Indexed OCR Text
Pages 221-240
أن المدينة قد يظهر فيها . ويعمل بين ظهراني أهلها بما ليس بهنة
وإنما هو بدعة. واحتج قائل هذا القول برواية ملك عن عمه أبي سهيل
ابن ملك عن أبيه ، وكان من كبار التابعين انه قال : ما أعرف شيئا مما
أدركت الناس عليه الا النداء بالصلاة . (10) وقد حكى اسماعيل بن أبي
أويس عن ملك: أنه سئل عما يصنع أهل المدينة ومكة من اخراج امائهم
عراة متزرات وأبدانهن ظاهرة وصدورهن ، وعما يصنع تجارهم من عرض
جواريهم للبيع على تلك الحال ؟ فكرهه كراهية شديدة ، ونهى عنه .
وقال : ليس ذلك من أمر من مضى من أهل الفقه والخير . ولا أمر من
يفتي من أهل الفقه والخير ، وانما هو من عمل من لاورع له من الناس .
وقال أنس بن عياض (11): سمعت هشام بن عروة يقول : لما اتخذ عروة
قصره بالعقيق . (12) عوتب في ذلك . وقيل له جفوت عن مسجد رسول
10) رواه المؤلف في كتاب العلم. قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد حدثنا على بن
عبد العزيز. حدثنا القعنبي عن مالك به.
11) في احدى النسختين : انس بن مالك. وهو خطأ والصواب : ماهنا. وأنس بن عياض
مدني. ثقة. روى له الستة. أثنى عليه مالك كثيراً. وقال : لكنه أحمق. يدفع كتبه لهؤلاء
العراقيين. يعنى فيروونها عنه من غير سماع. وربما أدخلو فيها ما ليس من حديثه. ولذا
قال عنه مروان وقد وثقه: كانت فيه غفلة الشاميين. كان يعرض كتبه على الناس. ولد
سنة 104 وتوفى سنة 200 وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأينا أسمح بعلمه منه.
12) العقيق بوزن أمير. مكان قرب النقيع بينه وبين المدينة ميلان أو ثلاثة فيه نخيل وماء.
روى البخاري عن ابن عباس أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول: سمعت النبي صلى الله
عليه وسلم بوادي العقيق يقول «أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا
الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة " وفي معجم الطبراني الكبير بإسناد حسن
عن سلمة بن الأكوع قال: كنت أصيد الوحش وأهدي لحمها الى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ففقدني فقال («سلمة أين تكون)» ؟)) فقلت بعد على العميد يارسول الله
فإنما أحيد بصدر قناة من نحو ثبيب فقال ((أما لو كنت تصيد بالعقيق، لشيعتك
اذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت فإني أحب العقيق".
221
الله صلى الله عليه وسلم. فقال: إني رأيت مساجد كم لاهية. وأسواقكم
لا غية. والفاحشة في فجاجكم عالية. فكان فيما هنالك عما أنتم فيه عافية
، ثم قال : ومن بقي؟ إنما بقي شامت بنكية أو حاسد على نعمة. قالوا :
فهذا عروة يخبر عن المدينة بما ذكرنا . فكيف يحتج بشيء من عمل
أهلها لادليل عليه ؟
قال أبو عمر :
والذي أقول به : أن مالكا رحمه الله انما يحتج في موطئه وغيره
بعمل أهل المدينة . يريد بذلك عمل العلماء والخيار والفضلاء لاعمل
العامة الوداء ) (13) وقد ذكرنا هذا الخبر ومثله في موضعه من كتابنا
كتاب العلم باسناده ، فأغنى عن إعادته هاهنا . حديث مالك (14) عن
ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة : أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال ((من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له
ما تقدم من ذنبه)» ليس عند يحيى عن ملك . وقد ذكرنا طرق هذا
الحديث في باب ابن شهاب عن أبي سلمة.
13) ما بين القوسين. موجود في إحدى النختين. وهي: ج .
14) رواه البخاري قال : حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك به فالحديث بهذا الاسناد
يوجد في موطأ عبد الله بن يوسف التنيسي المصري.
222
حديث سادس لابن شهاب عن حميد، شركه فيه محمد
ابن النعمان بن بشير.
ملك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف وعن
محمد بن النعمان بن بشير يحدثانه عن النعمان بن بشير: أن أباه أتى ..
به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال، اني نحلت ابني هذا غلاما
كان لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أكل ولدك نحلته مثل
هذا » قال : لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فارجعه)». (1)
قال صاحب كتاب العين : النحل والنحلة العطاء بلا استعاضة، ونحل
المرأة مهرها. وقال أبو عبيدة : صدقاتهن مهورهن عن طيب نفس منكم.
وقال غيره: نحلة أى هبة من الله يعني أن المهور هبة من الله للنساء.
وفريضة عليكم. وهكذا روى هذا الحديث جماعة من أصحاب ابن شهاب
بهذا الاسناد. وهذا المعنى ، كلهم يقول فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال له «فارجعه)» ور بما قال بعضهم «فاردده» ولفظ حديث ابن شهاب
هذا قوله ((فارجعه)) قد تابعه عليه هشام بن عروة عن أبيه عن النعمان
٦) رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي. وملم عن يحيى كلاهما عن مالك.
ورواه النسائي عن محمد بن سلمة والحارث بن مكين عن ابن القاسم عن مالك. وهذا
الطريق هو المحفوظ ورواه النسائي من طريق الأوزاعي عن الزهري أن محمد بن
النعمان وحميد بن عبد الرحمن حدثاه عن بشير بن سعد. فجعله من مند بشير والد
النعمان. قال الحافظ : فشذ بذلك والمحفوظ أنه عنهما عن النعمان اه قلت، قد رواه
النسائي من طريق الأوزاعي أيضا عن الزهري عن حميد ومحمد بن النعمان . كالجادة .
ورواه مسلم من طريق ابن عيينة والليث بن سعد ويونس ومعمر كلهم عن الزهري
بالاسناد المحفوظ. ثم قال مسلم، ورواية الليث عن محمد بن النعمان وحميد بن عبد
الرحمن : أن بشيراً جاء بالنعمان. قلت، لكن الليث في الزهري دون مالك.
223
ابن بشير. على اختلاف عن هشام في ذلك . وهذا حديث قد رواه جماعة
عن النعمان بن بشير، منهم الشعبي وغيره بألفاظ مختلفة توجب أحكاما
سنذكرها في هذا الباب ان شاء الله.
فأما حديث عروة بن الزبير فحدثناه عبد الله بن محمد بن عبد
المومن، قال : حدثنا (محمد (2) بن بكر التمار قال حدثنا أبو داود قال
حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا) جزير عن هشام بن عروة عن
أبيه قال : حدثني النعمان بن بشير. قال : أعطاه أبوه غلاما . قال له
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا الغلام؟ قال: غلام أعطانيه أبي.
قال ((أفكل اخوتك أعطاهم كما أعطاك؟» قال: لا. قال «فاردده»
ففي هذا الخبر ، أنه خاطب بهذا القول النعمان بن بشير. (3) وفي
حديث ابن شهاب أنه خاطب بذلك أباه بشيرا المعطى . وهو الأكثر
والأشهر. حدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا أحمد (بن محمد) (2) بن
زياد. قال : حدثنا سعد ان بن نصر. قال : حدثنا أبو معاوية، عن هشام
ابن عروة عن أبيه عن النعمان بن بشير: أن أباه نحله نحلا، فقالت أمه:
أشهد عليه لا بني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتى النبي صلى الله
عليه وسلم ، فذكر ذلك له، فقال «أكل ولدك أعطيته مثل ما أعطيت
هذا ؟» قال : لا. قال: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشهد له.
(4) ورواه سعد بن ابرهيم . فخالفه في هذه اللفظة. قرأت على عبد
الوارث أن قاسم بن أصبغ حدثهم . قال : حدثنا أبو قلابة قال حدثنا عبد
2) ما بين القوسين زيادة من ، ج.
{) وهكذا هو في صحيح مسلم كرواية أبي داود هنا.
4) رواه الثاني من طريق أبي معاوية عن هشام به.
٠٠
224
الصمد قال حدثنا شعبة عن سعد بن ابرهيم عن عروة بن الزبير عن
النعمان بن بشير، أن أباه نحله نحلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم
ليشهده. فقال «أكل بنيك أعطيت مثل هذا» قال لا. فأبى أن
يشهد (5) له. وفي هذا الحديث من الفقه جواز العطية من الآباء للأبناء
(وهذا في صحة الا باء) (6) لان فعل المريض في ماله وصية. والوصية
للوارث باطلة. وهذا أمر مجتمع عليه. يستغنى عن القول فيه. وقد بينا
هذا المعنى في باب ابن شهاب عن عامر بن سعد.
وفيه التسوية بين الأبناء في العطاء. لقوله «أكل ولدك أعطية
مثل هذا؟)). واختلف الفقهاء في هذا المعنى : هل هو على الا يجاب أو
على الندب ؟ فأما ملك والليث والثورى والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه
فأجازوا أن يخص بعض ولده دون بعض بالنحلة والعطية على كراهية
من بعضهم. على ما يأتي من أقاويلهم في هذا الباب. والتسوية أحب الى
جميعهم. وكان ملك يقول: انما معنى هذا الحديث الذى جاء فيه. فيمن
نحل بعض ولده ماله كله. قال: وقد نحل أبو بكر رضي الله عنه عائشة
دون سائر ولده، حكى ذلك عنه ابن القاسم (وأشهب ) (6) وقال
الشافعي: ترك التفضيل في عطية الأبناء. فيه حسن الأدب ويجوز له
5) لكن رواه النسائي من طريق شعبة عن سعد بن ابراهيم عن عروة عن مشير أنه نحل
ابنه غلاما. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يشهد النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال (« أكل ولدك نحلته مثل ذا ؟)) قال لا قال ((فاردده)) ورواه أيضاً من طريق
عبد الله بن المبارك عن هشام بن عروة عن أبيه. أن مشيرا أتى الني صلى الله عليه
وسلم فقال
يأنبي الله نحلت النعمان نحلة، قال ((أعطيت لإخوته ؟» قال لا قال
٠فاردده»
(6) ما بين القوسين مزيد من ج
225
التمهيد ج٧
ذلك في الحكم. قال: وله أن يرجع فيما وهب لابنه. لقول النبي صلى
الله صلى وسلم ((فارجعه)) (7). واستدل الشافعي بأن هذا الحديث
على الندب. بنحو ما استدل به ملك رحمه الله. من عطية أبي بكر
عائشة. (8) وبما رواه داود بن أبي عند عن الشعبي عن النعمان بن
بشير، قال: تحلني أبي نحلا. وانطلق بي الى النبي صلى الله عليه وسلم
ليشهده على ذلك. فقال («أكل ولدك نحلته مثل هذا؟)) فقال: لا. قال
(( أيسرك أن يكونوا لك في البر كلهم سواء؟)) قال: نعم. قال
(«فاشهد على هذا غيري» (9) قال: وهذا يدل على صحة الهبة. لانه لم
7) الاستدلال بهذه اللفظة على جواز رجوع الوالد فيما يهب لولده غير ظاهر. والظاهر : أنه
إنما أمره بالرجوع. لأن الهية كانت جوراً لاتصح فيجب الرجوع فيها لذلك لالكونه
واليا. هذا ما يفيده سياق الحديث ومجموع ألفاظ رواياته.
هذا لا يدل على أن الأمر في الحديث للندب وذلك لوجهين.
(8
1 - أن أبا بكر رضي الله عنه لم يبلغه الحديث كما لم تبلغه أحاديث رواها
صغار الصحابة.
2 - تقرر في علم الأصول، أن الأمر حقيقة في الوجوب ولا يصرف عنه للندب
الا بقرينة. والقرينة إنما تكون من الشارع. لأن المتكلم هو الذي ينصب التمرينة على
مراده من كلامه لا غيره. واذن فعل أبي بكر رضي الله عنه. لا يكون قرينة على أن
الأمر في الحديث للنعب.
على أن عروة بن الزبير أجاب عن فعل أبي بكر رضي الله عنه . بأن إخوة
عائشة رضي الله عنها كانوا راضين بتلك الهبة. بل يمكن أن نأخذ من استرجاع أبي
بكر هيته عند موته أنه كان يرى وجوب التسوية بين الأولاد في الهبة لأنه لم
يسترجعها مع رضا أولاده بها الا لأجل الحمل الذي تركه في بطن أمرأته ورضاه غير
معلوم.
9) رواه مسلم من هذا الطريق ولفظه، «أكل بنيك قد فحلت مثل ما نحلت النعمان
· قال: لا. قال ((فأشهد على هذا غيري)» ثم قال. « أيسرك أن يكونوا اليك في
البر سواء؟)) قال: بلى. قال (( فلا اذن))
226
يأمره بردها. وانما أمره بتأكيدها باشهاد غيره عليها. (10) وانما لم يشهد
عليه السلام (عليها ) (6) لتقصيره عن أولى الاشياء به. وتركه الأفضل.
وقال الثورى: لا بأس أن يخص الرجل بعض ولده بما شاء وقال أبو
يوسف، لا بأس بذلك اذا لم يرد الاضرار. وينبغي أن يوى بينهما
الذكر والانثى سواء. وقد روى عن الثورى: أنه كره أن يفضل الرجل
بعض ولده على بعض في العطية. وكره عبد الله بن المبارك وأحمد بن
حنبل: أن يفضل بعض ولده على بعض فى العطايا وكان اسحاق يقول
مثل هذا. ثم رجع الى مثل قول الشافعي. وكل هؤلاء يقول: ان فعل ذلك
أحد نفذ. ولم يرد. واختلف في ذلك عن احمد بن حنبل. وأصح شيء
عنه في ذلك ما ذكره الخرقي (11) في مختصره عنه. قال: واذا فاضل
بين ولده في العطية أمر برده. كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فان فات ولم يردده فقد ثبت لمن وهب له اذا كان ذلك في صحته. وقال
طاوس: لا يجوز لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض. فان فعل لم
ينفذ وفخ. وبه قال أهل الظاهر. منهم داود وغيره. وروى عن أحمد بن
حنبل مثله.
10) في هذا التأويل تكلف والواقع أن الأمر باشهاد غيره تهديد مثل ((إذا لم تستحي
فاصنع ماشئت)» والدليل على ذلك أمور
1 - من المعلوم بالضرورة: أنه لا أحد من المسلمين يشهد على أمر يعلم أن الني
صلى الله عليه وسلم امتنع من الشهادة عليه.
2 - أن النبي صلى الله عليه وسلم بين الشير أن الهبة يجب أن تكون بين الأولاد
بالتساوي كما أن المر يجب عليهم بالتساوي وهذا قياس جلى
3 - أن النبي صلى الله عليه وسلم بهاء عن تنفيذ الهبة بقوله " فلا اذن » والنهي
يقتصى الفاد لذلك ردها شير ولم يعدها
(١) الحرقي بكسر الخاء وفتح الراء وهو أبو القاسم عمر بن الحسين ى عد
الله س
أحمد الخرقي شيح الحاملة توفى دمشق سنة 134
227
وحجتهم في ذلك حديث (مالك عن) (12) ابن شهاب المذكور في
هذا الباب . قوله «فارجعه» حملوه على الوجوب. وأبطلوا عطية الأب
لبعض ولده دون بعض. لقوله صلى الله عليه وسلم «فارجعه)) ولقوله في
حديث جابر في هذه القصة ((هذا لا يصلح ولا أشهد الا على حق».
قالوا : وما لم يكن حقا، فهو باطل، وقد قال بعضهم في هذا الحديث عن
النعمان (هذا جور ولا أشهد على جور)» ونحو هذا مما احتج به أهل
الظاهر. أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن قال : حدثنا محمد
(13) بن جعفر بن حمدان. قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل .
قال : حدثني أبي. قال : حدثنا يعلى. (14) قال : حدثنا أبو حباب (15)
عن الشعبي عن النعمان بن بشير بهذا الحديث. قال : فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((يا بشير ألك ابن غير هذا ؟)) قال: نعم ، قال
((فوهبت له مثل الذى وهبت لهذا ؟)) قال: لا . قال «فلا تشهدني
على جور)» قال أحمد : وثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد.
عن حاجب بن الفضل (16) بن المهلب عن ابيه. قال : سمعت النعمان
12) ما بين القوسين. مزيد من ج.
13) كذا في م . وفي ح : أحمد. وهو الصواب.
14) كذا في ج وم. وفي المسند ج 4 ص 268 : حدثني أبو يعلى.
وهو محمد بن الصلت التوزي. بفتح التاء وتشديد الواو. نسبة الى توز بلد بفارس.
توفى سنة 228.
15) كذا في م. وفي ج: ابو حيان. وهو الصواب. واسمه يحيى بن سعيد بن حيان التيفي
الكوفي العابد توفى سنة 145.
16) كذا في م. وفي ج: المفضل. وكذا هو في المسند ج 4 ص 275 والمفضل هذا. ولاء
سليمان بن عبد الملك جند فلسطين. وولاه الحجاج على خراسان، بعد عزل أخيه يزيد
ابن المهلب. فمكث سبعة أشهر. وغزا باذغيس فظفر وغنم ولما قتل يزيد. بعث مسلمة
ابن عبد الملك في طلب آل المهلب، فهرب المفضل واخوته الى سجستان (الأفغان)
228
ـن بشير يخطب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اعد لوا
عين أبنائكم» (17) حملوا هذا على الوجوب.
وحدثني محمد بن ابرهيم بن سعيد. (18) قال : حدثنا أحمد بن
مطرف بن عبد الرحمن. قال حدثنا سعيد بن عثمان. (19) قال : حدثنا
اسحاق بن اسماعيل الأيلي. قال .. حدثنا سفيان بن عيينة. عن ابن أبي
نجيح. عن طاوس قال: كان إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده.
يقرأ ( أفحكم الجاهلية يبغون ). (20)
قال: سفيان ونقلت (21) عن طاوس أنه قال : لا يجوز للرجل أن
يفضل بعض ولده ولو كان رغيفا محترقا وبهذا الاسناد عن سفيان عن
فلحقه الطلب هناك . وحصل قتال فقتل سنة 102 ذكره ابن حبان في الثقات وأبنه
حاجب بن المفضل. كان عامل عمر بن عبد العزيز على عيان وثقه ابن معين. وذكره
ابن حبان في الثقات روى له أبو داود والنائي هذا الحديث. كما رواه أحمد. وليس له
ولا لأ بيه في الكتب الستة غير هذا الحديث ووقع في سنن النسائي: جابر بن
المفضل. وهو خطأ
17) في ج: ((اعدلوا بين أبنائكم اعدلوا بين أبنائكم. وكذا هو في المسند وسنن
أبي داود والنسائي. وحمل الأمر على الوجوب. هو المقرر في علم الأصول وتكرير
الأمر هنا. يدل على تأكيد الوجوب
18) كذا في م . وفي ج: سعد.
19) هو أبو علي بن السكن البغدادي. نزيل مصر ولد سنة 294 وتوفى سنة 353. قال
الذهبي ووقع كتابه الصحيح المنتقى الى أهل الأندلس، وشيخه الحق من المعيل
الأيلى. روى عنه النسائي وابن ماجه وابن وارة وقال اس أبي حاتم في الحرح
والتعديل كتب إلينا. ولم يذكر فيه توثيقا وهو ثقة على طريقة اس حماس قال اس
يوم تومى بأيلة مي دي الحجة سنة 208
20) ابة 50 سورة المائدة
؛ كدا في م ومي ح. وسنت وهو الصواب
229
ملك بن مغول (22) عن أبي معشر الكوفي. قال : قال ابرهيم : كانوا
يحبون أن يسووا بينهم حتى في القبلة. (23)
قال أبو عمر :
أكثر الفقهاء على أن معنى هذا الحديث الندب الى الخير والبر
والفضل. لا أن ذلك واجب فرضا أن لا يعطى الرجل بعض ولده دون
بعض. على ماذهب اليه أهل الظاهر. والدليل على أن ذلك (كذلك) على
الندب لا على الايجاب مما احتج به الشافعي وغيره : اجماع العلماء
على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده . فإذا جاز أن يخرج (جميع
(24) ولده عن ماله، جاز له أن يخرج) عن ذلك بعضهم. وأما قصة
النعمان بن بشير هذه . فقد روى في حديثه ألفاظ مختلفة. أكثرها تدل
على أن ذلك على الندب لا على الايجاب. منها ما رواه داود ابن أبي
22) مغول بكسر الميم وسكون الغين وفتح الواو. ومالك بن مغول الكوفي ثقة ثبت. عابد
صالح. احتج به الستة. توفى سنة 159. وشيخه أبو معشر الكوفي. اسمه زياد بن كليب
التميمي الحنظلي. ثقة. روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. توفى سنة 120.
23) روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال : أخبرني من لا أتهم ، أن النبي صلى الله عليه
وسلم دعاه رجل من الأنصار. فجاء ابن له. فقبله وضمه. وأجله إليه. ثم جاءت ابنة له.
فأخذ بيدها فأجلها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « لو عدلت كان خيراً لك قاربوا
بين أبنائكم ولو في القبل . ورواه البزار عن أنس أن رجلا كان عند النبي صلى الله
عليه وسلم. فجاء ابن له. فقبله وأجله على فخذه. وجاءته ابنة له. فأجلها بين يديه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ألاسويت بينهما)) رجال اسناده ثقات الا أن البزار
قال : حدثنا بعض أصحابنا. ولم يسمه.
24) هذا أحد الأجوبة عن حديث النعمان. وحاصله: قياس جواز تخصيص الأب بعض ولده
بالهبة، واخراج بعضهم منها. على جواز حرمان بعض الأولاد من الهبة. بإعطائها لغيرهم.
والفرع جواز حرمان بعض الأولاد من الهبة. بإعطائها لبعضهم، قال الحافظ ابن حجر في
فتح الباري ، ولا يخفى ضعفه. لأنه قياس مع وجود النص اهـ أي فيكون فاد الاعتبار.
كما تقرر في الأصول.
230
هند عن الشعبي عنه. مما قد منا ذكره. ورواية حصين عن الشعبي في
هذا الحديث نحو ذلك.
حدثنا عبد الله بن محمد بن راشد (25) قال : حدثنا سعيد بن
عثمان بن السكن. قال : حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخارى قال
حدثنا حامد بن عمر. قال ، حدثنا أبو عوانة عن حصين عن عامر. قال :
سمعت النعمان بن بشير وهو على المنبر. يقول : أعطاني أبي عطية.
فقالت عمرة بنت رواحة : لا أرضى حتى تشهد رسول الله. فأتى رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ان ابني من عمرة ابنة رواحة أعطيته.
فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله . قال «أعطيت سائر ولدك مثل
هذا)» قال : لا. قال «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» قال : فرجع
فرد عطيته فلم يذكر في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أمره أن يرجع في عطيته وإنما فيه رجع فرد عطيته (26). وأخبرني
عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن. قال : حدثنا محمد بن بكر التمار
البصرى بالبصرة، قال : حدثنا أبو داود. قال ، حدثنا أحمد بن حنبل.
قال : حدثنا هشيم. قال : حدثنا سيار ومغيرة وداود ومجالد واسماعيل بن
سالم عن الشعبي عن النعمان بن بشير، قال: نحلني أبي نلا. قال
اسماعيل بن سالم من بين القوم نحلة غلاما له. قال : فقالت له أمى عمرة
بنت رواحة: انت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشهده. قال: فأتى
25) كذا في م. وفي ج. أد. وهو الصواب. وابن أسد. هذا قرطبي. من شيوخ المؤلف، أخذ
عن ابن السكن بمصر
(26) لأنه فهم أن نحلته باطلة. وصاحب القصة أولى بأن يتبع فهمه لأنه أدرى بظروفها
وملابساتها. ورواه البخاري من طريق الشعبي أيضاً بلفظ قال ((لا أشهد على جور)"
وكذا عند مسلم من طريق الشعبي أيضا والجور في عرف الشرع معناه الظلم. وهو حرام
231
النبي صلى الله عليه وسلم. فذكر ذلك له، فقال: إني نحلت ابني
النعمان. نحلا. وإن عمرة سألتني أن أشهدك على ذلك. فقال «ألك ولد
سواه )) قلت نعم. قال «فكلهم أعطيته مثل ما أعطيت النعمان؟))
قال: قلت لا. قال هشيم. قال بعض هؤلاء المحدثين: ((هذا جور)) وقال
بعضهم: «هذه (27) تلجئة فأشهد على هذا غيرى» ، وقال المغيرة
فى حديثه «أليس يسرك أن يكونوا في البر واللطف سواءا ؟))
قال: نعم . قال ((فأشهد على هذا غيرى». وذكر مجالد في حديثه
((إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم كما أن لك عليهم من
الحق أن يبروك)». وحدثنا عبد الله بن محمد. حدثنا ابن حمدان.
حدثنا عبد الله بن أحمد حدثنا أبي حدثنا يحيى بن سعيد، عن مجالد.
قال : حدثنا عامر. قال سمعت النعمان بن بشير بهذا الحديث. قال
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ان لبنيك عليك من الحق أن
تعدل بينهم فلا تشهدني على جور» فهذه الألفاظ كلها مع قوله
(أشهد على هذا غيرى)) دليل واضح على جواز العطية. وأما رواية من
روى عن الشعبي عن النعمان بن بشير في هذا الحديث («أكل ولدك
أعطيته؟)) قال: لا. قال ((فاني لا أشهد الا على حق)) وكذلك رواية
جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة النعمان بن بشير هذه.
فيحتمل أن لا يكون مخالفا لما تقدم . لاحتما له أن يكون أراد الحق
الذي لا تقصير فيه عن أعلى مراتب الحق. وان كان مادونه حقا.
(27) تلجئة. من الإلجاء وهو الإكراه. والمعنى أن أم النعمان الجات زوجها أن يخص ابنه
منها بعطية. ويشهد عليها النبي صلى الله عليه وسلم ..
232
فصح بهذا كله مذهب سلك والثورى والشافعي ومن قال بقولهم فيّ
استحباب ترك التفضيل بين الأبناء في العطية. وأمضائه اذا وقع. لأن
غاية ما في ذلك ترك الأفضل. كما لو أعطى لغير رحمه. وترك رحمه.
كان مقصرا عن الحق. وتاركا للأفضل. ونفذ مع ذلك فعله. على أن
حديث جابر. يدل على أن مشاورة بشير بن سعد. لرسول الله صلى الله
عليه وسلم في هذه القصة. (28) انما كانت قبل الهبة. قدله رسول الله
صلى الله عليه وسلم على الأولى به والأوكد عليه، ومافيه الفضل له.
وحديث جابر هذا حدثنيه سعيد بن نصر قال: حدثنا قاسم بن أصبغ
قال: حدثنا ابن وضاح. قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا
احمد بن عبد الله. قال: حدثنا زهير. قال: حدثنا أبو الزبير عن جابر.
قال: قالت امرأة بشير انحل ابنك غلاما. وأشهد لي رسول الله صلى الله
عليه وسلم. قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال .. ان ابنة
فلان سألتني أن انحل ابنها غلاما، وقالت: أشهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم. فقال («اله اخوة؟» قال نعم، قال «وكلهم أعطيته)» فقال: لا. فقال:
((ليس يصلح هذا واني لا أشهد الاعلى حق)». وذكر الطحاوى هذا
الخبر. ثم قال: حديث جابر. أولى من حديث النعمان بن بشير. لأن
جابرا أحفظ لهذا المعنى وأضبط له. لأن النعمان كان صغيراً (29) قال
28) ذكره الطحاوي. ورده الحافظ ابن حجر بأن في أكثر الطرق ما ينابذه اهـ ومن تأمل
ألفاظ الحديث في الصحيحين وغيرهما وجدها مريحة في أن بشيراً حصلت منه الهبة.
قبل مجيئه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهد عليها. بطلب من زوجه. وحديث
الترجمة صريح في ذلك أيضاً.
29) هذا تعليل غير صحيح لأن النعمان وإن كان صغيرا. هو صاحب القصة. ونسبه ورد
الحديث ولو لم يحفظه، لما حدث به على منبر الكوفة. أمام ملامن الناس. وهو أتقى
لله من أن يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديث لم بحفظه، ولم بتقن ضبطه.
233
وفي حديث جابر: أن بشير بن سعد. ذكر ذلك لرسول الله صلى الله
عليه وسلم قبل أن يهب فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأجمل
الأمور وأولاها. وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديثنا المذكور في
هذا الباب «أكل ولدك نحلته مثل هذا» فان العلماء مجمعون على
استحباب التسوية في العطية بين الأبناء. الا ماذكرنا عن أهل الظاهر.
من ايجاب ذلك. ومع اجماع الفقهاء على ما ذكرنا من استحبابهم. فانهم
اختلفوا في كيفية التسوية بين الأبناء في العطية. فقال منهم قائلون:
التسوية بينهم أن يعطى الذكر. مثل ما يعطى الأنثى. وممن قال بذلك
سفيان الثوري وابن المبارك قال ابن المبارك الا ترى الحديث يروى
(30) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((سووا بين أولادكم فلو
كنت مؤثرا أحدا آثرت النساء على الرجال». وقال آخرون: التسوية
أن يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين. قياسا على قسم الله الميراث بينهم.
فاذا قم في الحياة، قم بحكم الله عز وجل. وممن قال هذا القول عطاء
ابن أبي رباح. رواه ابن جريج عنه، وهو قول محمد بن الحسن، واليه
والعبرة عند المحدثين بوقت الأداء. لا بوقت التحمل. فمتى كان الراوي حين الرواية
عد لاضابطا قبلت روايته ولو كان حين التحمل صغيراً أو كافراً أو فاسقاً لأن عدالته
الآن تمنعه من رواية مالم يحسن حفظه. أو لم يتقن ضبطه.
وفي كتب الصحاح وغيرها أحاديث عن كثير من الصحابة. سمعوها حال صفرهم
أو كفرهم، ثم أدوها بعد أن كبروا أو أسلموا.
30) رواه سعيد بن منصور والطبراني والبيهقي من حديث ابن عباس رووه كلهم من طريق
سعيد بن يوسف عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس به. لكن ليس فيه
كلمة (( على الرجال)) سعيد بن يوسف هو الرحبى الصنعاني من صنعاء دمشق، ضعفه
أحمد وابن معين والنسائي وذكره ابن حبان في الثقات واقتصر الحافظ ابن حجر في
التلخيص على تضعيفه. وقال في فتح الباري: سنده حسن. وكأنه اعتمد توثيق ابن حبان
لعيد.
234
ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. ولا أحفظ لملك في هذه
المسألة قولا.
وأما قوله ((فإرجعه)» ففيه دليل على أن للأب أن يرجع فيما وهب
لابنه. على ظاهر حديث ابن شهاب وغيره. وهذا المعنى قد اختلف فيه
الفقهاء، فذهب ملك وأهل المدينة، أن للأب أن يعتصر ما وهب لا بنه.
ومعنى الاعتصار عندهم : الرجوع في الهبة. وليس ذلك لغير الأب عندهم.
وإنما ذلك للأب وحده. وللأم أيضا أن وهبت لا بنها شيئا وأبوه حى ، أن
ترجع. فإن كان يتيما، لم يكن لها الرجوع فيما وهبت له. لأن الهبة
لليتيم كالصدقة التي لا رجوع فيها لأحد. فإن وهبت لابنها وأبوه حى.
ثم مات وأرادت أن ترجع في هبتها تلك. فقد اختلف أصحاب ملك في
ذلك. والمشهور من المذهب أنها لا ترجع. وأما الأب فله أن يرجع أبدا
في هبته لا بته. هذا اذا كان الولد الموهوب له. لم يتحدث دينا يداينه
الناس ويأمنونه عليه من أجل تلك الهبة أو ينكح. فاذا تداين أو نكح لم
يكن للأب حينئذ الرجوع فيما وهب له. وهذا إنما يكون في الهبة.
فان كانت صدقة. لم يكن له فيها رجوع. لأن الصدقة انما يراد بها وجه
الله. فلا رجوع لأحد فيها. أبا كان أو غيره. وقول ملك في الهبة للثواب
أن الواهب على هبته اذا أراد بها الثواب حتى يثاب منها. أبا كان أو
غيره الا أن تتغير بزيادة أو نقصان عند الموهوب له أو تهلك. فان كان
ذلك . وطلب الواهب الثواب فانما له قيمتها يوم قبضها. وكان اسحاق بن
راهويه يذهب الى هذا. وكان ملك يذهب الى أن قول رسول الله صلى
الله عليه وسلم في حديثه في هذا الباب «فارجعه» أمر ايجاب لا ندب
وكان يقول ، انما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. لأنه نحله
235
من بين سائر بنيه ماله كله. ولم يكن له مال غير ذلك العبد. حكى
ذلك أشهب عن ملك. (31) قال أشهب فقيل لملك فاذا لم يكن للناحل
مال غيره ايرتجعه بعد النحلة ؟ فقال : ان ذلك ليقال. وقد قضيٍ
به عندنا. بالمدينة. وقال غير ملك : لا يعرف ما ذكره ملك من أن
بشيرا لم يكن له مال غير ذلك العبد . قال ، وإنما أمره رسول الله صلى
الله عليه وسلم برد تلك العطية. من أجل ما يولد ذلك من العداوة بين
البنين. (32) وربما أبغضوا أباهم على ذلك فكره ذلك رسول الله صلى
الله عليه وسلم لا من جهة التحريم. قال ، ولو كان ذلك حراما. مانحل
أبو بكر عائشة من بين سائر ولده. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثورى
وأكثر العراقيين . . من وهب هبة لذى رحم ولدا كان أو غيره. فلا رجوع
له فيها. لأنها والصدقة سواء اذا أراد بها صلة الرحم. وهو قول اسحاق بن
راهويه في مراعاة الرحم المحرم، وأنه لا يعتصر ولا يرجع من وهب
هبة لذى رحم محرم، وانها كالصدقة لله . لا يرجع في شيء منها.
وجملة قول الكوفيين : أنهم قالوا، من وهب لولده هبة مقسومة
معلومة. فان كان الولد صغيرا غلاما أو جارية، فالهبة له جائزة. وليس
31) قال القرطبي في شرح ملم، ومن أبعد التأويلات أن النهي إنما يتناول من وهب
جميع ماله. لبعض ولده، كما ذهب إليه سحنون. وكأنه لم يسمع في نفس هذا الحديث
أن الموهوب كان غلاماً، وأنه وهبه له. لما سألته الأم الهبة من بعض ماله وهذا يعلم منه
على القطع أنه كان له مال غيره اهـ .
32) فيحصل تقاطع بينهم، وعقوق والدهم، وهما محرمان . وما أدى الى الحرام. يكون حراماً.
فتفضيل بعض الأولاد في العطية حرام. وهذا هو الصواب. ومن أصول مذهب مالك الأخذ
بد الذرائع. وهذا منها. وتقرر في الأصول ، أن وسيلة الواجب واجبة والتسوية بين
الأولاد في العطية. وسيلة الى أكبر الواجب عليهم. فتكون واحبة وروى الطبراني في
الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أعينوا أولادكم على
البر من شاء استخرج العقوق من ولده ».
236
٠٩٧
للوالد أن يرجع في ذلك ولا يعتصره. وإن كان الولد كبيرا لم تجز الهبة
حتى يقبضها الولد، فإذا قبضها فهي له جائزة وليس للوالد أن يرجع
فيها. ولا يعتصرها. قالوا، وكذلك النحل والصدقة. والزوجان عندهم فيما
يهب بعضهما لبعض كذى الرحم المحرم. لا يجوز لأحدهما أن يرجع في
شيء مما أعطى صاحبه. ومن حجتهم فيما ذهبوا اليه من ذلك ما رواه
ملك عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف (33) المرى عن
مروان بن الحكم ، أن عمر بن الخطاب. قال: من وهب هبة يرى أنه أراد
بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها اذا لم يرض منها . وروى الأسود
(34) عن عمر نحو حديث مروان هذا. فيمن وهب لصلة رحم أو قرابة.
وليس في حديث عمر ذكر الزوجين. وقولهم في الهبة للثواب. انها جائزة
على نحو ما قاله ملك. إلا أنها أن زادت عند الموهوب له للثواب أو
نقصت أو هلكت لم يكن فيها رجوع عندهم، وهو قول الثوري. وهبة
المشاع. عندهم غير صحيحة، لأن الهبة لا تصح الا بالقبض ولا سبيل الى
قبض المشاع. فيما زعموا ولو قبض الجميع. لم يكن قبضا عندهم، وانما
33) غطفان. بفتحات. وطريف بفتح الطاء المهملة وأبو غطفان اسمه سعد. وهو ثقة.
34) قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن ابراهيم عن الأسود قال:
قال عمر بن الخطاب ، من وهب هبة الذى رحم، فهو جائز. ومن وهب هبة لغير ذي
رحم. فهو أحق بها مالم يثب عليها. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ١ من
المسيب قال : قال عمر بن الخطاب، من وهب هبة يرجو ثوابها. فهي رد على صاحبها.
أو يثاب عليها. ومن أعطى في حق أو قرابة. أجزنا عطيته وروى عد الرزاق أيضا قال.
أخبرنا سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم قال قال عمر من وهب هبة الذى رحم.
فليس له أن يرجع فيها ومن وهب هنة لغير ذى رحم، فله أن يرجع فيها الا أن بئاب
منها هكذا عزاء الحافظ الزيلعي في نصب الراية لكى وحدته في مصف عد الوراق
مرويا عن ابراهيم فقط ليس فيه عمر وكذلك رواه سعيد بن منصور عن هشيم عن
معيرة عن أبراهيم. فقد وهم الربعلي رحمه الله
237
القبض عندهم،، أن يقبض مفر وزا مقومًا. وهذا كله فيما ينقم فلم
يقبتم، وما لم يكن قبض فهي عندهم عدة، لا تلزم الواهب. وأما ملك فانه
يجيز هبة المشاع اذا قبض الموهوب له جميع الشيء المشاع. وبان به.
وتصح الهبة عنده بالقول وتتم بالقبض . وللموهوب له أن يطالب الواهب
بها. ولو رثته أن يقوموا في ذلك مقامه بعده، فان مات الواهب قبل
قبض الهبة، فهي باطلة حينئذ، لأنهم انزلوها حين وهب ولم يسلم ما
وهب حتى مات على أن الهبة لم تكن في الباطن صحيحة. وإنما هو
كلام تكلم به الواهب لتكون الهبة بيده، كما كانت ، حتى اذا مات
خرجت عن ورثته. فالهبة على هذا باطل. وهو معنى حديث عمر عندهم
الذى رواه ملك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن
عبد القارى : أن عمر بن الخطاب قال . ما بال رجال ينحلون أبناءهم
نحلا ثم يمسكونها. فان مات ابن أحدهم قال : مالى بيدي. لم أعطه
أحدا. وإن مات هو. قال، هو لا بني. قد كنت أعطيته اياه. من نحل
نحلة فلم يحزها الذى نحلها حتى يكون ان مات لورثته فهي باطل.
وقال الشافعي: ليس لأحد أن يرجع في هبته الا الوالد فيما وهب لبنيه.
وليس في الصدقة رجوع. لأنه أريد بها وجه الله عز وجل ، وهبة المشاع
عنده جائزة، والقبض فيها كالقبض في البيوع. والهبة للثواب عنده باطل.
لأنها معاوضة على مجهول . وذلك بيع لا يجوز، ولا معنى عنده للهبة
على الثواب . وهي مزدودة ليست بشيء.
وحجته فيما ذهب اليه من تخصيص الولد بالرجوع في الهبة.
حديث حسين المعلم عن عمر وبن شعيب عن طاوس عن ابن عمر وابن
عباس جميعا، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال ((لا يحل لأحد
238
أن يرجع في هبته الا الوالد » (35) ومن حديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ومن مراسيل
طاوس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ولا تصح الهبة عند الشافعي
لكل أجنبي، ولكل ابن بالغ الا بالقبض على نحو قول العراقيين سواء.
قال محمد بن نصر (36) أبو عبد الله المروزى ، وقد اتفق أبو بكر وعمر
وعثمان وعلى. على أن الهبة لا تجوز الا مقبوضة.
قال أبو عمر :
وللّب عند الشافعي أن يرجع فيما وهب لبنيه، وسواء استحدث
الابن دينا أو نكح أو لم يفعل شيئا من ذلك. فإن كان الا بن صغيرا. في
مذهب الشافعي. فاشهاد أبيه واعلانه بما يعطيه حيازة له . لا يشركه
فيها أحد من ورثة أبيه، أن مات. وهي للصغير أبدا، وأن كبر وبلغ رشيدا.
ولا يحتاج فيها إلى قبض آخر، ومالم يرجع فيها أبوه باشهاد. يبين به
رجوعه في تلك الهبة، فهي للابن، وعلى ملكه فإن رجع فيها الأب
بالقول والاعلان. وعرف ذلك. كان ذلك له. والا فهي للابن وعلى ملكه
على أصل اشهاده بالهبة له. وهو صغير. ولا يضره موته، وهي بيده.
لأنها قد نفذت له، وهو صغير فما لم يرجع فيها الأب بالقول، فهي على
35) رواه الأربعة. بلفظ « لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو بهب هبة فيرجع فيها الا الوالد
فيما يعطي ولده ومثل الذي يعطي العطية ثم برجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع
قاء ثم عاد في قيته، قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن حبان والحاكم ورواه
النسائي وابن ماجه من طريق عامر الأحول عن عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ، لا يرجع في هبته الا الوالد من ولده ، ورواه عبد
الرزاق عن ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طلوس عن النبي صلى الله عليه وسلم .
مرسلا.
3) ما بين القوسين مزيد من ج
239
ذلك الأصل في مذهبه عندى. والله أعلم. وسنذكر قول ملك في ذلك .
بعد هذا ان شاء الله. وقال أبو ثور وأحمد بن حنبل تصح الهبة والصدقة
غير مقبوضة، وسواء كانت الهبة مشاعا أو غير مشاع. والقبض فيهما
عندهما. كالقبض في البيع. وروى عن على بن أبي طالب أن الهبة تجوز
وتصح وان لم تقبض ، من وجه ضعيف لا نحتج بمثله. (37) ولم يختلف
قول أبي ثور في ذلك. في شيء من کتبه.
وأما أحمد بن حنبل فقد اختلف عنه في ذلك. وأصح شيء في
ذلك عن أحمد : أن الهبة والصدقة فيما يكال أو يوزن. لا يصح شيء
منها إلا بالقبض، وما عدا المكيل والموزون. فالهبة صحيحة جائزة بالقول.
وان لم يقبض. وذلك كله اذا قبلها الموهوب له . والمشاع وغير المشاع
في ذلك سواء كالبيع. وقال أبو ثور كل من عدا الأب فليس له أن يرجع
في هبته سواء أراد بها الثواب. أو لم يرد. وحجته في ذلك كحجة
الشافعي : حديث ابن عباس المذكور عن النبي صلى الله عليه وسلم،
قوله ((لا يحل لأحد أن يرجع في هبته الا الوالد)» وهو قول
طاوس والحسن، وأما احمد بن حنبل فقال : لا يحل لواهب أن يرجع
في هبته . ولا لمهد أن يرجع في هديته. وان لم يثب عليها.
واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((العائد في هبته
كالكلب يعود في (38) قيئه)» وهو قول قتادة، قال قتادة : لا أعلم
القىء الا حراما. والجد عند أبي ثور كالأب. وقالت طائفة : يرجع
37) روى عبد الرزاق عن الثوري عن جابر عن القاسم بن عبد الرحمن: أن عليا وابن مسعود
كانا يجيزان الصدقة وان لم تقبض. وكان معاذ بن جبل وشريح لا يجيزانها حتى تقبض.
جابر هو الجعفي. ضعيف جدا.
38) رواه الشيخان من حديث ابن عباس
240