Indexed OCR Text
Pages 281-300
وأما مرعاة القبلة للخائف فى الصلاة فساقطة عنه عند أهل المدينة والشافعي إذا اشتد خوفه ، كما يسقط عند النزول إلى الارض؛ لقول الله - عز وجل: (فإن خفتم فرجالا أو ركباناً، (1). قال أبو عمر مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ، وهذا لايجوز لمعلي الفرض في غير الخوف ؛ ومن الدليل على أن ما خوطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - دخلت فيه أمته، إلا أن يتين خصوص في ذلك؛ قول الله عز وجل: «فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لايكون على المومنين حرج في أزواج أدعيائهم (2) - الآية. ومثل ذلك قول الله عز وجل: (( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم (3)» - هو المخاطب به، وأمته داخلة في حكمه؛ ومثل هذا كثير - وبالله التوفيق . وأما قول ابن عمر في حديثه هذا : فان كان خوفا هو أشد من ذلك، صلوا رجالا - قياسا- على أقدامهم ، أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ، فإليه ذهب مالك والشافعي وأصحابهما وجماعة غيرهم؛ قال مالك والشافعي : يصلي المسافر ١) الآية : 239 - سورة البقرة . 2) الآية : 37 سورة الأحزاب . 3) الآية : 68 - سورة الانعام . 281 .: والخائف على قدر طاقته مستقبل القبلة ومستدبرها ، وبذلك قال أهل الظاهر؛ وقال بن أبي ليلى، وأبو حنيفة وأصحابه : لا يعطي الخائف الا إلى القبلة ، ولا يصلي أحد في حال المسايفة . وقول الثوري نحو قول مالك، ومن قول مالك والثوري أنه إن لم يقدر على الركوع والسجود ، فإنه يصلى قائما ويومى .. قال الثوري: إذا كنت خائفا فكنت راكبا أوقائما، أومأت ايماء حيث كان وجهك - ركعتين، تجعل السجود أخفض من الركوع ، وذلك عند السلة - والسلة المسايفة . وقال الأوزاعى : إذا كان القوم مواجهي العدو - وصلى بهم إمامهم صلاة الخوف، فإن شغلهم القتال ، صلوا فرادى : فإن اشتد القتال ، صلوا رجالا وركباناً إيماء حيث كانت وجوههم : فإن لم يقدروا، تركوا الصلاة حتى يأمنوا؛ وقال الشافعي : لا بأس أن يضرب في الصلاة الضربة، ويطعن الطعنة ؛ وإن تابع الضرب أو الطعن، أو عمل عملاء بطلت صلاته . واستحب الشافعي أن يأخد المصلي سلاحه في الصلاة - ما لم يكن نجسا أو يمنعه من الصلاة، أو يؤذى أحدا، قال : ولا يأخذ الرمح إلا ان يكون في حاشية الناس ؛ وأكثر أهل 382 العلم يستحبون للمصلي أخذ سلاحه - إذا على فى الخوف ، ويحملون قوله: ((وخذوا أسلحتكم، على الندب، لانه شيء لولا الخوف لم يجب أخذه ، فكان الامر به ندبا . وقال أهل الظاهر : اخذ السلاح في صلاة الخوف واجب ، لأمر الله به إلا لمن كان به أذى من مطر أو مرض؛ فان كان ذلك ، جاز له وضع سلاحه . قال أبو عمر : الحال التي يجوز فيها للخائف أن يصلي راكبا وراجلا مستقبل القبلة وغير مستقبلها ، هي حال شدة الخوف ؛ والحال الاولى التي وردت الآثار فيها ، هي غير هذه الحال ؛ وأحسن الناس صفة للحالين جميعا من الفقهاء الشافعي -رحمه الله - ونحن نذكر هنا قوله في ذلك، لنبين به المراد من الحديث، وبالله التوفيق . قال الشافعي: لا يجوز لأحد أن يصلي صلاة الخوف إلا بأن يعاين عدواً قريبا غير مأمون ان يحمل عليه من موضع يراه، أو يأتيه من يصدقه بمثل ذلك من قرب العدو منه ومسيرهم جادين اليه؛ فان لم يكن واحد من هذين المعنيين ، فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخرف : فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف، ثم ذهب لم يعيدوا . 283 وقال أبو حنيفة : يعيدون ، وقال الشافعي : ان كان بينهم وبين العدو حائل يأمنون وصول العدو إليهم، لم يصلوا صلاة الخوف؛ وان كانوا لا يأمنونهم، صلوا . وقال الشافعي : الخوف الذي يجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا، إطلال العدو عليهم فيتراءون صفاء والمسلمون في غير حصن حتى تنالهم السلاح من الرمي وأكثر من ان يقرب العدو فيه منهم من الطعن والضرب؛ فاذا كان هكذا - والعدو من وجه واحد، أو محيطون بالمسلمين - والمسلمون كثير والعدو قليل؛ تستقل كل طائفة وليها العدو بالكر، وحتى تكون من بين الطوائف التي تليها يليها العدو في غير شدة خوف منهم ، صلى الذين لايلونهم صلاة غير شدة الخوف، لا يجزىء غير ذلك، ولغير الشافعي قريب من هذا المعنى في الوجهين جميعا . وقال مالك: ان صلى آمنا ركعة ثم خاف، ركب وبنى: وكذلك إن على ركعة راكبا وهو خائف ثم امن ، نزل وبنى؛ وهو أحد قولي الشافعي ، وبه قال المزني . وقال أبو حنيفة : إذا افتتح الصلاة آمنا ثم خاف ، استقبل . ولم يبن ، فان صلى خائفا ثم أمن، بنى . 284 وقال الشافعي : يبنى النازل ، ولا يبنى الراكب . وقال ابو يوسف : لا يبني في شيء من هذا كله . وللفقهاء اختلاف فيمن ظن بالعدو أو رآه فصلى صلاة خائف، ثم انكشف له انه لم يكن عدو في الخوف من السباع وغيرها؛ وفي الصلاة في حين المسايفة، وفي اخذ السلاح في الحرب مسائل كثيرة من فرع صلاة الخوف، لا يجمل بي ايرادها، لخروجنا بذلك عن تأليفنا ، وفيما ذكرنا من الاصول التي في معنى الحديث ما يستدل به على كثير من الفروع ، وللفروع كتب غير هذه، وبالله العصمة والتوفيق . أخبرنا أحمد بن محمد ، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن جرير ، قال حدثنا محمد بن عبد الرحمان الرقي ، قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، قال : حدثنا الاوزاعي، قال حدثنى سابق البربري (1)، قال : كنت مع مكحول بدانق، قال : فكتب إلى الحسن يسأله عن الرجل يطلب عدوه فلم يبرج حتى جاء كتابه، فقرأت كتاب الحسن : إن كان هو ١) ذكره ابن حبان في الثقات . روي عن مكحول، وقال أبو حاتم: روى عنه الاوزاعي . انظر لسان الميزان 3/8 . 285 الطالب، نزل فصلى على الارض؛ وان كان هو المطلوب، صلى على ظهر ؛ قال الاوزاعي : فوجدنا الامر على غير ذلك . قال شرحبيل بن حسنة لاصحابه : لا تصلوا الصبح الا على ظهر، فنزل الاشتر فصلى على الارض ، فمر به شرحبيل فقال : مخالف خالف الله به ، قال فخرج الاشتر في الفتنة ، وكان الاوزاعى يأخذ بهذا الحديث في طلب العدو . قال ابو عمر: أكثر العلماء على ما قال الحسن فى علاة الطالب والهارب ، وما أعلم أحداً قال بما جاء عن شرحبيل بن حسنة فى هذا الحديث، الا الاوزاعى وحده - والله أعلم . والصحيح ما قاله الحسن وجماعة الفقهاء، لان الطلب تطوع ، والصلاة المكتوبة فرضها ان تصلى بالارض حيثما أمكن ذلك ، ولا يصليها راكبا الا خائف شديد خوفه ، وليس كذلك حال الطالب - والله أعلم . 286 حديث تاسع وخمسون لنافع عن ابن عمر مالك ، عن نافع، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا كان ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون واحد (1). قال أبو عمر: التناجي: التسار، وذلك مكالمة الرجل أخاه عند أذنه بما يسره من غيره؛ والنهي إنما ورد كما - ترى إذا - كانوا ثلاثة، واما إذا كانوا أربعة فما فوقهم، فلا بأس به. أخبرنا عبد الرحمان ، حدثنا على ، حدثنا أحمد ، حدثنا سحنون ، حدثنا ابن وهب، قال أخبرنى الليث بن سعد، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا كان ثلاثة ، فلا يتناجى اثنان دون الثالث، لاتدعوا صاحبكم نجيا للشيطان . 1) الموطا رواية يحيى ص 700 - حديث (1812) - والحديث أخرجه البخاري ومسلم . انظر الزرقاني على الموطأ 4 /408 . 287 قال ابن شهاب: وقال سعيد بن المسيب: إلا أن يستأذنه. وقوله : نجيا للشيطان ، يريد لانه يوسوس فى صدره من جهتهما ما يحزنه - والله أعلم؛ وقد أتى في الحديث أن النهي عن ذلك، إنما ورد لئلا يحزن الثالث ويسوء ظنه ونحو ذلك؛ وهذا التفسير موجود فى حديث ابن مسعود عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ؛ وقد قيل: إنما يكره في السفر لا فى الحضر ، وذلك موجود فى هذا حديث عبد الله بن عمرو، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - . وأما حديث ابن عمر هذا، فقد رواه عنه نافع ، وعبد الله ابن دينار ، وابو صالح ، والقاسم بن محمد وغيرهم؛ ورواه عن نافع جماعة، منهم: مالك، والليث ، وعبيد الله ، وأيوب ؛ ورواية عبد الله بن دينار مفسرة، لانه قال : كنت مع عبد الله ابن عمر عند دار عقبة بن خالد بالسوق، فجاء رجل يريد ان يناجيه - وليس معه غيري فدعا- اين عمر رجلا آخر فصرنا اربعة؛ فقال لي وللرجل : استأخرا او انتظرا، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يتناجى اثنان دون واحد. رواه مالك عنه، وسيأتى في بابه - إن شاء الله . $38 حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن اصبغ ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة ، قال حدثنا ابن نمير ، ومحمد بن بشر ، فالا حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان ثلاثة ، فلا يتناجى اثنان دون الآخر . وأخبرنا أحمد بن قاسم ، قال حدثنا محمد بن معاوية ، قال حدثنا جعفر بن محمد، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال : حدثنا الليث بن سعد، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى إذا كان ثلاثة نفر أن يتناجى اثنان دون الثالث ؛ وعند الليث فى هذا اسناد آخر عن ابن الهادي، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ؛ وحدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا محمد بن معاوية ، قال حدثنا جعفر بن محمد العريانى ؛ قال حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع ، عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا كان ثلاثة نفر، فلا يتناجى اثنان دون الثالث . 289 م١٩ - ج ١٥ وحدثنا عبد الرحمان بن مروان ، قال حدثنا الحسن بن علي بن داود ، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عجلان ، عن أبيه ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يقول: هؤلاء لا يبالون بسفك الدماء بينهم ؛ وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعظم حرمة المومن إذا كان ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون واحد : قال نافع : فربما كان لعبد الله حاجة - ومعه رجلان - إلى احدهما ، فلا يكلمه حتى يأتي رابع ؛ فإذا جاء، قال : شأنك وصاحبك ، فان لي إلى صاحبي هذا حاجة . قال أبو عمر: هذا، لئلا يظن به أنه ينال منه او يتكلم فيه ؛ وهو معنى حديث ابن مسعود، فان ذلك يحزنه . قال الشاعر : يروعه السرار بكل أمر مخافة أن يكون به السرار وحدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا محمد بن معاوية . قال حدثنا جعفر بن محمد ، قال حدثنا عبد الأعلى بن حماد . قال حدثنا سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم ابن محمد، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يتناجى اثنان دون الثالث . 890 وحدثنا أحمد ، قال حدثنا محمد ، قال حدثنا جعفر بن محمد، قال : حدثنا منجاب بن الحرث، قال أخبرنا ابن مسهر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا كنتم ثلاثة ، فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما ، فقلنا لابن عمر : وان كانوا أربعة ؟ قال : فلا يضره . وحدثنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر . قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا مسدد ، قال حدثنا عيسى بن يونس، قال حدثنا الاعمش، عن أبي صالح، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره (١). قال أبو صالح: فقلت لابن عمر : وان كانوا أربعة ؟ قال : لا يضرك (2). وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصغ، قال حدثنا محمد بن الهيثم أبو الاحوص ، قال قال حدثنا اسحاق ابن ابراهيم أبو يعقوب الحبيبي بطرسوص، عن داود بن قيس، والعمري ، عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى قال : جئت ابن عمر - وهو يناجي رجلا - فجلست اليه، فدفع في صدري ، وقال 1) انظر سنن أبي داود 462/2. 2) المصدر السابق . 291 مالك؟ أما سمعت أن النبي - عليه السلام - قال: إذا تناجى اثنان ، فلا يدخل معهما غيرهما حتى يستأذنهما. قال أبو عمر : هذا معنى غير المعنى الذي قبله ، وعلى هذا لا يجوز لثلاثة نفر أن يتناجى منهما اثنان دون الثالث ، ولا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما ؛ وأما حديث ابن مسعود ، فحدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا محمد بن معاوية ، قال حدثنا جعفر بن محمد بن المستفاض ، قال حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال حدثنا أبي ، قال حدثنا شعبة عن الاعمش، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: اذا كنتم ثلاثة ، فلا يتناجى اثنان دون الآخر ، فان ذلك يحزنه . وحدثنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال حدثنا أبو معاوية، عن الاعمش ، عن شقيق بن سلمة ، عن عبد الله، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لا ينتاجى اثنان دون صاحبهما، فان ذلك يحزنه . 292 وحدثنا أحمد بن قاسم ، قال حدثنا محمد بن معاوية ، قال حدثنا جعفر بن محمد ، قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، قال حدثنا جرير وأبو الاحوص . وحدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر من أبي شيبة ، قال حدثنا أبو الأحوص عن منصور . عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: قال رسول الله - صلى عليه وسلم - إذا كنتم ثلاثة ، فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى يختلط بالناس من أجل أن يحزنه ، ولا تباشر المرأة في ثوب واحد من أجل أن تصفها لزوجها حتى كأنه ينظر اليها، - ومعنى الحديثين واحد . وحدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا محمد بن معاوية ، قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، قال حدثنا عمرو بن عثمان ، قال حدثنا أبي ، قال حدثنا ابن لهيعة، قال : حدثنا ابن هبيرة ، عن أبي سالم الجيشاني - واسمه سفيان بن هانيء الجيشاني ، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لايحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة، أن يتناجى اثنان دون صاحبهما. 293 حديث موفي ستين حديثا لنافع عن ابن عمر مالك، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أنه قال : كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام (1) . وهذا الحديث موقوف في الموطأ على ابن عمر - لم يختلف فيه الرواة عن مالك، الا عبد الملك بن الماجشون ، فإنه رواه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام - فرفعه . وقد روي مرفوعا من حديث نافع من نقل الثقات الحفاظ الأثبات ، ولا يقال مثله من جهة الرأي، وما أعلم أحداً من أصحاب نافع أوقفه غير مالك والله أعلم . أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن ، قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا سليمان بن ----- ١) لا وجود لهذا الحديث في الموطأ من رواية يحيى لا موقوفا ولا مسندا، واسنده ابن معن في الموطأ، وقد اغفل ابن عبد البر التنبيه على ذلك في التمهيد، وجا" ذكر ذلك في بعض - نسخ التجريد، انظر ص 179 - تعليق (١) - نشر مكتبة القدسي (1280 هـ) 20 داود ، ومحمد بن عيسى - في آخرين ؛ قالوا حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها، لم يشربها في الآخرة (1). أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصغ، حدثنا عبيد بن عبد الواحد ، حدثنا ابن ابي مريم ، قال أخبرنا يحيى بن أيوب ، قال حدثني محمد بن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل مسكر حرام ، وكل مسكر خمر . وكذلك رواه عبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة، وعكرمة ابن عمار، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعا؛ والاحاديث في تحريم المسكر من أثبت ما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أخبار الآحاد ، رواها جماعة من الصحابة ، منهم : عبد الله ابن عمرو بن العاصي ، وابن عباس، وعائشة ، وجابر ، وأنس ، وابو مالك الاشعري ؛ وقد مضى القول ممهداً في تحريم المسكر في باب إسحاق بن أبي طلحة (2) - والحمد لله - . 1) انظر سنن أبي داود 299/2 2) انظر ج 243/1 _ 260 296 حديث حاد وستون لنافع عن ابن عمر مالك، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن حفصة ، أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شأن الناس حلوا - وأنت لم تحلل؟ فقال: إني لبدت رأسي وقلدت ھدبي، فلا أحل حتى أنحر (1) . هكذا قال يحيى في هذا الحديث : ما شأن الناس حلوا وأنت لم تحل من عمرتك ؟ وتابعه جماعة من الرواة، منهم : عتيق الزبيري ، وعبد الله بن يوسف التنيسي ، والقعنبي، وابن بكير ، وأبو مصعب . وقال ابن القاسم، وابن وهب، عن مالك في هذا الحديث: ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك . - والمعنى واحد عند أهل العلم ، ولم يختلف الرواة عن مالك في قوله : (1) الموطأ رواية يحيى ص 272 - حديث (892)، والحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود . انظر الزرقافي على الموطأ 346/2 . 297 ولم تحل أنت من عمرنك ؛ وزعم بعض الناس أنه لم يقل احد في هذا الحديث عن نافع : ولم تحل أنت من عمرتك إلا مالك وحده ، وجعل هذا القول جوابا لسائله عن معنى هذا الحديث . قال أبو عمر : فلا أدرى ممن أتعجب من المسئول الذي استحيا أن يقول لا أدري، أو من السائل الذي قنع بمثل هذا الجواب - والله المستعان ؟ وهذه اللفظة قد قالها عن نافع جماعة. منهم: مالكه وعبيد الله بن عمر، وأيوب السختياني؛ وهؤلاء حفاظ أصحاب ظفع ، والحجة فيه على من خالفهم ، ورواه ابن جريج ، عن نافع . فلم يقل من عمرتك : أخبرنا عبد الرحمان بن مروان ، حدثنا الحسن بن يحيى القفزمي ، حدثنا أحمد بن زيد بن مروان ، حدثنا محمد بن يحمى بن أبي عمر ، قال حدثنا هشام بن سليمان ، وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر ، قال : حدثتنى حفصة أن النبي - عليه السلام - أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع ؛ قالت حفصة : فقلت: ما يمنعك أن تحل ؟ قال : إني قلدت هديي ولبدت رأسي ، فلا أحل حتى أنحر هدبي . قال أبو عمر: قد علم كل ذي علم بالحديث أن مااكا في نافع وغيره زيادته مقبولة، لموضه من الحفظ والاتقان والتثبت؛ ولو زاد هذه اللفظة مالك - وحده - لكانت زيادته مقبولة، لفقهه وفهمه وحفظه وإتقانه ؛ وكذلك كل عدل حافظ ، فكيف وقد تابعه من ذكرنا؛ ولكن المسئول لما رأى حديث حفصة هذا يوجب أن النبي - عليه السلام - كان متمتعا في حجته أو قارنا، ولابد من إحدى هاتين الحالتين على حديث حفصة هذا؛ وعرف أن مالكا كان يذهب إلى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مفردا في حجته تلك، لحديثه عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ؛ ولحديثه عن أبي الاسود، وابن شهاب - جميعا - عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - افرد الحج ؛ دفع حديث حفصة بما لا وجه له ، وزعم ان مالكاً انفرد بقوله : ولم تحل أنت من عمرتك . قال أبو عمر : فلم ينفرد بها مالك، ولو انفرد بها ما نسب أحد اليه الوهم فيها ؛ لانها لفظة لا يدفعها أمل ، ولا نظر من أصل ؛ ولو جوز له أن يدفع حديث حفصة هذا بمثل ذلك من خطل القول ، كيف كان يصنع في أحاديث التمتع كلها التي روي فيها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في حجته متمتعا، وفي أحاديث القران التي صرحت أو دلت على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يومئذ قارنا، 299 وهي كلها آثار صحاح ثابتة ، قد أخرجها البخارى ومسلم وأبو داود وغيرهم . قال أبو عمر : الذي عليه أهل العلم فيما اختلف من الآثار، المصير إلى أقوى ما رووه، وكان أثبت عندهم من جهة النقل والمعنى، وأشبه بالاحول المجتمع عليها ؛ هذا إذا تعارضت الآثار في محظور ومباح، ولم يقم دليل على نسخ شيء منها ، ولم يمكن ترتيب بعضها على بعض ؛ فكيف والاحاديث في القران والافراد والتمتع ، لم يختلف الا في وجوه مباحة كلها . لا يختلف العلماء في ذلك، ولا أحد من الامة بأن الافراد والتمتع والقران ، كل ذلك مباح بالسنة الثابتة المتواترة النقل ، وباجماع العلماء ؛ وإنما اختلفت الآثار ، واختلف العلماء فيما كان به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرما في خاصة نفسه ، وهذا لا يضر جهله لما وصفنا ؛ ولما لم يكن لاحد من العلماء سبيل إلى الاخذ بكل ما تعارض وتدافع من الآثار في هذا الباب ، ولم يكن بد من المصير إلى وجه واحد منها، صار كل واحد منهم الى الاصح عنده بمبلغ اجتهاده ؛ فصار مالك إلى تفضيل الافراد على التمتع وعلى القران - لوجوه، منها : أنه روى ذلك أيضا عن عائشة من وجوه ، فكانت تلك الوجوه أولى 300