Indexed OCR Text

Pages 261-280

وأما مالك وسائر أصحابه غير أشهب، فانهم كانوا يذهبون
في صلاة الخوف - إلى حديث سهل بن أبي حثمة ، وهو ما
رواه مالك عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد ، عن
صالح بن خوات الانصاري ، أن سهل بن أبي حثمة حدثه أن
صلاة الخوف: أن يقوم الامام - ومعه طائفة من أصحابه ، وطائفة
مواجهة للعدو ، فيركع الامام ركعة ويسجد بالذين معه ثم
يقوم ؛ فإذا استوى قائما وثبت وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية ،
ثم سلموا وانصرفوا - والامام قائم وكانوا وجاه العدو ؛ ثم يقبل
الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الامام يركع
بهم ويسجد ثم يسلم فيقومون فيركعون لانفسهم الركعة
الباقية ويسلمون (1).
وقال ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب ، وغيرهم - عن
مالك أنه سئل فقيل له : أى الحديثين أحب إليك أن يعمل به :
حديث صالح بن خوات، أو حديث سهل بن أبى حثمة؟ فقال:
أحب إلي أن يعمل بحديث سهل بن أبي حثمة، يقومون بعد
سلام الامام فيقضون الركعة التي عليهم ، ثم يسلمون لانفسهم .
!) انظر الموطأ ص 126 .
261

وقال ابن القاسم : العمل عند مالك في صلاة الخوف على
حديث القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات ، قال: وقد كان
مالك يقول بحديث يزيد بن رومان، ثم رجع إلى هذا
قال أبو عمر : حديث القاسم، وحديث يزيد بن رومان،
كلاهما عن صالح بن خوات، إلا أن بينهما فصلا في السلام :
ففي حديث القاسم أن الامام يسلم بالطائفة الثانية، ثم يقومون
فيقضون الركعة : وفي حديث يزيد بن رومان : أنه ينتظرهم
ويسلم بهم، وقد تقدم في هذا الباب حديث القاسم من رواية
مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم.
وأما حديث يزيد بن رومان ، فذكره أيضا في الموطأ مالك،
عن يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات ، عمن صلى مع
النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف يوم ذات الرقاع: أن
طائفة صلت معه - وطائفة وجاه العدو ، فصلى بالذين معه ركعة،
ثم ثبت قائما وأتموا لانفسهم ؛ ثم جاءت الطائفة الاخرى فصلى
بهم ، ثم ثبت جالسا فأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم (1). وبهذا
الحديث قال الشافعي واليه ذهب، قال الشافعي : حديث صالح
١) نفس المصدر.
262

ابن خوات هذا أشبه الاحاديث في صلاة الخوف بظاهر كتاب
الله - عز وجل، وبه أقول؛ ومن حجته: أن الله - عز وجل -
ذكر استفتاح الامام ببعضهم، لقوله: ((فلتقم طائفة منهم معك(1)،؛
ثم قال: ((فاذا سجدوا فليكونوا من ورائكم .. وذكر انصراف
الطائفتين والامام من الصلاة معا بقوله : «فاذا قضيتم الصلاة»- وذلك
للجميع لا للبعض، ولم يذكر أن على وأحد منهم قضاء: وفي الآية أيضا
دليل على أن الطائفة الثانية لاتدخل فى الصلاة إلا بعد انصراف
الطائفة الاولى، بقوله: (( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فيصلوا)) ؛
وهو خلاف ظاهر حديث أبي عياش الرزقي، وما كان مثله في
صلاة الخوف؛ وفي قوله : «فليصلوا معك،، دليل على أن الطائفة
الثانية تنصرف ولم يبق عليها من الصلاة شيء تفعله بعد الامام؛
بهذا كله نزع بعض من يحتج للشافعي ، لأخذه بحديث يزيد
ابن رومان ، لما فيه من انتظار الامام الطائفة الثانية حتى يسلم
بهم ؛ ومن حجة مالك في اختياره حديث القاسم بن محمد - في
سلام الامام قبل الطائفة الثانية وقضائها الركعة الثانية بعد سلامه،
القياس على سائر الصلوات في أن الامام ليس له أن ينتظر أحدا
1) الآية : 102 - سورة النساء .
263

سبقه بشيء ، وان السنة المجتمع عليها أن يقضي المأمومون ما
سبقوا به بعد سلام الإمام .
وقول أبى ثور في ذلك، كقول مالك بحديث سهل بن
أبي حثمة في رواية القاسم، عن صالح بن خوات ، قال : يسلم
الامام ثم تقوم الطائفة الاخرى فتقضي ركعتها ؛ ولم يختلف مالك
والشافعي وأبو ثور- أن الامام إذا قرأ في الركعة الثانية بأم
القرآن وسورة قبل أن تأتي الطائفة الاخرى، ثم أتته فركع بها
حين دخلت معه قبل أن يقرأوا شيئا، أنه يجزيهم ؛ إلا أن
الشافعي قال : إذا أدركوا معه ما يمكنهم فيه قراءة أم القرآن،
فلا يجزيهم إلا ان يقرؤوها ؛ وقول احمد بن حنبل في صلاة
الخوف كقول الشافعي سواء على حديث يزيد بن رومان - هو
المختار عند أحمد، وكان لا يعيب من فعل شيئا من الاوجه
المروية في صلاة الخوف .
قال الأثرم : قلت لاحمد بن حنبل : صلاة الخوف يقول
فيها بالأحاديث كلها، كل حديث في موضعه؟ أم يختار واحدا
منها ؟ فقال : أنا أقول: من ذهب إلى واحد منها، أو ذهب
اليها كلها فحسن .
264

وأما حديث سهل بن أبي حثمة، فأنا أختاره، لانه أنكأ
للعدو ؛ قلت له حديث سهل بن أبي حثمة تستعمله مستقبلي
القبلة كان العدو او مستدبريها ؟ قال: نعم هو أنكأ فيهم ، لانه
يصلى بطائفة ثم يذهبون ، ويصلى بطائفة أخرى - ثم يذهبون .
واختار داود وطائفة من أصحابه حديث سهل بن أبي
حثمة أيضاً في صلاة الخوف، وكان عبد الرحمان بن مهدي ،
ويحيى بن يحيى النيسابوري، يختارون في صلاة الخوف حديث
سهل بن أبي حثمة .
رواه شعبة ، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه ، عن
صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة ، عن النبي - عليه
السلام - مثل حديث مالك عن يزيد بن رومان، عن صالح بن
خوات - سواء حرفاً بحرف : كذلك رواه معاذ بن معاذ العنبري،
عن شعبة ؛ وأما أبو حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف ، فإنهم ذهبوا
إلى ما رواه الثوري، وشريك، وزائدة، وابن فضيل، عن خصيف ،
عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه ، قال : صلى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف بطائفة - وطائفة
مستقبلي العدو ، فصلى بالذين وراءه ركعة وسجدتين وانصرفوا
266

ولم يسلموا ، فوقفوا بإزاء العدو؛ ثم جاء الآخرون فقاموا مقامهم،
فصلى بهم ركعة ثم سلم ؛ فقام هؤلاء فصلوا لانفسهم ركعة ثم
سلموا وذهبوا، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو ، ورجع أولئك
إلى مراتبهم ، فصلوا لانفسهم ركعة ثم سلموا .
وروى أبو الاسود، عن عروة بن الزبير ، عن مروان ،
عن أبي هريرة ، قال : صليت مع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - عام نجد صلاة الخوف : قال : فقامت طائفة معه، وطائفة
أخرى مقابل العدو - وظهورهم إلى القبلة - فذكر مثل حديث
ابن مسعود سواء ؛ إلا أنه ليس في حديث ابن مسعود : وظهورهم
إلى القبلة ، ولا ما يخالف ذلك : فالمعنى - عندي - في حديث
ابن مسعود ، وحديث أبي هريرة، وحديث ابن عمر المذكور
في هذا الباب، واحد في أن الطائفتين كلتيهما لا تقضى كل
واحدة منهما ركعتها إلا بعد سلام الإمام ؛ وكان الثوري مرة
يقول بحديث ابن مسعود كقول أبي حنيفة ، ومرة بحديثه عن
منصور عن مجاهد ، عن أبي عياش الرزقي ؛ قال : كنا مع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم بعسفان - وعلى المشركين
خالد بن الوليد، فذكر الحديث - وفيه: والعدو بينهم وبين القبلة؛
قال: فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذوا السلاح،
266

ثم قاموا خلفه صفين : صف بعد صف ، فكبر رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - وكبروا جميعاً؛ ثم ركع وركعوا جميعاً، ثم
رفع ورفعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الذين يلونه - والآخرون
قيام يحرسونهم ؛ فلما سجدوا سجدتين ، قاموا وسجد الآخرون
الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الذين سجدوا مع رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - إلى مقام الذين كانوا يحرسونهم، وتقدم
الآخرون فقاموا في مقامهم ؛ ثم ركع النبي - صلى الله عليه
وسلم - وركعوا ، ثم رفع فرفعوا جميعاً: ثم سجد وسجد الذين
بلونه في الصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم؛ فلما رفع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه من سجوده وجلس،
سجد الآخرون؛ ثم جلسوا جميعاً، ثم سلم عليهم ؛ قال: فصلاها
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرة بعسفان، ومرة
بأرض بني سليم .
قال سفيان : وحدثنا أبو الزبير عن جابر، أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - صلاها بنخلة مثل ذلك .
قال أبو عمر : رواه أيوب وجماعة عن أبي الزبير
عن جابر - كما رواه الثوري ، وكذلك رواه عبد الملك بن
أبي سليمان، عن عطاء ، عن جابر ؛ وكذلك رواه داود بن
267

حصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ؛ وكذلك رواه قتادة ،
عن الحسن، عن حطان الرقاشي، عن أبي موسى فعله ؛ ومن
مرسل مجاهد وعروة - مثله . وإلى هذا الوجه في صلاة الخوف
ذهب ابن أبي ليلي، قال الثوري: وبلغنا أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - صلى بذى قرد، فصف خلفه صفا، وقام صف
بازاء العدو ؛ فصلى بالذين خلفه ركعة ، ثم انصرفوا فقاموا مقام
أصحابه ؛ وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ، ثم سلم عليهم ؛
فكانت للنبى - عليه السلام - ركعتان، ولكل صف ركعة ؛ قال
سفيان: قد جاء هذا وهذا، وأى ذلك فعلت رجوت أن يجزيء.
قال أبو عمر : فخير الثوري في صلاة الخوف على ثلاثة
أوجه ، أحدها: حديث ابن مسعود الذى ذهب اليه أبو حنيفة .
والثاني حديث أبي عياش الرزقي ، واليه ذهب ابن أبي ليلى جملة؛
وذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه - إذا كان العدو في القبلة .
والثالث : الوجه الذي بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
صلى صلاة بذى قرد - وهو وإن كان أرسله في جامعه ، فانه
محفوظ من حديثه عن الاشعث بن سليم، عن الاسود بن هلال،
عن ثعلبة بن بزهدم ، أنهم كانوا مع سعيد بن العاصى
بطبر ستان ، فسأل سعيد حذيفة عن صلاة الخوف، فقال حذيفة :
268

شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاها بهؤلاء ركعة،
وبهؤلاء ركعة - ولم يقضوا .
وروى الثوري أيضا عن أبي بكر بن أبي الجهم ، عن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عبد الله بن عباس - مثل
حديث حذيفة ، وذكر أن ذلك كان بذي قرد ؛ فبلاغ الثوري
قد بان أنه مسند عنده صحيح ، ورواه مجاهد عن ابن عباس .
وروى سماك الحنفي عن ابن عمر مثله، والقاسم بن حيان،
عن زيد بن ثابت، عن النبي - صلى الله عليه وسليم - مثله ؛
إلا أن بعض رواة حديث يزيد الفقير قال فيه: إنهم قضوا ركعة.
وقال أحمد بن حنبل : لا أعلم أنه روي في صلاة الخوف إلا
حديث ثابت ، هي كلها ثابتة ؛ فعلى أي حديث صلى المصلي
صلاة الخوف أجزأه - إن شاء الله ، وكذلك قال الطبري .
قال أبو عمر: في صلاة الخوف عن النبي - عليه السلام -
وجوه كثيرة، منها: حديث ابن عمر المذكور في أول هذا الباب،
وما كان مثله على حسبما تقدم في هذا الباب ذكره ؛ ومن
القائلين به من أئمة فقهاء الأمصار: الاوزاعي ، واليه ذهب أشهب
صاحب مالك؛ ووجه ثان - وهو حديث صالح بن خوات من رواية
269

مالك ، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد ، عن صالح
ابن خوات؛ ومن روايته أيضا عن يزيد بن رومان، عن صالح بن
خوات - على حسبما بينهما من الاختلاف في انتظار الامام الطائفة
الاخرى بالسلام ؛ ومن القائلين بذلك : مالك ، والشافعي ، وأبو
ثور - على اختلاف ما بينهم في السلام على حسبما وصفناه .
ووجه ثالث وهو حديث ابن مسعود على ما تقدم ذكره في
هذا الباب ، من القائلين به: أبو حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف،
وهو أحد الوجوه التي خير الثوري فيها ، وبه قال بعض أصحاب
داود أيضا؛ ووجه رابع وهو حديث أبي عياش الزرقي ، وما
كان مثله على حسبما ذكرناه في هذا الباب ؛ ومن القائلين
به : ابن أبي ليلى ، والثوري - أيضا في تخيره ؛ وقد قالت به
طائفة من الفقهاء إذا كان العدو في القبلة .
ووجه خامس - وهو حديث حذيفة وما كان مثله على ما قد مضى
في هذا الباب ذكره، وهو أحد الاوجه الثلاثة التي خير الثوري - رحمه
الله - في العمل بها في صلاة الخوف: ومن حجة من قال بهذا الوجه،
ما رواه بكير بن الاخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: فرض
الله - عز وجل - الصلاة على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم -
في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة ؛ وزعم
270

بعض من قال هذا الوجه من الفقهاء، أن للقصر في الخوف خصوصا
ليس في غير الخوف، لقول الله - عز وجل :- ((إن خفتم أن يفتنكم
الذين كفروا)) (1). قال : فينبغي أن تكون الصلاة في السفر
بشرط الخوف ، خلاف الصلاة في السفر في حال الامن .
وذكروا عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن عباس، وزيد بن
ثابت ، وجابر بن عبد الله - انهم قالوا: الصلاة في الحضر
اربع ، وفي السفر ركعتان، وفي الخوف ركعة ؛ قالوا : ولو
كان القصر في حال الامن وحال الخوف سواء، ما كان لقوله
((ان خفتم، معنى، وقد جل الله - عز وجل - عن ذلك.
قال أبو عمر : هذا القول خلاف ما عليه جمهور الفقهاء
وقد يجوز في حكم لسان العرب أن يكون المسكوت عنه في
معنى المذكور ، كما يجوز أن يكون بخلافه ، وقد بينا ذلك
في مواضع - والحمد لله .
ومما يدل على أن صلاة السفر في الخوف وفي الامن
سواء، حديث ابن عمر حين قال له رجل من آل خالد بن
أسد: يا أبا عبد الرحمان ، إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف
!) الآية : 102 . سورة النساء
271

في القرآن، ولا نجد صلاة السفر - يعني في حال الامن ؛ فقال:
يا ابن أخي، إن الله بعث إلينا محمداً - على الله عليه وسلم -
ونحن لا نعلم شيئاً، فإنما نفعل، كما رأيناه يفعل؛ - أي رأيناه يفعل
في جال الخوف وحال الامن في السفر فعلا واحداً، فنحن نفعل كما
كان - صلى الله عليه وسلم - يفعل؛ وفي ذلك ما يدل على
أن مراد الله عز وجل - في ذلك من عباده واحد ببيان السنة
في ذلك، كما صار قتل الصيد خطأ بالسنة يجب فيه من الجزاء
كما يجب على من قتله عمداً، مع قول الله - عز وجل - :
((ومن قتله منكم متعمداً (!)).
وقد عجب عمر بن الخطاب ، ويعلي بن أمية من هذا
المعنى أيضاً حين قال يعلى لعمر. يا أمير المومنين ، ما بالنا
نقص الصلاة - وقد أمنا، والله عز وجل يقول: ((إن خفتم» ؟ .
فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - عن ذلك، فقال تلك صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا
صدقته، وهذا أيضاً بين في أن صلاة السفر في الامن وفي الخوف سواء؛ وبذلك
جرى العمل والفتوى في أمطار المسلمين عند جمهور الفقهاء، وقد يحتمل
1) الآية : 95 - سورة المائدة
272

أن تكون رواية من روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
صلى بهم ركعة ولم يقضوا . - أي في علم من روى ذلك ، لانه قد
روى غيره أنهم قضوا ركعة في تلك الصلاة بعينها ، وشهادة من
زاد أولى؛ ويحتمل أن يكون أراد بقوله لم يقضوا أي لم يقضوا
إذ أمنوا، وتكون فائدته أن الخائف إذا أمن لايقضى ما صلى
على تلك الهيئة من الصلوات في الخوف ؛ وقد يحتمل قوله :
حلوا فى الخوف ركعة ، أي فى جماعة مع رسول الله - صلى
الله عليه وسلم؛ وسكت عن الثانية، لانهم علوها أفذاذاً .
وحديث ابن عباس انفرد به بكبير بن الاخنس - وليس
بحجة فيما ينفرد به ، والصلاة أولى ما احتيط فيه ؛ ومن صلى
ركعتين في خوفه وسفره، خرج من الاختلاف إلى اليقين .
ووجه سادس وهو حديث أبي بكرة، أن النبي - صلى لله
عليه وسلم - على بهم في صلاة الخوف ركعتين (1) بطائفة، وركعتين
بطائفة؛ فكانت للنبي - عليه السلام - أربع، ولكل طائفة ركعتان؛
رواه الاشعث وغيره عن الحسن، عن أبي بكرة: حدثنا عبد الله بن
محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود (2)،
.....
١) في الاصل: (ركعتين ركعتين) هكذا مكررة ولعل الصواب ما أثبته.
2) في الاصل (قل حدثنا أبو داود، قال حدثنا أبو داود) - هكذا مكررة
والصواب ما أثبته
م١٨ - ١٥٠
273

قال حدثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ (1)، قال حدثنا أبي .
حدثنا الاشعث ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، قال : على رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر في خوف، فصف بعضهم
خلفه ، وبعضهم بازاء العدو ؛ فصلى ركعتين ثم سلم، فانطلق
الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم؛ ثم جاء اولئك فصفوا خلفه، فصلى
بهم ركعتين، ثم سلم؛ فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم .
أربع، ولاصحابه ركعتان، ركعتان، وبذلك كان يفتي الحسن (2).
وروى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ، عن جابر.
مثله بمعناه : حدثنا سعيد بن نصر ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا
أبو بكر بن أبي شيبة ، قال حدثنا عفان ، قال حدثنا أبان بن
يزيد ، قال حدثني يحيى بن أبى كثير ، عن أبى سلمة بن
عبد الرحمان، عن جابر، قال: أقبلنا مع رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - حتى إذا كنا بذات الرقاع - فذكر الحديث . وفيه
قال: فنودي بالصلاة ، قال : فعلى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الاخرى
1) العنبري. أبو عمر البصري الحافظ (;237هـ).
انظر تهذيب التهذيب 48/7 - 9، والخلاصة : 158.
(2) انظر سنن أبي داود 287/1 .
274

ركعتين ؛ قال : فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أربع ركعات ، وللقوم ركعتين (1) .
قال أبو عمر : كل من أجاز اختلاف نية الامام والمأموم
في الصلاة، وأجاز لمن صلى في بيته أن يؤم في تلك الصلاة
غيره ؛ وأجاز أن تصلي الفريضة خلف المتنفل، يجيز هذا الوجه
في صلاة الخوف؛ وهو مذهب الاوزاعي ، والشافعي ، وابن علية.
وأحمد بن حنبل، وداود ؛ وصلاة الخوف، إنما وضعت على أخف
ما يمكن وأحوطه للمسلمين ؛ ولا وجه لقول من قال : إن
حديث أبي بكرة وما كان في الحفر، لان فيه سلامه في كل
ركعتين منها، وغير محفوظ عن النبي - عليه السلام - أنه
صلى صلاة الخوف في الحضر ؛ وقد حكى المزني عن الشافعي؛
قال : ولو صلى في الخوف بطائفة ركعتين، ثم سلم فصلى
بالطائفة الاخرى ركعتين ثم سلم، كان جائزاً ؛ قال : وهكذا
على النبي - صلى الله عليه وسلم - ببطن نخلة.
قال أبو عمر : قد روى أن صلاته هكذا كانت يوم ذات
الرقاع ، ويحتمل أن يكون صلاها مرتين على الهيئتين هناك ؛
1) انظر منصف ابن أبي شيبة 464/2 - 466 .
275

فهذه سبعة أوجه كلها ثابتة من جهة النقل، قد قال بكل وجه
منها طائفة من أهل العلم .
وقال أحمد بن حنبل ، والطبري ، وبعض أصحاب الشافعى
بجواز كل وجه منها ؛ والوجه المختار فى هذا الباب على أنه
لا يخرج - عندي- من صلى لغيره مما قد ثبت عن النبى - صلى
الله عليه وسلم - هذا الوجه المذكور في حديث ابن عمر:
حديث هذا الباب ، وما كان مثله ؛ لانه ورد بنقل أئمة أهل
المدينة . وهم الحجة على من خالفهم، ولانه أشبه بالاصول؛ لان الطائفة
الاولى والثانية لم يقضوا الركعة إلا بعد خروج رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - من الصلاة ، وهو المعروف من السنة المجتمع
عليها في سائر الصلوات ؛ وأما صلاة الطائفة الاولى ركعتها قبل
أن يصليها إمامها ، فهو مخالف للسنة المجتمع عليها فى سائر
الصلوات ؛ ومخالف لقوله - صلى الله عليه وسلم - إنما جعل
الإمام ليؤتم به (1)؛ وقد روى الثقات حديث صالح بن خوات،
عن سهل بن أبي حثمة على مثل معنى حديث ابن عمر ؛ فصار
حديث سهل مختلفاً فيه ، ولم يختلف في حديث ابن عمر ، إلا
ما جاء من شك مالك - رحمه الله - في رفعه، وقد رفعه من
٤) مر تخريجه في غير ما موضع.
-276

من غير شك جماعة عن نافع: ورفعه الزهري، عن سالم، والشك
لا يلتفت إليه ، واليقين معمول عليه .
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا ابن السكن، حدثنا
محمد ، حدثنا البخارى ، حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن
الزهري ، أنه سأله : هل صلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
صلاة الخوف؟ فقال : أخبرنا سالم، أن عبد الله بن عمر قال :
غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد، فوازينا
العدو، فصففنا لهم ؛ فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يصلي لنا، فقامت طائفة معه ، وأقبلت طائفة على العدو : فركع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن معه ركعة، وسجد
سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل ؛ فجاءوا فركع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم ركعة وسجد
سجدتين ثم سلم ؛ فقام كل واحد منهم، فركع لنفسه ركعة،
وسجد سجدتين (1) .
وأما الرواية التي جاءت في حديث سهل بن أبي حثمة
بنحو حديث ابن عمر ، فحدثنا محمد بن ابراهيم ، قال حدثنا
1) انظر صحيح البخاري بشرح فتح الباري 82/9
277

٫٫٠٠
محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعيب ، قال أخبرنا عمرو
ابن علي ، قال حدثنا يحيى - يعني القطان، قال حدثنا شعبة .
عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه ، عن صالح بن خوات،
عن سهل بن أبي حثمة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
صلى بهم صلاة الخوف، فصف صفا خلفه، وصفا مصافي (1) العدو،
فصلى بهم ركعة؛ ثم ذهب هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة،
ثم قاموا فقضوا ركعة ، ركعة (2).
فان قيل إن يحيى القطان قد خولف عن شعبة في ذلك،
فالجواب أن الذى خالفه لا يقاس به حفظا واتقانا وإمامة في الحديث.
وما اخترناه في هذا الباب، فهو اختيار أشعب ، واليه
ذهب الاوزاعي ، وقال به بعض أصحاب داود ؛ والحجة في اختيارنا
هذا الوجه من بين سائر الوجوه المروية في صلاة الخوف، أنه
أصحها اسنادا، وأشبهها بالاصول المجتمع عليها ؛ وفي صلاة
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخوف بأصحابه ركعة،
ركعة، وأتمت كل طائفة لنفسها؛- دليل على أن حديث دابر في
قصة معاذ وصلاته بقومه بعد صلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم -
.........
1) في سنن النسائي (مصافو).
2) انظر سنن النسائي الصغري 170/9 .
278

تلك الصلاة منسوخ، لانه لو جاز أن تعطى الفريضة خلف المتنفل،
لصلى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين
ركعتين - والله أعلم .
قد احتج بهذا أبو الفرج وغيره من أصحابنا، ومن الكوفيين
أيضاً؛ إلا أنه يعترض عليهم حديث أبي بكرة، وحديث جابر ،
وفي ذلك نظر - وبالله التوفيق .
وقالت طائفة من أهل العلم ، منهم: أبو يوسف، وابن علية:
لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بإمام
واحد ، وإنما تصلى بإمامين يصلي كل إمام بطائفة ركعتين ؛
واحتجوا بقول الله - عز وجل -: ((وإذا كنت فيهم فأقمت لهم
الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك، (١١ - الآية، قالوا: فإذا لم يكن
فيهم النبي - عليه السلام - لم يكن ذلك لهم: لان النبي - صلى
الله عليه وسلم - ليس كغيره في ذلك، ولم يكن من أصحابه
من يؤثر بنصيبه منه غيره، وكلهم كان يحب أن يأتم به
ويصلي خلفه ؛ وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه ، والناس
بعده تستوى أحوالهم أو تتقارب ؛ فلذلك يصلي الامام بفريق
1) الآية: 102 - سورة النساء.
279

منهم ، ويأمر من يصلي بالفريق الآخر ، وليس بالناس اليوم
حاجة إلى صلاة الخوف إذا كان لهم سبيل أن يصلوا فوجاً ،
فوجاً ، ولا يدعوا فرض القبلة - ولهم إليها سبيل ..
قال أبو عمر: هذه جملة ما احتج به القائلون بأن لا تصلى
صلاة الخوف بإمام واحد لطائفتين بعد النبي - صلى الله عليه
وسلم ؛ ومن الحجة عليهم لسائر العلماء ، أنه لما كان قول الله -
عز وجل: « خذ من أموالهم صدقة (1)»، لا يوجب الاقتصار
على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده، وأن من بعده يقوم
في ذلك مقامه ؛ فكذلك قوله : ((وإذا كنت فيهم فأقمت لهم
الصلاة» - سواء، ألا ترى أن أبا بكر الصديق في جماعة الصحابة
قاتلوا من تأول في الزكاة مثل تأويل هؤلاء فى صلاة الخوف .
قال أبو عمر : ليس فى أخذ الزكاة التى قد استوى فيها
النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده من الخلفاء ما يشبه
صلاة من صلى خلف النبي - صلى الله عليه وسلم، وصلى غيره
خلف غيره ؛ لان أخذ الزكاة فائدتها توصيلها للمساكين، وليس
فى هذا فضل للمعطى كما فى الصلاة فضل للمصلى خلفه .
١) الآية: 103 - سورة التوبة .
280