Indexed OCR Text

Pages 281-300

إلا بعد أن يأخذ الشركاء حصصهم ، فمن اعتقه قبل ذلك ، فقد
خالف نص السنة فى ذلك ؛ قالوا - ومعلوم أنه يعتق على الانسان
ما يملكه لا ملك غيره ؛ وانما يملكه باداء القيمة إلى شريكه .
اذا طلب الشريك ذلك ؛ ألا ترى أنه لو كان معسرا لا بحكم (أ)
عليه بعتق ؟ وفي ذلك دليل واضح على استقرار ملك الذي لم
يعتق بغير (ب) عتق شريكه لنصيبه؛ واذا كان ملكه ثابتا مستقرا،
استحال أن يعتق على الآخر ما لم يملكه ؛ فإذا قوم عليه وحكم
بأداء القيمة اليه ، ملكه ونفذ متق جميعه بالسنة في ذلك ،
والسنة في هذا كالسنة في الشفعة ؛ لان ذلك كله
نقل ملك بعوض على غير قراض ، احكمته الشريعة وخصّه إذا
طلب الشريك أو الشفيع ما لهما من ذلك ؛ وليس ما رواه ابوب
من قوله فهو عتق ، مخالفا لما رواه مالك ؛ بل هو مجمل فسره
مالك في روايته ، ومبهم أوضحه ؛ لانه يحتمل قوله فهو متبق عله،
او فهو (ج) معتق كله - اى بعد دفع القيمة الى الشركاء ؛
واكثر أحوالهم فى ذلك، أن يحتمل الحديث الوجهين جميعا !
فاذا احتملهما ، فمعلوم أن العبد رقيق بيقين ، ولا يعتق الا بيقين؛
واليقين ما اجتمع عليه من حريته بعد دفع القيمة ، وهو أحد قولي
الشافعي ، ولم يختلف قول الشافعي : إن المعتق لحصّه من عبد
أ) لا يسم: ٠١ لم يسهم: فه.
ب) بعد : أه بغير: ظـ .
ج) أو نعود ظه نحو: ١.
281

بينه وبين غيره - وهو (أ) معسر في حين تكلم بالعتق ، أنه لا
شيء عليه من سعابة ولا غيرها ، وأنه لا يعتق من العبد غير ذلك
الحصة ؛ وهو قول مالك في عنق المعسر . وقول أحمد بن حنبل،
واسحاقى، وأبي ثور، وأبي عبيد، وداود، والطبري؛ (ب) وقال مالك
ان مات المعتق الموسر قبل أن يحكم عليه بعتق الباقي ، أم
يحكم على ورثته بعتق ذلك . وقال الشافعي بحكم بعتقه اذا مات
ولو أتى على تركته ، الا ان يعتق في المرض ، فيقوم في الثلث.
وقال سفيان إن كان للمعتق حصته من العبد مال ، ضمن نصيب
شريكه - ولم يرجع به على العبد ، ولا سعابة على العبد، وكان
الولاء له (ج). وان لم يكن له مال فلا ضمان عليه، وسواء نقص
من نصيب الآخر ، أو لم ينقص، ويسعى العبد في نصف قيمته
حينئذ ؛ وكذلك قال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وفي قولهم
يكون العبد كله حرا ساعة اعتق الشريك نصيبه ، فان عان
دوسرا ضمن لشريكه قيمة نصف عبده، وان كان معسرا سعى
العبد في ذلك الذي لم يعتق ، ولا يرجع على أحد بشيء؛ والولاء
كله للمعتق، وهو بمنزلة الحر في جميع أحكامه ما دام فى
سعايته من يوم اعتق ، برث ويورث ؛ وعن ابن شبرمة ، وابن
أبي ليلى مثله ، الا انهما جعلا للعبد ان برجع على المعتق بما
سعى فيه - متى أيسر ، وقد جاء من ابن عباس أنه جعل المعتق
أ) وهو : ظه هو: ١.
ب) وداود والطبري: ا وداود بن علي، أ، ومحمد بن جرير الطبوي؛ ظ.
ج) الولا له : أ، له الولا : ظـ.
282

بعضه حراً فى جموع أحكامه. وقال أبو حنيفة إذا كان العبد
بين اثنين مأعتق أحدهما نصيبه وهو موسر ، فان الشريك بالخيار:
إن شاء اعتق نصيبه كما افنق صاحبه - وكان الولاء بينهما ؛
وان شاء استسعى فى نصف قيمنه - ويكون الولاء بينهما ؛ وان
شاء ضمن شريكه نصف قيمته ويرجع الشريك بما ضمن من:
ذلك على العبد يستسعيه فيه ان شاء، ويكون الولاء كله للشريك،
وهو عبد ما بقي عليه من السعاية شيء؛ وان كان المعتق
معسراً، فالشريك الآخر بالخيار : ان شاء ضمن العبد نصف قيمته
يسعى (أ) فيها والولاء بينهما، وان شاء افتقه كما افتق صاحبه .
والولاء بينهما؛ وقال أبو حنيفة العبد المستسعى - ما دام عليه
سعابة - بمزلة المكاتب في جميع أحكامه ، فان مات ، أدى من
ماله لسعايته ، والباقي لورثته ؛ وقد ذكرنا الاختلاف في هذه
المسألة في المكاتب في باب هشام بن عروة في قصة بربرة. قال
زفر بعتق العبد كله على المعتق حصته ، ويتبع بقيمة (ب) حصة
شريكه - موسرا كان أو معسراً؛ وقد روي عن زفر مثل أبي يوسف
قال أبو عمر لم يقل زفر بحديث ابن عمر، ولا بحديثٍ
أبي هريرة - في هذا الباب؛ وكذلك أبوٍ حنيفةٍ لم بقل بواحدٍ
من الحديثين على وجهه ، وكل قول خالف السنة فمردود -
والله المستعان .
أ) يسعى: أ. ويسمى ، ظـ.
ب) بقيمته : أ. بقيمة : ظ .
1
3

وقد قيل فى هذه المسئلة أقوال غير ما قلنا شاذة ليس عليها
أحد من فقهاء الأمصار أهل الفتيا اليوم ، منها قول ربيعة بن
عبد الرحمن ، قال فمن افتق حصة له من عبد، ان العتق باطل -
موسرا كان المعتق أو معسرا، وهذا تجريد لرد الحديث أيضا؛
وما أظنه عرف الحديث ، لانه لا يليق بمثله غير ذلك ؛ وقد ذكر
محمد بن سيرين عن بعضهم - أنه جعل قيمة حصة الشريك فى
بيت المال ، وهذا ايضا خلاف السنة ؛ وعن الشعبي ، وإبراهيم .
أنهما قالا الولاء للمعتق - ضمن أو لم يضمن؛ وهذا أيضا خلاف
قوله صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن أعطى الثمن . فهذا حكم
من امتق حصة له من عبد بينه وبين غيره .
وأما من اعتق حصة من عبده الذى لا شرعة فيه لاحد معه،
فان عامة العلماء بالحجاز والعراق يقولون يعتق عليه عله ، ولا
سعابة عليه ؛ إلا ان ملكا قال ان مات قبل أن يحكم عليه
لم يحكم عليه .
وقال أبو حنيفة يعتق منه ذلك النصيب (١)، ويسعى لمولاه
فى بقية قيمته - موسرا كان أو معسرا؛ وخالفه أصحابه فلم
بروا فى ذلك سعاية ، وهو الصواب وعليه الناس. والحجة في
فى ذلك ، أن السنة لما وردت بأن يعتق عليه نصيب شريكه ،
كان أحرى بأن (ب) يعتق عليه فيه ملكه ، لانه موسر به مالك
١) النصيب : ا، النصف: ظـ.
پ) بان : ا، أن ، د .

له، وهذه سنة وإجماع؛ وفى مثل هذا قالوا ليس لله شريك .
وقد جاء من الحسن يعتق الرجل من عبده ما شاء، وهذا نحو
قول أبي حنيفة ، وروى مثله من علي رضي الله عنه ، وبه قال
أهل الظاهر (1). كما بهب من عبده ما شاء ، ورووا فى ذلك
خبرا عن اسماعيل بن أمية ، عن أبيه ، عن جده، أنه امتق
نصف عبد، فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عتقه . -
ذكره أبو داود في السنن (9) .
ومن الشعبي وعبيد الله بن الحسن مثل قول أبى حنيفة -
سواء. ومن الحجة أيضا فى إبطال السعابة ، حديث عمران بن
حمين ، أن رجلا اعتق ستة مملوكين له عند الموت ، وليس لـه
مال غيرهم ، فأقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فاعتق
ثلثهم ، وأرق الثلثين - ولم يستسعهم (8). وقال الكوفيون في
هذه أيضا يعتق العبيد كلهم ، ويسعون في ثلثي قيمتهم للورثة ؛
فخالفوا السنة أيضا برأيهم. وسندكر هذا الحديث وما للعلماء
فى معناه من الاقوال (١) في باب يحيى بن سعيد - إن شاء الله.
(قال أبو عمر) (ب) وم (ج) ملك شقصا ممن بعتقع عليه
١) الاحوال: أ، والشارع: ﴿.
ب) (فال أبو عمر): ظـ ـ ا.
ج) ومن: ا، كل من: ظـ.
1) انظر المحلى لابن حزم 45/9% .
(2) انظر ج 348/3 .
3) أخرجه أبو داود في السنن 18/8
. 885

بأن وجه ملكه سوى الميراث، فانه يعتقد عليه جميعه : إن
كان مؤسرا بعد تقويم حصة من شركه فيه ، ويكون الولاء
له (أ)، وهذا قول جمهور الفقهاء؛ فان ملكه بميراث ، فقد
اختلفوا في عتق نصيب شريكه عليه ، وفي السعاية على حسبه
ما قدمنا من أصولهم ؛ وفي تضمين رسول الله صلى الله عليه
وسلم المعتق لنصيبه من عبد بينه وبين غيره قيمة باقيّ العبد
دون أن يلزمه الاتيان بنصف (ب) عبد مثله، دليل على أن
من استهلك أو افسد شيئا من الحيوان ، أو العروض التي لا نكال
ولا توزن ؛ فانما عليه قيمة ما استهلك من ذلك ، لا مثله . وهذا
موضع اختلف فيه العلماء، فذهب مالك وأصحابه إلى أن من
أفسد شيئا من العروض التى لا تكال ولا توزن ، او شيئا من
الحيوان ، فانما عليه القيمة لا المثل ، بدليل هذا الحديث ؛ قال
مالك والقيمة أعدل فى ذلك . وذهب جماعة من العلماء ، منهم:
الشافعي ، وداود ، إلى أن القيمة لا يقضى بها الا عند عدم المثل؛
وحجتهم في ذلك ظاهر قول الله عز وجل «وان عاقبتهم فعاقبوا
بمثل ما موقبتم به)). (1) ولم يقل بقيمة على عوقبتم به، وهذا عندهم
على عمومه في الاشياء كلها - على ما يحتمله ظاهر الآية. واحتجوا
ايضا من الآثر بما حدثناه عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد
٠
٠٠
أ) الولا" له : ا، له الولا" : ﴿.
ب) نصف : ا ، نصوب : ظ .
1) الآية : 26 - سورة النحل .
286

أبى بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا
يحيى، قال أبو داود: (أ) وحدثنا محمد بن المثنى. قال حدثنا
خالد، جميعا عن حميد، عن أنس، أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المومنين
جارية بقصعة لها. فيها طعام ، قال فضربت بيدها فكسرت القصعة.
قبال ابن المثنى في حديثه ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم
الكسرتين فضم إحداهما إلى الاخرى، وجعل يجمع فيهما الطعام؟
وبقول فارت أمكم! كلوا (ب)، فأكلوا حتى جاءت قصعتها (ج)
التي في بيتها (1) ثم رجع إلى حديث مسدد وقال: كلوا ،
وحبس الرسول القصعة حتى فرغوا . فدفع القصعة الصحيحية الى
الرسول ، وحبس المكسورة في بيته (2). قال أبو داود : وحدثنا
مسددٍ ، قال حدثنا يحيى، عن سفيان ، قال حدثني فليت العامري،
قال أبو داود - وهو (د) أفلت بن (٥) خليفة (8) - عن جسرة بنتٍ
أ) قال أبو داود، وحدثنا: أ. قال: حدثنا أبو «أود وحدثناً: ﴿.
ب) كلوا، ، نكلوا: أ.
٤) قصعتها: ظـ، القصة :١.
د) وهو : ﴿ وهذا: ١
أفلت: ظ، قلت : ١) وهو تحريف .
م)
1) انظر سنن أبي داود 266/2 - 867 .
2) نفس المصدر.
8) هو أبو حسان افلت بن خلوفة العامرى، ويقال له فليت الكوفي.
ذكره ابن حبان فى الثقات، ووثقه من تقهم، وقال فيه ابن حزم: إنه غير
مشهور ولا معروف بالثقة ، وحديثه باطل .
انظر تعذيب التعذيب 866/1 .
287

دجاجة. قالت : قالت عائشة ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية، صنعت
لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فبعثت به، فأخذنى أفكل (1)
فكسرت الاناء ، فقلت يا رسول الله ما كفارة ما صنعت ؟ قال انا.
مثل إناء ، وطعام مثل طعام (2) .
قال أبو عمر. قوله صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث
طعام مثل طعام، مجتمع على استعماله ( والقول به) (أ) في كل
مطعوم مأكول او موزون ، مأكول أو مشروب ؛ أنه يجب على
مستهلكه مثله ، لا قيمته على ما ذكرناه في باب زيد بن أسلم عند
ذكر حديث أبي رافع ، فاعلم ذلك .
وقال أبو عمر المثل لا بوصل اليه الا بالاجتهاد ، كما ان
القيمة ندرك بالاجتهاد ؛ وقد اجمعوا على المثل في المكيلات
والموزونات متى وجد المثل، واختلفوا في العروض، واصح حديث
في ذلك، حديث نافع ، عن ابن عمر فيمن اعتق شقصاله في عبد،
أنه يقوم عليه دون أن يكلف الاتيان بمثله، وقيمة العدل في
الحقيقة مثل؛ وقد قال العراقيون في قول اله عز وجل , فجزاء مثل
ما قتل من النعم، . (8) أن القيمة مثل في هذا الموضع، وابى ذلك
أهل الحجاز ؛ وللكلام في ذلك موضع غير هذا .
أ) (والقول به)، ﴿ ١٠.
1) الأنكل ! الزعدة، والمراد : أخذتها الغيرة.
(2) انظر سنن أبي داود 7/2%.
8) انظر ج 47/4.
288

واختلف الذين لم يقولوا بالسعاية فى توريث المعتق بعفه-
ان مات له ولد وتوريثه منه، فروى عن على رضى الله عنه
قال : برث وبورث بقدر ما اعتق منه . وعن ابن مسعود مثله،
وبه قال عثمن البتى، والمزني؛ وقال الشافعي في الحديث يورث
منه بقدر حريته ، ولا برث هو ؛ وروى عن زيد بن ثابت أنه
قال لا يرث ولا يورث، وهو قول مالك والشافعي في العراقي.
وقال ابن سريج فاذا لم يورث ، احتمل ان يجعل ماله فى بيت
المال؛ وجعله مالك والشافعي في القديم لمالك باقيه . وقال أهل
النظر من أصحاب الشافعي وغيرهم: هذا غلط ، لانه ليس لمالك
باقيه على ما عتق منه ولاء، ولا رحم، ولا ملك؛ وهذا صحيح،
وبالله التوفيق .
۔۔
299
م١٩ - ٢ ١٤

حديث ثامن وثلاثون النافع
عن ابن عمر
مالك، عن نافع ، عن عبد الله (أ) بن عمر ، أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال ما حق امرىء مسلم له شيء يومى
فيه ببيت ليلتين الا ووصيته عنده مكتوبة (1) .
لا خلاف عن مالك فى لفظ هذا الحديث ، ولا في إسناده؛
وكذلك رواه أبوب، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن الغازي:
(وغيرهم)، من نافع، من ابن عمر، عن النبي صلى
الله عليه وسلم - مثله سواء - لم يختلفوا في اسناد، (ب). وكذلك
رواه الزهرى ، عن سالم ، عن ابن عمر - مثله - عن النبي صلى
الله عليه وسلم . الا ان في حديث الزهري ببيت ثلاثا إلا وصيته ( ج)
أ) (عبد الله) : ا .. ظ.
ب) (لم يختلفوا في اسناده): ١- ظـ.
ج) ووصيته : ظ ، وصيته : ١.
1) الموطأ رواية يحيى ص 539 . حديث 1449. ورواية محمد بن الحسن
ص 258 . حديث 784، والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن
مالك بـه . وتابعه عليه جماعة .
انظر الزرقاني على الموخاً 59/4 .
290
٠٠

مكتوبة عنده. قال ابن عمر فما بت ليلة مذ سمعتها إلا ووصيتي
عند وقال فيه ابن عينة. من أيوب، من نافع، عن ابن عمر، من النبي
صلى الله عليه وسلم - ما حق امرىء بؤمن بالوصية - وفسره
فقال بؤمن بأنها حق. وقال فيه سليمان بن موسى، عن نافع ،
إنه يحدثه عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : لا ينبغى لأحد عنده مال يومي فيه ان يأتي عليه ليلتان
أولا عنده وصيته .
وكذلك قال فيه عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن
عمر ، عن نافع، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
قال ما حق امرىء يبيت وعنده مال يومي فيه إلا ووصيته مكتوبة
عنده. وقد مضى في باب ثور بن زيد نفسير المال (1)، وقول
من قال مال، أولى عندى من قول من قال شيء، لان الشيء
قليل المال وكثيره .
وقد أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا اليسير
التافه من المال ، أنه لا يندب الى الوصية . وقال ابن عون من
نافع، عن ابن عمر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل
لامرىٍ مسلم له مال بوصى فيه - الحديث. هكذا - قال : لا يحل،
ولم يتابع على هذه اللفظة - والله أعلم .
1) انظر ح 4/2
291

ففي هذا الحديث الحض على الوصية والتأكيد في ذلك ،
وهذا على الندب لا على الايجاب عند الجميع ، لا يختلفون في
ذلك؛ وقد أجمع العلماء على أن الوصية غير واجبة على أحد
إلا ان يكون عليه دين، أو تكون عنده وديعة ، او امانة ،
فيوصي بذلك ؛ وفي اجماعهم على هذا، بيان لمعنى الكتاب والسنة
في الوصية ، وقد شذت طائفة فأوجبت الوصية لا يعدون خلافا
على الجمهور ، واحتجوا بظاهر القرآن ، وقالوا المعروف واجب،
كما يجب ترك المنكر ؛ قالوا وواجب على الناس كلهم أن
يكونوا من المتقين .
قال أبو عمر ليس فى كتاب الله ذكر الوصية إلا في
قوله عز وجل «كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك
خيراً الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف، حقا على المتقين، (1)
وهذه الآية نزلت قبل نزول الفرائض والمواريث ، فلما أنزل الله
حكم الوالدين وسائر الوارثين فى القرآن ، نسخ ما كان لهم
من الوصية، وجعل لهم مواريث معلومة على حسبما أحكم من ذلك.
تبارك وتعالى ؛ وقد روى عن ابن عباس، وسعيد بن جبير ،
والحسن، أن آبة المواريث نسخت الوصية (للوالدين والاقربين) (أ)
أ) ما بين القوسين ساقط في ا، ثابت في «، والمعنى يقتضيه
1) الحماية : 180 - سورة البقرة.
293

الوارثين ، وهو مذهب الشافعي ، وأكثر المالكيين ، وجماعة من
أهل العلم ؛ وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه - قال لا
وصية لوارث، (1) وهذا بيان منه صلى الله عليه وسلم أن آبة
المواريث نسخت الوصية للوارثين؛ وأما من أجاز نسخ القرآن
بالسنة من العلماء، فإنهم قالوا هذا الحديث نسخ الوصية للورثة ،
والكلام في نسخ القرآن بالسنة موضع غير هذا؛ ومما يدل على
أن الحديث في الحض على الوصية ندب لا ايجاب، أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم لم يوص مع ما ذكرنا من اجماع
الذين لا يجوز عليهم السهو ، والغلط ، ولا الجهل بمعنى كتاب
الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: حدثنا سعيد بن نصر ،
وعبد الوارث بن سفيان ، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا
محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة ، قال حدثنا
وكيع ؛ وأخبرنا أحمد بن محمد، واحمد بن سعيد ، قالا حدثنا
وهب بن مسرة ، ومحمد بن أبي دليم ، قالا حدثنا محمد بن
وضاح ، قال حدثنا مصعب بن سعيد، قال حدثنا ابن المبارك
جميعا، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، قال قلت
لابن أبى أوفى: أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ؟
قال لا. قلت فكيف (أ) أمر الناس بالوصية؟ فقال أوصى بكتاب
أ) نعيف: ظـ , كيف، !.
١) أخرجه الدارقطني من حديث جابر.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 440/6 .
293

الله (1) واستدل بعض العلماء بقوله عز وجل في آية الوصية
((حقا على المتقين» - على أنها ليست بواجبة، وجعلها مثل قوله
« مناعا بالمعروف حقا على المحسنين،. (2) قال والمعروف هو
التطوع بالاحسان ، والمتقون وغيرهم في الواجب سواء ؛ وروى
الثوري، عن جابر، من الشعبي ، قال - الوصية ليست بواجبة
من شاء أوصى ، ومن شاء لم يوص. وعن ابراهيم ، والربيع بن
خيثم - مثله ، وعليه الناس، وهو قول الجمهور من العلماء؛
واخبرنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر، قال
حدثنا أبو داود ، قال حدثنا مسدد ، ومحمد بن العلاء؛ وحدثنا
عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا
محمد بن عبد السلام ، قال حدثنا محمد بن المثنى ؛ قالوا حدثنا
أبو معاوية، قال حدثنا الاعمش، عن شقيق بن أبى وائل، عن مسروق،
عن عائشة ، قالت : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً،
ولا درهما، ولا شاة ، ولا بعيرا، ولا أوصى بشيء (3).
قال أبو عمر اما تركه صلى الله عليه وسلم الوصية وندبه
أمته إليها ، فإنّه صلى الله عليه وسلم ليس كأحد من أمته في هذا،
لان ما نخلفه هو فصدقة ، قال صلى الله عليه وسلم : إنا لا نورث
1) انظر مصنف ابن أبي شيبة 13 / 308 .
المالية : 288 - سورة البقرة.
انظر سنن أبي داود 101/2.
م

ما تركنا فهو صدقة. واذا كان ما تخلفه صدقة ، فكيف يومي
منه بثلث؟ أو كيف يشبه في ذلك بغيره - وغيره لا تجوز له
الوصية إلا بالثلث - خاصة، وما تخلفه هو صلى الله عليه وسلم بعده
فصدقة كله على ما قال صلى الله عليه وسلم. ووجه آخر وهو
قول الله عز وجل «كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن
ترك خيرا - الوصية للوالدين)». والخير - هنا المال ، لا خلاف
بين أهل العلم في ذلك؛ ومثل قوله عز وجل «إن ترك خيراً».
قوله « وإنه لحب الخير لشديد)). (أ) وقوله « إنى أحببت حب
الخير». (2) وقوله: ((فكاتبوهم ان علمتم فيه خيراً)). (3) (أ)
الخير (ب) في هذه الآيات كلها المال ، وكذلك قوله عز وجل
حاكيا عن شعيب على الله عليه وسلم «إني أراكم بخير» (٤)،
يعني الغنى (ج)، ورسول الله صلى الله ملله وسلم لم يترك
ديناراً ، ولا درهماً، ولا بعيرًاً ولا شاة؛ وقال: ما تركت بعدي
صدقة . وقال إنا معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة .
١) ما بين القوسين ساقط في 4.
ب) والخبر في : ١) والخبر عنا في: ﴿ ..
ج) الغنى، ظ. المال: ١.
1) الآية : 8 سورة الماديات .
2) الآية : 32 - سورة ص.
3) الآية : 33 - سورة النور .
٤) الآية : 84 - سورة هود.
295

وقد مضى تفسير ذلك في باب ابن شهام ، من مروة من
كتابنا هذا (1) - والحمد لله .
٠٠٠.
:
-------- -----------
واختلف السلف في مقدار المال الذي تستحب فيه الوصية،
أو تجب عند من أوجبها ؛ فروى عن علي رضي الله عنه أنه
قال ستمائة درهم، أو سبع مائة درهم، ليس بمال فيه وصية ؛
وروي عنه أنه قال: ألف درهم مال فيه وصية. وهذا
يحتمل لمن شاء، وقال ابن عباس لا وصية فى ثمانمائة
درهم. وقالت عائشة رضي اله منها في امرأة لها أربعة من
الولد ولها ثلاثة آلاف درهم لا وصية في مالها. وقال ابراهيم
النخعي ألف درهم من خمسمائة درهم. وقال قتادة في قوله عز
وجل «إن ترك خيرا الوصية)). قال الخير ألف فما فوقها. وعن
علي بن أبي طالب (قال) (أ) من ترك مالا يسيرا فليدعه لورثته.
فهو افضل ؛ وعن عائشة فیمن ترك ثمانمائة درهم ام بترك خيرا،
فلا يوصىٍ، أو نحو هذا من القول ؛ وهذا كله بدلك على أن
الامر بالوصية فى الكتاب والسنة على الندب لا على الايجاب ،
ولو كانت الوصية واجبة فى الكتاب للوالدين والاقربين، كانت
منسوخة بلية المواريث ؛ ثم ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى الوصية لغير الوالدين وحض عليها، وقال لا وصية لوارث .
فاستقام الامر وبان ، والله المستعان ؛ فالوصية مندوب اليها .
مرغوب فيها ، غير واجب شيءٍ منها .
1) انظر ج 150/9 - 158 .
296

وانفق فقهاء الامصار على أن الوصية جائزة في كل مال -
قل أو اكثر ، وقد مضى القول في الوصية بالثلث ، وأنه لا يتعدى
ولا يتجاوز في الوصية ، وما استحب من ذلك ؛ وتلخيص وجوه
القول فيه مستوعبا في باب ابن شهاب (أ)، عن عامر بن سعد
ابن أبي وقاص - من كتابنا هذا (1)، فلا وجه لاعادة معنا
قرأت على عبد الله بن محمد بن عبد المومن ، أن محمد بن
بكر حدثهم، قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا أحمد بن محمد
المروزي ، قال حدثنا علي بن حسين بن واقد، عن أبيه، من
يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((إن ترك خيراً
الوصية للوالدين والاقربين ، فكانت الوصية كذلك حتى نسختها
آبة الميراث (2). وقرأت على احمد بن قاسم، وعبد الوارث
ابن سفيان ، ان قاسم بن أصبغ حدثهم ، قال حدثنا محمد بن
اسماعيل، قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني معاوية بن
أبي صالح، عن علي بن أبي طلحة، من ابن عباس، قال
وقوله «ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين،. فكان (ب) لا
بوث مح الوالدين غيرهم إلا وصة إن عان للاقربين ، فأنزل
أ) شاب: هـ، هشام: ١ - وهو تحريف.
ب) فعان : ١، وكان : ــ.
1) نفس الجزء ص 875 . 382.
(2) انظر سنن أبي داود 108/2.
297

الله بعد هذا . ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك (1)
إن كان له ولد، فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث (2)».
قبين سبحانه ميراث الوالدين ، واقر وصية الاقربين في ثلث
مال البيت .
قال أبو عمر مذهب مالك وسائر الفقهاء، أن الوصية
نسخت الوارثين خاصة الوالدين منهم والاقربين ، وبقي منها ما
كان لغير الوارثين - والدين كانوا او اقربين ؛ حدثنا عبد
الوارث بن سفيان ، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ ، قال حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة ؛ وحدثنا محمد بن
خليفة ، قال حدثنا محمد بن الحسين ، قال حدثنا جعفر بن محمد
الفريابي (أ) (8) ، قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمان الدمشقي؛
وحدثنا محمد بن عبد الله بن حكم، قال حدثنا محمد بن معاوية.
قال حدثنا اسحق بن أبي حسان ، قال حدثنا هشام بن عمار ؛
وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال
حدثنا أبو داود ، قال حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، قالوا كلهم
حدثنا اسماعيل بن عباس ، من شرحبيل بن مسلم، سمعه يقول
سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه
أ) الفريابي: ظ » القرماني: ١.
١) جملة (مما ترك) ساقطة فى النسختين، والتلاوة باثباتها.
2) الآية : 11 - سورة النساء .
(٤) لله يعنى به ابا بكر جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض
(ت 301 هـ) . انظر اللهاب 427/2 .
298

وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع إن الله قد أعطى عل
في حق حقه، فلا وصية لوارث - اللفظ بحديث ابن أبي شيبة (1).
وأخبرنا محمد بن عبد الملك ، قال حدثنا أحمد بن محمد
ابن زياد بن الاعرابي أبو سعيد، قال حدثنا الحسن بن محمد بن
الصباح الزعفراني ، قال حدثنا يزيد بن هارون ؛ وحدثنا عبد
الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ. قال حدثنا محمد
ابن الجهم، والحرث بن أبى أسامة ، قالا حدثنا عبد الوهاب ،
قال (أ) أخبرنا سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن شهر
ابن حوشب ، عن عبد الرحمان بن غنم، من عمرو بن خارجة،
أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم - وهو على راحلته - فقال
إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، فلا نجوز
وصية لوارث .
وأخبرنا محمد بن خليفة ، قال حدثنا محمد بن الحسن .
قال حدثنا إبراهيم بن الهيثم الناقد ، قال حدثنا أبو معمر القطيعي،
قال حدثنا حجاج، عن ابن جريج ، من عطاء، عن ابن عباس.
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا وصية لوارث إلا
أن يجيزها الورثة .
1) انظر ح !149/١

قال أبو عمر (هذا اجماع من علماء المسلمين، فارتفع فيه
القول، ووجب التسليم)؛ (أ) ولا (ب) خلاف بين العلماء أن الوصية
للاقارب أفضل من الوصية لغيرهم إذا لم يكونوا ورثة ، وكانوا
في حاجة ؛ وكذلك لا خلاف علمته بين العلماء فى جواز وصية
المسلم لقرابته الكفار ، لانهم لا يرثونه ؛ وقد أوصت صفية بنت
حيي لاخ لها يهودي . واختلفوا فيمن أوصى لغير قرابته وترك
قرابته الذين لا يرثون ، فروى عن عمر أنه أوصى لامعات أولاده
لكل واحدة بأربعة آلاف، وروى عن عائشة أنها أوصت لمولاة
لها بأثاث البيت، وروى من سالم مثل ذلك. قال الضحاك: إن
أوصى لغير قرابته فقد ختم عمله بمعصية. وقال طاوس من
أوصى فسمى غير قرابته - وترك قرابته محتاجين ، ردت وصيته
على قرابته . ذكره عبد الرزاق ، عن معمر ، من ابن طاوس،
عن أبيه (1) - وهو مشهور عن طاوس. وروى من الحسن
البصري - مثله ، وقال الحسن أيضا وجابر بن زيد، وسعيد بن
المسيب : إذا أوصى لغير قرابته (وترك قرابته)، (ج) فانه يرد الى
قرابته ثلثي الثلث ويمضي ثلثه لمن اوصى له. (د) : أخبرنا محمد
أ) ما بين القوسين ساقط في ١، وهو ثابت في ظ، والمعنى يقتضيه.
ب) ولا: د، لا١٠.
ج) (وترك قرابته) : ظـ ـ ا
د) له: قا به : ١.
1) انظر ج 11 /149 .
800