Indexed OCR Text

Pages 181-200

أو رهن لم أفسخه . قال: وكذلك جلود السباع اذا نكيت ، ودبغت،
وهى عندى أخف لموضع الذكاة مع الدباغ ، فان لم تذك جلود
السباع ، فهى كسائر جلود الميتة اذا دبغت .
قال: أشهب : واما جلود السباع اذا ذكيت ولم تدبغ فلا
يجوز بيعها ، ولا ارتهانها ، ولا الانتفاع بشىء منها فى حال ،
ويفسخ البيع فيها والرهن ويؤدب فاعل ذلك الا أن يعذر بجهالة،
لان النبى صلى الله عليه وسلم حرم كل ذى ذاب ( من السباع)
فليست الذكاة فيها ذكاة ، كما أنها ليست فى الخنزير ذكاة .
قال أبو عمر :
قول أشهب هذا ، هو قول أكثر الفقهاء ، وأهل الحديث .
وقال الشافعى : جلود الميتة كلها تطهر بالدباغ ، وكذلك جاد
ما لا يؤكل لحمه اذا دبغ ، الا الكلب ، والخنزير ، فان الذكاة
والدباغ لا يعملان فى جلودهما شيئا .
قال أبو عمر:
ولا تعمل الذكاة عند الشافعى فى جلد ما لا يؤكل لحمه ، وقد
تقدم فى باب اسمعيل بن أبى حكيم اختلاف العلماء فيما يؤكل
لحمه ، وما لا يؤكل من السباع.
وحكى عن أبى حنيفة ان الذكاة عنده عاملة فى السباع ،
والحمر ، لجلودها ولا تعمل الذكاة عنده فى جلد الخنزير شيئا ، ولا
عند أحد من أصحابه .
7) من السباع: م - ب.
- 181 -

وكره الثورى جلود الثعالب ، والهر ، وسائر السباع ، ولم ير
بأسا بجلود الحمير .
قال أبو عمر :
هذا فى الذكاة دون الدباغ ، وأما الدباغ فهو عنده مطهر لجلود
الثعالب ، وغيرها .
وقالت طائفة من أهل العلم : لا يجوز الانتفاع بجلود السباع
لا قبل الدباغ ولا بعده مذبوحة كانت أو ميتة ، وممن قال هذا
القول : الاوزاعى ، وابن المبارك ، واسحق ، وأبو ثور ، ويزيد بن
هرون . واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم انما أباح
الانتفاع بجاد الميتة المدبوغ اذا كان مما يؤكل ( لحمه ) ، لأن
الخطاب الوارد فى ذلك انما خرج على شاة ماتت لبعض ازواج
النبى صلى الله عليه وسلم ؛ فدخل فى ذلك كل ما يؤكل لحمه
وما لم يؤكل لحمه ، فداخل فى عموم تحريم الميتة ؛ واستدلوا
بقول أكثر العلماء فى المنع من جلد الميتة بعد الدباغ ، لأن
الذكاة غير عاملة فيه . قالوا : فكذلك السباع لا تعمل فيها الذكاة
لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكلها، ولا يعمل فيها
الدباغ لانها ميتة ، لم يصح خصوص شىء منها . وزعموا أن قول
من أجاز الانتفاع بجاد الخنزير بعد الدباغ شذوذ لا يعرج عليه .
وحكى اسحق بن منصور الكوسج ، عن النضر بن شميل ، أنه
قال فى قول النبى صلى الله عليه وسلم ايما اهاب دبغ فقد طهر:
انما يقال الاهاب لجلود الابل ، والبقر ، والغنم .
10) لحمه : م ــ ب.
14) الميتة : ب ، الخنزير : م .
- 182 -

وأما السباع فجلود.
قال الكوسج : وقال لى اسحق بن راهويه هو كما قال النضر
ابن شميل . وحجة الآخرين قوله صلى الله عليه وسلم : ايما اهاب
دبغ فقد، فعم الاهب ، فعم الاهب كلها، فكل اهاب داخل تحت هذا
الخطاب الا أن يصح اجماع فى شىء من ذلك فيخرج من الجملة ،
وبالله التوفيق.
أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى ، ويحيى (1) بن عبد
الرحمن ، حدثنا أحمد بن سعيد ، قال : حدثنا محمد بن
أحمد الزراد ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: سألت سحنونا عن لبس
الفراء من القانيات ، وقلت له : انه بلغنى فيها عنك شىء ، وقلت:
انهم ليس يغسلونها ، انما يذبحونها ، فيدبغونها بذلك الدم. قال :
وما ذلك الدم ؟ قال : أليس يسيرا ؟ قلت : بلى . قال : أو ليس
يذهب مع الدباغ ؟ قلت : بلى ، قال : لاباس به ، اذا دبغ الاهاب
فقد طهر .
واختلف الفقهاء فى الدباغ الذى يطهر به جلود الميتة ما هو ؟
فقال أصحاب مالك - وهو المشهور من مذهبه - : كل شىء دبغ به
الجلد من ملح، أو قرظ، أو شب، أو غير ذلك، فقد جاز الانتفاع به.
يحيى : ب ، أحمد: م، والصواب ما فى: م.
(8
(1)
يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود أبو بكر .
يروى عن قاسم بن أصبغ ، وأحمد بن سعيد بن حزم الصدفي ،
وابن أبي دليم محمد ، روى عنه أبو عمر بن عبد البر، وأبو محمد
علي بن أحمد .
(( جدوة المقتبس))
- 183 -

وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه : ان كل شىء دبغ به جلد
الميتة ، فأزال شعره ورائحته ، وذهب بدسمه ونشفه ، فقد
طهره ، وهو بذلك الدباغ طاهر وهو قول داود .
وذكر ابن وهب قال : قال يحيى بن سعيد : ما دبغت
به الجلود من دقيق ، أو قرظ ، أو ملح ، فهو لها طهور .
والشافعى فى هذه المسئلة قولان : أحدهما هذا ، والآخر :
أنه لا يطهره الا الشب ، أو القرظ ، لانه الدباغ
المعهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى خرج عليه
الخطاب ، - ( والله الموفق).
9) والله الموفق : م - ب .
- 184 -

حديث سابع عشر لزيد بن أسلم مسند صحيح
مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن أبى سعيد
الخدرى عن أبى سعيد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: اذا كان أحدكم يصلى ، فلا يدع أحدا يمر بين يديه ، وليدرأه
ما استطاع، نان أبى فليقاتله ، فانما هو شيطان .
قيل : ان عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى يكنى أبا جعفر
توفى سنة اثنتى عشرة ومائة ، وهو ابن سبع وسبعين ( سنة).
وقد ذكرنا أباه فى كتاب الصحابة بما يغنى عن ذكره ها هنا ،
وعبد الرحمن من ثقات التابعين بالمدينة .
هكذا روى هذا الحديث جماعة رواة الموطأ فيما علمت ، وليس
عندهم فى هذا ( الحديث ) عن مالك غير هذا الاسناد ، الا ابن
وهب ، فان عنده فى ذلك عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن
يسار ، عن أبى سعيد الخدرى : أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، قال: اذا كان أحدكم يصلى فلا يدع أحدا يمر بين يديه .
3) أبي سعيد: ب ، أبيه : م .
7) سنة : م - ب .
11) الحديث : م - ب .
(1) رواه الامام مالك فى الموطا فى كتاب الصلاة، فى: التشديد فى أن
يمر أحد بين يدى المصلي، ج: 1 من الزرقاني، ص : 311 .
قال الزرقاني : وهذا الحديث رواه مسلم عن يحيى عن مالك به .
- 185 -

هذا آخر هذا الحديث عنده ، ولم يروه أحد بهذا الاسناد عن
مالك الا ابن وهب .
وعند ابن وهب أيضا عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد
الرحمن بن أبى سعيد، عن أبيه، هذا الحديث المذكور فى هذا الباب
على حسبما ذكرناه .
وحديث عبد الرحمن بن أبى سعيد أشهر .
وحديث عطاء بن يسار معروف أيضا :
حدثنى سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال :
حدثنا اسمعيل بن اسحق القاضى ، قال : حدثنا ابراهيم بن حمزة،
قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن صفوان (1) بن
سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبى سعيد الخدرى : أنه كان
يصلى وبين يديه ابن لمروان بن الحكم ، فضربه ، فقال مروان :
ضربت ابن أخيك ، قال : ما ضربت الا شيطانا ، سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: ان أبى فرده، فان أبى فقاتله،
فانما هو شيطان .
10 - 11) صفوان بن سليمان: ب، صفوان بن سليم: م . والصواب
ما فى : م .
صفوان بن سليم المدني أبو عبد الله ، وقيل أبو الحارث القرشي
(1)
الزهري مولاهم الفقيه .
روى عن ابن عمر، وأنس، وعبد الرحمن بن غنم ، وأبي أمامة بن
سهل ، وعطاء بن يسار ، وجماعة .
وروى عنه زيد بن أسلم وجماعة ، قال ابن سعد : كان ثقة كثير
الحديث ، عابداً .
( ج: 4 من تهذيب التهذيب)
(( أسعاف المبطا برجال الموطأ))
- 186 -

قال أبو عمر :
فى هذا الحديث كراهية المرور بين يدى المصلى اذا كان وحده ،
وصلى الى غير سترة ، وكذلك حكم الامام اذا صلى الى غير سترة.
وأما الماموم ، فلا يضره من مر بين يديه؛ كما أن الامام ،
والمنفرد، لا يضر أحدا منهما ما مر من وراء سترة الامام
وسترة الامام سترة لمن خلفه ، وانما قلنا : إن هذا فى الامام،
وفى المنفرد ، لقوله صلى الله عليه وسلم : اذا كان أحدكم يصلى،
ومعناه عند أهل العلم : يصلى وحده ، بدليل حديث ابن عباس ،
وبذلك قلنا : ان الماموم ليس عليه أن يدفع من يمر بين يديه ، لان
ابن عباس ، قال: اقبلت (1) راكبا على أتان، وأنا
يومئذ قد ناهزت الاحتلام ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم
يصلى بالناس بمنى ، فمررت بين يدى بعض الصف ( فنزلت )
وأرسلت الأتان ترتع ، ودخلت فى الصف ، فلم ينكر ذلك على
أحد .
5) سترة الامام : ب، سترته: م.
10) آتان: م - ب .
12) فنزلت : م - ب .
(1) كتاب الصلاة من سنن أبي داود فى أبواب السترة، ج 1 من مختصر
وشرح وتهذيب السنن، ص: 349، رقم الحديث : 682 .
قال المنذري : وأخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ،
وابن ماجه - ولفظ النسائي، وابن ماجه: ((بعرفة)) وأخرج
مسلم اللفظين .
والمشهور أن هذه القصة كانت فى حجة الوداع، وقد ذكر مسلم
حديث معمر عن الزهري ، وفيه : وقال : فى حجة الوداع ، أو يوم
الفتح ، فلعلها كانت مرّتين والله أعلم . انتهى من اختصار المنذري ،
ورواه مالك فى الموطأ. ج: 1 من شرح الزرقاني، ص : 315 .
- 187 -

وهكذا رواه مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله ، عن ابن
عباس : ألا ترى أنه مر بين يدى بعض الصف ، فلم يدرأه أحد
ولم يدفعه ، ولا أنكر عليه ، فاذا كان الامام أو المنفرد يصليان
الى سترة ، فليس عليه أن يدفع من يمر من وراء سترته ، وهذه
الجملة كلها على ما ذكرت لك لا أعلم بين أهل العلم فيه اختلافا
والآثار الثابتة دالة عليها .
وفى هذا الحديث أيضا دليل على أن العمل فى الصلاة
جائز ، والذى يجوز منه عند العلماء القليل نحو قتل البرغوث، وحك
الجرب وقتل العقرب بما خف من الضرب ما لم تكن المتابعة
والطول ، والمشى الى القوم اذا كان ذلك قريبا، ودرء المار
بين يدى المصلى . وهذا كله ما لم يكثر فان كثر أفسد ، وما علمت
أحدا من العلماء خالف هذه الجملة ، ولا علمت أحدا منهم جعل بين
القليل من العمل الجائز فى الصلاة ، وبين الكثير المنسد لها حدا لا
يتجاوز الا ما تعارفه الناس .
والآثار المرفوعة فى هذا الباب والموقوفة كثيرة ( وقد ذكرنا
من فتل الدم ، وقتل القمل فى الصلاة ، فى باب هشام بن عروة ما
فيه كفاية )
ومن العمل فى الصلاة شىء لا يجوز منه فيها القليل ولا
الكثير، وهو الاكل، والشرب، والكلام ، عمدا فى غير شأن الصلاة،
7) هذا : ب - م .
9) الجرب : ب ، الجسد: م .
10) والطول: ب - م. القوم: ب، الفرج: م.
17-15) ( وقد ذكر من فتل الدم، وقتل القمل فى الصلاة فى باب هشاء
أبن عروة ، ما فيه كفاية ): م - ب .
- 188 -

وكذلك كل ما باينها ، وخالفها من اللهو ، والمعاصى ، وما لم ترد
فيه اباحة قليل ذلك كله وكثيره غير جائز شىء منه فى الصلاة.
وقوله فى الحديث فان أبى فليقاتله ، فالمقاتلة هنا : المدافعة ،
وأظنه كلاما خرج على التغليظ ، ولكل شىء حد ، وأجمعوا : أنه
لا يقاتله بسيف، ولا يخاطبه، ولا يبلغ منه مبلغا تفسد به صلاته،
فيكون فعله ذلك أضر عليه من مرور المار بين يديه ، وما أظن أحدا
بلغ بنفسه اذا جهل ، أو نسى فمر بين يدى المصلى الى أكثر من
الدفع ، وفى اجماعهم على ما ذكرنا ما يبين لك المراد من الحديث .
وقد بلغنى أن عمر بن عبد العزيز فى أكثر ظنى ضمن رجلا
دفع آخر من بين يديه وهو يصلى، فكسر أنفه ـــ دية ما جنى على
أنفه ، وفى ذلك دليل على أنه لم يكن له ان يبلغ ذلك به ، ولان ما
تولد عن المباح فهو معفو عنه .
وقد كان الثورى يدفع المار بين يديه اذا صلى دفعا عنيفا .
وذكر عنه أبو داود انه قال : يمر الرجل يتبختر بين يدى وأنا
أصلى ، فادفعه ؛ ويمر الضعيف ، فلا أمنعه، وهذا كله يدلك على ان
الامر ليس على ظاهره فى هذا الباب .
وذكر ابن القاسم عن مالك ، قال : إذا جاز المار بين يدى
المصلى فلا يرده ، قال : وكذلك لا يرده وهو ساجد .
10) من : ب - م. ولعل الصواب مر .
15) وأمنعه: ب ، فأدفعه: م .
٠
- 189 -

وقال أشهب: اذا مر قدامه فليرده باشارة، ولا يمشى اليه ،
لان مشيه اليه أشد من مروره بين يديه، فان مشى اليه ورده ام
تفسد بذلك صلاته .
قال أبو عمر :
( ان كان مشيا كثيرا ، فسدت صلاته - والله أعلم -).
وانما ينبغى له أن يمنعه ويدرأه ، منعا : لا يشتغل به
عن صلاته فان أبى عليه ، فليدعه يبوء باثمه ، لان الاصل فى مروره
انه لا يقطع على المصلى صلاته :
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن ، قال : حدثنا محمد
ابن بكر بن عبد الرزاق ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنـا
محمد (1) بن العلاء ، قال : أخبرنا أبو أسامة ، عن مجالد،
عن أبى الوداك ، عن أبى سعيد الخدرى ، قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: لا يقطع الصلاة شىء، وادرعوا ما
استطعتم (2). واذا لم يقطع الصلاة شىء فانما هو تغليط على
المار ، ولذلك جاء فيه ما جاء والله أعلم .
5) ( أن كان مشيا كثيرا فسدت صلاته، والله أعلم ) : ب - م .
6) معناه: ب، بمعنى: م . لا يشتغل به: ب، لا يشغله: م.
محمد بن العلاء بن كريب الهمداني أبو كريب الكوفي الحافظ .
(1)
وروى عنه الجماعة وغيرهم .
روى عن عبد الله بن ادريس، وحفص بن غياث وأبي أسامة،
وجماعـة .
ذكره ابن حبان فى الثقات، قال البخاري، وغير واحد: مات
فى جمدى الاخيرة سنة ثمان وأربعين ومائتين .
((ج : 9 من تهذيب التهذيب))
رواه داود فى كتاب الصلاة من سننه وزاد فيه: « فانما هو
شيطان)). ج: 1 من مختصر وشرح وتهذيب السنن، ص : 350
رقم الحديث : 687 .
(2)
- 190 -

وسنذكر اختلاف الناس فيما يقطع الصلاة وما لا يقطعها فى
موضعه من كتابنا هذا ان شاء الله .
والصحيح عندنا أن الصلاة لا يقطعها شىء مما يمر بين يدى
المصلى بوجه من الوجوه ، ولو كان خنزيرا ، وأنما يقطعها ما
يفسدها من الحدث وغيره - ( مما جاءت به الشريعة ).
وأما الحديث بأن الامام سترة لمن خلفه : فحدثنى محمد بن
ابراهيم ، قال : حدثنا أحمد بن مطرف ، قال : حدثنا سعيد بن
عثمان الاعناقى ، قال: حدثنا اسحق بن اسمعيل الايلى ، قال :
حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهرى ، عن عبيد الله بن عبد الله،
عن ابن عباس ، قال: جئت انا والفضل على اتان ورسول الله
صلى الله عليه وسلم يصلى بعرفة فمررنا ببعض الصف ، فنزلنا
عنها ، وتركناها ترتع ، ودخلنا معه فى الصف ، فلم يقل لنا النبى
صلى الله عليه وسلم شيئا (1). فهذا دليل على ان سترة الامام
سترة لمن خلفه . وأوضح من هذا حديث حدثناه خلف بن
القاسم ، قال: حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن ، قال : حدثنا
الحسين بن اسمعيل المحاملى، قال . حدثنا سعيد بن
5) مما جاءت به الشريعة: م - ب .
14) حديث حدثناه : ب ، ما حدثاه : م .
16) الحسين : ب، الحسن: م .
(1) كتاب الصلاة من سنن النسائي، ج: 2 من شرح السيوطي وحاشية
السندي ، ص : 64.
- 191 -

محمد بن تراب الحضرمى ، قال حدثنا خلاد (1) بن
يزيد الارقط ، قال: حدثنا هشام (2) بن الغازى عن نافع ، عن
ابن عمر، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، أو
العصر ، فجاءت بهمة (3) لتمر بين يديه ، فجعل يدرؤها حتى رأيته
ألصق منكبه بالجدار ، فمرت خلفه . ألا ترى أنه كره أن تمر بين
يديه ، ولم يكره أن تمر خلفه .
وهذا الحديث خولف فيه خلاد هنا ، فروى عن هشام بن
الغازى ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبى
صلى الله عليه وسلم . وبهذا الاسناد ذكره أبو داود .
وقد حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن
أصبغ ، قال : حدثنا بكر بن حماد ، قال : حدثنا مسدد ، وحدثنا
بن تراب: ب ، بن أيوب : م .
.(1
خلاد بن يزيد الباهلي البصري ، المعروف بالارقط ، صهر يونس
(1)
ابن حبيب النحوي .
روى عن سفيان الثوريّ ، وهشام بن الغازي ، وعبد الملك بن
أبي عبسة .
وروى عنه الحسن بن علي الخلال ، وطائفة .
وروى الخطيب فى كتاب العلم من طريق أبي زيد عمر بن شبة
قال : حدثني خلاد بن زيد الار قط. وكان من الجبال الرواسي نبلا.
(( ج : 3 من تهذيب التهذيب)»
هشام بن الغازي بن ربيعة الجرشي ، - بضم الجيم - أبو عبد الله
الدمشقي ، نزيل بغداد .
(2)
عن مكحول ، ونافع .
وعنه أسمعيل بن عياش، وغيره .
وثقه ابن معين .
مات سنة ست وخمسين ومائة .
((الخلاصـة »
بهمة - بفتح الباء وسكون الهاء - : ولد الضأن.
(3)
- 192 -

سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا ابن
وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة ، قالا جميعا : حدثنا
عيسى بن يونس عن هشام بن الغازى ، عن عمرو بن شعيب ، عن
أبيه ، عن جده ، قال : اقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
من ثنية (1) أذاخر (2)، فحضرته الصلاة الى جدار فاتخذه قبلة،
ونحن خلفه ، فجاءت بهمة لتمر بين يديه ، فما زال يدرؤها حتى
الصق بطنه بالجدار ، ومرت من ورائه (3). وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يصلى الى سترة فى السفر، والحضر، أن لم
يكن جدار نصب أمامه شيئا، وكان يأمر بذلك صلى الله عليه
وسلم.
والسترة فى الصلاة سنة مسنونة معمول بها .
روى عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر: أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة
فتوضع بين يديه ، فيصلى اليها ، والناس وراءه ، وكان يفعل ذلك
6) بهمة: ب، بهيمة : .
9) يامر : ٢ - ب .
(1) الثنية: اسم لكل فج في جبل يؤدي إلى فضاء ، وقيل لا تسمى ثنية
حتى تكون مسلوكة .
اذاخر - بفتح الهمزة ، وبعدها ذال معجمة مفتوحة ، وخاء معجمة
مكسورة وراء مهملة -: موضع بين مكة والمدينة، وكأنها مسماة
(2)
بجمع الاذخر .
كتاب الصلاة من سنن أبي داود بلفظ: ((هبطنا)) بدل: ((أقبلنا)»
(3)
ج : 1 من مختصر وشرح وتهذيب السنن ، ص : 347 - رقم
الحديث : 676 .
التمهيد ج٤
- 193 -

فى السفر، قال: فمن ثم اتخذها الامراء (1) ، ذكره البخارى
وجميعهم .
وروى شعبة ، عن عون بن أبى جحيفة ، عن أبيه :
أنه شهد النبى صلى الله عليه وسلم صلى بالبطحاء الظهر
والعصر ركعتين ركعتين وبين يديه عنزة ، تمر من ورائها المرأة ،
والحمار (2) وصلى الظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى
شجرة من حديث شعبة أيضا ، عن أبى اسحق ، عن حارثة بن
مضرب ، عن على .
وأخبرئى عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بكر ، قال:
حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا محمد بن كثير العبدى ، قال : حدثنا
اسرائيل، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيدالله
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذا جعلت بين يديك
3) عنه : ب - م .
11) ( عن موسى بن طلحة بن عبيد الله): ب، ( عن موسى بن طلحة عن
أبيه طلحة بن عبيد الله): م .
(1) كتاب الصلاة من صحيح البخاري. ج: 1 من فتح الباري، ص : 382
طـ : الخشاب . 1319 هـ .
وكتاب الصلاة من صحيح مسلم. ج : 2 من شرح الأبي. ص : 217 .
وكتاب الصلاة من سنن أبي داود، ج: 1 من مختصر وشرح وتهذيب
السنن ، ص : 340 - رقم الحديث : 657 .
وأخرجه النسائي ، وابن ماجه .
(2) كتاب الصلاة من صحيح البخاري، ج: 1 من فتح الباري، ص : 383.
وكتاب الصلاة من صحيح مسلم، ج: 2 من شرح الابي، ص : 218 .
وكتاب الصلاة من سنن أبي داود، ج : 1 من مختصر وشرح وتهذيب
السنن ، ص : 340 - رقم الحديث : 658 .
- 194 -

مثل مؤخرة (1) الرحل ، فلا يضرك من مر من بين يديك (2).
وحدثنى محمد بن ابراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ،
قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا العباس بن محمد
الدورى ، قال : حدثنا عبد الله بن يزيد المقرىء ، قال : حدثنا
حيوة بن شريح ، عن أبى الاسود، عن عروة ، عن عائشة ، قالت:
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك عن سترة
المصلى ؟ فقال: مثل مؤخرة الرحل (3).
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدنو من السترة،
رواه سهل بن أبى حثمة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: اذا صلى أحدكم الى سترة ، فليدن منها ، لا يقطع
الشيطان عليه صلاته (4). وهو حديث مختلف فى اسناده،
ولكنه حديث حسن ، ذكره النسائی ، وأبو داود ، وغيرهما
(1) قال النووي : المؤخرة بضم الميم، وكسر المعجمة، وهمزة ساكنة ،
ويقال بفتح الخاء مع فتح الهمزة وتشديد الخاء، ومع اسكان الهمزة
وتخفيف الخاء . ويقال آخرة بهمزة ممدودة وكسر الخاء، فهذه أربع
لغات، وهي العود فى آخر الرحل يستند اليه الراكب من كور البعير،
قدر عظم الذراع :
(2) كتاب الصلاة من سنن أبي داود، ج: 1 من مختصر وشرح وتهذيب
السنن، ص : 339 - رقم الحديث : 656 .
وكتاب الصلاة من صحيح مسلم: ج : 2 من شرح الأبي، ص : 216،
وأخرجه الترمذي ، وابن ماجة .
(3) كتاب الصلاة من صحيح مسلم، ج : 2 من شرح الابي، ص : 217.
(4
كتاب الصلاة من سنن أبي داود، ج: 1 من مختصر وشرح وتهذيب
السنن، ص: 342 - رقم الحديث : 663.
قال المنذري : وأخرجه النسائي، وقال أبو داود واختلف فى اسناده
وقال ابن القيم فى تهذيب السنن : قلت : رجال أسناده رجال مسلم ،
والاختلاف الذي أشار اليه أبو داود هو أنه روى مرفوعا ، وموقوفاً،
ومسندا، ومتصلا انتهى من ص : 342.
__ 195 --

ومقدار الدنو من السترة موجود فى حديث مالك عن نافع ،
عن ابن عمر ، عن بلال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ
صلى بالكعبة جعل عمودا عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة
أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على (1) ستة أعمدة وجعل بينه
وبين الجدار نحوا من ثلاثة أذرع . هكذا رواه ابن القاسم ،
وجماعة عن مالك ، وقد ذكرنا ذلك فى باب نافع ، واليه ذهب
الشافعى ، وأحمد ، وهو قول عطاء .
قال عطاء : أقل ما يكفيك ثلاثة أذرع ، والشافعى ، وأحمد ،
يستحبان ثلاثة أذرع ، ولا يوجبان ذلك .
ولم يحد فيه ( أيضا ) مالك حدا .
وكان عبد الله بن المغفل يجعل بينه ، وبين السترة ستة أذرع.
وقال عكرمة : اذا كان بينك وبين الذى يقطع الصلاة قذفة حجر
لم يقطع الصلاة .
وروى سهل بن سعد الساعدى ، قال : كان بين مقام النبى
صلى الله عليه وسلم، وبين القبلة ممر عنز:
حدثنا عبد الله بن محمد، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال :
حدثنا أبو داود ، قال: حدثنا القعنبى، والنفيلى، قالا جميعا: حدثنا
عبد العزيز بن أبى حازم ، قال : حدثنى أبى ، عن سهل بن سعد،
قال: كان بين مقام النبى صلى الله عليه وسلم وبين القبلة ممر
عنز (2) .
2) اذ : ب . حين : م .
10) أيضا: ب - م .
(1) صحيح البخاري، ج 1 من فتح الباري، ص : 386 .
(2) كتاب الصلاة من سنن أبي داود، ج: 1 من مختصر وشرح وتهذيب
السنن، ص: 343 - رقم الحديث : 664 .
قال المنذري : وأخرجه البخاري، ومسلم، وفيه: ((ممر الشاة)»
- 196 -

قال أبو عمر :
حديث مالك عن نافع ، عن ابن عمر ، عن بلال : أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم جعل بينه وبين الجدار فى الكعبة ثلاثة أفرع
أصح من حديث سهل بن سعد من جهة الاسناد ، وكلاهما حسن.
واما استقبال السترة والصمد لها ، فلا تحديد فى ذلك عند
العلماء ، وحسب المصلى أن تكون سترته قبالة وجهه .
وقد روينا عن المقداد بن الأسود ، قال : ما رأيت رسول
الله (1) صلى الله عليه وسلم صلى الى عود، ولا عمود ، ولا
شجرة ، الا جعله على حاجبه الأيمن ، أو الايسر ، ولا يصمد له
صمدا (2). خرجه أبو داود .
فهذا ما جاء من الآثار التى اجتمع العلماء عليها ، ولا أعلمهم
اختلفوا فى العمل بها ، ولا أنكر أحد منهم شيئا منها ، وان كان
بعضهم قد استحسن شيئا ، واستحسن غيره ما يقرب منه ، وهذا
كله بحمد الله سواء، أو قريب من السواء، - ان شاء الله .
واما صفة السترة ، وقدرها فى ارتفاعها وغلظها ، فقد اختلف
العلماء فى ذلك :
12) اجتمع : ب ، مول : م .
(1) رواه أبو داود فى كتاب الصلاة. ج: 1 من مختصر وشرح وتهذيب
السنن، ص: 341 - رقم الحديث : 661 .
قال المنذري فى الاختصار : فى اسناده أبو عبيدة الوليد بن كامل
البجلي الشامي وفيه مقال .
(2) الصمد بفتح الصاد وسكون الميم : القصد ، يريد : الا يجعله تلقاء
وجهه .
- 197 -

فقال مالك : أقل ما يجزىء فى السترة غلظ الرمح ، وكذلك
السوط ، والعصا، وارتفاعها قدر عظم الذراع، هذا أقل ما يجزىء
عنده ، وهو قول الشافعى فى ذلك كله .
وقال الثورى ، وأبو حنيفة، وأصحابه: أقل السترة تدر مؤخرة
الرحل ، ويكون ارتفاعها على ظهر الأرض ذراعا وهو قول عطاء.
وقال قتادة : ذراع وشبر .
وقال الاوزاعى : قدر مؤخرة الرحل ، ولم يحد ذراعا ، ولا
عظم ذراع ، ولا غير ذاك ، وقال : يجزىء السهم ، والسوط ،
والسيف ؛ يعنى فى الغلظ واختلفوا فيما يعرض ، ولا ينصب، وفى
الخط ، فكل من ذكرنا قوله أنه لا يجزىء عنده أقل من عظم
الذراع ، أو أقل من ذراع ، لا يجيز الخط ، ولا ان يعرض العصا،
والعود فى الارض فيصلى اليها وهم: مالك، والليث ، وأبو حنيفة،
وأصحابه كلهم يقول : الخط ليس بشىء، وهو باطل ، ولا يجوز
عند واحد منهم الا ما ذكرنا، وهو قول ابراهيم النخعى ، وقال
أحمد بن حنبل ، وأبو ثور : اذا لم يجعل تلقاء وجهه شيئا ، ولم
يجد عصا ينصبها ، فليخط خطا ، وكذلك قال الشافعى بالعراق .
وقال الأوزاعى : اذا لم (يكن) ينتصب له عرضه بين يديه ،
وصلى اليه ، فان لم يجد خط خطا ، وهو قول سعيد بن جبير ،
قال الأوزاعى: والسوط يعرضه أحب الى من الخط .
وقال الشافعى بمصر: لا يخط ( الرجل ) بين يديه خطا الا أن
يكون فى ذلك حديث ثابت فيتبع .
117 كين : ب - م.
19) بعرضه أحب الي، يعرضه: ب، (والسوط بعرضه أحب إلي من
الخطـ) : ؟
20) الرجل : ب- م.
- 198 -

قال أبو عمر !
احتج من ذهب الى الخط بما أخبرناه عبد الله بن محمد ، قال :
حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا سليمان بن الاشعث ، قال :
حدثنا مسدد ، قال : حدثنا بشر بن المفضل ، قال : حدثنا اسمعيل
ابن أمية ، قال : حدثنى أبو عمرو (1) بن محمد بن حريث
أنه سمع جده حريثا (2) يحدث عن أبى هريرة : أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: اذا صلى أحدكم فليجعل
تلقاء وجهه شيئا ، فان لم يجد نلينصب عصاه ، فان لم يكن معه
عصا فليخط خطا ، ولا يضره من مر بين يديه (3).
وهذا الحديث عند أحمد بن حنبل ، ومن قال بقوله ، (حديث)
صحيح، واليه ذهبوا ، ورأيت ان على بن المدينى كان يصحح
هذا الحديث ، ويحتج به .
10) حديث : ٢ - ب .
أبو عمرو بن محمد بن حريث وقيل أبو محمد بن عمرو بن حريث
(1)
العذري . روى عن جده عن أبي هريرة فى سترة المصلي . وعنه
اسمعيل بن أمية .
(ج : 12 من تهذيب التهذيب))
حريث رجل من بني عذرة يقال : ابن سليم ، ويقال : ابن سليمان،
ويقال : ابن عمار، روى عن أبي هريرة حديث الخط أمام المصلي،
وهو حديث تفرد به اسمعيل بن أمية .
(2)
(( ج : 2 من تهذيب التهذيب))
٠
(3)
كتاب الصلاة من سنن أبي داود، ج: 1 من مختصر وشرح
وتهذيب السنن ، ص : 340 - رقم الحديث : 659 .
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجة، قال سفيان - وهو ابن عيينة -
لم نجد شيئًا نشد به هذا الحديث ، ولم يجىء الا من هذا الوجه ،
وكان اسماعيل بن أمية اذا حدث بهذا الحديث يقول : عندكم شيء
تشدونه به ؟ وقد أشار الشافعي الى ضعفه، وقال أبو بكر
البيهقي : ولا بأس به فى مثل هذا الحكم ان شاء الله تعالى هـ .
- 199 -

وقال أبو جعفر الطحاوى اذ ذكر هذا الحديث : أبو عمرو بن
محمد بن حريث ، هذا مجهول ، وجده أيضا مجهول ، ليس لهما
ذكر فى غير هذا الحديث ، ولا يحتج بمثل هذا ( من ) الحديث .
واختلف القائلون بالخط فى هيئة الخط ، فقالت ( منهم ) طائفة
يكون عرضا منهم : الاوزاعى .
وقالت طائفة يكون طولا كالعصا ( يقيمها )، منهم عبد
الله بن داود الخريبى .
وقالت طائفة يكون كالهلال والمحراب، منهم أحمد بن حنبل.
مسن : م - ب .
(3
منهـم : م - ب .
يقيمها : م - ب .
6 - 7) عبيد الله بن داود : ب، عبد الله بن داود الخريبي: م. وهو
الصواب .
- 200 -