Indexed OCR Text

Pages 161-180

قال : وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال في
عتبة بن أبي لهب: سيسلط الله عليه، أو اللهم سلط عليه - كلباً
من كلابك ، فعدا عليه الاسد فقتله .
وحدثنا (١) نصر بن على ، قال : أخبرنا يزيد بن هارون،
قال أخبرنا الحجاج ، عن وبرة، قال: سمعت ابن عمر يقول:
أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الذئب والغراب
والفأرة ، قلت : فالحية والعقرب ؟ قال : قد كان يقال ذلك ؛
قال اسماعيل : فإن كان هذا الحديث محفوظاً، فإن ابن عمر جعل
الذئب في هذا الموضع كلباً عقوراً؛ قال : وهذا غير ممتنع في
اللغة والمعنى . قال: وأما الحية فلو لم يأت فيها نص، لدخلت
في معنى العقرب، وفي معنى الكلب العقور ، فكيف وقد جاء
فيها النص .
حدثنا ابن نمير، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن ابراهيم،
عن الأسود، عن عبد الله، قال: كنا مع رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - بمنى ليلة عرفة؛ فخرجت حية، فقال: اقتلوا،
اقتلوا، فسبقتنا. قال: وحدثنا علي ، قال حدثنا جرير بن عبد
الحميد ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمان بن أبى
١) ثبت فى التسخين (قال وحدثنا). والصواب ساقط (6).
161
م١١ - ٥ ١٥

نعم ، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: يقتل المحرم الافعى والاسود والعقرب والحدأة
والكلب العقور والفويسقة (1) .
قال أبو عمر : الاسود المذكور هنا الحية ، هو اسم من
أسمائها ؛ وفي هذا الحديث ذكر قتل المحرم الافعى والحية ،
وليس في حديث ابن عمر ؛ وإذا أضفتهما إلى الخمس الفواسق
المذكورة في حديث ابن عمر ، صرن سبعاً؛ وفي ذلك
. دليل على أن الخمس لسن مخصوصات ، وأن ما كان في معناها
فله حكمها (فتدبر) ؛ (2) وسيأتي بيان هذا الباب في هذا كله
ومعناه، واختلاف العلماء فيه - إن شاء الله .
وذكر ابن عبد الحكم، عن مالك، كل ما ذكرناً عنه من
رواية أشهب ، وابن القاسم ؛ وزاد : ولا يقتل المحرم الوزغ ،
ولا قرداً، ولا خنزيراً؛ ولا يقتل الحية الصغيرة، ولا صغار
الدواب ، ولا فراخ الغربان - في وكرها؛ فان قتل ثعلباً ، أو
صقراً، أو بازياً، فداه .
1) رواه الترمذي وابن ماجه.
انظر الفتح الكبير للسيوطي 429/3 .
(2) كلمة (فتدبر) ساقطة في الاصل ، ثابتة في ظ .
162

روى ابن وهب، وأشهب، عن مالك، قال : أما ما ضر
من الطير، فلا يقتل منه المحرم إلا الذي سمى النبي - صلى الله
عليه وسلم -: الغراب، والحدأة؛ قال: ولا أرى أن يقتل المحرم غراباً
ولا حدأة، إلا أن يضراه ؛ قال: ولا بأس بقتل الفأرة، والحية،
والعقرب ـ وان لم تضره ؛ قال: ولا أرى أن يقتل المحرم
الوزغ ، لانه ليس من الخمس التي أمر النبي - صلى الله عليه
وسلم - بقتلهن ؛ قيل لمالك : فان قتل المحرم الوزغ؟ فقال: لا
ينبغي له أن يقتله، وأرى أن يتصدق - إن (1) قتله؛ وهو مثل شحمة
الارض، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : خمس من
الدواب ، فليس لأحد أن يجعلها ستا ولا سبعا .
قال أبو عمر : لا خلاف عن مالك وجمهور العلماء في قتل
الحية في الحل والحرم، وكذلك الافعى ؛ وذلك مستعمل بالنص
وبمعنى النص عند جميعهم في هذا الباب - فافهمه .
قال ابن القاسم عن مالك: ان طرح المحرم الحلمة (2) ، أو
القراد (9)، أو الحمنان (4) ، او البرغوث عن نفسه، لم يكن عليه
1) إن : ظ ، وأن : ص .
2) الحلمة - بفتحتين - الصغيرة من القردان .
3) القراد - بزنة غراب - ما يتعلق بالبعير ونحوه، وهو كالقمل للانسان.
4) الحمنان جمع حمنانة - وهي من القراء دون العلمة .
انظر النهاية ( حمن ) .
163

شيء. قال: وقال مالك في القملة حفنة من طعام، قال : ولم
أسمعه يحد اقل من حفنة طعام في شيء من الاشياء ؛ قال وقال
مالك: قول ابن عمر انه كان يكره أن ينزع المحرم حلمة. أو
قرادا من بعيره - أعجب الي من قول عمر أنه كان يقرد بعيره.
وقال ابن ابي أويس قال مالك : انما يطرح المحرم عن نفسه
القراد، والنملة، والذرة، وما ليس من دواب جسده - اذا كان ذلك
يؤذيه ؛ قال: وأما دواب جسده فلا يلقى منها شيئاً عن نفسه ،
الا ان يؤذيه شيء من ذلك، فيطرحه من موضع من جسده الى
موضع غيره، وينقل القملة من موضع من جسده إلى موضع منه - إن شاء.
وسئل مالك عن الرجل يؤذيه القمل في ازاره - وهو محرم.
أيضعه ويلبس غيره ؟ قال : نعم .
وقال ابن وهب : سئل مالك عن البعوض والبراغيث يقتلها
المحرم : أعليه كفارة ؟ فقال: إني أحب ذلك ؛ قال : وقال مالك
لايصلح للمحرم أن يقتل قملة ولا يطرحها من رأسه الى الارض،
ولا من جلده، ولا من بدنه ؛ فان قتلها أو ألقاها، اطعم قبضة
من طعام ؛ قال: وقال لي مالك : يلقي المحرم القراد عن نفسه،
قال: وقال: لي في محرم لدغته دبرة (١) فقتلها، وهو لا يشعر،
1) الدبرة - واحدة الدبر -، جماعة النحل والزنابير
164

قال : أرى أن يطعم شيئاً ؛ فقلت لمالك: أفرأيت النملة ؟ قال :
كذلك أيضاً ؛ فهذه جملة قول مالك في هذا الباب ، فتدبرها .
وجملة مذهبه عند أصحابه في هذا الباب : أن المحرم لا
يقرد بعيره، ولا يطرح عنه شيئاً من دوابه ؛ فإن طرح عن
البعير قراداً أطعم ، ولا بأس عليه أن يرمي عن نفسه القراد ؛
لانها ليست من دواب بني آدم ، ولا يطرح عن نفسه قملة ،
لانها منه ؛ وجائز أن يطرح عن نفسه جميع دواب الأرض مثل
الحلمة ، والحمنان ، والنملة ، والذرة، والبرغوث؛ ولا يقتل
شيئاً من ذلك، فإن قتل منه شيئاً أطعم؛ وجائز أن يطرح
المحرم عن دابته العلقة ، لانها ليست من دوابها المتعلقة فيها ،
فهذا أصل مذهبه .
وقال أبو حنيفة : لا يقتل المحرم من السباع إلا الكلب
والذئب خاصة، ويقتلعما ابتدآه أو ابتدأهما، لا شيء عليه في
قتلهما؛ وإن قتل غيرهما من السباع، فداه ؛ قال : وإن ابتدأه
غيرهما من السباع فقتله ، فلا شيء عليه ؛ وإن لم يبتدئه، فداه
إن قتله؛ قال : ولا شيء عليه في قتل الحية والعقرب والحدأة.
هذه جملة أبي حنيفة وأصحابه إلا زفر، وقال زفر: لا يقتل
165

إلا الذئب وحده ؛ ومن قتل غيره - وهو محرم - فعليه الفدية
ابتدأه أو لم يبتدئه .
وقول الاوزاعي، والثوري ، والحسن بن حي : نحو قول
أبي حنيفة : قال الثوري : المحرم يقتل الكلب العقور ، قال وما
عدا عليك من السباع فاقتله ، وليس عليك كفارة : قال : ويقتل
المحرم الحدأة والعقرب .
وقال أبو حنيفة وأصحابه في كل ذي مخلب من الطير إن
قتله المحرم من غير أن يبتدئه ، فعليه جزاؤه : وإن ابتدأه
الطير، فلا شيء عليه؛ قالوا (١) : وإن قتل المحرم الذئاب
والقملة والبقة والحلمة والقراد، فليس عليه شيء : قالوا : ويكره
قتل القملة ، فإن قتلها فكل شيء يصدق به فهو خير منها .
قال أبو عمر: قد احتج مالك - رحمه الله - لنفسه في
هذا الباب في بعض مسائله. واحتج له اسماعيل أيضاً بما ذكرنا؛
وجملة الحجة لمذهبه ومذهب العراقيين أيضاً في ذلك، عموم قول
الله - عز وجل -: ((وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماء (2).
١) قالوا: ظ ، وقالوا: ص .
2) الآية : 68 - سورة المائدة .
166

فكل وحشي من الطير أو الدواب - عندهم - صيد، وقد
خص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دواب بأعيانها،
وأرخص للمحرم في قتلها من أجل ضررها ، فلا وجه أن يزاد
عليها ، إلا أن يجمعوا على شيء فيدخل في معناها : واستدلوا
على أنه لم يرد بقوله : والكلب العقور جملة السباع ، لانه أباح
أكل الضبع ، وجعلها من الصيد، وجعل فيها على المحرم - إن
قتلها - كبشاً وهي سبع : وما القملة وما كان مثلها مما يخرج
من الجسد، فليس من باب الصيد ، وإنما ذلك من باب التفث
وحلاق الشعر .
وأما الشافعي - رحمه الله - فقال: كل ما لا يؤكل لحمه،
فللمحرم أن يقتله ؛ قال : وللمحرم أن يقتل الحية والعقرب
والفأرة والحدأة والغراب والكلب العقور، وما أشبه الكلب
العقور ، مثل السبع والنمر والفهد والذئب ؛ قال : وصغار ذلك
كله وكباره سواء؛ قال : وليس في الرحمة والخنافس والقردان(١)
والحلم وما يؤكل لحمه جزاء، لان هذا ليس من الصيد :
قال الله عز وجل: ((وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً». فدل
٠٠
1) والقراد: ظ . والقرد: ص - وهو تحريف
167

ان الصيد الذي حرم عليهم ما كان لهم قبل الاحرام حلالا، لانه
لا يشبه أن يحرم في الاحرام خاصة إلا ما كان مباحاً قتله ؛
قال : وما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله فلا
يجوز أكله، لان ما عملت (فيه) (1) الذكاة بالاصطياد أو الذبح
لم يؤمر بقتله ، حكى هذه الجملة المزني والربيع ؛ وحكى
الحسن بن محمد الزعفراني عنه قال : وما لا يؤكل لحمه على
وجهين ، أحدهما عدو فليقتله المحرم وغير المحرم - وهو
مأجور عليه - إن شاء الله .
وذلك مثل الاسد والنمر والحية والعقرب وكل ما يعدو
على الناس ، وعلى دوابهم وطائرهم مكابرة ، فيقتل ذلك المحرم
وغيره - وإن لم يتعرضه ، وهو مأجور على قتله ؛ ومنها ما يضر
من الطائر مثل العقاب والصقر والبازي ، فهو يعدو على طائر
الناس فيضر ؛ فله أن يقتله أيضاً ، وله أن يتركه ؛ لان فيه
منفعة، وقد يؤلف ويتأنس فيصطاد ويسع المحرم وغيره تركه؛
لانه لا يؤكل، ولم يرغب في قتله لمنفعته ؛ ومنها ما يؤني (2)
ولا منفعة فيه بأكل لحمه، ولا غير ذلك؛ فيقتل أيضاً مثل
1) علمة (فيه) ساقطة في ص ثابتة في ظ .
2) في النسختين ( ما لا يؤذي ) هكذا بالنفي . ولعل الصواب ما
اثبته ( ما يؤذى ).
168

الزنبور وما أشبهه؛ ألا ترى أنه إذا قتل الفأرة والغراب والحدأة.
لمعنى الضرر ، كان ما هو أعظم ضرراً منها أولى أن يقتل ؛
فإن قال قائل فلم تفدى القملة وهي تؤذي - وهي لا تؤكل ؟
قيل: ليس تفدى إلا على ما يفدى الشعر والظفر ، ولبس ما
ليس له لبسه ؛ لان في طرح القملة إماطة أذى عن نفسه - إذا
كانت في رأسه ولحيته، وكأنه أماط بعض شعره؛ فأما إذا
كانت ظاهرة فقتلت ، فإنها لا تودى (1). وقال الربيع عنه :
لا شيء على المحرم في قتله من الطير كل ما لا يحل أكله،
قال : وله ان يقتل من دواب الأرض وهوامها كل ما لا يحل
أكله ؛ قال: والقملة ليست صيدا ولا مأكولة. فلا نفدى بشيء،
إلا أن يطرحها المحرم عن نفسه، فتكون كإماطة الأذى من
الشعر والظفر ؛ وقول أبي ثور في هذا الباب كله مثل قول
الشافعي - سواء .
فهذه أقاويل أئمة الفتوى في أمصار المسلمين ، وقد جاء
عن التابعين في هذا الباب أقاويل شاذة تخالفها السنة ، أو
يخالف بعضها - دليلا أو نصا ؛ فمن ذلك أن ابراهيم النخعي كره
1) عذا فى النسختين، ولعل الانسب (تغدى).
169

للمحرم قتل الفأرة، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم-
أنه أباح للمحرم قتلها، وعليه جماعة الفقهاء؛ (1) وقال عطاء في
الجرذ الوحشي : ليس بصيد فأقتله، (2) (وهذا قول صحيح ، إلا
أنه تناقض فقال في الكلب الذي ليس بعقور : إن قتله ضمنه
بقيمته ؛ ومعلوم أن الجرذ الوحشي ، ليس بصيد ؛ وقال الحكم
ابن عتيبة ) (3)، وحماد بن أبي سليمان : لا يقتل المحرم الحية.
ولا العقرب ، رواه شعبة عنهما؛ ومن حجتهما : أن هذين من
هوام الارض ، فمن قال بقتلهما لزمه مثل ذلك في سائر هواء
الارض : وهذا أيضا لا وجه له، ولا معنى : لان رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - قد أباح للمحرم قتلهما:
حدثنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ،
قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا علي بن بحر ، قال حدثنا حاتم
ابن اسماعيل، قال حدثنا محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم.
عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قال: خمس قتلهن حلال في الحرم: الحية، والعقرب،
والحدأة ، والفأرة، والكلب العقور (4) .
1) الفقعا": ص ، العلماء: ظـ
2) جملة (وقال عطاء . - فاقتله) جاءت في ص بعد (مثل قول الشافعي
سواء)، وفي ظ تأخرت الى هنا، وربما دانت انب.
ا) ما بين القوسين ساقط في الاصل- والمعنى يقتضيه، وهو ثابت في ظ
4) انظر سنن أبي داود 428/1 .
170

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن
أصبغ ، قال حدثنا أبو قلابة (1)، قال حدثنا عبد الصمد بن عبد
الوارث، قال حدثنا حفص بن غياث ، عن الاعمش، عن أبي
وائل ، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قتل حية بمنى .
وروى مجاهد ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ،
عن أبيه - نحوه مرفوعا .
وأخبرنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن عمر
ابن علي بن حرب ، قال حدثنا علي بن حرب، قال حدثنا .
سفيان بن عيينة، قال سمعت الزهري يقول : حدثني سالم ، عن
أبيه ، أن عمر سئل عن الحية يقتلها المحرم ، فقال : هي عدو
فاقتلوها حيث وجدتموها .
وروى شعبة عن مخارق بن عبد الله، عن طارق بن
شهاب ، قال : اعتمرت فمررت بالرمال . فرأيت حيات ، فجعلت
اقتلهن ؛ فسألت عمر ، فقال : هن عدو فاقتلوهن؛ قال سفيان
وقال لنا زيد بن أسلم : ويحك ، أى كلب أعقر من الحية .
1) في ظ: قلابة المرقاشي - ( الرقاشي)
171

وقال عبد الرحمان بن حرملة : رأيت سالم بن عبد الله
- وهو محرم - ضرب حية بسوطه حتى قتلها .
وقال السري بن يحيى : سألت الحسن : أيقتل المحرم
الحية ؟ قال : نعم. وقالت طائفة لا يقتل من الغربان إلا الغراب
الأبقع خاصة .
واحتجوا بما حدثنا محمد بن ابراهيم ، قال حدثنا محمد
ابن معاوية ، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا عمرو .
ابن علي ، قال حدثنا يحيى، قال حدثنا شعبة ، قال حدثنا قتادة،
عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - قال : خمس يقتلهن المحرم : الحية ، والفأرة، والحدأة ،
والغراب الابقع ، والكلب العقور (1).
قال أبو عمر: الأبقع من الغربان الذي في ظهره أو بطنه (2)
بياض، وكذلك الكلب الأبقع أيضا، والغراب الأدرع. والدرعي
هو الاسود، والغراب الاعصم هو الابيض الرجلين؛ وكذلك الوعل
الاعصم عصمته بياض في رجله ، وقال مجاهد : ترمى الغراب ولا
١) أنظر سنن أبي داود 428/1 .
2) في ظهره أو بطنه : ص . في بطنه وظهره: ظ.
178

تقتله ، وقال به قوم ؛ واحتجوا بما أخبرناه عبد الله بن محمد ،
قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا
أحمد بن حنبل .
وأخبرنا أحمد بن الفضل ، قال حدثنا محمد بن جرير ،
قال حدثني يعقوب بن ابراهيم، قالا جميعا حدثنا هشيم، قال
أخبرنا يزيد بن أبي زياد، قال حدثنا عبد الرحمان بن أبي نعم،
عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
سئل عما يقتل المحرم؟ فقال: الحية والعقرب والفويسقة ، ويرمي
الغراب ولا يقتله ، والكلب العقور ، والحدأة والسبع العادي (1).
قال ابن جرير : وحدثنا محمد بن حميد ، قال حدثنا مروان
ابن المغيرة، عن علي بن عبد الاعلى، عن أبيه ، عن عامر
ابن هني ، عن محمد بن الحنفية ، عن علي، أنه قال : يقتل
المحرم الحية والعقرب والغراب الأبقع، ويرمي الغراب (2) ،
والفويسقة ، والكلب العقور .
قال أبو عمر: قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
من حديث ابن عمر وغيره - أنه أباح للمحرم قتل الغراب ،
١) انظر سنن أبي داود 428/1
2) فى ظ زيادة ( تخويفا).
178

ولم يخص أبقع من غيره، فلا وجه لما خالفه ، لانه لا يثبت ؛
وجمهور العلماء على القول بحديث ابن عمر وما كان مثله في
معناه من حديث أبي هريرة وغيره . وأما حديث عبد الرحمان،
ابن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - أنه قال في الغراب يرميه المحرم ولا يقتله ، فليس
مما يحتج به على مثل حديث نافع ، عن ابن عمر ؛ وسالم ، عن
ابن عمر ؛ والحديث عن علي فيه أيضا ضعف ولا يثبت ، وقد
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة
وغيره - أنه أباح للمحرم قتل الحية، وهو قول عمر ، وعلي ،
وجمهور العلماء .
وأما تقريد المحرم بعيره ، فأكثر العلماء على إجازة ذلك،
وتقريده رمي القراد ونزعه عنه وقتله :
روى مالك وغيره، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن ابراهيم
ابن الحرث، عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير، أنه رأى عمر
ابن الخطاب يقرد بعيراً له في الطين بالسقيا . - يعنى أنه كان
يغرق القراد في الطين وينزعه عن بعيره (1). وكذلك روي عن
ابن عباس ، وجابر بن زيد، وعطاء : لا بأس أن يقرد المحرم
١) انظر الموطأ ص 246 - حديث (796) - والسقيا؛ موضع. ويقرد
بعيره - : ينزع منه قردانه .
174

بعيره ؛ وهو قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهما ؛ وبه قال
أبو ثور ، وأحمد ، وإسحاق ، وداود ؛ وكان عبد الله بن عمر
يكره للمحرم أن ينزع القراد عن بعيره ، واتبعه على ذلك مالك
وأصحابه ؛ وقال الثوري: إذا كثر القمل على المحرم فقتلها
كفر. (1) وقال أبو ثور: لا شيء على المحرم في قتل القمل
قل أو كثر، وكذلك قال داود، وهو قول طاوس ، وسعيد بن
جبير ، وعطاء، وجابر بن زيد .
ذكر عبد الرزاق: أخبرنا هشيم، عن أبي بشر، قال: سئل جابر
ابن زيد عن المحرم تسقط القملة على وجهه ، فقال : انبذها (2)
عنك أو عن وجهك، ما حقها في وجهك ؟ قال : (3) إذن تموت؟
قال : موتها وحياتها بيد الله .
وقد روي عن عطاء أن في القملة حفنة من طعام كقول
مالك سواء، وهو قول قتادة (4) .
وذكر عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن جعفر بن برقان ،
عن ميمون بن مهران، قال : كنت عند ابن عباس فسأله رجل،
1) أي اخرج الكفارة - وهي حفنة من طعام.
2) انبذها : ص، امرها؛ ط .
9) قال : ص . قلت : ظ .
١) انظر المصنف 412/4 - حديث (8256)
175

قال : وجدت قملة - وأنا محرم ، فطرحتها ثم ابتغيتها (1) فلم
أجدها ، فقال : تلك الضالة لا تبتغى .
وردى الثوري، عن جابر، عن عطاء ، عن عائشة، قالت:
المحرم يقتل الهوام كلها غير القملة ، فإنها منه (2) .
قال أبو عمر: احتج من كره أكل الغراب وغيره من
الطير التي تأكل الجيف، ومن كره أكل هوام الارض أيضاً .
بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا أنه أمر بقتل
الغراب والحدأة والعقرب والحية والفأرة، قال: وكل ما أمر
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله، فلا يجور أكله.
هذا قول الشافعي وأبي ثور وداود، وهذا باب اختلف العلماء
فيه قديماً وحديثاً ؛ فأما اختلافهم في ذوي الانياب من السباع ،
فقد مضى القول في ذلك - مستوعباً في باب اسماعيل بن أبي
حكيم من كتابنا هذا (3) .
وأما اختلافهم في أكل ذي المخلب من الطير، فقال
مالك : لا بأس بأكل سباع الطير كلها : الرخم والنسور والعقبان
وغيرها - ما أكل الجيف منها وما لم يأكل، قال : ولا بأس
١) ابتغيتها: ظ ، اتبعتها: ص.
2) المصنف 413/4 - حديث (8259)
3) انظر ج 1 182 - 160 .
176

بأكل لحوم الدجاج : الجلالة ، وكل ما تأكل الجيف ؛ وهو
قول الليث بن سعد، ويحيى بن سعيد ، وربيعة ، وأبي الزناد.
قال مالك: ولا تؤكل سباع الوحش كلها ، ولا الهر الوحشي ،
ولا الاهلي، ولا الثعلب، والضبع، ولا شيء من السباع.
وقال الاوزاعي : الطير كله حلال إلا أنهم يكرهون الرخم.
وحجة مالك في هذا الباب : أنه ذكر أنه لم بر أحداً من أهل
العلم يكره أكل سباع الطير، وأنكر الحديث عن النبي
- عليه السلام - أنه نهى عن أكل في المخلب من الطير .
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد، أن أباه أخبره، قال
حدثنا محمد بن قاسم، قال حدثنا يوسف بن يعقوب، قال
حدثنا محمد بن كثير، قال حدثنا اسرائيل ، قال حدثنا الحجاج
ابن أرطاة ، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس ، قال : كل
الطير كله. قال: وحدثنا اسرائيل، قال حدثنا الحجاج ، قال
سألت عطاء عن الطير، فقال كله كله؛ والحجاج بن أرطاة
ليس بحجة فيما نقل .
وقال مالك: لا بأس بأكل الحية إذا ذكيت، وهو قول
ابن أبي ليلى، والأوزاعي، إلا أنهما لم يشترط فيها الذكاة .
م١٢ - ج١٥
177

وقال ابن القاسم عن مالك : لا بأس بأكل الضفدع .
قال ابن القاسم . ولا بأس بأكل خشاش الأرض، وعقاربها،
ودودها - في قول مالك ، لانه قال : موته فى الماء لا يفسده .
وقال الليث : لا بأس بأكل القنفذ ، وفراخ النحل ، ودود
الجبن، والتمر ، ونحو (1) ذلك؛ ومما يحتج به لقول مالك ومن
تابعه في ذلك: حديث ملقام (2) بن التلب، عن أبيه ، قال :
صحبت النبي - عليه السلام - فلم أسمع لحشرات الارض تحريماً.
ويحتج كذلك أيضاً بقول ابن عباس وأبي الدرداء: ما أحل الله فهو
حلال ، وما حرم الله فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يؤكل ذو الناب من السباع.
ولا يؤكل ذو المخلب من الطير ؛ وكرهوا أكل هوام الارض
نحو اليربوع، والقنفذ، والفأر، والحيات ، والعقارب، وجميع
هوام الارض ؛ وحجتهم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
نهى عن أكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير :
أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ،
قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا مسدد ، قال حدثنا أبو عوانة ،
1) ونحو ذلك ، ص، وغير ذلك ، ظ .
(2) ملقام: ص . ملعام: ظ - وهو تحريف، وانظر ترجمة ملقام هذا
في التقريب 171/2 .
178

عن أبي بشر، عن ميمون بن مهران ، عن سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس، قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب
من الطير (1).
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضاً من حديث
علي وغيره، وأحسنها إسناداً حديث ابن عباس هذا .
وقال الشافعي : المحرم من كل في ناب ما عدا على
الناس، كالنمر، والذئب، والاسد، وما شاكل ذلك؛ قال: وهي
السباع المعروفة، قال : والمحرم من في المخلب أيضاً كذلك ما
عدا على طيور الناس، فلا يؤكل شيء من ذلك أيضاً، كالشاهين
والبازي، والعقاب، وما أشبه ذلك؛ قال: وأما الضبع والثعلب
والهر ، فلا بأس بأكلها ويفديها المحرم إن قتلها ؛ قال : وكل
ما لم يكن أكله إلا العذرة والجيف والميتات من الدواب
والطيور، فإني أكره أكله، النهي عن الجلالة ؛ قال : ولو
قصرت أياماً حتى يغلب عليها أكل الطاهر ، وخرجت عن حكم
الجلالة ، جاز أكلها .
١) انظر سنن أبي داود 319/2 .
179