Indexed OCR Text

Pages 181-200

مكتوب بين عينيه كافر (1)، يقرأه كل مومن: كاتب وفير
كاتب، برد كل ماء وسهل ، إلا المدينة ومكة - حرسهما الله
عنه (2)، وقامت الملائكة بأبوابها - (9) وذكر الحديث .
1) في المسند (كافر مهجاة).
(2) في المسند ( حرمهما الله عليه) .
(9) أخرجه أحمد في المسند 867/8 - ط دار صادر،
181

حديث ثان لنعيم المجمر
مالك ، من نعيم بن عبد اللـه المجمر، عن محمد بن عبد
الله بن زيد الانصارى، أنه أخبره عن أبي مسعود الانصاري ،
أنه قال: أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلس
سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلى
عليك يا رسول الله ، فكيف نصلى عليك؟ قال : فسكت رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تمنينا أنه أم بسأله؛ ثم قال
قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد ، كما صليت على
ابراهيم ، (1) وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت
على (2) آل ابراهيم فى العالمين ، إنك حميد مجيد ، والسلام
كما قد علمتم (8) .
1) فى الاصل زيادة (وعلى ابراهم) - وهي غير ثابتة في التجريد وسائر
نسخ الموطأ، وهو ما يقتضيه صنيع المؤلف .
(2) في الاصل زيادة (على ابراهيم) - وهي غير ثابتة في التجريد وسائر
نخ الموطأ - وهو ما يشير اليه كلام المؤلف .
8) الموطأ رواية يحيى ص 115 - حديث (196) - والحديث أخرجه مسلم
والنسائي، انظر الزرقاني على الموطأ 387/1 .
188

قال أبو عمر: محمد بن عبد الله بن زيد الانصاري هو
الذي أرى أبوه النداء (1) فصار سنة ، وأبو مسعود الانصاري اسمه
عقبة بن عمرو (2)، وبشير بن سعد (8) هو والد النعمان بن
بشير، وقد ذكرنا كل واحد منهم في كتابنا في الصحابة
بما يغني من ذكره - والحمد لله .
حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله ، قال حدثنا محمد بن
عبد الله بن زكرياء النيسابورى - بمصر، قال حدثنا أحمد بن
عمرو بن عبد الخالق البزاز ، قال حدثنا اسماعيل بن مسعود
الجحدري ، قال حدثني زياد بن عبد اللـه، قال حدثنا محمد
ابن إسحاق ، عن محمد بن ابراهيم ، عن محمد بن عبد اللـه
ابن زيد، عن أبي مسعود الانصاري ، عن النبي - صلى اللـه
عليه وسلم - بنحو حديث مالك. وقد روى مثل حديثه هذا من
النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة، منهم أبو سعيد
الخدري ، وغيره .
حدثنا أحمد بن فتح ، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن
زكرياء، قال (4) أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد ، قال حدثنا
حمزة بن محمد ، قالا أخبرنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا قتيبة
انتظر الاستيعاب 912/3 .
المصدر السابق 8/ 1074 .
(2)
المصدر نفسه 1 / 172 .
(8
4) في الاصل بياض.
184

ابن سعيد، قال حدثنا بكر بن مضر، عن ابن العادي ، عن
عبد الله بن غباب، عن أبي سعيد الخدرى ، قال : قلنا يا رسول
الله، السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا:
اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، كما علمت على ابراهيم؛
وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل ابراهيم (!) .
ورواه شعبة، والثورى، عن الحكم ، من عبد الرحمان بن
أبي ليلى، من كعب بن عجرة، قال: لما نزلت: « يا أبها
الذين آمنوا، صلوا عليه وسلموا تسلما، ، (2)}- جاء رجل إلى
النبي - عليه السلام - فقال: يا رسول الله ، هذا السلام عليك قد
عرفناه، فكيف الصلاة ؟ فقال: قل: اللهم صل على محمد وعلى
آل محمد، كما صليت على إبراهيم، اذك حميد مجيد؛ وبارك
على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل ابراهيم،
إنك حميد مجيد .
هذا لفظ حديث الثوري، وهذا الحديث بدخل
فى التفسير المسند، ويبين معنى قول الله - تعالى: « إن اله
وملائكته يصلون على النبي . يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه
وسلموا تسليما)». (8) - فبين لهم رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - كيف الصلاة عليه، وعلمهم فى التحيات كيف السلام
!) انظر سنن النسائي /٥».
2) الآية : 86 - سورة الاحزاب
٤) الآية السابقة .
185

عليه - وهو قوله في التحيات : السلام عليك أبعيا النبى ورحمة
الله ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . - وهذا معنى قوله
فى حديث مالك: والسلام كما قد علمتم. ويشهد لذلك
قول عبد الله بن عباس، وابن عمر، وابن مسعود: كان رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد، كما يعلمنا السورة
من القرآن . وهو أيضا معنى حديث كعب بن عجرة المذكور
عند نزول الآية ، وقد قبل ان السلام فى هذه الاحاديث أريد به
السلام من الصلاة ، والقول الاول أكثر .
وقد اختلف العلماء فى وجوب التشهد وفي ألفاظه ، وفى
وجوب السلام من الصلاة ، وهل هو واحدة أو اثنتان ؛ ولست
أعلم في الموطأ من حديث النبي - عليه السلام - موضعا أولى
بذكر ذلك من هذا الموضع .
وأما التشهد ، فإن مالكا وأصحابه ذهبوا فيه إلى ما رواه
في الموطأ عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير ، عن عبد
الرحمان بن عبد القارى ، أنه سمع عمر بن الخطاب - وهو على
المنبر - يعلم الناس التشهد يقول: قولوا: التحيات لله ، الزكيات
لله ، الطيبات الصلوات لله ، السلام عليك أبها النبي ورحمة الله
وبركاته، (1) السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اشهد أن
لا إله إلا الله، (2) وأشهد أن محمدا عبده (3) ورسوله (4) .
1) كلمة (وبركاته) ساقطة في الاصل، وهي ثابتة في سائر نسخ الموطأ
2) في الاصل زيادة (وحده لا شريك له) - والرواية باسقاطها.
(8) في الاصل (عبد الله) والرواية (عبده).
4) الموطأ رواية يحيى ص 70 - حديث (200).
186

وأما الشافعي ، فذهب في التشهد إلى حديث الليث عن
أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير، وطاوس ، عن ابن عباس ،
قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يعلمنا التشهد - كما يعلمنا السورة من القرآن. قال: إذا جلس
أحدكم في الركعتين أو في الاربع، فليقل : التحيات المباركات
الصلوات الطيبات اله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا اله إلا الله
وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . رواه
الشافعي (1) عن يحيى بن حسان أنه أخبره به عن الليث بإسناده.
ورواه عن أبي الزبير، كما رواه الليث وجماعة؛ واما سفيان،
الثوري والكوفيون، فذهبوا في التشهد إلى حديث ابن مسعود.
عن النبي عليه السلام ، وهو حديث كوفي رواه ائمة أهل
الكوفة ؛ فممن رواه منصور، والاعمش، عن أبي وائل ،
عن ابن مسعود. ورواه اسحاق - عن أبي الأحوص عن ابن مسعود،
ورواه القاسم بن مخيمرة، عن علقمة، عن ابن مسعود - بمعنى
واحد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا جلس احدكم
في الصلاة ، فليقل التحيات لله ، والصلوات والطيبات ، السلام
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد
الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله - وحده لا شريك له ،
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
1) انظر الرسالة الشافعي بتحقيق أحمد شاكر.
187

وقد روي التشهد عن ابن عمر ، عن النبى - عليه السلام.
وعن سمرة قن جندب ، عن النبي - عليه السلام. وعن أبي
موسى، عن النبي - عليه السلام وعن جابر بن سمرة، عن النبي-
عليه السلام . وفي بعض ألفاظها اختلاف وزيادة كلمة ونقصان
أخرى، وذلك كله متقارب المعنى . وفيها كلها: السلام عليك
أيها النبي ورحمة الله . ومنهم من يقول فيه : وبر كاته . ومنهم
من لا يذكر ذلك . ومنهم من لا يزيد على قوله : السلام عليك
أبها النبي . فهذا وجه في معنى قوله : والسلام كما قد علمتم .
والوجه الآخر كهيئة السلام من الصلاة ، فقد روي عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - أنه كان بسلم من الصلاة تسليمة واحدة
من حديث سعد بن أبي وقاص، وعائشة ، وانس بن مالك ؛
وكلها معلولة الاسانيد ، لا يثبتها أهل العلم بالحديث .
وأما حديث سعد، فإن الدراوردي رواه عن مصعب بن ثابت،
عن اسماعيل بن محمد بن سعد، عن (محمد) (1) ، عن أبيه
سعد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بسلم من الصلاة
تسليمة واحدة، فأخطأ فيه خطأ لم بتابعه أحد عليه، وأذكروه
عليه وصرحوا بخطئه فيه ؛ لان كل من رواه من مصعب بن
ثابت باسناده المذكور - قال فيه: أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - كان يسلم من الصلاة تسليمتين .
1) كلمة (محمد) ساقطة فى الأصل والمعنى يقتضيها.
188

وأما حديث عائشة ، فانفرد به زهير بن محمد - لم بروه
مرفوعا غيره، وهو ضعيف لا يحتج بما ينفرد به (١) .
وأما حديث أنس، فإنما روى عن أيوب السختياني ، عن
انس، ولم يسمع أبوب من انس ولا رآه. قال أبو بكر البزار
وغيره : لا يصح عن النبي - عليه السلام - في التسليمة الواحدة
شيء . - يعنى من جهة الاسناد .
قال أبو عمر : لم يخرج البخاري في التسليم من الصلاة
شيئا لا في الواحدة ولا في الاثنتين، ولا خرج أبو داود السجستاني،
ولا أبو عبد الرحمان النسائي - في التسليمة الواحدة شيئا؛ وخرج
أكثر المصنفين في السنن حديث التسليمتين، فمن ذلك حديث
ابن مسعود، رواه أبو الاحوص ، وعلقمة ، والاسود ، عن ابن
مسعود ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم من
بدينه : السلام عليكم ورحمة الله؛ وعن يساره : السلام عليكم
ورحمة الله - حتى برى بياض خده، وكذلك حديث سعد المذكور
الصحيح فيه التسليمتان بالاسناد المذكور .
وأما حديث ابن عمر في التسليمتين، فحديث حسن من
حديث محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان ،
من ابن عمر .
1) انظر في ترجمته التقريب 264/1
189

وروي في التسليمتين حديث جابر بن سمرة، وحديث عمار،
وحديث سمرة بن جندب ، وحديث البراء بن عازب - وليست
بالقوية ؛ وروي عن طائفة من الصحابة ، وجماعة من التابعين
التسليمة الواحدة ؛ وروى عن جماعة من الصحابة أيضا والتابعين
التسليمتان ؛ والقول - عندى - في التسليمة الواحدة، وفي
التسليمتين- أن ذلك كله صحيح بنقل من لا يجوز عليهم السهو
ولا الغاط - فى مثل ذلك، معمول به عملا مستفيضا بالحجاز
التسليمة الواحدة، وبالعراق التسليمتان؛ وهذا مما يصح فيه الاحتجاج
بالعمل، لتواتر النقل كافة عن كافة فى ذلك - ومثله لا ينسى
ولا مدخل فيه الوهم؛ لانه مما يتكرر به العمل في كل يوم مرات؛
فصح أن ذلك من المباح والسعة والتخيير، كالاذان، وكالوضوء -
ثلاثا واثنين وواحدة، كالاستجمار بحجرين، وبثلاثة أحجار ؛
من فعل شيئا من ذلك فقد أحسن ، وحاد بوجه مباح من السنن؛
فسبق إلى أهل المدينة من ذلك التسليمة الواحدة ، فتوارثوها
وغلبت عليهم ؛ وسبق إلى أهل العراق وما وراءها التسليمتان ،
فجروا عليها ؛ وكل جائز حسن ، لا يجوز أن يكون الا توقيفا
ممن يجب التسليم له في شرع الدين ، وبالله التوفيق .
وأما رواية من روى عن مالك - أن التسليمتين لم تكن
إلا من زمن بني هاشم، فإنما أراد ظهور ذلك بالمدينة - والله أعلم
190

وأجمع العلماء على أن الصلاة على النبي - عليه السلام -
فرض واجب على كل مسلم، لقول الله عز وجل: ((يا أيها الذين
آمنوا، صلوا عليه وسلموا نسليماء . - ثم اختلفوا متى نجب؟
ومتى وقتها وموضعما؟ - فمذهب مالك عند أصحابه - وهو قول
أبي حنيفة وأصحابه : أن الصلاة على النبي - عليه السلام - فرض
في الجملة بعقد الايمان، ولا يتعين ذلك في الصلاة؛ ومن مذهبهم
أن من صلى على النبي - عليه السلام - في التشهد مرة واحدة
في عمره فقد سقط فرض ذلك منه .
وروي عن مالك وأبي حنيفة والثوري والاوزامي - أنهم
قالوا: الصلاة على النبي - عليه السلام - في التشهد جائز
ويستحبونها ، وتاركها مسيء عندهم ، ولا يوجبونها فيه . وقال
الشافعي: إذا لم يصل المصلي على النبي - عليه السلام - في
التشهد الآخر بعد التشهد وقبل التسليم ، أعاد الصلاة ؛ قال:
وان صلى عليه قبل ذلك لم يجزه، وهذا قول حكاه عنه حرملة
ابن يحبى لا يكاد يوجد هكذا منه الا من رواية حرملة - وهو
من كبار أصحابه الذين كتبوا عنه كتبه ؛ وقد تقلده أصحاب
الشافعى، ومالوا اليه وناظروا عليه وهو عندهم تحصيل مذهبه؛ ومن
حجة من قال: ان الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ليست
بواجبة في الصلاة - حديث الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة،
قال: أخذ علقمة بيدي فقال: إن عبد الله بن مسعود أخذ بيده وقال:
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيدي كما أخذت
بيدك، فعلمنى التشهد فقال: قل: التحيات لله والصلوات
191

والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ أشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ قال: فإذا أنت
قلت ذلك، فقد قضيت الصلاة ؛ وان شئت أن تقوم فقم ، وان
شئت أن تقعد فاقعد .
قالوا : ففي هذا الحديث ما يشعد لمن لم بر الصلاة
على النبي - عليه السلام - في التشهد واجبة ولاسنة
مسنونة ، لان ذلك أو كان واجبا أو سنة ، لبين ذلك وذكره؛
ومن حجتهم أيضا: حديث الاممش. من أبى وائل شقيق بن سلمة،
عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد؛
وفي آخره: ثم ليتخير أطيب الكلام ، أوما أحب من الكلام ؛
ومن حجتهم أيضاً : حديث فضالة بن عبيد، أن رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا يدعو في صلاته أم بحمد الله.
عز وجل، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال
النبي - عليه السلام -: عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره :
إذا صلى أحدكم ، فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ، ثم يصلي على
النبي ، ثم يدعو بما شاء .
ففي حديث فضالة، هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم .
لم يأمر المصلي إذ لم يصل على النبي - عليه السلام - في
صلاقه بالاعادة ، فدل على أن ذلك ليس بفرض ؛ ولو
ترك فرضا لامره بالامادة، كما أمر الذى لم يقم ركوعه ،
ولا سجوده بالاعادة، وقال له: ارجع فصل فإنك لم تصل.
192

روى ذلك رفاعة بن رافع ، وأبو هريرة عن النبي - صلى
الله عليه وسلم، وقد ذكرنا حديثهما فيما سلف من كتابنا -
والحمد لله .
ومن حجة الشافعي ومن قال بقوله فى هذه المسألة : أن
الله - عز وجل - أمر بالصلاة على نبيه ، وان يسلم عليه تسليما؛
ثم جاء أمره - صلى الله عليه وسلم - بالتشهد ، وأنه كان يعلم
أصحابه ذلك كما بعلمهم السورة من القرآن ، وقال لهم أنه يقال
في الصلاة لا في غيرها؛ وقالوا: قد علمنا السلام عليك ، فكيف
الصلاة؟ فقال لهم: قولوا: اللهم صل على محمد - وعلمهم ذلك وقال
لهم : السلام عما قد علمتم. فدل ذلك على أن الصلاة عليه في
الصلاة قربن التشهد ، قالوا: ووجدنا الامة بأجمعها تفعل الامرين
جميعا في صلاتها؛ فعلمنا انهما فى الامر بهما سواء، فلا يجوز
أن يفرق بينهما، ولا تتم الصلاة الا بهما؛ لانهما وراثة عن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وسائر المسلمين قولا وعملا.
قالوا: وأما احتجاج من احتج بحديث ابن مسعود فى التشهد،
وقوله في آخره: فإذا قلت ذلك، فقد نمت صلاتك . فلا وجه
(له). (1) لانه حديث خرج على معنى في التشهد؛ وذلك أنهم
بقولون في الصلاة: السلام على اللـه، فقيل لهم إن الله هو
السلام، ولكن قولوا: هذا (2) ، فعلموا التشهد . ومعنى قوله:
!) كلمة (له) ساقطة في الاصل، والمعنى يقتضيها.
2) أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في موطئه، انظر ص 68 حديث (148)
م١٢ - ج ١٦
193

فإذا قلت ذلك ، فقد تمت صلاتك . - يعنى إذا ضم إليها ما يجب
فيها من ركوع وسجود، وقراءة وتسليم، وسائر أحكامهما؛ ألا
قرى أنه لم يذكر له التسليم من الصلاة - وهو من فرائضها،
لانه قد كان وقفهم على ذلك ، فاستغنى من إعادة ذلك عليهم ؛
وانما حديث ابن مسعود هذا، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم :
أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها على فقرائكم - أي
ومن سمى معهم. ومثل قوله للذي قال له : ارجع فصل فإنك لم
تصل، ثم أمره بما رآه لم يأت به ولم يقمه من صلاته، وسكت
له من التشهد والتسليم ؛ وقد قام الدليل من غير هذا الحديث
بوجوب التشهد ، ووجوب التسليم بما علمهم من ذلك ، وأعلمهم
أن ذلك في صلاتهم ؛ وكذلك الصلاة على النبي - عليه السلام -
مأخوذ من غير ذلك الحديث .
واحتجوا من الاثر بحديث أبي مسعود من رواية مالك ،
وفيه انه علمهم الصلاة على النبي - عليه السلام، - وقال : وفيه
والسلام كما قد علمتم ـ نعنى التشهد . وبأن أبا مسعود روى
الحديث وفهم مخرجه ، وكان يراه واجبا ويقول انه لا صلاة
لمن لم يصل فيها على النبي - صلى الله عليه وسلم:
حدثنا أحمد بن فتح ، قال حدثنا محمد بن عبد اللـه
النيسابوري ، قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار ، قال حدثنا زباد
ابن يحيى ، قال حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد ، قال حدثنا
هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، من عبد الرحمان
194

ابن بشير بن ابى مسعود، عن أبي مسعود، قال : لما نزلت
هذه الآية: «إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين
آمنوا صلوا عليه وسلموا نسليما)، . . قالوا: يا رسول الله ، قد
علمنا السلام، فكيف الصلاة ؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد،
كما صليت على ابراهيم ؛ وبارك على محمد، كما باركت
على إبراهيم .
وروى عثمان بن أبي شيبة وغيره ، عن شريك ، عن جابر
الجعفى ، من أبي جعفر محمد بن علي ، عن أبي مسعود ، قال:
ما أرى أن علاة لي تمت حتى أصلي فيها على محمد وعلى آل محمد.
وروى ابن أبي فديك، وأبو ثابت محمد بن عبيد اللـه
المدني، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي،
من أبيه، عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
لا صلاة لمن لم يصل فيها على النبي - صلى الله عليه وسلم.
قالوا : وهذا الحديث وان كان في اسناده ضعف، فان فيه
استظهارا مع ما قدمنا من الدلائل .
قال أبو عمر : ليس ما احتجوا به - عندى - بلازم ، لما فيه
من الاعتراض ؛ ولست أوجب الصلاة على النبي - عليه السلام -
في الصلاة فرضا من فروض الصلاة، ولكني لا أحب لاحد تركها
فى كل صلاة، فان ذلك من تمام الصلاة ؛ واحرى أن يجاب
للمصلي دعاؤه - ان شاء الله. وحديث سهل بن سعد في ذلك ،
195

حدثناه خلف بن قاسم ، قال : حدثنا عبد الرحمان بن راشد أبو
الميمون بدمشق ، قال حدثنا أبو زرعة، قال : حدثنا عبد الرحمان
ابن ابراهيم دحيم ، قال حدثنا محمد بن اسماعيل بن أبى فديك،
قال حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي،
عن أبيه ، عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا
صلاة لمن لم يصل فيها على النبي - صلى الله عليه وسلم . -
وهذا قد يحتمل من التأويل ما احتمله قوله: لا إيمان لمن لا أمانة
له ، ولا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد، ونحو هذا مما أريد
به الفضل والكمال - والله أعلم. وقد روى هذا الحديث أبو
ثابت محمد بن عبيد الله ، من عبد المهيمن.
قال أبو عمر : آل ابراهيم ، يدخل فيه ابراهيم؛ وآل محمد ،
بدخل فيه محمد؛ ومن هنا - والله - جاءت الآثار في هذا
الباب مرة بإبراهيم، ومرة بآل ابراهيم، وانما جاء ذلك في
حديث واحد؛ ومعلوم أن قول الله - عز وجل: ((ادخلوا آل فرعون
أشد العذاب» (1). والآل مهنا الاتباع، والآل قد يكون الاهل، ويكون
الاتباع. ويكون الازواج والذرية - على ما جاء في بعض - الآثار .
١) الآية : 46 - سورة غافر.
196

حديث ثالث لنعيم
مالك ، عن نعيم بن عبد الله المجمر ، من علي بن يحيى
الزرقي ، عن أبيه ، عن رفاعة بن رافع أنه قال: كنا يوما (1)
نصلي وراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رفع رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه من الركعة وقال: سمع الله
لمن حمده، قال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد حمداً عنهوا طيبا
مباركا فيه. فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: من المتكلم آنفا؟ قال الرجل: أنا يا رسول الله ، فقال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد رأيت بضعة وثلاثين
ملكا يبتدرونها أيهم بكتبهن (2) أول (8) .
فى هذا الحديث من الفقه أن الامام يقول: سمع الله لمن
حمده - لا يزيد على ذلك، والمأموم بقول: ربنا ولك الحمد - لا
يقول: سمع الله لمن حمده، وهذا كله قول مالك؛ وقد مضى
1) في الأصل (كنا نصلي بوما)، والرواية (عنا يوما نصلي) وهو الثابت
في التجريه ونسخ الموطأ
(2) في الاصل (يكتبها) والثابت في التجريه ونسخ الموطأ (يكتبهن) .
(9) الموطأ رواية يحيى ص 141 - حديث (498) - والحديث أخرجه
البخاري وأبو داود والنسائي .
انظر الزرقاني على الموطأ 81/1.
197

الاختلاف فى هذه المسالة ، ووجوب الاقوال فيها من جهة الآثار؛
لانها مسألة مأخوذة من الاثر - فيما تقدم من كتابنا هذا . وفيه
دليل على أنه لا بأس برفع الصوت وراء الامام بربنا ولك الحمد
لمن أراد الاسماع والاعلام للجماعة الكثيرة بقوله ذلك ؛ لان
الذكر كله من التحميد والتهليل والتكبير جائز فى الصلاة ،
وليس بكلام تفسد به الصلاة، بل هو محمود ممدوح فاعله ؛ بدليل
حديث هذا الباب ، وبما حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن
ابن يحيى ، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، قال حدثنا
عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال حدثنا أبي، قال أخبرنا هشام
ابن عبد الملك ، قال : حدثنا عبيد الله بن اباد بن لقيط ، قال
حدثنا اياد، من عبد الله بن سعيد ، عن عبد الله بن أبي أوفى.
قال: جاء رجل ونحن في الصف خلف رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - فقال: الله أكبر كبيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا؛
قال: فرفع المسلمون رؤوسهم واستنكروا على الرجل، وقالوا: من هذا
الذي يرفع صوته فوق صوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم،
فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من هذا
العالي الصوت ؟ فقيل: هو هذا يا رسول الله ، فقال: والله لقد
رأيت كلاما يصعد إلى السماء حتى فتح له فدخل (1) .
قال أبو عمر: في مدح رسول الله - صلى الله على وسلم-
لفعل هذا الرجل وتعريفه الناس بفضل كلامه ، وفضل ما صنع
من رفع صوته بذلك الذكر، أوضح الدلائل على جواز ذلك
1) انظر مسند أحمد ج 886/4 .
198

الفعل من كل من فعله على أى وجه جاء به ، لانه ذكر الله،
وتعظيم له يصلح مثله فى الصلاة سرا وجهرا ؛ ألا نرى أنه لو تكلم
في صلاته بكلام بفهم عنه غير القرآن والذكر سرا لما جاز .
كما لا يجوز جهرا؛ وهذا واضح - وبالله التوفيق .
وفي حديث هذا الباب لمالك أيضا دليل على أن الذكر
كله، والتحميد، والتمجيد، ليس بكلام تفسدبه الصلاة؛ وأنه كله محمود
في الصلاة المكتوبة والنافلة، مستحب مرغوب فيه ؛ وفي حديث
معاوية بن الحكم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو
التكبير، والتسبيح، والتهليل، ونلاوة القرآن (1). فأطلق أنواع
الذكر في الصلاة ، فدل على أن الحكم في الذكر غير الحكم
في الكلام - وبالله التوفيق .
1) أخرجه أحمد فى المسند ج 448/5 .
199