Indexed OCR Text

Pages 141-160

هو الذي وقت لاهل العراق ذات عرق ، لان العراق في زمانه
افتتحت ، ولم يكن في العراق على عهد رسول الله - صلى
الله عليه وسلم .
وقال آخرون : هذه غفلة من قائلي هذا القول، بل رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي وقت لاهل العراق ذات
عرق والعقيق : كما وقت لاهل الشام الجحفة - والشام كلها
يومئذ دار كفر، كما كانت العراق يومئذ دار كفر ؛ فوقت
المواقيت لاهل النواحي، لانه علم أنه سيفتح الله على أمته الشام
والعراق وغيرهما من البلدان ؛ ولم تفتح الشام ولا العراق
جميعاً إلا على عهد عمر ، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل السير؛
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : منعت العراق
دينارها ودرهمها ، ومنعت الشام إردبها ومديها وقفيزها (1) -
بمعنى ستمنع عند أهل العلم. وقال - صلى الله عليه وسلم - :
ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار . وقال عليه السلام :
زويت لي الارض ، فرأيت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي
ما زوي لي منها (2) .
١) رواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث أبي هريرة
أنظر الفتح الكبير 248/8 .
2) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه .
141

أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر.
قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا هشام بن بهرام، حدثنا المعافي،
عن أفلح بن حميد ، عن القاسم، عن عائشة، قالت: وقت رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - لاهل المدينة ذا الحليفة، ولاهل الشام
ومصر الجحفة، ولاهل العراق ذات عرق، ولاهل اليمن يلملم (1).
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، واحمد بن قاسم ، قالا
حدثنا قاسم بن اصبغ ، قال حدثنا الحرث بن ابى أسامة ، قال
حدثنا يزيد بن هارون ، قال حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو
ابن دينار، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : وقت رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - لاهل المدينة ذا الحليفة، ولاهل
الطائف قرن - وهي نجد، ولاهل الشام الجحفة، ولاهل اليمن
يلملم ، ولاهل العراق ذات عرق .
وأخبرنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ،
قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا أحمد بن حنبل ، قال حدثنا
1) هذا في النسختين، والذي في سنن أبي داود 404/1 : (أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - وقت لاهل العراق ذات عرق) - ولم يذكر فيه
أنه ( وقت لاهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة ، ولاعل
اليمن يلملم ) .
٠٠
142

وكيع ، قال حدثنا سفيان ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن محمد
ابن علي ، عن عبد الله بن عباس، قال : وقت رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - لاهل المشرق العقيق (1).
قال أبو عمر : كل عراقي أو مشرقي أحرم من ذات
عرق، فقد أحرم عند الجميع من ميقاته ، والعقيق أحوط وأولى
عندهم من ذات عرق ، وذات عرق ميقاتهم أيضا باجماع؛ وكره
مالك - رحمه الله - أن يحرم احد قبل الميقات، وروي عن عمر
ابن الخطاب أنه انكر على عمران بن حصين احرامه من البصرة.
وعن عثمان بن عفان أنه أنكر على عبد الله بن عامر
إحرامه قبل الميقات ، وكره الحسن البصري، وعطاء بن أبي
رباح - الاحرام من الموضع البعيد: وهذا من هؤلاء - والله أعلم -
كراهية أن يضيق المرء على نفسه ما قد وسع الله عليه ، وأن
يتعرض لما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه ، وكلهم ألزمه
الاحرام اذا فعل ، لانه زاد ولم ينقص؛ ويدلك على ما ذكرنا .
أن ابن عمر روى المواقيت عن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - ، ثم أجاز الاحرام قبلها من موضع بعيد ؛ هذا كله
1: أنظر سنن أبي داود 404/1 .
143

قول اسماعيل ، قال: وليس الإحرام مثل عرفات والمزدلفة التي
لا يجاز بهما موضعهما ؛ قال : والذين أحرموا قبل الميقات من
الصحابة والتابعين كثير ، قال وحدثنا حفص بن عمر الحوضي .
حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة ، أن
رجلا أتى عليا فقال: أرأيت قول الله - عز وجل - «وأتموا
الحج والعمرة لله، ؟ (1) قال علي : أن تحرم من دويرة أهلك.
قال : وحدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد .
عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر أهل من بيت المقدس وقال :
لولا ان يرى معاوية ان بي غير الذي بي، لجعلت أهل منه .
وقال الشافعي ، وأبو حنيفة، وأصحابهما، والثوري، والحسن،
ابن حي : المواقيت رخصة وتوسعة ، يتمتع المرء بحله حتى
يبلغها ولا يتجاوزها ؛ والاحرام قبلها فيه فضل لمن فعله وقوي
عليه ، ومن أحرم من منزله ، فهو حسن لا بأس به .
وروي عن علي بن أبي طالب ، وابن مسعود، وجماعة
من السلف، أنهم قالوا في قول الله - عز وجل -: ((وأنموا
الحج والعمرة لله، (1) - قالوا : إتمامها أن تحرم من دوبرة أهلك.
) الآية : 196 - سورة البقرة.
144

حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا
احمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادى، قال حدثنا
جدي، قال حدثنا روح بن عبادة، قال حدثنا سفيان ، عن
محمد بن سوقة، قال : سمعت سعيد بن جبير - وسئل : ما
تمام العمرة ؟ فقال: أن تحرم من أهلك (1). وأحرم ابن عمر،
وابن عباس من الشام؛ وأحرم عمران بن حصين من البصرة ،
وأحرم عبد الله بن مسعود من القادسية: وكان الاسود، وعلقمة،
وعبد الرحمان بن يزيد ، وابو اسحاق ، يحرمون من بيوتهم
قال أبو عمر: أحرم عبد الله بن عمر من بيت المقدس
عام الحكمين - وذلك أنه شهد التحكيم بدومة الجندل ، فلما
افترق عمرو بن العاص، وأبو موسى الاشعري - من غير اتفاق؛
نهض إلى بيت المقدس ، ثم أحرم منها بعمرة ؛ ومن أقوى
الحجج لما ذهب إليه مالك في هذه المسألة : أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - لم يحرم من بيته بحجته، وأحرم من
ميقاته الذي وقته لامته - صلى الله عليه وسلم -، وما فعله فهو
الافضل - إن شاء الله .
١) أهلك : ص . أماعه و ظ .
:
145
م١٠ - ج ١٥

للأه وبدالك ضبع اجتماعواتالصحابة والتابعين "بعدهم، كانوا
يجريمون) من مواقيفهم بالإ من بحجة من رأى الأحْرَامُ مُنَّ بَيْتُه
أفضل: قول عائشة ما لخير ترسول الله - صلى الله عليه وسلم -
بين: أمرين، إلا اختار أيسرهما- ما لم يكن إثما، فإن كان
إنما، كان أبعد الثامن المئة.
هيومن حجتهم أيضًا: أن علي بن أبي طالب ، وعبد الله
١٤٠
أَبْنُ مُشْعُودُ، وعمران بن حصين ، وابن عمر ، وابن عباسٍٍ .
أحرموا من المواضع البعيدة - وهم فقهاء الصحابة، وقد شهدوا
إجرام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجته منّميقاته.
وعرفوا مغزاه ومواده ،وعلموا أن إخرامة من ميقله مكان
تيسيرا على أمته- صلى الله عليه وسلم لمنعالنب ويسرق ٢٠٢}
رجية ومن حجتهم أيضًاً: ما حدثناه عبد الله بن محمد، قال
خذثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا أحمد
ابن صالح ، قال حدثنا ابن أبي فَديك، عن عبد الله بن عبد
الزَّخْمان "بْنَ يُحنس، عَنْ يَحْمِى بن أبي سفيان الاخنسي، عن
جدته حكيمة ، عن أم سلمة - زوج النبي - عليه السلام - أنها
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من أهل
١٢٠×٢
2-١ - ₪
01140

بحجة أو عمرة من المسجد الاقصى الى المسجد الحرام ، غفر له
ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو (1) وجبت له الجنة - شك عبد
الله أيهما قال 2) . واختلف الفقهاء في الرجل المريد للحج والعمرة
يجاوز ميقات بلده إلى ميقات آخر أقرب إلى مكة ، مثل ان
يترك أهل المدينة الاحرام من في الحليفة حتى يحرموا من
الجحفة ؛ فتحصيل مذهب مالك أن من فعل ذلك ، فعليه دم .
وقد اختلف في ذلك أصحاب مالك ، فمنهم من أوجب الدم ،
ومنهم من أسقطه ، وأصحاب الشافعي على ايجاب الدم في ذلك،
وهو قول الثوري، والليث بن سعد .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لو أحرم المدني من ميقاته ،
كان احب اليهم؛ فإن لم يفعل واحرم من الجحفة ، فلا شيء
عليه ، وهو قول الاوزاعي ، وأبي ثور .
وكره أحمد بن حنبل، واسحاق - مجاوزة ذي الحليفة
إلى الجحفة ، ولم يوجب الدم في ذلك .
وقد روى عن عائشة انها كانت إذا أرادت الحج ، أحرمت
من ذي الحليفة ، وإذا أرادت العمرة، أحرمت من الجحفة ؛
١) أو وجهت : ص. ووجهت: ظ .
2. أنظر سنن أبي داود 1 / 404 .
147

وقال ابن القاسم : قال لي مالك: كل من مر بميقات ليس
هو له بميقات ، فليحرم منه ؛ مثل أن يمر أهل الشام وأهل
مصر من العراق - قادمين ، فعليهم أن يهلوا من ذات عرق
ميقات أهل العراق؛ وكذلك ان قدموا من اليمن، أهلوا من يلملم؛
وإن قدموا من نجد، فمن قرن ؛ وكذلك جميع أهل العراق ،
ومن مر منهم بميقات ليس له ، فليهل من ميقات أهل ذلك
البلد ؛ إلا أن مالكا قال لي غير مرة في أهل الشام وأهل مصر-
إذا مروا بالمدينة فأرادوا ان يؤخروا إحرامهم إلى الجحفة ،
فذلك لهم ؛ قال ابن القاسم : لانها طريقهم ، قال مالك : والفضل
لهم في أن يحرموا من ميقات أهل المدينة ؛ واختلفوا فيمن
جاوز الميقات - وهو يريد الاحرام - فأحرم ثم رجع إلى الميقات.
فقال مالك : اذا جاوز الميقات - ولم يحرم منه - فعليه دم ، ولا
ينفعه رجوعه ؛ وهو قول أبي حنيفة ، وعبد الله بن المبارك .
وقال مالك من أراد الحج والعمرة فجاوز الميقات ، ثم احرم -
وترك الاحرام من الميقات . فليمض ولا يرجع - مراهقا كان او
غير مراهق - وليعرق دما ؛ قال: وليس لمن تعدى الميقات
فأحرم - ان يرجع إلى الميقات، فينقض إحرامه . قال اسماعيل:
لانه قد وجب عليه الدم لتعديه ما أمر به، فلا وجه لرجوعه .
148

وقال مالك : من جاوز الميقات ممن يريد الاحرام جاهلا،
فليرجع إلى الميقات - إن لم يخف فوات الحج - ولا شيء عليه؛
وإن خاف فوات الحج، أحرم من موضعه - وكان عليه دم لما
ترك من الاحرام من الميقات .
وقال الشافعي ، والاوزاعي ، وأبو يوسف ، ومحمد : إذا
رجع إلى الميقات ، فقد سقط عنه الدم لبى أو لم يلب .
وقد روي (١) عن أبي حنيفة أنه إن رجع إلى الميقات
فلبى ، سقط عنه الدم ، وإن لم يلب لم يسقط عنه الدم ؛ وكلهم
يقول : إنه إن لم يرجع وتمادى ، فعليه دم .
والمتابعين في هذه المسألة أقاويل أيضاً غير هذه، أحدها
أنه لا شيء على من ترك الميقات ، هذا قول عطاء، والنخعي ؛
وقول آخر: أنه لابد له أن يرجع إلى الميقات إذا تركه فإن
لم یرجع حتی قضی حجه فلا حج له .
هذا قول سعيد بن جبير، وقول آخر - وهو أن يرجع
إلى الميقات كل من تركه، فان لم يفعل حتى تم حجه ، رجع
1) وقد روی : ص : وروی : ظ
149

إلى الميقات - واهل منه بعمرة، روي هذا عن الحسن البصري:
فهذه (١) الاقاويل الثلاثة شذوذ ضعيفة عند فقهاء الأمصار ، لانها
لا أصل لها في الآثار ، ولا تصح في النطر .
واختلفوا في العبد يجاوز الميقات بغير نية إحرام ثم
يحرم ، فقال مالك : أيما عبد جاوز الميقات ولم يأذن له سيده
في الاحرام ، ثم أذن له بعد مجاوزته الميقات فأحرم، فلا شيء
عليه ، وهو قول الثوري ، والاوزاعي .
وقال أبو حنيفة: عليه دم لتركه الميقات، وكذلك إن عتق.
واضطرب الشافعي في هذه المسألة ، فمرة قال في العبد :
عليه دم لتركه الميقات كما قال أبو حنيفة، وقال في الكافر
يجاوز الميقات ثم يسلم -: لا شيء عليه : قال : وكذلك الصبي
يجاوزه ثم يحتلم فيحرم ، لا شيء عليه ؛ وقال مرة أخرى: لا
شيء على العبد، وعلى الصبي والكافر يسلم : الفدية إذا أحرما
من مكة ؛ ومرة قال : عليهم ثلاثتهم دم ، وهو تحصيل مذهبه .
قال أبو عمر : الصحيح - عندي - في هذه المسألة أنه لا
شيء على واحد منهم، لانه لم يخطر بالميقات مريداً للحج ؛
١) فهذه: ص . وهذه : ظ .
150

وإنما تجاوزه وهو غير قاصد الحج ، ثم حدثت له حال بمكة
فأحرم منها، فصار كالمكي الذي لا دم عليه عند الجميع .
وقال مالك: من أفسد حجته ، فإنه يقضيها من حيث كان
أحرم بالحجة التي أفسد، وهو قول الشافعي، وهذا عند أصحابهما
على الاختيار .
وانفق مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والثوري.
وأبو ثور - على أن من مر بالميقات لا يريد حجاً ولا عمرة ،
ثم بدا له في الحج أو العمرة - وهو قد جاوز الميقات - أنه
يحرم من الموضع الذي بدأ له منه الحج، ولا يرجع إلى الميقات،
ولا شيء عليه .
وقال أحمد واسحاق : يرجع إلى الميقات ويحرم منه .
وأما حديث مالك: عن نافع ، أن عبد الله بن عمر أهل
من الفرع، محتملة عند أهل العلم على أنه مر بميقاته لا يريد
إحراماً ، ثم بدا له فأهل منه، أو جاء إلى الفرع من مكة أو
غيرها ، ثم بدا له في الاحرام .
هكذا ذكر الشافعي وغيره - في معنى حديث ابن عمر
هذا ، ومعلوم أن ابن عمر روى حديث المواقيت - ومحال أن
151

يتعدى ذلك مع علمه به ، فيوجب على نفسه دماً ، هذا لا يظنه
عالم - والله أعلم .
وأجمعوا كلهم على أن من كان أهله دون المواقيت، أن
ميقاته من أهله حتى يبلغ مكة - على ما في حديث ابن عباس.
وفي هذه المسألة أيضاً قولان شاذان ، أحدهما لابي
حنيفة ؛ قال : يحرم من موضعه، فإن لم يفعل، فلا يدخل الحرم
إلا حراماً ؛ فإن دخله غير حرام ، فليخرج من الحرم وليهل من
حيث شاء من الحل؛ والقول الآخر لمجاهد، قال: إذا كان الرجل
منزله بين مكة والميقات ، أهل من مكة .
١٠
152

حديث حاد وخمسون لنافع عن
ابن عمر
مالك، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - قال: خمس من الدواب ليس على المحرم
في قتلهن جناح : الغراب ، والحدأة، والعقرب، والفأرة،
والكلب العقور (1).
لا خلاف عن مالك في إسناد هذا الحديث، ولفظه : حدثنا
خلف بن قاسم ، حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العسكري ،
حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا الشافعي ، أخبرنا مالك ، عن
نافع ، عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال : خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح :
الغراب ، والحدأة ، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور .
١) الموطأ رواية يحيى ص: 246 - حديث (792)، والحديث أخرجه
البخاري ومسلم .
-
انظر الزرقاني على الموطأ 287/2
. . 158

وكذلك رواه أيوب ، وعبيد الله، والليث، وغيرهم ، عن
نافع، عن ابن عمر، وكذلك رواه عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.
ورواه ابن شهاب فاختلف عليه فيه ، فرواه ابن عيينة عن
الزهري ، عن سالم، عن ابن عمر ، عن النبي - عليه السلام .
ورواه معمر، عن الزهري ، عن عروة، عن عائشة، وهذا
يمكن أن يكون إسناداً آخر .
ورواه يونس عن ابن شهاب ، عن سالم، عن ابن عمر .
عن حفصة .
ورواه زيد بن جبير، عن ابن عمر، قال : أخبرتني إحدى
نسوة النبي - عليه السلام - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يأمر المحرم بقتل خمس من الدواب - فذكر مثله سواء .
فأما رواية نافع عن ابن عمر لهذا الحديث ، فمقتصرة
على إباحة قتل هذا الخمس المذكورات من الدواب للمحرم في
حال إحرامه - في الحل والحرم جميعاً .
وأما رواية ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه لهذا الحديث:
ففيها: لا (1) جناح على من قتلهن في الحل والحرم، وهذا أعم:
+
١) لا جناح ظء ألا جناح : ص.
154

لانه يدخل فيه المحرم وغير المحرم ، في الحل والحرم ؛ ومعلوم
أنه ما جاز للمحرم قتله ، فغير المحرم أحرى أن يجوز ذلك له،
ولكن لكل وجه منها حكم سنذكره في هذا الباب - إن شاء الله.
قرأت على محمد بن ابراهيم أن محمد بن معاوية حدثهم،
قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال أخبرنا عبيد الله بن سعيد،
قال حدثنا يحيى عن عبيد الله، قال أخبرني نافع ، عن ابن
عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: خمس من
الدواب لا جناح على من قتلهن وهو حرام - الحدأة ، والغراب،
والفأرة، والكلب العقور، والعقرب (1).
وكذلك رواه أيوب، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - مثله سواء؛ وزاد : قيل لنافع فالحية ؟
قال : الحية لا شك في قتلها . وقال بعضهم عن أيوب ، قلت
النافع : الحية ؟ قال : الحية لا يختلف في قتلها .
قال أبو عمر: ليس كما قال نافع ، وقد اختلف العلماء في
جواز قتل الحية للمحرم، ولكنه شذوذ؛ وقد صح عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - قتلها للمحرم وغير المحرم، في الحرم
1) انظر سنن النسائي 190/5 .
155

وغيره من وجوه، سنذكر أكثرها في هذا الباب - إن شاء الله:
وليس في حديث ابن عمر عند أحد من الرواة ذكر الحية ، وهو
محفوظ من حديث عائشة ، وحديث أبي سعيد ، وابن مسعود :
قرأت على سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، أن
قاسم بن أصبغ حدثهم ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي،
قال حدثنا الحميدى ، قال حدثنا سفيان ، قال حدثنا - والله -
الزهري عن سالم ، عن أبيه، أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قال: خمس من الدواب لا جناح في قتلهن على من
قتلعن في الحل والحرم : الغراب ، والحدأة، والعقرب، والفأرة.
والكلب العقور (1).
قال الحميدي : قيل لسفيان إن معمراً يرويه عن الزهرى.
عن عروة، عن عائشة ، فقال: حدثنا - والله - الزهري، عن
سالم، عن أبيه - ما ذكر عروة عن عائشة (2) .
قال أبو عمر : اتفق جمهور العلماء وجماعة الفقهاء - على
القول بجملة هذا الحديث، واختلفوا في تفسير تلك الجملة
وتخصيصها بمعان نذكرها - إن شاء الله .
1) انظر مسند الحميدي 279/2 حديث (619)
2) المصدر السابق .
156

فأما ابن عيينة ، فقال: معنى قول رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - الكلب العقور : كل سبع يعقر ؛ قال : ولم يخص
به الكلب .
قال سفيان وفسره لنا زيد بن أسلم، وكذلك قال أبو عبيد؛
وروى زهير بن محمد ، عن زيد بن أسلم، عن عبد
ربه بن سيلان، عن أبى هريرة ، قال : الكلب العقور الاسد .
وأما مالك، فذكر رواة الموطأ عنه في الموطأ أنه قال :
الكلب العقور الذي أمر المحرم بقتله، هو كل ما عقر الناس
وعدا عليهم وأخافهم، مثل الاسد ، والنمر ، والفهد، والذئب ،
فهو الكلب العقور (١) ؛ قال: فأما ما كان من السباع لا تعدو،
مثل الضبع والثعلب وما أشبههن من السباع، فلا يقتله المحرم،
وإن قتله فداه (2)؛ قال مالك: وأما ما ضر من الطير ، فإنه
لا يقتله المحرم ، إلا ما سمى النبي - عليه السلام - : الغراب
والحدأة ؛ وإن قتل شيئاً من الطير سواهما - وهو محرم - فعليه
جزاؤه (3) .
٠٠
١) انظر الموطأ ص 245 - 248.
2) المرجع السابق
9) عذا في النسختين. والذي في الموطأ (وان قتل المحرم شيئا من
الطير سواهما فداه) ولعل المؤلف رواه بالمعنى - على عادته في اعثر الروايات.
157

قال أبو عمر : ليس هذا الباب عند مالك وأصحابه من
باب ما يؤكل عنده من السباع، وما لا يؤكل في شيء؛ وقد
ذكرنا مذهب مالك وغيره فيما يكره أكله من السباع، وما لا
يكره منها - مستوعباً في باب اسماعيل بن أبي حكيم من
كتابنا هذا (١)، فلا وجه لاعادة ذلك معنا.
وقال ابن القاسم : قال مالك : لا بأس أن يقتل المحرم
السباع التي تعدو على الناس وتفترس ـ ابتدأته أو ابتدأها ،
جائز له قتلها على كل حال ؛ فأما صغار أولادها التي لا تفترس
ولا تعدو على الناس، فلا ينبغي للمحرم قتلها؛ قيل لابن القاسم:
فعل يكره مالك للمحرم قتل العر الوحشي ، والثعلب ، والضبع ؟
قال : نعم ؛ قيل له : فإن ابتدأني الضبع، أو العر، أو الثعلب -
وأنا محرم فقتلتها ؛ أعلي في قول مالك شيء ؟ قال : لا - وهو
رأبي ، ألا ترى أن رجلا لو عدا على رجل فأراد قتله فدفعه
عن نفسه ، لم يكن عليه شيء .
وقال أشهب: سألت مالكاً : أيقتل المحرم الغراب والحدأة
من غير أن يضرا به ؟ فقال: لا، إلا أن يضرا به؛ إنما أذن في
١) انظرج 188/12 _ 100 .
158

معيوم . لالة ولية
متلعما إذا اضطر تنا: نوالعدل
ـرات في رأيى؛ فأما أن يصيبهما بدءاً ، فلا
"أرى ذلك- وهماً صيد، وليسُ للمحرم أن يصيد؛ وليسا مثل
العقرب، والفأرة؛ والغراب والحدأة صيد ، فلا يجوز أن يقبلا
في الحرم خوف الذريعة إلى الاصطياد ؛ فإن أضرا بالمحرم، فلا
بأس أن يقتلهما؛ قال: فقلت له: أيصيد المحرم الثعلب والذئب؟
قال: لا. ثم قال : - والله - ما أدري أعلى هذا أصل رأيك؟.
أم تتجاهل ؟ قلت : ما أتجاهل، ولكن ظننت أن تراه من السباع:
مصف
٣
قال مالك: وكل شيء لا يعدو من السباع - مثل الهر، والثعلب
٩
والضبع، وما أشبهها، فلا يقتله المحرم؛ وإن قتله، وداه؛ لان
النبي - علىَّ الله عليه وسلم - لم يأذن في قتل السباع، وإِنما
٠
أذن فيَّ قتل الكلب العقور؛ قال: وصغار الذئاب لا أرى أن
٠٦
٠
يقتلها المخرم؛ فإنّ فتلهاً فداها؛ وهى مثل فراخ الغربان ..
أيذهب يصيدها ؟ وله - ديته بطمن ربه
وقال إسماعيل بن اسحاق؛ إنّما قال ذلك مالك في أولاد
معينا (١٥ جـ
السباع التي لا تعدو على الناس، لأن الاباحة إنما جاءت في
الكلب العقور، وأولاده ليست تعقر، فلا تدخل في هذا النعت؛ قال:
وقد جاء في حديث عائشة: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم (1).
١) رواه مسلم والنسائي وابن ماجه .
انظر فيض القدير على الجامع الصغير 453/9 - 454 .
٠٠ ٠١٢٠
159

فسماهن فساقاً، ووصفهن بأفعالهن ؛ لان الفاسق فاعل .
والصغار لا فعل لهن؛ قال: والكلب العقور يعظم ضرره
على الناس . قال : ومن ذلك الحية والعقرب. لانهما يخاف منهما؛
قال: وكذلك الغراب والحدأة ، لانهما يختطفان اللحم من أيدي
الناس ؛ قال: وقد اختلف في الزنبور . فشبهه بعضهم بالحية
والعقرب؛ قال : ولولا أن الزنبور لا يبتدي.، لكان أغلظ على
الناس من الحية والعقرب ، ولكنه ليس في طبعه من العداء ما
في الحية والعقرب؛ قال: إنما يحمي الزنبور إذا أذى (1)، قال:
فإن عرض الزنبور لانسان فدفعه عن نفسه، لم يكن عليه في
قتله شيء؛ قال: وقد جاء في الفأرة أنها تحرق على الناس
بيوتهم ، قال : وقد رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
تصعد بالفتيلة إلى السقف ، فجاء فيها النص. كما جاء في الكلب
العقور ؛ قال : ولم يعن بالكلب العقور - هذه الكلاب الانسية .
قال : وإنما أرخص (2) للمحرم في قتل هذه الدواب الوحشية،
قال وإنما عني بالكلب العقور - والله أعلم - ما عدا على
الناس وعقرهم .
1) أذى . ظ . أوذى: ص .
2) ارخص ظ ٠ رخص : ص
160