Indexed OCR Text
Pages 201-220
مالك: وعلى ذلك الامر عندنا فيمن حبس بغير عدو (1)، قال مالك: والمحصر الذى أراد الله - عز وجل - بقوله , فان أحصرتم، - هو المريض ؛ قال: وانما جعلنا للمحصر بالعدو أن يحل بالسنة ، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصره العدو فحل ؛ قال مالك : ولم نجعل له الاحلال بالكتاب ، وإنما جعلناه بالسنة في ذلك؛ ذكر ذلك أحمد بن المعدل عن مالك، وهو قول الشافعي ؛ وذكر مالك عن يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار - قصة أبي أيوب إذ فاته الحج ؛ وذكر عن نافع ، عن سليمان بن يسار - قصة هبار بن الأسود ، إذ فاته الحج أيضاً ؛ فأمرهما عمر بن الخطاب كل واحد منهما أن يحل بعمل عمرة، ثم يحج من قابل ويهدي ؛ فمن لم يجد ، صام ثلاثة أيام في الحج ، وسبعة إذا رجع (2)؛ وهذا أمر مجتمع عليه فيمن فاته الحج بعد أن أحرم به ولم يدرك عرفة إلا يوم النحر ؛ والمحصر عن عرفة (8) بمرض عند مالك والشافعي كذلك، وهو قول الاوزاعي؛ ذكره الوليد بن مزيد عنه، قال : من أحمر بمرض فلا يحل من شيء حتى يحل بالبيت . 1) الموطأ ص 249. 2) الموطأ ص 249 . 3) عرفة: صن ، الحج : ظ . 201 حدثنا محمد بن ابراهيم ، قال حدثنا محمد بن معاوية ، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرني علي بن ميمون الرقي، قال حدثنا سفيان ، عن أيوب السختياني ، وأيوب بن موسى ، واسماعيل بن أمية، وعبيد الله بن عمر ، عن نافع ، قال خرج عبد الله بن عمر، فلما أتى ذا الحليفة ، أهل بالعمرة ؛ فسار قليلا، فخشي أن يصد عن البيت؛ فقال: إن صددت، صنعت كما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم؛ قال: والله ما سبيل الحج الا سبيل العمرة، أشهد كم أني قد أوجبت مع عمرني حجاً؛ فسار حتى أتى قديداً ، فاشترى منها هدياً ؛ ثم قدم مكة . فطاف بالبيت سبعا وبين الصفا والمروة ؛ وقال : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل (1). وأخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال أخبرنا محمد بن معاوية ، قال حدثنا أحمد بن شعيب ، قال أخبرنا اسحاق بن إبراهيم ، قال أخبرنا عبد الرزاق ، قال سمعت عبيد الله بن عمر ، وعبد العزيز بن أبي رواد يحدثان عن نافع ، قال : خرج ابن عمر يريد الحج زمان نزل الحجاج بابن الزبير ، فقيل له : إن كان ١) لم برد ذكره في سنن النسائي الصغرى، ولعله أخرجه في الكبرى. 202 بينهما قتال، خفنا أن نصد من البيت؛ فقال : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إذن اضع كما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، حتى إذا كان بظهر البيداء، قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد؛ أشهدكم أني قد أوجبت حجاً مع عمرة، واهدى هديا اشتراه بقديد ؛ فانطلق فقدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك: لم يحلق، ولم يقصر، ولم يحلل من شيء كان أحرم منه، حتى كان يوم النحر نحر وحلق، ورأى أن قد قضى طوافه للحج والعمرة بطوافه الاول؛ وقال (1): هكذا صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وحدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا حدثنا قاسم بن اصبغ ، قال حدثنا اسماعيل بن اسحاق ، قال حدثنا ابراهيم بن حمزة، قال حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن عقبة ، عن نافع، أن ابن عمر أراد أن يحج عام نزل الحجاج بابن الزبير ؛ فقيل له : ان الناس كان بينهم شيء ، وأنا نخاف أن يصدونا ؛ فقال : إذن نصنع كما صنع رسول الله ... ٠,٠ ١) وقال : ص، قال: ط. 203 - صلى الله عليه وسلم-، اشهدكم اني قد اوجبت حجا مع عمرني: قال : فانطلق يهل بهما جميعا حتى قدم مكة، فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر، ولم يقصر ، ولم يحل من شيء حرمه الله عليه؛ حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق، ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه ذلك الاول ؛ ثم قال: هكذا صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فعلى هذا، وعلى ما ذكرنا عن الصحابة في هذا الباب من الآثار، مذهب الحجازيين في الاحصار : وذكرنا ههنا رواية السختياني وأيوب بن موسى ، واسماعيل بن أمية وعبيد الله بن عمر، وعبد العزيز بن أبي رواد ، وموسى بن عقبة ، عن نافع لهذا الحديث ؛ لان في رواية جميعهم فيه عن نافع ، عن ابن عمر ، انه طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة وهو قارن ؛ ثم قال: هكذا صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس ذلك في رواية مالك عن نافع؛ وهي زيادة قوم حفاظ ثقات ، وفيها حجة قاطعة لمالك ومن تابعه في القارن ، انه لا يطوف إلا طوافاً واحداً، ولا يسعى إلا سعياً واحداً؛ وسنذكر هذه المسألة في موضها من هذا الباب - إن شاء الله . 204 وقال أبو حنيفة : المحص بالعدو والمرض سواء، يذبح هديه في الحرم ويحل قبل يوم النحر - إن ساق هديا، وعليه حجة وعمرة ، وهو قول الطبري . وقال ابو يوسف ، ومحمد : ليس ذلك له، ولا يتحلل دون يوم النحر: وهو قول الثوري، والحسن بن صالح؛ وانفق ابو حنيفة وأصحابه في المحصر بعمرة، أنه يتحلل منها متى شاء . وينحر هديه سواء بقي الاحصار الى يوم النحر أو زال عنه . هكذا روى محمد عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة. وروى زفر عن أبي حنيفة أنه إن بقي الاحصار إلى يوم النحر ، اجزأ ذلك عنه ، وكان عليه قضاء حجة وعمرة؛ وإن صح قبل فوت الحج لم يجزه ذلك، وكان محرماً بالحج على حاله ؛ قال : ولو صح في العمرة بعد أن بعث بالهدي، فإن قدر على إدراك العدي قبل أن يذبح ، مضى حتى يقضي عمرته ؛ وإن لم يقدر ، حل اذا نحر عنه الهدي . وقال سفيان الثوري: إذا أحصر (1) المحرم بالحج بعث بعدي ، فنحر عنه يوم النحر ؛ وإن نحر قبل ذلك لم يجزه . 1) أحصر : ص ، حصر : ظ 205 وجملة قول أصحاب الرأى أنه إذا أحصر الرجل . بعث بهديه وواعد المبعوث معه (1) يوماً يذبح فيه؛ فإذا (2) كان ذلك اليوم. حلق عند أبي يوسف، أو قصر وحل ورجع : فإن كان مهلا بحج ، قضى حجة وعمرة، لان إحرامه بالحج حار عمرة ؛ وإن كان قارناً قضى حجة وعمرتين ، وإن كان معلا بعمرة قفى عمرة ؛ وسواء عندهم المحصر بالعدو والمرض . وذكر الجوزاني عن محمد بن الحسن ، قال : قال أبو حنيفة ، وابو يوسف، ومحمد: من أهل بحج فأحصر، فعليه أن يبعث بثمن هدي فيشترى له بمكة، فيذبح عنه يوم النحر ويحل، وعليه عمرة وحجة ؛ وليس عليه تقصير في قول أبي حنيفة . ومحمد، لان التقصير نسك - وليس عليه من النسك شيء. وقال أبو يوسف : يقصر، وإن لم يفعل فلا شيء عليه؛ وقالوا: إذا بعث بالهدي ، فإن شاء أقام مكانه ، وإن شاء انصرف؛ وإن كان مهلا بعمرة، بعث فاشترى له الهدي وبواعدهم يوماً؛ فإذا كان ذلك اليوم، حل وكانت عليه عمرة مكانها . 1) معه : ص - ظ 2) فإذا : ظ . اذا: ى 206 وقالوا : إذا كان المحصر قارنًا، فإنه يبعث فيشترى له هديان فينجران ويحل وعليه عمرتان وحجة ؛ فإن شاء قضى العمرتين متفرقتين والحجة بعد ذلك، وإن شاء ضم إحدى . العمرتين إلى الحجة . وروي عن ابن مسعود وعلقمة - نحو قول أبي حنيفة فيمن أحصر بمرض في الحج والعمرة سواء على اختلاف عنهما في ذلك أيضاً ، وهو قول الحكم ، وحماد ، وإبراهيم ، وجماعة من الكوفيين . وقال أبو ثور فيمن أحصر بعدو مثل قول مالك، والشافعي - سواء؛ وقال في المحصر بالكسر أو المرض ، أو العرج إنه يحل في الموضع الذي عرض له ذلك فيه - ولا هدى عليه ، وعليه القضاء . قال أبو عمر: من حجة من أوجب القضاء على المحص بعدو: ما أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا النفيلي ، قال حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن ميمون، قال : سمعت أبا حاضر الحميري يحدث أن ممون بن مهران قال: خرجت معتمراً عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة ، وبعث معي رجال من 207 قومي بهدي ، فلما انتهيت إلى أهل الشام، منعونا أن ندخل الحرم ، فنحرت الهدي مكاني، ثم حللت ثم رجعت : فلما كان من العام المقبل ، خرجت لأقفي عمرتي ، فأتيت ابن عباس فسألته ؛ فقال: أبدل العدي، فان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء (١). وأما الحجة لابي ثور ومن ذهب مذهبه في (2) المحصر بمرض يحل في موضعه ولا هدي عليه ، وعليه القضاء ؛ - فما (3) حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود ؛ وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم ابن أصبغ ، قال حدثنا بكر بن حماد ، قالا جميعا حدثنا مسدد ، قال حدثنا يحيى، عن حجاج الصواف، قال حدثني يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة . قال : سمعت الحجاج بن عمرو الانصاري قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل . قال عكرمة : فسألت ابن عباس وأبا هريرة، فقالا: صدق (1). 1) انظر سنن أبي داود 431/1 . 2) في المعصر، ص. في أن المحصر - بزيادة ( أن ) : ظـ 3) فما: ص - ظ ١) انظر سنن أبي داود 431/1. 200 وأخبرنا أحمد بن محمد، قال أخبرنا أحمد بن الفضل ، أخبرنا محمد بن جرير، قال حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال حدثنا اسماعيل بن ابراهيم، عن الحجاج بن أبي عثمان ، قال حدثني يحيى بن أبي كثير ، قال حدثني عكرمة ، قال حدثني الحجاج بن عمرو، قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من كسر أو عرج، فقد حل وعليه حجة أخرى؛ فحدثت به ابن عباس ، وأبا هريرة فقالا : صدق . هكذا رواه الحجاج بن أبي عثمان الصواف، ورواه معاوية ابن سلام ، ومعمر ، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة (1)، قال: قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة: أنا سألت الحجاج ابن عمرو عمن حبس وهو محرم، فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث مثله سواء. قال: فحدثت بذلك ابن عباس، وأبا هريرة، فقالا: صدق . ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة ، عن عبد الله بن نافع، عن الحجاج بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله بمعناه الى آخره من قول ١) عن عكرمة : ص، وعكرمة : ظـ 209 م١٤ - ج ١٥ ابن عباس، وأبى هريرة : صدق. فهذه حجة أبي ثور، ومن ذهب مذهبه في أن المحرم اذا حبسه المرض (1)، او الكسر عن البيت، حل ولا شيء عليه من هدي ولا غيره إلى القضاء في العام المقبل . ومن الحجة عليه لسائر العلماء الذين أوجبوا عليه الهدي ولم يجيزوا له أن يحل ويحلق حتى ينحر الهدي : - القياس على حصر العدو ، لانه كله منع عن الوصول الى البيت ، لقول الله عز وجل : ((فان أحصرتم فما استيسر من الهدي ، ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ العدي محله ، . - فلما أمر اله المحص بأن لا يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي محله، علم بذلك أنه لا يحل المحص من إحرامه ، الا إذا حل له حلق رأسه ، ولا يحل له ذلك حتى ينحر الهدي . واستدلوا بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية أنه لم يحلق رأسه حتى نحر، ولم يحل حتى نحر الهدي. أخبرنا خلف بن القاسم، قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد ، قال حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي ، قال حدثنا يحيى ابن عبد الله بن بكير، قال حدثني ميمون بن يحيى، عن ٠ 1) أو أكسر: ظ والكسر: ص. 210 مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، قال : سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول : اذا عرض للمحرم عدو ، فإنه يحل حينئذ: وقد فعل ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم: حبسه كفار قريش في عمرة عن البيت ، فنحر هديه وحلق وحل هو وأصحابه ؛ ثم رجعوا حتى اعتمروا من العام المقبل . قالوا : ومعنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الحجاج بن عمرو: من كسر أو عرج فقد حل، أي فقد حل له أن يحل بما يحل به المحصر من النحر أو الذبح ؛ لا أنه قد حل بذلك من إحرامه . قالوا : وإنما هذا مثل قولهم قد حلت فلانة للرجال إذا انقضت عدتها، والمعنى في ذلك أنها تحل لهم بما يجب أن تحل به من الصداق وغيره من شروط النكاح . قال أبو عمر : لم يختلف العلماء فيمن كسر أو عرج انه يحل، ولكن اختلفوا فيما به يحل ؛ فقال مالك انه يحل بالطواف بالبيت لا يحله غيره ، ومن خالف مالكا في ذلك من الكوفيين يقول يحل بالنية، وفعل ما يتحلل به على ما وصفنا عنهم ؛ وأبو ثور يقول بظاهر حديث الحجاج بن عمرو على ما ذكرنا عنه ، ولم يقل أحد أنه بنفس الكسر يكون حلالا غير أبي ثور ، وتابعه داود وبعض أصحابه . 211 قال أبو عمر : من زعم أن على المحصر بعمرة قضاء عمرته التي صد فيها عن البيت بعدو كان حصره، أو بغير عدو ، زعم أن اعتمار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في العام المقبل من عام الحديبية ، إنما كان قضاء لتلك العمرة ؛ قالوا : ولذلك ما قيل لها : عمرة القضاء ؛ واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - من كسر أو عرج، فقد حل وعليه حجة أخرى، أو عمرة أخرى ؛ ومن زعم أن المحصر بعدوٍ ينحر هديه ويحلق رأسه - وقد حل بفعله ذلك من كل شيء، ولا شيء عليه ؛ اختج بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقال لاحد منهم : عليكم قضاء هذه العمرة، ولا حفظ ذلك عنه (1) بوجه من الوجوه؛ ولا قال في العام المقبل إن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي حصرت فيها ، ولم ينقل (2) ذلك عنه أحد ؛ قالوا : والعمرة المسماة بعمرة القضاء، هي عمرة القضية عندنا ، قالوا : وعمرة القضاء وعمرة القضية سواء؛ وإنما قيل ذلك ، لان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قاضى قريشا وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت، وقصده من قابل إن شاء، فسميت بذلك عمرة القضية . ١) عنه: ص . عليه، ظ 2) ينقل، ظ يقل: ص قال أبو عمر : كل ما ذكرنا قد قيل فيما وصفنا، وقد اختلف العلماء في وجوب القضاء عن المحصر بعدو على حسبما قدمنا في هذا الباب واجتلبنا ؛ ومن جهة النظر إيجاب قضاء إيجاب فرض ، والفروض لا تجب أن تثبت إلا بدليل لا معارض له - وبالله التوفيق . أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا النفيلي وقتيبة ، قالا حدثنا داود ابن عبد الرحمان العطار ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة . عن ابن عباس، قال: اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع عمرة : عمرة الحديبية ، والثانية حيث تواطئوا على عمرة قابل ، والثالثة من الجعرانة ، والرابعة التي قرن مع حجته (١). قال أبو عمر : ليس في قوله حيث تواطئوا على عمرة قابل ، دليل على أنها على جهة القضاء، وحسبك أنه قد جعل عمرة الحديبية - وهي التي حصر عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرة من عمره، وقد أجمعوا على أن تلك عمرة من عمره، وإنما اختلفوا في العمرة الرابعة ، فمن زعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مفرداً، يقول لم يعتمر رسول ١) انظر سنن أبي داود 480/1. 213 الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ثلاث عمر : عمرة الحديبية . والعمرة من قابل ، وعمرة الجعرانة ؛ وهو مذهب مالك، وعروة ابن الزبير ، وجماعة ؛ وسنذكر الآثار في ذلك في باب هشام بن عروة ، وفي باب بلاغ مالك - إن شاء الله ؛ ومن زعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمتع في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ، أو قرن الحج مع العمرة ؛ زعم أن عمره كانت أربعاً - صلى الله عليه وسلم: وقد ذكرنا ما اعتل به من جهة الاثر من قال إنه كان مفرداً، وما اعتل به من قال إنه تمتع ، ومن قال إنه قرن ، كل ذلك في باب ابن شهاب عن عروة من كتابنا هذا - والحمد لله . واختلف الفقهاء في المحصر بعدو أين ينحر هديه ؟ فقال مالك : ينحر هديه حيث حصر في الحرم وغيره، وبذلك قال الشافعي ؛ وقال أبو حنيفة : لا ينحره إلا في الحرم، وقد ذكرنا هذه المسألة مجودة في باب أبي الزبير ؛ وكذلك اختلفوا في وجوب الحلاق على المحصر ، وسنذكر ذلك في الباب الذي بعد هذا ؛ وأما قول ابن عمر في حديث هذا الباب ما أمرهما 214 إلا واحد، أشهد كم أني قد أوجبت الحج مع العمرة ؛ ففيه دليل على أن الحج ينعقد بالنية ، وأن العبارة عن تلك النية تكون بالتلبية وبغير التلبية ؛ وقد تقدم هذا المعنى مجوداً في حديث نافع - والحمد لله . وفيه إدخال الحج على العمرة ، وذلك بين عنه في الاحاديث المذكورة في هذا الباب من رواية مالك وغيره عن نافع عنه ؛ ولا خلاف بين العلماء في أن للمحرم بالعمرة إدخال الحج على العمرة ما لم يبتديء الطواف بالبيت لعمرته ، هذا إذا كان ذلك في أشهر الحج ، على أن جماعة منهم - وهم أكثر أهل الحجاز - يستحبون أن (1) لا يدخل المحرم الحج على العمرة حتى يفرغ من عملها ، ويفصل بينها وبين العمرة ، ولهذا استحبوا العمرة في غير أشهر الحج . وروى (2) مالك، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر، أن (3) عمر بن الخطاب قال : افصلوا بين حجتكم وعمرتكم ، فإن ذلك أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج . ١) يستحبون أن لا يدخل: ص. لا يستحبون أن يدخل: ظ . 2) وروي ؛ ص ، روى : ظ 9) أن عمر: ص ، عن عمر: ظ 215 قال أبو عمر: هذا افراط من عمر - رحمه الله - في استحباب الافراد في الحج ، ولذلك قال: هذا القول - والله اعلم - لئلا يتمتع احد بالعمرة إلى الحج ، ولا يجمع بينهما ، ويفرد كل واحد منهما ، فان ذلك أتم لهما عنده؛ ولا نعلم احدا من أهل العلم كره العمرة في أشهر الحج غير عمر - رضي الله عنه ، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم نكن شمرة كلها الا في شوال، وقيل في ذي القعدة - وهما جميعا من أشهر الحج؛ وستأتي الآثار في عمره - صلى الله عليه وسلم - - في باب هشام بن عروة - إن شاء الله . قال أبو عمر: اللعماء مجمعون على أنه إذا أدخل الحج على العمرة في أشهر الحج على ما وصفنا قبل الطواف بالبيت، أنه جائز له ذلك، ويكون قارنا بذلك، يلزمه ما يلزم الذي أنشأ الحج والعمرة معا. وقالت طائفة (1) من أصحاب مالك إن له أن يدخل الحج على العمرة - وإن كان قد طاف ما لم يركع ركعتي الطواف ، وقال بعضهم : ذلك له بعد الطواف ما لم يكمل السعي بين الصفا والمروة، ( وهذا كله شذوذ عند أهل العلم (2)) ..... 1) وقالت طائفة: ص، وقد روي عن بعض أصحاب مالك: ظـ 2) ما بين القوسين ساقط في الأصل ، فابت في ظ 216 وقال أشعب: من طاف لعمرته ولو شوطا واحداً، لم يكن له ادخال الحج عليها، وهذا هو الصواب - إن شاء الله ؛ فان فعل وأدخل الحج على العمرة بعد ذلك ، فقد اختلفوا فيما يلزم من ذلك ؛ فقال مالك: من أدخل الحج على العمرة بعد أن يفتتح الطواف ، لزمه ذلك وصار قارنا . وروي مثل ذلك عن أبي حنيفة ، والمشهور عنه أنه لا يجوز الا قبل الاخذ في الطواف على ما قدمنا ؛ وقال الشافعي : لا يكون قارنا، وذكر أن ذلك قول عطاء، وبه قال أبو ثور وغيره ؛ واختلفوا في ادخال العمرة على الحج، فقال مالك : يضاف الحج إلى العمرة، ولا تضاف العمرة الى الحج ؛ فان أهل أحد بالحج ثم اضاف العمرة اليه ، فليست العمرة بشيء، ولا يلزمه شيء؛ وهو احد قولى الشافعي ، وهو المشهور عنه . قاله بمصر ؛ قال: من اهل بالحج لم يدخل العمرة على الحج حتى يكمل عمل الحج ، وهو آخر ايام التشريق ان اقام الى آخرها؛ وإن نفر النفر الاول واعتمر يومئذ، لزمته العمرة ، لانه لم يبق عليه للحج عمل؛ قال: ولو اخره كان أحب إلي، قال: ولو اهل بعمرة من يوم النفر الاول، كان إهلاله باطلا ؛ :217 لانه معكوف على عمل من (عمل) (1) الحج ، ولا يخرج منه إلا بإكماله والخروج منه؛ وقال ببغداد: إذا بدأ فأهل بالحج ، فقد قال بعض أصحابنا : لا يدخل العمرة على الحج ؛ قال : والقياس أن أحدهما إذا جاز أن يدخل على الآخر فهما سواء. وقال (2) أبو حنيفة وأصحابه : من أهل بحجة ثم أضاف إلى الحج عمرة ، فهو قارن ويكون عليه ما على القارن ؛ قالوا : ولو طاف لحجته شوطاً ثم أهل بعمرة ، لم يكن قارناً (ولم يلزمه)، (*) لانه قد عمل في الحج: قالوا فإن كان إهلاله بعمرة ، فطاف لها شوطاً، ثم أهل بحجة لزمته ، وكان قارناً إذا طاف لعمرته في أشهر الحج ؛ قالوا : والفرق بينهما ان الحج يدخل على العمرة، ولا تدخل العمرة على الحج؛ قالوا : وإن أهل بعمرة وقد طاف للحج، فإنه يرفضها وعليه لرفضها دم وعمرة مكانها. وقال الاوزاعي : لا بأس ان يضيف العمرة إلى الحج بعد ما يعل بالحج . وقال أبو ثور: إذا احرم بحجة فليس له ان يضيف إليها عمرة. ولا يدخل إحراماً على إحرام، كما لا يدخل صلاة على صلاة . 1) كلمة (عمل) ساقطة في الاصل، ثابتة في ظ، والمعنى يقتضيها 2) وقال : ص : قال ، ظ . (3) جملة (ولم يلزمه) ساقطة في الاصل، ثابتة في ظ . 218 قال ابو عمر: قول أبي ثور لا يدخل إحراماً (1) على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة ، ينفي (2) دخول الحج على العمرة - وهذا شذوذ ؛ وفعل ابن عمر في إدخاله الحج على العمرة - ومعه على ذلك جمهور العلماء - خير من قول أبي ثور الذي لا أصل له إلا القياس الفاسد في هذا الموضع- والله المستعان. ومن هذا الباب اختلافهم فيمن اهل بحجتين أو بعمرتين، أو أدخل حجة على حجة ، أو عمرة على عمرة ؛ فقال مالك : الاحرام بحجتين أو عمرتين لا يجوز، ولا يلزمه إلا واحدة ، وبذلك قال الشافعي ومحمد بن الحسن . قال الشافعي : وكذلك لو أحرم بحج ثم أدخل عليه حجاً آخر قبل أن يكمل، فهو مهل بحج واحد - ولا شيء عليه في الثاني من (3) فدية ، ولا قضاء ولا غيره . وقال (4) أبو حنيفة: تلزمه الحجتان ويصير رافضاً لاحدهما حين يتوجه إلى مكة . وقال أبو يوسف : تلزمه الحجتان ويصير رافعاً ساعتئذ . 1) احراماً: ظ ، احرام : ص. 2) ينفي ، ص، يمنع: ط . 8) من فدية: ص . فدية - باسة ط (من): ظـ 4) وقال: ص . قال : ظـ 219 وذكر الجوزاني عن محمد قال: وقال أبو حنيفة، وابو يوسف ، ومحمد: من أهل بحجتين معاً أو أكثر، فإنه إذا توجه إلى مكة وأخذ في العمل، فهو رافض لها كلها إلا واحدة، وعليه لكل حجة رفضها دم وحجة وعمرة . وأما قوله في حديث ابن عمر : ثم نفذ حتى جاء البيت فطاف به طوافا واحداً ورأى أن ذلك مجزىء عنه واهدى ؛ ففيه حجة لمالكفي قوله بأن طواف الدخول اذا وصل بالسعي، يجزيء عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلا أو نسيه، ولم يذكره حتى رجع إلى بلده وعليه الهدي، ولا أعلم احدا قاله غيره وغير اصحابه - والله اعلم . وفي رواية موسى بن عقبة ، وعبيد الله بن عمر - في حديث هذا الباب عن نافع ، عن ابن عمر : قوله ما أمرهما إلا واحد ، وانطلق يعل بهما جميعاً حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم يحلق ولم يقصر ولم يحل حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه ذلك الاول؛ فهذا يبين لك أن الطواف في الحج واحد واجب للقارن وغيره، وأن من اقتصر عليه لم يسقط 220