصاب، إلا أن أبا حنيفة قال : يضم
بالقيمة؛ وكذلك قال الثوري، إلا أنه قال: يضم القليل إلى الكثير بقيمة الأكثر؛
وتفسير ضهما بالقيمة أن يقوم أحدهما بالآخر، فإن بلغت قيمته ما تجب فيه الزكاة
من ذلك الصنف، جعلهما كأنها صنف واحد - وزكاهما زكاة ذلك الصنف.
(124) حدة : أُ، حدته : ق.
(125) واحد يضم : أُ، واحد كله يضم : ق.
(126) يبتاع : أ، يباع: ق - ولملها أنسب.
(127) بإجماع : أ، في الزكاة : ق.
- 150-

قال (28) أبو حنيفة: فإن كانت قيمة كل واحد من الصنفين تبلغ(129) مع
الصنف الآخر المقدار الذي تجب فيه الزكاة منه، نظر ما فيه الحظ للمساكين فجعل
الصنفين كأنها من ذلك الصنف، (وجعل فيهما جميعا زكاة ذلك الصنف)،(130) وإن
كان في التقويم بأحدهما دون الآخر زكاة، قوم بالذي يجب بالتقويم فيه الزكاة وقد
روى عن الثوري مثل هذا أيضا.
وقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والأوزاعي: تضم بالأجزاء ويحسب
الدينار بعشرة دراهم - على ما كانت في الزمان الأول، فمن كانت له عشرة دنانير
ومائة درهم، وجبت عليه الزكاة، وأخرج من كل واحد بحسابه منه - وهو قول
الحسن وقتادة. ومن تفسير الضم بالأجزاء : أن تكون عنده من كل واحد من
الصنفين الذهب والورق نصف كل نصف منها، أو يكون عنده ثلث أحدهما، ومن
الآخر ثلثاه على هذا المعنى؛ فإن كانت الأجزاء على هذا المعنى - غير متكاملة فلا
زكاة، فإن تكاملت بأقل الأجزاء : مثل أن تكون عنده تسعون ومائة درهم
ودينار، أو تسعة عشر دينارا وعشرة دراهم، وجبت فيها جميعا الزكاة.
وقال ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وشريك، والشافعي، وأصحابه،
وأبو ثور، وأحمد وإسحاق، وأبو عبيد، والطبري، وداود بن علي : لا يضم شيء
منهما إلى صاحبه، ويعتبرون تمام النصاب في كل واحد منهما : وهو قول صحيح في
النظر، ومعنى الآثر - وبالله التوفيق.
قال أبو عمر :
أما التمر، فقد ثبت عن النبي ◌ُ ◌ّ من نقل الآحاد الثقات - أنه قال:
ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة - من رواية مالك، عن محمد بن عبد الله
(128) قال : أُ، وقال : ق.
(129) تبلغ : ق، يبلغ : أ.
(130) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في ق.
- 151 -

بن عبد الرحمان بن أبي صعصعة، وقد ذكرناه في باب محمد من هذا الكتاب((١"،
وذكرنا هناك من روى مثل روايته وما الصحيح من ذلك؛ وذكرنا في هذا الباب
من حديث إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن يحيى بن عمارة، عن
أبي سعيد، عن النبي مؤٍّ قال: ليس فيا دون خمسة أوساق من حب وتمر صدقة،
وأمر النبي الم بخرص التمر للزكاة، وقد ذكرنا طرق حديثه بذلك في باب شهاب
من هذا الكتاب.
وأما البر فقد ذكرنا في البأب(132) من رواية روح بن القاسم، عن عمرو
ابن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد عن النبي ◌ّ أنه قال : لا يجب أو يحل في البر
والتمر زكاة حتى تبلغ خمسة أوسق، وذكرنا حديث جابر عن النبي وائل أنه قال:
لا صدقة في شيء من الزرع أو النخل أو الكرم حتى يكون خمسة أوسق.
وروى عبد الرحمان بن إسحاق عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن
عتاب بن أسيد، قال: أمرني رسول الله مائل أن أخرص العنب - وآخذ زكاته
زبيبا، كما تؤخذ زكاة التمر تمرا. فهذا ما في الأحاديث من ذكر الحبوب والتمر
والزبيب، وحديث إسماعيل بن أمية((13) يجمع كل حب ؛ وقد أجمع العلماء على
أخذ الزكاة من البر والشعير والتمر والزبيب كما ذكرنا، واختلفوا فيما سوى ذلك على
ما وصفنا ۔ وبالله توفيقنا.
وأما اختلافهم في زكاة الزيتون، فقال الزهري، ومالك، والأوزاعي،
والليث بن سعيد، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور: فيه الزكاة؛
قال الزهري والأوزاعي والليث(134) يخرص زيتونا ويؤخذ زيتا صافيا.
(131) انظر ج 113/13° - 117
(132) في الباب : أ، في هذا الباب: ق.
(133) وحديث إسماعيل يجمع كل حب: أ، وحدثنا إسماعيل بجمع كل حب : ق.
(134) والليث : أ، والليث بن سعد : ق.
~ 152 -

وقال مالك : لا يخرص ولكن يؤخذ العشر بعد أن يعصر ويبلغ كيل
الزيتون خمسة أوسق.
وقال أبو حنيفة، والثوري، (وأبو ثور)(135)، تؤخذ الزكاة من حبه.
وكان ابن عباس يوجب في الزيتون الزكاة.
وروي عن عمر - ولا يصح عنه فيه شيء.
وكان الشافعي يقول بالعراق : في الزيتون الزكاة، ثم قال بمصر: لا أعلم
أن الزكاة تجب في الزيتون.
أخبرني قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال سمعت سعيد بن
عثمان يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول : اجتمع على هذه المسألة
ثلاثة أنا أخالفهم : مالك وابن القاسم وأشهب - يقولون إن في الزيت الزكاة ما
اجتمع الناس على حبه، فكيف على(186) زیته.
قال أبو عمر :
قد احتج الشافعي في إيجاب الزكاة بقول الله عز وجل : ﴿والزيتون
والرمان متشابها وغير متشابه، كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم
حصاده﴾(137) ونزع مالك بهذه الآية (٥(٢)، كما صنع الشافعي - فدل على أن الآية
عندهم محكمة غير منسوخة، واتفقا جميعاً على أن لازكاة في الرمان، ثم اضطرب
الشافعي في الزيتون - وكان يلزمهما إيجاب الزكاة في الزيتون والرمان بهذه الآية؛
فإن كان الرمان خرج باتفاق، فقد أبان بذلك(739) أن الآية ليست على عمومها،
(135) جملة (وأبو ثور) ساقطة في أ، ثابتة في ق.
(136) فكيف على زيته : أم فکیف زیته ق.
(137) الآية : 141 - سورة الأنعام.
(138) الآية كا : أ، الآية أيضا كما : ق.
(139) أبان بذلك أن الآية : أ، بان بذلك المراد بأن الآية : ق.
- 158-

وأنها موقوفة على ما أخذ منه من الأموال، وما عفي عنه؛ فكان الضمير على هذا
التأويل عائدا على النخل والزرع، وقد ذكرنا ما أجمعوا عليه من ذلك وما
اختلفوا فيه.
وأما الزيتون، فواجب فيه الزكاة بهذه الآية؛ وجمهور العلماء على أن هذه
الآية محكمة. وروي عن ابن عباس أنه قال في تأويل قول الله عز وجل :
﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، قال: العشر ونصف العشر. وقال مرة أخرى
حقه : الزكاة المفروضة يوم يكال أو يعلم كيله.
وروي عن أنس في قوله ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، قال : الزكاة؛
وبهذا قال جابر بن زيد أبو الشعثاء، وسعيد بن المسيب، وطاوس، والحسن،
وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وأبو صالح، وعكرمة؛ وقال مجاهد : حقه أن
يلقي لهم من السنبل - إذا حصد زرعه، ويلقي لهم من الشماريخ - إذا جد نخله،
فإذا كاله زكاه؛ وهو قول عطاء، وسعيد بن جبير: أوجبوا عند الصرام والحصاد
شيئا سوى الزكاة ثم الزكاة.
وروي عن ابن عمر نحوه قال : يعطون من اعتربهم الشيء. وقال الربيع
ابن أنس : هو إلقاء السنبل، ونحوه عن علي بن الحسين؛ وهذا كله في معنى قول
مجاهد (140).
وقالت طائفة : هذه الآية منسوخة، نزلت قبل نزول الزكاة، لأن السورة
مكية؛ قالوا : لم تنزل آية الزكاة إلا بالمدينة : قوله : ﴿خذ من أموالهم
صدقة(١٩٦)) الآية(142)، وقوله: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾(143)، ونحو هذا؛
(140) قول مجاهد : أ، قول مجاهد سواء : ق.
(141) الآية : 103 - سورة التوبة.
(142) صدقة الآية : أ، صدقة تطهرهم - الآية : ق.
(143) الآيات : 42 - سورة البقرة، 83 نفس السورة، 100 - السورة نفها.
- 154 -

، وممن قال : إن الآية منسوخة بالزكاة : العشر أو نصف العشر - محمد بن الحنيفة،
ومحمد بن علي بن الحسين، وإبراهيم النخعي، والسدي، وعطية العوفي.
وأما الخضر والفواكه، فجمهور أهل العلم على أن لا زكاة فيها، وسنذكر
ذلك في باب الثقة عند مالك، عن سليمان بن يسار، وبسربن سعيد - من هذا
الكتاب عند ذكر قوله واقعٍ: فيما سقت السماء والعيون والبعل : العشر، وما سقي
بالنضح نصف العشر (14)، ونبين المعنى في ذلك هنالك - إن شاء الله.
قال أبو عمر :
أما زكاة الزرع والثمار والحبوب، فيجب أداؤها في حين الحصاد والجداد
بعد الدرس والذر، ويعتبر وجوب ذلك فين مات عن زرعه، أو باعه، أو عن نخله
- بالإزهاء وبدو الصلاح في التمر، وبالاستحصاد واليبس والاستغناء عن الماء في
الزرع، وهذا إجماع من العلماء لا خلاف فيه إلا شذوذ.
وأما زكاة الإبل، والبقر، والغنم، فتجب أيضا بتمام استكمال الحول
والنصاب؛ وعلى هذا جماعة العلماء، إلا ما روي عن مالك أنه قال : إنما تجب
بمرور الساعي مع تمام الحول؛ وهذا معناه عند أهل الفهم : أن الساعي كان لا
يخرج إلا بعد تمام مرور الحول، فكان علامة لاستكمال الحول.
وأما الذهب والورق، فلا تجب الزكاة في شيء منها إلا بعد تمام الحول
أيضا؛ وعلى هذا جمهور العلماء، والخلاف فيه شذوذ لا أعلمه إلا شيء روي عن ابن
عباس ومعاوية أنهما قالا : من ملك النصاب من الذهب والورق، وجبت عليه
الزكاة (في الوقت)(145)، وهذا قول لم يعرج عليه أحد من العلماء، ولا قال به أحد
من أئمة الفتوى، إلا رواية عن الأوزاعي؛ فمن باع عبده أو داره أنه يزكي الثمن
(144) الموطأ رواية يحي ص : 187 - حديث (610).
(145) جملة (في الوقت) ساقطة في أ، ثابتة في ق.
- 155-

حين يقع في يده، إلا أن يكون له شهر معلوم فيؤخره حتى يزكيه مع ماله؛
والذي عليه جمهور العلماء مراعاة الحول والنصاب، إلا أن اختلافهم في ضم الفوائد
بعضها إلى بعض في الحول، اختلاف یطول ذكره، وتتشعب فروعه، ولا يليق بنا
في كتابنا هذا اجتلابه.
وحدثنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا أحمد بن دحيم، قال حدثنا أبو عروبة
الحراني، قال حدثنا عمران بن بكار، قال حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، قال
حدثنا بقية بن الوليد، عن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال : قال النبي حاتم: ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول.
ورواه مالك عن نافع عن ابن عمر موقوفا - والناس عليه - والحمد لله.
(45)ذكر الأثرم قال حدثنا أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - قال
حدثنا أبو يزيد خالد بن حبان الخراز، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن
مهران، عن ابن عباس في الرجل يستفيد المال، قال : يزكيه : حين يستفيد.
قال : وقال ابن عمر : ليس عليه زكاة حتى يحول عليه الحول. قال ميمون : ما
اختلف ابن عمر وابن عباس في شيء إلا أخذ ابن عمر بأوثقها - إلا في هذا. قال
أبو عبد الله : هذا حدیث غریب، وخالد بن حبان لم يكن به بأس.
وذكر أبو عبد الله عن وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق عن هبيرة
قال : كان عبد الله يعطينا العطاء ويزكيه، وليس هذا مذهب أبي عبد الله؛
وقال : كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - يسألون : هل عندك من مال وجبت
عليك فيه الزكاة ؟ وإلى هذا يذهب أبو عبد الله ليس عنده في مال زكاة حتى
يحول عليه الحول - لاعطية ولا غيرها. قال الأثرم : وحدثنا القعني، حدثنا
سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليا رضي الله عنه قال : ليس
في المال زكاة حتى يحول عليه الحول - وصلى الله على محمد.
(146) ذکر : أ، وذکر : ق.
~ 156 -

حدیث رابع لعمرو بن يحيى - مرسل
مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رسول الله شرائح
قال : لا ضرر ولا ضرر(47)).
لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث وإرساله - هكذا، وقد رواه
الدراوردي عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ◌َ ◌ّل.
ورواه كثير بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، عن النبي سؤالٍ. وإسناد كثير
هذا عن أبيه، عن جده - غير صحيح؛ وأما معنى هذا الحديث فصحيح في الأصول،
وقد ثبت عن النبي ◌َِّ أنه قال: حرم الله من المؤمن دمه وماله وعرضه، وأن لا
يظن به إلا الخير. وقال: إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام - يعني من
بعضكم على بعض. وقال حاكيا عن ربه عز وجل: يا عبادي إني حرمت الظلم
(على نفسي)(٨٥) فلا تظالموا(149). وقال الله عز وجل: ﴿وقد خاب من حمل
ظلما﴾(150) وأصل الظلم وضع الشيء غير موضعه، وأخذه من غير وجهه؛ ومن أضر
(147) الموطأ رواية يحيى ص 529 - حديث (1426) - والحديث أخرجه أحمد وابن ماجه من حديث
ابن عباس.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 431/6 - 432.
(148) جملة (على نفسي) ساقطة في أ، ثابتة في ق - والرواية على ذلك.
(149) رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي ذر الغفاري.
انظر الشبرخيتي على الأربعين النووية ص 218.
(150) الآية : 111 - سورة طه.
- 157 -

بأخيه المسلم أو بمن (151)له ذمة فقد ظلمه، والظلم ظلمات يوم القيامة كما ثبت في
الأثر الصحيح (52)).
وقد روى عبد الرؤاق، عن معمر، عن جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن
عباس، قال: قال رسول الله عَاقل: لا ضرر ولا ضرار، وللرجال أن يغرز خشبه
في جدار (153) جاره (154).
قال أبو عمر :
كان شعبة والثوري يثنيان على جابر الجعفي ويصفانه بالحفظ والإتقان،
وكان ابن عيينة يذمه ويحكي عنه من سوء مذهبه ما يسقط روايته، واتبعه على
ذلك أصحابه : ابن معين، وعلي، وأحمد، وغيرهم؛ فلهذا قلت إن هذا الحديث لا
یستند من وجه صحیح - والله أعلم.
وأما قوله ◌َّةٍ: لا ضرر ولا ضرار، فقيل إنها لفظتان بمعنى واحد، تكلم
بها جميعا على وجه التأكيد.
وقال ابن حبيب : الضرر عند أهل العربية : الاسم، والضرار الفعل؛
قال : ومعنى لا ضرر: لا يدخل على أحد ضرر لم يدخله على نفسه، ومعنى لا
ضرار لا يضار أحد بأحد، هذا ما حكى ابن حبيب.
وقال الخَشني : الضرر : الذي لك فيه منفعة، وعلى جارك فيه مضرة؛
والضرار : الذي ليس لك فيه منفعة، وعلى جارك فيه المضرة؛ وهذا وجه حسن
المعنى في الحديث والله أعلم.
(151) بمن : ق، من : أ.
(152) رواه مسلم وغيره من حديث جابر. انظر الترغيب والترهيب للمنذري 183/3.
(153) جدار : ق، حائط : أ، والرواية : جدار.
(154) حديث متفق عليه.
-158 -

أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل
ابن الفرج قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أبو علي الحسن بن سليمان قبيطة،(155)
حدثنا عبد الملك بن معاذ النصيبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن
عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال : قال رسول
الله ◌ُ التّ: لا ضرر ولا ضرار، من ضار(15) ضر الله به، ومن شاق شق الله عليه.
وقال غيره : الضرر والضرار مثل القتل والقتال، فالضرر: أن تضر بمن لا يضرك،
والضرار أن تضر بمن(157) قد أضر بك من غير جهة الاعتداء - بالمثل، والانتصار
بالحق؛ وهو نحو قوله ◌َ له: أد الأمانة إلى من ائتمك، ولا تخن من خانك (158).
وهذا معناه عند أهل العلم : لا تخن من خانك بعد أن انتصرت منه في خيانته
لك، والنهي إنما وقع على الابتداء، أو ما يكون في معنى الابتداء كأنه يقول : ليس
لك أن تخونه - وإن كان قد خانك؛ كما من لم يكن له أن يخونك أولا؛ وأما من
عاقب بمثل ما عوقب به وأخذ حقه، فليس بخائن، وإنما الخائن من أخذ ما ليس
له أو أكثر مما له.
وقد اختلف الفقهاء في الذي يجحد حقا عليه لأحد ويمنعه منه، ثم يظفر
المجحود بمال الجاحد قد ائتمنه عليه ونحو(159) ذلك : فقال منهم قائلون : ليس له
أن يأخذ حقه من ذلك ولا يحجده إياه، واحتجوا بظاهر قوله : أد الأمانة إلى
من المتنك، ولا تخن من خانك. وقال آخرون : له أن ينتصف منه ويأخذ حقه
(155) كلمة قبيطة ساقطة في ق، ثابتة في أ، وقبيطة لقب على أبي الحسن علي بن سليمان، انظر
ترجمته في لسان الميزان 212/2.
(156) ضر : أ، أضر : ق.
(157) من : أ، بمن : ق - وهي أنسب.
(158) أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 223/1.
(159) ونحو : أ، أو نحو : ق.
- 159-

من تحت يده، واحتجوا بحديث عائشة في قصة هند مع أبي سفيان. واختلف قول
مالك في هذه المسألة على الوجهين المذكورين : فروى الرواية الأولى عنه ابن
القاسم، وروى الأخرى عنه زياد بن عبد الرحمان وغيره؛ وللفقهاء في هذه المسألة
وجوه واعتلالات ليس هذا باب ذكرها، وإنما ذكرنا ههنا لما في معنى الضرار من
مداخلة الانتصار بالإضرار ممن أضر بك، والذي يصح في النظر ويثبت في
الأصول : أنه ليس لأحد أن يضر بأحد سواء أضر به قبل أم لا، إلا أن له أن
ينتصر ويعاقب - إن قدر بما أبيح له من السلطان؛ والاعتداء بالحق الذي له هو
مثل ما اعتدى به عليه، والانتصار ليس باعتداء ولا ظلم ولا ضرر إذا كان على
الوجه الذي أباحته السنة؛ وكذلك ليس لأحد أن يضر بأحد من غير الوجه الذي
هو الانتصاف من حقه، ويدخل الضرر في الأموال من وجوه كثيرة لها أحكام
مختلفة؛ فمن أدخل على أخيه المسلم ضررا منع منه، فإن أدخل على أخيه ضررا
بفعل ما كان له فعله فيما له، فأضر فعله ذلك بجاره أو غير جاره؛ نظر إلى ذلك
الفعل، فإن كان تركه أكبر ضررا من الضرر الداخل على الفاعل ذلك في ماله إذا
قطع عنه ما فعله، قطع أكبر الضررين وأعظمهما حرمة في الأصول؛ مثال ذلك
رجل فتح كوة يطلع منها على دار أخيه - وفيها العيال والأهل، ومن شأن النساء
في بيوتهن إلقاء بعض ثيابهن، والانتشار في حوائجهن؛ ومعلوم أن الإطلاع على
العورات محرم قد ورد فيه النهي، ألا ترى أن رسول الله يدافع قال لرجل اطلع
عليه من خلال باب داره، لو علمت أنك تنظر، لفقأت عينك، إنما جعل
الاستئذان من أجل النظر (160). وقد جعل جماعة من أهل العلم من ففئت عينه في
مثل هذا هدرا للأحاديث الواردة بمعنى ما ذكرت لك؛ وأبى ذلك آخرون
وجعلوا فيه القصاص، منهم: مالك وغيره، فلحرمة الإطلاع على العورات، رأى
العلماء أن يغلقوا على فاتح الكوة والباب ما فتح ما له فيه منفعة وراحة - وفي
(160) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث سهل بن سعد الساعدي.
انظر الترغيب والترهيب 437/3.
-160-